التعذيب ومشروع قانون مناهضة التعذيب في العراق

صبحي مبارك مال الله
2021 / 1 / 14

يوجد تاريخ طويل للتعذيب في العراق، إمتداداً لتأريخ التعذيب في العصور والعهود الماضية في العالم ، كما تطورت أساليب التعذيب وأدواتها من إجل الحصول على المعلومة المطلوبة من آلاف السجناء والموقوفين والمحتجزين وهذا التنوع يوجد في شكل ومضمون التعذيب حيث يأتي تبعاً للإنظمة والحكومات وعلى مختلف المستويات السياسية والدينية والمدنية والإجتماعية لأجل إستهداف الإنسان الذي يمتلك جزء من الوعي أو يمتلك شجاعة الإعتراض على الأوضاع السائدة التي تتميز بالإستبداد والظلم وإنعدام حرية التعبير و الإنسان الذي يقول (لا) للحاكم يتلقى شتى أصناف التعذيب الدامية. كما يتبع أسلوب التعذيب أنظمة التشكيلات الاجتماعية -الاقتصادية التي تميزت بالصراع الطبقي حيث نلاحظ في القلاع الإقطاعية في أوربا أقبية ودهاليز تظم تنوع رهيب من أدوات التعذيب، قسم يخص الطبقة الأعلى كالأمراء المتهمين بالتآمرعلى السلطة السياسية والقسم الآخر يخص أبناء العامة والرعاع كما يسمونهم. وكانت أبرز وثيقة عالمية صدرت من الأمم المتحدة هي وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية وهي وثيقة تأريخية هامة في تأريخ حقوق الإنسان صاغه ممثلون من مختلف الخلفيات القانونية والثقافية من جميع إنحاء العالم . اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في باريس في العاشر من كانون الأول /ديسمبر 1948بموجب القرار 217 الف ....وقد ذكرت الوثيقة الديباجة ومن ثم المواد حيث أحتوت الوثيقة 30 مادة. وقد ذكرت المادة 5 بأنه لآيجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أواللاإنسانية أو الحاطًّة للكرامة . والمادة 6 : تؤكد بأن لكل إنسان في كل مكان بأن يعترف له بالشخصية القانونية. والمادة 9: لايجوز إعتقال إنسان أو حجزُه أو نفيه تعسفاً. والمادة 10 :لكل إنسان، على قدم المساواة في أن تنظر قضيته محكمة مستقلة ومحايدة ، نظراً مُنصفاً وعلنياً للفصل في حقوقه وإلتزاماته وفي أية تهمة جزائية توجه إليه.وبعد ذلك صدر من الأمم المتحدة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية السياسية سنة 1966 ، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والإجتماعية والثقافية 1966 لقد تمًّ التصديق على الوثيقتين تحت أسم لائحة الحقوق الدولية سنة 1976 .
التعذيب :-حسب تعريف ويكيبيديا هو مصطلح عام يُستعمل لوصف أي عمل يُنزل آلاماً جسدية أو نفسية بإنسان ما وبصورة متعمدة ومنظمة كوسيلة من وسائل إستخراج المعلومات أو الحصول على اعتراف أو لغرض التخويف والترهيب أو كشكل من أشكال العقوبة أو وسيلة للسيطرة على مجموعة معينة تشكل خطراً على السلطة المركزية، ويستعمل التعذيب لأغراض أخرى كفرض مجموعة من القيم والمعتقدات التي تعتبرها الجهة المُعذبة قيمًّاً أخلاقية.
يعتبر التعذيب بكافة أنواعه منافياً للمبادئ لحقوق الإنسان التي تم الإعلان عنها في 10 ديسمبر 1948 .في عام 1987م تم تشكيل لجنة مراقبة ومنع التعذيب في الدول التابعة للأمم المتحدة والتي تضم في عضويتها 141دولة وبالرغم من توقيع العديد من الدول على هذه الإتفاقيات إلا إن توقعات منظمة العفو الدولية تشير إلى إن معظم الدول لاتلتزم بتطبيق البنود الواردة في المعاهدات وتحاول بعض الدول التي تمارس التعذيب حرف معنى التعذيب وإستعمال تعبير (سوء المعاملة ) أو (التعسف) أو (التجاوزات) في حين كلمة (التعذيب) تشير إلى شخص يحاول عبر كل الوسائل إنتزاع المعلومات. من جهة أخرى فأن تعريف كلمة التعذيب كما ورد في المادة الأولى من إتفاقية مناهضة التعذيب هو :- " الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أياً كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية "
إتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية او اللاإنسانية أو المهينة ، إعتمدتها الجمعية للأمم المتحدة وفتحت باب التوقيع والتصديق عليها والإنضمام أليها في القرار 39/46 المؤرخ في 10 كانون الأول /ديسمبر 1984 تأريخ بدء النفاذ 26 حزيران /يونية 1987 وفقاً للمادة 27 ولهذا ترى الدول الأعضاء في هذه الإتفاقية الإعتراف بالحقوق المتساوية وغير القلبلة للتصرف، لجميع أعضاء الأسرة البشرية وفقاً للمبادئ المعلنة في ميثاق الأمم المتحدة، أساس الحرية والعدل والسلم في العالم وأذ تدرك ان هذه الحقوق تستمد من الكرامة المتأصلة للإنسان . وأذ تضع في إعتبارها الواجب الذي يقع على عاتق الدول بمقتضى الميثاق وبخاصة بموجب المادة 55 منه، بتعزيز إحترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، ومراعاتها على مستوى العالم، ومراعاة منها المادة 5 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 7 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وكلتاهما تنص على عدم جواز تعرض أحد للتعذيب أو المعاملة السيئة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة ، ومراعاة منها أيضاً لاعلان حماية جميع الأشخاص من التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، الذي أعتمدته الجمعية العامة في 9كانون الأول /ديسمبر 1975.تحتوي الإتفاقية 33مادة. وبعد 26من يونيو /حزيران جرى تكريم هذه الإتفاقية بتحديد اليوم العالمي لمناهضة التعذيب وإعتباراً من سبتمبر 2015، فأن 158 دولة قامت بالتصديق على الإتفاقية .العراق أصدر قانون انضمام جمهورية العراق إلى إتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ظروف المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاانسانية أو المهينة رقم 30لسنة 2008 وبالرغم من إنضمام العراق إلى الإتفاقية وشرع قانون بذلك إلا أنه لم يلتزم بما جاء في الإتفاقية وإستمرت أساليب التعذيب لإنتزاع الإعترافات والتوقيع على أوراق مجهزة مسبقاً بأن يعترف المتهم على نفسه ورفاقه تحت التعذيب البشع الذي تمارسه الأجهزة الأمنية والمليشات والدوائر الأمنية السرًّية وإستخدام أساليب الإختفاء القسري وهذا بدأ مع خروج التظاهرات إحتجاجاً على الطبقة السياسية الدينية منذ عام 2011 م . تصاعدت المخالفات بعد إنطلاق إنتفاضة تشرين المجيدة عام 2019 وبعد أن قدمّ الشعب شهداء مقابل بعض المطالب البسيطة حيث كان العدد تجاوز ال700 شهيد وأكثر من عشرين ألف جريح .
لقد أصبح العراق ملزماً بعد إنضمامه إلى إتفاقية مناهضة التعذيب الدولية، أن يشرًّع قانون مناهضة التعذيب على المستوى الوطني وأن تلتزم به السلطات التنفيذية والدوائر الأمنية والدوائر الحقوقية -المحققين وغيرهم بتنفيذ حرمان التعذيب بأي شكل ومعاقبة الأشخاص الممارسين للتعذيب والمسؤولين عنها .لقد تمت القراءة الأولى لمقترح من لجنة حقوق الإنسان البرلمانية قبل سنة، وتأتي القراءة الثانية بعد مرور سنة ولازال القانون قيد التشريع والمناقشات كما جرى في جلسة مجلس النواب المرقمة 32 بتأريخ 19/12/2020 كما لاحظنا من خلال مجريات أعمال الجلسة هناك من أعترض أساساً على المقترح، ولايتفق مع تشريع قانون خاص بتحريم التعذيب بإعتبار فقراته موزعة بين القوانين الأخرى وإلا كيف يفبركون الإعترافات تحت التعذيب وإتهام الأبرياء بدون أي أدلة وكما سمعنا العديد من الأمثلة شخص ينتزعون منه الإعتراف وتأليف معلومات مزيفة ثم يقدًّم إلى المحكمة وتثبت براءته فمن الذي يتحمل الضرر الذي أصاب المواطن البرئ ومنهم يقضون محكوميتهم يجدون المجتمع قد أغلق الأبواب أمامهم بدون مصدر عيش ولا وظيفة.وغيرها من عشرات ومئات الأمثلة .
لقد لوحظ بأن مشروعي القانونين ، مناهضة التعذيب ، وحماية الأشخاص من الإختفاء القسري لاينطبقان مع المعايير الدولية وبما إن المشروعين قيد نظر مجلس النواب، فالتعذيب والإختفاء القسري مستمران وعلى نطاق واسع في البلاد حيث يمارسان بإنتظام من قبل السلطات التنفيذية الأمنية والمليشيات. والخلاصة بأن مشاريع القوانين التي تمس حقوق الشعب والحقوق الأساسية للإنسان تدور في حلقة التأخير والجدل والمناقشات المطولة لغرض التسويف والمماطلة ونتيجة ذلك حصل الإستقواء على القوانين وعدم الإمتثال أو الإستجابة لسلطة القانون مما أدى ذلك إلى إنتشار الجرائم والإعتداء على حقوق الناس . مما زاد في إنتشار السلاح المنفلت والنهب المستمر لأموال الشعب تحت مظلة الفساد ،وإنتشار الجريمة المنظمة وغير المنظمة. كما إن ضغط الجماهير المنتفضة مستمر على حكومة الكاظمي والطبقة السياسية والمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين والكشف عن قتلة المتظاهرين. إلا ذلك لم يتحقق لأن المحاولات مستمرة من أجل أن تكون المليشيات متفوقة على قوة الجيش مما يشير إلى إختلال ميزان القوى.