انصار ترامب وأعداؤه: تفجر تناقضات المسألة الأوربية

حاتم الجوهرى
2021 / 1 / 14

إذا كان البعض يظن أن الخوف من أنصار ترامب فقط، فربما جانبه بعض الصواب أو كثيره ونحن على أعتاب تنصيب بايدن، لأنه على المستوى النخبوي الظاهر قد يبدو الصراع بين الديمقراطيين والجمهوريين، لكن على المستوى الشعبي الكامن الصراع بين كتلة العنصرية السائدة الجرمانية أو الأنجلو ساكسون (الحاكمة في المسألة الأوربية التاريخية) وبين كتلة العنصرية المهمشة أو السود/ اللاتينيين/ الآسيويين/ العرب والمسلمين (كأثر جانبي للمسألة الأوربية التاريخية نفسها).
ذلك أن "المسألة الأوربية" التاريخية بمتلازماتها والعُقد التي صاحبتها، كانت على عكس ما تُشيع، تميل للثنائيات الحدية المتناقضة دوما، وتفتقد للتجاور في حقيقة الأمر ومتنوها الحاكمة.
وأقصد أن مكمن الخوف هنا لا يرجع كسبب وحيد، لتشكل كتلة موالية للتطرف والتعالي العنصري كإحدى متلازمات "المسألة الأوربية" التي صاحبتها، إنما يرجع لتشكل كتلة مضادة رد فعل له، متراكمة كامنة. وينتظر الطرفان الشرارة، وهذه الكتلة الأخيرة هي ضحية لـ"علاقات الهوية" وتراتباتها التي ارتبطت بـ"المسألة الأوربية" وأفكارها المركزية ومفصليتها الثقافية.
خطورة المشهد الحالي سواء بعد رحيل ترامب أو في الأسبوع المتبقي له كرئيس لأمريكا، هو حضور الكتلة المضادة الكامنة والمهمشة جراء "المسألة الأوربية" في أمريكا، لتتواجه مع الكتلة الداعمة والمؤمنة بمتلازمات "المسألة الأوربية"، التي فجر ترامب مساحات التعايش بينهما، وأبرز "التناقضات الكامنة" فيها بشدة، التي كانت متوارية في ظل سياسات الحقوق الفردية والضمانات الاجتماعية.
الخطورة هو أن يتواجه أنصار ترامب وأعداؤه بشكل شعبوي قد كسر حاجزه الفريقان خلال الفترة الماضية، الكتلة المضادة لـ "المسألة الأوربية" وصلت لذروتها مع احتجاجات السود في أمريكا التي تحولت لأعمال شغب ومواجهات، ترفض "التراتبات الاجتماعية" التي نشأت عن "علاقات الهوية" التي أسستها "المسألة الأوربية" ومتلازماتها، رافضة النظام الاجتماعي العنصري وذلك خاصة مع أعمال السلب والنهب وإزاحة التماثيل من الميادين التي تعبر عن رموز "المسألة الأوربية" وعنصريتها بذهنيتها الجرمانية البرية.
على الجهة الأخرى رد أنصار ترامب المتشبعين بتعالي "المسألة الأوربية" الجرماني الأصل، بحادثة اقتحام مبنى الكابيتول في الأسبوع الأول من عام 2021م وقبل الإعلان الرسمي عن نجاح بايدن، وتسلمه للسلطة في 20يناير من العام نفسه.
المعضلة أو "المسألة" الحقيقية أن "المسألة الأوربية" أو الغربية عموما في تمثلها الأمريكي، وصلت إلى مساحة العجز عن "تجاوز" المتلازمات التاريخية التي صحبتها، سواء في تصوراتها النخبوية للحلول التي تدور حول "ثنائية متعارضة" أساسية بين المادية الليبرالية الواقعية المشوهة أو المادية الماركسية المثالية الزائفة، أو في مركزية الإحساس بالتعالي العنصري البدائي الذي قدمه العنصر الجرماني لـ"المسألة الأوربية" في تمثلات متعددة، باعتبار العنصر الجرماني هو المركز في الموجة الحضارية الأوربية/ الغربية الثالثة الحالية (بعد الموجتين اليونانية والرومانية).
الخطورة هي أن المجتمع الأمريكي ينتشر فيه حمل السلاح وامتلاكه بشكل قانوني، والفصيلان طرفي النقيض في المشهد الحالي لـ"المسألة الأوربية" في أمريكا، قد يكون في حسبان كل منهما تطور المواجهة بالأسلحة، لنشهد مستويا جديدا وخطيرا من التفكك.
ربما تحتاج الحالة الغربية إلى بعض التدخلات الخارجية لتخفف من حدة "تفجر التناقضات" بها، في الظرفية المرحلية لتفكك "المسألة الأوربية"، قبل أن تعبر الحالة البشرية عموما إلى "ما يعد المسألة الأوربية"، وأقصد هنا أن سُنة التاريخ تقول بإن كل تجربة بشرية لها صلاحية معينة في قدرتها على البقاء، قبل أن تتفككك وتظهر تجربة جديدة تحل محلها وتجدد الدماء في الظاهرة الإنسانية.
لذا فوفق القراءة التاريخية تلك؛ "المسألة الأوربية" وسيادتها على العالم تلفظ أنفاسها الأخيرة، والمحاولات التي قد تجري معها هي من أجل التخفيف من وطأة ظهور التناقضات بها وتفجرها بشدة، تمهيدا لظهور "ما بعد المسألة الأوربية" التي قد يقبع فيها عنصران، عنصر أول يمثل "مفصلية ثقافية" كامنة تقدمها الذات العربية بثوراتها الجديدة التي تجاوزت شعارات اليمين واليسار، والعنصر الثاني يمثله "التراكم الحضاري" الصيني رغم ما تدعيه طبقته السياسية المسيطرة عن الانتماء لـ"المسألة الأوربية"، والانتصار للنقيض الماركسي على حساب النقيض الليبرالي.
الذي يمكن تقديمه للحالة الأوربية/ الغربية في مرحلة تفككها تلك هو مجموعة مرحلية من مقاربات أو "دراسات ما بعد المسألة الأوربية"، في محاولة لوضع البعض الضوء أمام الحالة الغربية وهي في طريقها للتحلل والتفكك، أقصد محاولة تقديم مرجعيات ثقافية أخرى تتجاوز عقد "المسألة الأوربية"، رغم أن ذلك سيكون من الصعب قبل تفسخها وتحللها النهائي، لكنها ستكون محاولة إنسانية على أية حال.
لكن من جهة مقابلة هناك إشارة صغيرة تُوجه لتيار "الاستلاب العربي" للآخر الغربي، ولمتلازماته الثقافية مع "المسألة الأوربية"، حيث مازل هناك البعض الذي يتغنى بآليات الديمقراطية الليبرالية والضمانات الاجتماعية والحقوق الفردية ويحاجج بها، رغم كل المتغيرات في المشهد الإقليمي والعالمي.
ينظر هؤلاء للوجود الإنساني من زاوية ضيقة عادة ما يكون بسبب سياق تاريخي خاص أو عام مروا به، وأصبحوا رد فعل له فيما يشبه "المتلازمة النفسية"، ينظر هؤلاء للديمقراطية الليبرالية وضماناتها الاجتماعية والاقتصادية، على أنها مبرر لتجاهل السياسات الخارجية القائمة على القتل والعنصرية والاستغلال والتعالي كمتلازمات لـ"المسألة الأوربية"!
يقبل هؤلاء بالنموذج الإنساني الذي يمنح الفرد حقوقا شخصية وضمانات ما، وفي الوقت نفسه يمارس النموذج الإنساني نفسه بشكل كلي سياسات القتل والعنصرية والاستعداء في مقارباته الخارجية، كما يفعل النموذج الأمريكي حاليا الذي هو ذروة تناقضات "المسألة الأوربية".
ما جدوي أن يمارس الفرد حرية شخصية وضمانة اجتماعية واقتصادية لنظام اجتماعي وإنساني، وفر هذه الحريات مع سياسات خارجية وعامة تقوم على العنصرية والقتل والنظرة الدونية للآخرين؟ كما هو كامن في "الذهنية الجرمانية" التي تعد أمريكا أحد مستعمراتها، باعتبار أن بريطانيا الأنجلو ساكسونية (الجرمانية) هي التي أسستها.
يذكرني نموذج هؤلاء عن مدح "القاتل الديموقراطي" ونط حياته المرفه والحقوقي في النموذج الليبرالي المادي الواقعي المشوه، بنقيضه في النموذج المادي الماركسي المثالي الزائف، خاصة مع مفهوم "الاحتلال التقدمي"، الذي قدمه اليسار اليهودي الروسي في مشروع "الصهيونية الماركسية" لاحتلال فلسطين، بحجة أن أهلها يفتقدون للوعي الطبقي المثالي الزائف، وانه قادمون لهم لهدايتهم لذلك الوعي المادي المثالي باسم "الاحتلال التقدمي".
اللحظة التاريخية الراهنة ليست في حاجة لرديف "المسألة الأوربية" وتابعيها في العالم أجمع ومنهم العالم العربي، اللحظة الراهنة في حاجة لتصورات ومقاربات جديدة يصح أن نسميها "دراسات ما بعد المسألة الأوربية"، محاولين تلمس الطرق لحياة الوجود البشري فيما بعد "المسألة الأوربية".
ذلك رغم أن "التراتبات الاجتماعية" التي قامت على "علاقات الهوية" وآثارها التابعة لـ"المسألة الأوربية"، قد ترفض أي أفكار ومقاربات جديدة طالما هي قائمة بصورتها الحالية، ولن تقبل بالتغيير قبل ان تتيقن من الفشل وانسداد الطريق، كطبع وسمة بشرية دائمة أبدية.
لكن على أى حال، وفي سمة أبدية أخرى، على دعاة "المثل الإنسانية العليا" كما في كل وقت أي يقدموا تصورات تقوم على تجاوز العُقد والمتلازمات التي صاحب "المسألة الأوربية" في دورة سيادتها، التي اسهلكت صلاحيتها بالفعل، سواء طالت المدة أو قصرت.
ويبقى الإنساني في الظاهرة البشرية وقدرتها على التجدد والتجاوز، والتهدئة من مساحات العنصرية والتعالي وتبريرهما برطانات متعددة مع "المسألة الأوربية"، كمسارات محتملة لما قد يصير عليه العالم فيما بعد "المسألة الأوربية" ومقارباتها، بين فصيلين متناقضين يحتشد كل منهما ويكمن للآخر بشدة في أمريكا، التي عبرت عن ذروة نموذج "المسألة الأوربية"، لكنها ستكون أيضا موضع تفككه وتحلله.