الترامبية: دروس وعبر

فالح مهدي
2021 / 1 / 14

جاء رجل الأعمال دونالد ترامب في حملته من اجل الحصول على منصب رئيس الجمهورية عام 2016 بشعار برّاقب ( أمريكا عظيمة مرة اخرىAmerica Great Again) . بعد اربع سنوات من حكم هذا الرجل الشديد النرجسية والاضطراب ـ لم تكن أمريكا أكثر سوءاً في تاريخها إلا في حكمه ، الذي تميز باستراتيجية قائمة على نشر الفوضى في كل مكان .
في المقال الذي نشرته قبل يومين وهو في معظمه ترجمة لمقال للاقتصادي الفرنس توما بيكتي، اعترض أحد الأخوة وعلق من ان الكابيتول انتهك وتم غزوه أكثر من مرة. نعم هذا الكلام صحيح انما فات السيد المحترم ان من حرض على ذلك الفعل وهيّج الغوغاء هو رئيس الولايات المتحدة! هذا الفعل الذي يصفه أستاذ العلوم السياسة في جامعة هارفرد، دانيل زيبلات Daniel Ziblatt بانقلاب وعمل إرهابي (راجع المقابلة مع في جريدة اللموند قي 12-01-2021)، لم يحصل البتة في تاريخ هذا البلد. اليمين المتطرف كان حاضراً بقوة في ذلك العمل الإرهابي، كما حصل في المانيا في ثلاثينات القرن الفائت وهتلر الذي جاء عبر صناديق الاقتراح، كان الأول في احتقار النظام الذي جاء به الى السلطة وشهدت إيطاليا وفي نفس الفترة الحكم الفاشي.
قضى هذا الرجل النرجسي المتهرئ الضمير أربع سنوات، أصبحت أمريكا الأكثر ضعفاً بل لم يهن رئيس امريكي بلده كما فعل هو. كان ينوي القيام بانقلاب على مؤسسات بلده، وترك خلفه بلداً أكثر انقساماً ونشطت فيه جماعات اليمين التطرف على نحو لم يسبقه اليه احداُ.
لقد تمكن عبر الكذب والتلفيق من قيادة مجموعات خطيرة. والعجيب هو قدرته على اتهام وسائل الاعلام المرئية والمقروءة بالكذب والتلفيق، اذ كان يكرر ودون هوادة هذه العبارة ( fake news)!
ودون خجل لجأ الى الشعار التالي في حملته الانتخابية في عام 2020( حافظ على أمريكيا عظيمة Keep America Great ). ليس هناك من كذب وتلفيق كما فعل ترامب. فلكي تحافظ على أمريكا قوية، يجب ان تقوم بإعادة عظمتها اولاً . ما قام به خلال سنوات حكمة هو إهانة بلده واهانة ذاته المشتتة.
جماعات اليمين المتطرف الامريكية التي أطلقت عليها جريدة وول ستريت جورنال عبارة غوغاء (the mob)، هي من دعمت ترامب. بل لم يتوان كبار رجال الاعمال في هذا البلد بعد ان اتضحت لهم الصورة من اعتبار ترامب ذا نزعات فاشية.
ولم تكن سياسته الخارجية بأفضل مما فعل في الداخل ولم يشهد القانون الدولي والإنساني انتهاكاً كما تم في عهده. ولم ينجح في أي من مشاريعه العنترية إلا مع دول الخليج حيث اقامت علاقات مع إسرائيل، تلك العلاقات تمثل طعنة في ظهر الفلسطينيين وكل الشرفاء في العالم.
أول الدروس والعبر ستكون امام إدارة الديمقراطي بايدن تتمثل بمعالجة الوضع الداخلي المتفجر، فقد ترك ترامب خلفه ما يقارب الأربعمائة ألف امريكي ماتوا بسبب اهمال إدارته لأخذ الأمر بجدية (معظم من مات من الفقراء!) ومن ثم تفاقمت البطالة، إضافة الى حضور فعال ليمين متطرف خطير على مستقبل أمريكا والعالم ، فمهمته عسيرة، انما ومع عسر وصعوبة مهمته ، أختار في طاقمه خبراء من الطراز الأول .
وإذا اختصرت الكلام عن السياسة الخارجية فنجده اختار ثلاث شخصيات لها خبرات واسعة في السياسية الخارجية وهؤلاء الثلاث خدموا في إدارة أوباما. قيامه بتعين وليام بيرنس على رأس المخابرات المركزية وهو بعيد عن هدا العالم وخبير في السياسة الخارجية وكان من كبار المفاوضين في الملف الإيراني مع زميليه انتوني بلنكن الذي سيكون وزيرا الخارجية، وجاك سيليفان مستشار الامن القومي ، يشير الى ان إدارة بايدن ترغب بطي صفحة ترامب واوباما مع ان جو بايدن وهؤلاء السادة الثلاثة عملوا فيها. سياسة أوباما تمثلت بالانطواء وإخراج الولايات المتحدة من النزاعات العالمية.
في المقال الذي نشره في مجلة أتلانتيك في الصيف الماضي⁎ ، عبّر وليام بيرنس باعتباره من النخبة التي يطلق عليها think- tank ، عن تصوراته المستقبلية، فأعطى صورة عن السياسة الامريكية بعد حقبة ترامب بثلاث نقاط: الانطواء، الترميم ، والابداع .أعترف في مقاله ذاك بوجود نقاط انطواء في سياسة أوباما الخارجية في الصراعات التي لا تنتهي في الشرق الأوسط، انما هذه الحقيقة تصطدم بحقيقة الأرض أي حقيقة هذه المنطقة، فأن لم تقم الولايات المتحدة بدورها ، فليس هناك من سيقوم بهذا الدور؟ اما الترميم فيتمثل بالعودة الى القوة الكلاسيكية (هكذا أطلق عليها) وبقيادة وأمريكية متخلية عن الشعور بالدنب. وفي هده النقطة يرفض ويضع جانباً مفهوم الانحطاط الأمريكي وهدا يتطلب من الامريكان الحضور الفعال كشعب في مواجهة التنافس مع الصين والذي لا نهاية له. أما الابداع فيتمثل بتشكيل حلف عالمي لا سيما اوربي (الثلاثة كلهم توجهاتهم وثقافتهم اوربية بل ان وزير الخارجية القادم يتكلم الفرنسية كاي فرنسي والسبب هو انه درس وحتى الثانوية في المدارس الفرنسية، فأمه كانت متزوجة من فرنسي). ليس من السهولة الجمع بين تلك المبادئ الثلاثة في أمريكا مقسمة، انما قام بايدن بخطوة كبيرة وذلك باعتماده على كوادر لها خبرات طويلة في عالم الاقتصاد والسياسة الخارجية. لذا وعلى ضوء ذلك المقال الذي كتبه وليام بيرنس والذي سيكون مدير وكالة الاستخبارات الامريكية في الأسبوع القادم، ليست هناك عودة لسياسة أوباما وترامب المتمثلة بالانطواء على الذات وشعار أمريكا اولا (وهو الشعار الاخر الذي كان يردده ترامب) ، سيصبح في حكم المنتهي .
في تصريح لدبلوماسي صيني متقاعد قال فيه (الأفضل للصين بقاء ترامب). ستكون العلاقات الخارجية الامريكية خاضعة للعقل وليس للفعل النرجسي والغريزي الذي طبقه ترامب وفي تقديري ستواجه إيران تحديات أصعب مما كانت عليه في زمن ترامب، الذي جاء كمهرج ونجح نجاحاً باهراً واراد ان يكون ساحرا وذلك بالانقلاب على المؤسسات التي جاءت به، انما كانت تلك المؤسسات اقوى وابرع واذكى منه .
ـ⁎William j .Burns : ‘America First’ Enters Its moste Combustible Moment,Atlantic, 29/8/2020.