بلد غنيّ و شعب فقير و حكام (مْخانب) 2/2

محمد بن زكري
2021 / 1 / 14

* الجريمة الكبرى : تخفيض قيمة العملة الوطنية
إن تخفيض قيمة العملة الوطنية ، في دول الاقتصادات المتخلفة و الريعية (التي يسمّونها تجاوزا : دول نامية) ، هو دليل على فشل السياسات الاقتصادية و المالية و النقدية للدولة ، و هو إجراء يضر بمجمل الاقتصاد الوطني عموما ، و يُلحق أضرارا جسيمة بالمستوى المعيشي لأغلبية الشعب من محدودي الدخل خصوصا ، و ذلك كنتيجة لارتفاع تكلفة الإنتاج و زيادة أسعار الفائدة ، و بالتالي ارتفاع الأسعار ، مما ينعكس سلبا في مستوى القدرة الشرائية لأغلب الشرائح الاجتماعية من المستهلكين (السكان) ذوي الدخل المحدود .
و في حالة واحدة فقط ، قد يكون تخفيض قيمة العملة الوطنية تدبيرا اقتصاديا مجديا ، و ذلك في حالة كون الدولةُ متقدمة صناعيا و زراعيا ، تنتج ما يفيض عن حاجتها الاستهلاكية ، بعد تغطية الطلب المحلي - إلى حدٍّ ما - على مختلف السلع أو بعضها ؛ فتعمد من ثَمّ إلى تخفيض (مدروس) لقيمة عملتها ، بهدف رفع مستوى الإنتاج و الإنتاجية ، و دعم القدرة التصديرية للمنتَج المحلي ، و تحفيز الإقبال الأجنبي على منتجاتها الصناعية و الزراعية القادرة على المنافسة في الأسواق العالمية ، حيث إن تخفيض قيمة العملة الوطنية يشجع المستوردين الأجانب على شراء السلع الوطنية .
أما في الحالة الليبية ، حيث لا منتجات صناعية ليبية قابلة للتصدير أو قادرة على المنافسة ، بل إن كل شيء يُستورد من الخارج ، بما في ذلك المواد الغذائية نصف المصنّعة (المغشوشة) كالعصائر و الحليب المسترجَع (باودر منتهي الصلاحية + ماء غير معالَج) ، و حتى المنتجات الزراعية لا تغطي حاجة الاستهلاك المحلي ؛ فإنه ليس لخفض قيمة العملة الوطنية أي مردود إيجابي على وجه الإطلاق ، و ما هو إلا محاولة التفافية لإنقاذ الحكومة الفاسدة و الفاشلة ، من مأزق عجز الموازنة ، بتحميل الفقراء دفع فاتورة الفساد الحكومي و النهب الراسمالي .
و حتى لا يسجل علينا التاريخ أننا كنا شهود زور أو شياطين خرساء ، عندما أجمع اتفاق حكام نظام الغنائم (المجلس الرئاسي ، و مجلس الدولة ، و البنك المركزي ... إلخ) على تخفيض قيمة العملة الوطنية ، بواسطة فرض رسم ضريبي على مبيعات النقد الأجنبي ، بنسبة 183% ، تحت إشراف صندوق (النكد) الدولي ، باسم : الإصلاحات الاقتصادية ؛ كتبنا - هنا - في حينه ، دحضاً لحججهم التبريرية : إنه ليس لإصلاحاتهم الاقتصادية - تلك - من الإصلاح إلا اسمه ، و إن أكبر خدعة - أو كذبة - لإصلاحاتهم الاقتصادية المزعومة ، و هي إزالة التشوهات في الاقتصاد الليبي ، مردود عليها بأن التشوه الوحيد الذي تجب إزالته ، هو وجودهم كحكام (مْخانب) ؛ ذلك أن معالجة التشوهات الاقتصادية الهيكلية بتخفيض قيمة الدينار أمام الدولار ، لن توقف عمليات التهريب ، و لن تحد من ممارسات الفساد ، بل ستعمق حدة الأزمة المالية (المفتعلة أصلا) ، و ستدعم نشاط المضاربة بالعملة في السوق السوداء ، و ما هي في حقيقتها إلا سرقة بالإكراه ، لاستنزاف دنانير المستهلكين و إعادة ضخها في خزائن و حسابات التجار ، وإن أقصى فائدة منها هي انفراج مؤقت و محدود - و مشوّه - في أزمة السيولة النقدية ، لا يلبث أن يظهر حتى يتلاشى .. (أنظر الرابطين)
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=613289
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=612971
و كما توقعنا و حذّرنا ، فها هم حكام نظام الغنائم في ليبيا ، بعد فشل إصلاحاتهم الاقتصادية الترقيعية في تحقيق ما روّجوا له من أوهام تعافي الاقتصاد الوطني ، و بالرغم من الأضرار الفادحة لتدابير التقشف الجائرة التي فرضوها على الشعب الليبي المفقر .. حتى إن الأغلبية باتت عاجزة عن تأمين الحد الأدنى من متطلبات البقاء على قيد الحياة (و النتيجة انهيار قيمي مرعب) ؛ يذهبون - بالإجماع - إلى ارتكاب حماقة ما يسمى بتوحيد سعر الصرف ، بكل ما طبع نظام حكمهم من الاستبداد و الفساد و السفه و الفشل ، فيتوافقون - في حكومتيْ شرق البلاد و غربها ، و بتزكيةٍ مِن برلمان طبرق ، و تواطؤ مجلس الدولة - على تعديل سعر صرف العملة الوطنية مقابل الدولار ، بتثبيته عند 4,48 دينار مقابل 1 دولار (ما يعادل 0.1555 وحدة حقوق سحب خاصة) ، بدلا من تحركه حول متوسط 1,7 دينار مقابل 1 دولار ، وفقا للنشرة اليومية لأسعار صرف الدينار الليبي مقابل العملات الأجنبية ، التي تصدر عن مصرف ليبيا المركزي . (أنظر الرابط)
https://arabic.euronews.com/2020/12/16/libyan-central-bank-exchange-rate-dinar-us-dollars-unified
و ها هم حكام الأمر الواقع ، فاقدو الشرعية .. الفاسدون الفاشلون (المخانب) ، بعد بقائهم 8 سنوات متواصلة في مجلس الدولة (المؤتمر الوطني العام سابقا) ، و بقائهم 6 سنوات متواصلة في برلمان طبرق ، و بقائهم 5 سنوات متواصلة في المجلس الرئاسي (دون أي وجه حق ، و بالمخالفة للدستور و أحكام القضاء الدستوري) ، يتقاضون رواتب - إجرامية - فلكية الأرقام .. آثروا بها أنفسهم ، و ينعمون بامتيازات عينية فاحشة (سيارات فارهة / تمليك ، و بطاقات وقود مجانيّ .. غير محددة السقف ، و بدل سكن باذخ ، و بطاقات اتصالات مجانية .. غير محددة السقف ، و تكاليف علاج مجانيّ مفتوحة الأرقام ، و نفقات دراسة أولادهم بالخارج ، و بدلات مهام رسمية "سياحيّة " بالدولار و اليورو ، و تكاليف إقامة في فنادق الخمسة نجوم)* ؛ لا يكتفون بسرقاتهم تلك (بما فيها المعاشات التقاعدية الفاحشة ، استثناء لأنفسهم من أحكام قانون الضمان الاجتماعي) ، و لا يكتفون بفرض رسم ضريبي باهظ على مبيعات النقد الأجنبي (183 % - 163%) ، و لا يكتفون بخصم 20% من رواتب الموظفين ، و لا يكتفون برفع قيمة الضرائب الجمركية على الواردات ، بنِسب : 30% و 40% و 50% (قرارا المجلس الرئاسي : رقم 52 لسنة 2018 ، و رقم 379 لسنة 2017) ، و لا يكتفون بجريمة عدم تنفيذهم للقانون رقم 5 لسنة 2013 بشأن نظام التقاعد ، و لا يكتفون باختزال مخصصات أرباب الأسر - لشراء الدولار بالسعر الرسمي - لسنة 2019 ، من 1000 دولار إلى 500 دولار (مع ما شاب التنفيذ من تشوّهات أصلا) ؛ بل إنهم يقررون - و بالإجماع - تخفيض قيمة الدينار إلى أقل من الثلث ، و هُم فوق ذلك ماضون إلى رفع الدعم عن المحروقات (بعد أن رفعوه عن الغذاء و الدواء) ، حيث سيصبح ملءُ خزان سيارة ركوب صغيرة لا يقل عن 40 دينارا .. في بلد يفتقد كليا و بالمطلق لأيٍّة وسيلة من وسائل النقل العام . فهُم (جميعا) متوافقون على ذبح المواطن - إفقارا و تجويعا - من الوريد إلى الوريد ، يوحّدهم الإصرار على البقاء في السلطة ، لينعموا هم و أولادهم برفاهية العيش في قصورهم الفخمة و استراحاتهم (الترفيهية) بالداخل ، و ترف الإنفاق في المنتجعات السياحية و فنادق الخمسة نجوم ، بشرم الشيخ المصرية و الريفييرا الإيطالية و الحمامات و جربة التونسية و حول العالم ، على حساب الشعب . و لِمَ لا ؟! فهُم أصحاب الفخامة ، و هُم أصحاب المعالي ، و هُم أصحاب السيادة ؛ و ليسوا مجرد موظفين عموميين ، يتقاضون رواتبهم - فلكية الأرقام - من الخزانة العامة (خزانة الشعب) ، مقابل خدمة عامة عليهم أن يؤدوها - وُجوبا - للشعب !
و بإلقاء نظرة خاطفة على تقرير ديوان المحاسبة لسنة 2018 (المفرج عنه مؤخرا) المكوّن من 995 صفحة ، ندرك مدى حجم الفساد المعشش في الجهاز الإداري للدولة الليبية (الفاشلة) ، و ندرك أن فشل الدولة الليبية مَردّه أساساً إلى فساد المسؤولين في مواقع اتخاذ القرار - كافةً - على مستوى السلطتين التنفيذية و التشريعية ، و نفهم لماذا يصر حكام نظام الغنائم على البقاء في السلطة .. فرضاً للأمر الواقع ، ونفهم تحايلهم في عدم القبول برد الأمانة إلى أصحابها (حفاظاً على مكاسبهم الشخصية ، واحتماءً من المساءلة القانونية بحصانة المنصب) ، بدلالة ما أورده التقرير من أرقام مخصصات و نفقات الرئاسي و برلمان طبرق و الأعلى / غيضا من فيض :
- المجلس الأعلى للدولة : المخصص 36 مليون / المسيّل 52 مليون / التجاوز 11 مليون / نسبة التجاوز 44.44% . (ص 23)
- المجلس الرئاسي : نفقات سفر 14,572,500 ، بنسبة تعديل بالزيادة 55% على أصل التفويض ، و بنسبة ارتفاع 62% عن سنة 2017 . (ص 502)
ديوان الرئاسي مخصصات 2017 : 39,503,364 مليون / المصروفات الفعلية 52,367,427 مليون
- المبالغ المسيلة لبرلمان طبرق و الجهات التابعة له لسنة 2018 : 566,936,837 مليون دينار ، الشيطان وحده يعلم بأوجه التصرف فيها ، فحتى ديوان المحاسبة يبدو أنه عاجز عن تدقيقها . (ص 956)
و استطرادا مقتضبا .. إنه لو كانت ليبيا دولة مؤسسات و ديمقراطية و عدالة قانونية و قضاء مستقل ؛ لاكتظت السجون بآلاف الجناة من الحكام و كبار المسؤولين . و يكفي دليلا هذه العينات العشوائية المأخوذة من التقرير :
- عزوف شركات الاتصالات (العامة) ، عن إحالة فائض نشاطها و المبالغ المقررة ، وفقا للقانون ، لحساب الإيراد العام ! (ص 19)
- ملفات جرائم اقتصادية محولة إلى مكتب النائب العام : قوائم أسماء بالحروف الأولى ( من ص 85 إلى ص 90)
- ترتيب ليبيا على مؤشر مدركات الفساد : سنة 2016 الترتيب 6 (الأكثر فسادا) من بين 170 دولة شملها المسح / سنة 2017 الترتيب 9 من بين 171 دولة / سنة 2018 الترتيب 10 من أصل 170 دولة . (ص 82)
- ترتيب ليبيا على مؤشر معدل النزاهة : سنة 2016 الترتيب 6 (الأقل نزاهة) من بين 176 دولة شملها المسح / سنة 2017 الترتيب 9 من أصل 180 دولة / سنة 2018 الترتيب 10 من بين 180 دولة . (ص 83)
و هذا رابط تحميل تقرير ديوان المحاسبة لسنة 2018 :
http://audit.gov.ly/home/pdf/LABR-2018.pdf
و السؤال الذي يطرح نفسه : هل تخفيض قيمة العملة الوطنية هو الحل لعلاج الاختلالات و التشوهات الاقتصادية ، أم أن الحل الحقيقي هو (تخفيض الحكام) الفاسدين و المقصرين ، بالتحفظ عليهم (في مكان أمين) ، بمعرفة مكتب النائب العام ؟

* معالجة التضخم بالتضخم
عندما يكون معدل التضخم أعلى من 3% ، فذلك يعنى انه على البنك المركزي معالجة الوضع الاقتصادي بما يلزم من أدوات السياسة النقدية ، كما يجب على الحكومة ترشيد السياسة المالية و ضبط الإنفاق و مكافحة الفساد ، تحسبا لانهيار الاقتصاد الوطني .
على أن حجم التضخم في ليبيا ، تجاوز حاجز 28,5% سنة 2017 ، نتيجة لتفشي ظاهرة الفساد المالي في أجهزة الدولة ، بالترافق مع السياسات الاقتصادية و المالية و النقدية الخاطئة لحكومة (الوفاق الوطني) بطرابلس و الحكومة (الموازية) في البيضاء .
و بدلا من معالجة الأسباب الحقيقية للتضخم ، فقد لجأت الحكومة (المعترف بها دوليا) إلى تطبيق روشتة صندوق النقد الدولي .. لإعادة هيكلة اقتصادات الدول المدينة و المتحولة ، بدءً من رفع الدعم عن السلع التموينية الأساسية (الغذاء) ، مرورا بفرض رسم ضريبي باهظ على مبيعات النقد الأجنبي .. بنسبة 183% من سعر الصرف الرسمي للدينار ، و انتهاءً - حتى الآن - إلى توحيد سعر الصرف .. بتخفيض قيمة الدينار .. بنسبة نحو 320% .
و النتيجة إنْ لم تكن مزيدا من ارتفاع معدل التضخم ، فستكون البقاء على معدلاته المرتفعة أصلا ..
فبالرغم مما حصّلته الحكومة من عائدات الرسم الضريبي على مبيعات النقد الأجنبي ، خلال السنوات الثلاث الفائتة ، كما أسلفنا ذكره بالأرقام (أنظر الجزء الأول من المقال) ، فإن معدلات التضخم - بكل مؤشرات القياس - لم تسجل انخفاضا إلى المستوى المتوقع أو المقبول ، بالرغم مما طرأ عليه من بعض التحسن (ارتباطا بتحسن إيرادات بيع النفط) ؛ حيث سجل نسبة 23,9% لعام 2018 ، و نسبة 15% لعام 2019 . في حين أشارت توقعات البنك الدولي في تقريره عن آفاق الاقتصاد الإقليمي لعام 2020 ، إلى أن نسبة التضخم في ليبيا قد تبلغ مع نهاية العام 22% ، و أن تتراجع هذه النسبة إلى 15% خلال العام 2021 . (أنظر الرابط)
http://pubdocs.worldbank.org/en/818671603305606434/ARA-MPO-Libya-Oct2020.pdf
و كان البنك الدولي قد توقع في تقرير سابق (أكتوبر 2019) أن يستقر نمو الناتج المحلي (بالسالب) عند 2% في 2021 – 2022 ، مما يجعل نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي 61% من مستواه في 2010 . (أنظر الرابط)
http://pubdocs.worldbank.org/en/853521570624563907/AR-MPO-OCT-19-Libya.pdf

و مع سريان قرار بنك ليبيا المركزي - اعتبارا من 3 يناير 2021 - بتخفيض سعر صرف الدينار (4,48 دينار مقابل 1 دولار) ، بدلا مما كان عليه ، سواء قبل أم بعد فرض رسم ضريبي على مبيعات النقد الأجنبي ، في إطار ما يسمى بالإصلاحات الاقتصادية ؛ فإن معدلات التضخم ما لم تسجل ارتفاعا عن نسبتها لعام 2020 (18% وفقا لتوقعات صندوق النقد العربي ، و 22% حسب توقعات البنك الدولي) ، فستظل تراوح عند متوسط معدل بين النسبتين ، غير أنه - على أرجح الاحتمالات - أن يميل معدل التضخم خلال العام 2021 إلى الارتفاع بنسبة أعلى كثيرا من توقعات البنك الدولي (15%) ؛ الأمر يعني أن المحصلة النهائية لما يسمى بالإصلاحات الاقتصادية ، لا تعدو كونها معالجة للتضخم بالتضخم ، و بالتالي تراجع نمو الاقتصاد الوطني ، و زيادة معدلات الفقر ، و مزيد من ارتفاع الأسعار .
و لم يكن مفاجئا أن تبدأ إصلاحاتهم الاقتصادية - تطبيقا لوصفة صندوق النكد الدولي - تضرب في مقتل ، فترتفع أسعار السلع الغذائية كافة ، مباشرة إثر إعلان البنك المركزي عن قراره بتوحيد سعر الصرف ، تخفيضا لقيمته أمام الدولار . و على سبيل المثال ، ارتفع سعر كيس الدقيق زنة 25 كغم ، من 36 دينار إلى 47 دينار ، و سعر لتر زيت ذرة من 5,5 دنانير إلى 8,75 دنانير ، و سعر كيلو السكر من 2 دينارين إلى 3 دنانير (و للتذكير : في عهد النظام السابق ، كان سعر شوال دقيق زنة 50 كيلو : 5 دنانير ، و سعر شوال سكر زنة 50 كيلو : 6 دنانير ، و سعر كرتونة 24 لتر زيت ذرة 5 دنانير) .

و إذا كانت الأوضاع المعيشية للشعب الليبي ، خلال السنوات الخمس الفائتة (2016 – 2020) ، قد تدهورت باستمرار من سيئ إلى الأشد سوءً ، جراء الارتفاع المستمر في الأسعار و الانخفاض المستمر في القيمة الشرائية للعملة الوطنية ، مع استحكام أزمة نضوب السيولة النقدية ، و تفاقم ظاهرة البطالة ، حتى إن الجوع (جوع الأمعاء الخاوية) قد طال أغلبية السكان ، و تحوّل أبناء و بنات المُفقَرين إلى عبيد و جواري في قصور و استراحات أصحاب الملايين من طبقة الكومبرادور الحاكمة ، و أضطر آلاف الشباب الخريجين المعطلين عن العمل - بمن فيهم الأطباء و المهندسون - للتحوّل إلى عمّال يدويين بالأجر اليومي ، سفرجية و نادلات في المقاهي ، و خدم سُخرة في شركات و محلات القطاع الخاص ، بأجور متدنية و بلا أية ضمانات . فإنه في العام 2021 ، سيزداد الشعب الليبي فقرا و جوعا ، و لن يلحق البعض على رغيف الخبز الحاف إلا بصعوبة ؛ نتيجة لما سيكون لتخفيض قيمة العملة الوطنية من تداعيات كارثية ماحقة ، مع استمرار سياسات الإفقار و التجويع التي تنتهجها حكومة الكومبرادور و الصيرفة الإسلامية .
ذلك أن القاعدة الرئيسة لحركة اقتصادات التخلف لنظم الاستبداد و الفساد ، هي إعادة إنتاج التخلف و الفقر ، أساسا لإعادة إنتاج و تشكيل المجتمعات ما قبل الراسمالية و أنماط الراسمالية الطفيلية ، لتكون في خدمة السوق الراسمالية العالمية ؛ الأمر الذي يؤدي إلى تَشوّه كل العمليات التاريخية التي تمثل جوهر التنمية ، بدءً من تشوه العملية الاقتصادية .
ففي أية حكومة يديرها الوكلاء التجاريون (الكومبرادور) ، في أنظمة الراسمالية الطفيلية التابعة ؛ عندما تكون ميزانية الدولة مغطاة بفائض من الاحتياطي النقدي ، بما يمكّن الدولة من الإنفاق لتمويل أوجه تنفيذ الميزانية دون عجوزات مالية ؛ فإن الحكام لا يترددون في إهدار المال العام و السطو عليه بشتى صور التحايل على القانون (لمضاعفة ثرواتهم الشخصية) ، و لا يتورعون عن استنزاف احتياطيات الخزانة العامة بالتجاوز في الإنفاق ؛ حارمين الوطن من التنمية ، و حارمين الشعب من حقه في الاستفادة معيشيا من ثروة بلاده .
لكن .. ما أن يُفرغوا الخزانة العامة ، إلى حد اقتراب الدولة من حافة الإفلاس ، فإنهم لا يترددون في المسارعة بتحميل الشعب سداد قيمة فاتورة الفساد الحكومي ، فيعمدون إلى العمل بروشتة صندوق النقد الدولي ، بإصدار قرارات جائرة لفرض رسوم ضريبية جديدة ، و رفع نِسب الضرائب الجمركية على السلع المستوردة ، و رفع الدعم على السلع الغذائية الأساسية و الدواء ، و تجميد و تخفيض الرواتب ، و إيقاف التعيين في وظائف الإدارة العامة للدولة (إلا بالواسطة و المحسوبية) ، و تخفيض قيمة العملة .. إلخ بنود روشتة صندوق (النكد) الدولي .
فحكام نظام الغنائم (spoils system) الليبي ، من طبقة الكومبرادور أغنياء السطو على المال العام ، يسرقون ميزانية الدولة ، و يملؤون جيوبهم و حساباتهم في بنوك السرية المصرفية ، و من ثم - عندما تفرغ الخزانة العامة - فإنهم يموّلون عجز الميزانية من جيوب الفقراء ، كما يحدث في ليبيا الآن ! ثم إنهم قد يبيعون أصول الدولة و شركات القطاع العام لأنفسهم ، ثم سيبيعون الوطن قطعة قطعة للأجنبي ، و المهم هو أن يبقوا في السلطة .
ذلك أنه عندما يكون الدولار إلها ، فكل شيء يكون في خدمة اقتصاد السوق و خدمة مصالح الطبقة الراسمالية الحاكمة : السياسة ، و القوانين ، و الفتاوى الدينية ، و نظام القضاء ، و السجون ، و الجندرمة ، و البوليس ، و البرلمان ، و الحكومة .
و موضوعيا ، ليس من حل للقضاء على كل هذه التشوهات ، إلا بثورة شعبية ، ذات أفق تطور اشتراكي . و تلك مسألة لا تبدو مطروحة على أجندة التاريخ في المدى المنظور .

* إذن فما العمل ؟
لأنه لا ثورة حقيقية بلا وعي ثوري و ثوريين طليعيين ، و لا اشتراكية بلا اشتراكيين . و كلاهما (الوعي الثوري و البديل الاشتراكي) منتفيان ، في ظروف التخلف الاجتماعي السائدة ؛ حيث إن الوعي الاجتماعي متدني المستوى (أو الوعي الزائف) ، يخلط بين مفهوم الانتفاضة الشعبوية و مفهوم الثورة الشعبية الاجتماعية ، و حيث إن الشعب الليبي - المؤدلج إسلاموميّاً - منحكم فكريا لقيم اقتصاد المنافسة الراسمالية ، يعتبر الاشتراكية كُفرا و أكبر الكبائر ، على المذاهب الأربعة و المذهب الإباضي ، كما هي على مذهب دونالد ترمب .
فللخروج من الأزمة الليبية المفتلعة (متعددة الأبعاد و القوى المتصارعة) ، يحتاج الليبيون إلى إجماع وطني على تدابير (جراحية) عاجلة ، لتدارك مصالحهم الحيوية المهددة بالاندثار ، و تدارك بلدهم المهدد بالتفكك .. قبل فوات الأوان و خسارة كل شيء نهائيا و إلى الأبد . و لتحقيق ذلك يلزم الشروع فورا بأخذ الإجراءات التالية ، كدفعة أولى عاجلة :
1) للتحكم بالأسعار : تأميم التجارة الخارجية في الغذاء (السلع التموينية) و الدواء ، و تنظيم التجارة الداخلية في المجاليْن .
2) لتوفير السيولة النقدية : إبطال صلاحية أوراق العملة فئتي 20 و 50 دينار (طباعة روسيا) و الإصدار السادس فئتي 10 و 5 دنانير ، و سحبها من التداول ، و إتاحة الفرصة لإيداعها بالوعاء المصرفي خلال فترة لا تتجاوز أسبوعين ، مع وضع ضوابط للسحب النقدي من الأرصدة البنكية .
3) لإعادة تأهيل الإدارة و هيكلة الرواتب : تنظيم عملية الاستخدام عن طريق وزارة العمل ، و توحيد الرواتب في كل أجهزة الحكومة و الشركات و المؤسسات العامة ، بما فيها البنوك و المؤسسة الوطنية للنفط (منعا للواسطة و المحسوبية ، و تحقيقا لمبدأ العدالة و تكافؤ الفرص)** ، مع وضع حد أعلى و حد أدنى للرواتب و الأجور و المعاشات التقاعدية .
4) سن قانون بشأن تقرير (تعويض بطالة) للمعطلين عن العمل ، بما يعادل الحد الأدنى للأجور . ذهابا إلى تحقيق التنمية الشاملة ، بالاستخدام الكامل و الأمثل للقوى الوطنية العاملة المتاحة .
5) رفع نسبة الضرائب على أرباح القطاع الخاص (مقابل السماح لهم بالمزاولة) ، و مكافحة جرائم التهرب الضريبي ، و ضبط عملية الربط الضريبي ، و تحسين تحصيل الضرائب و الرسوم .
6) سن قانون بحظر و تجريم التجارة بالعملة في السوق السوداء ، خارج الوعاء المصرفي ، و اعتبار المضاربة بالعملة في السوق السوداء جريمة خيانة وطنية .
7) تفعيل قوانين مكافحة الفساد المالي و الإداري ، و منها : (قانون العقوبات و الإجراءات الجنائية / قانون التطهير / قانون الجرائم الاقتصادية / قانون من أين لك هذا / قانون غسل الأموال / قانون الكسب الحرام / قانون تحريم الواسطة و المحسوبية / قانون إساءة استعمال الوظيفة / قانون مزاولة الأنشطة الاقتصادية) .
8) تقليص عدد السفارات و البعثات الدبلوماسية و القنصلية ، إلى النصف على الأقل ، و تخفيض حجم العمالة بها . (الخارجية تكيّة) .
هذا .. و إلا فالبديل هو :
1) الدخول فورا في عصيان مدني شامل ، لفرض إرادة الشعب (مصدر السلطات) ، باعتبار كل أجسام السلطة الحالية (برلمان طبرق ، و مجلس الدولة ، و المجلس الرئاسي ، و الحكومتين) فاقدة للشرعية - دستوريا - و منتحلة للصفة و فاقدة للأهلية ، و إجبارها على رد الأمانة إلى الشعب .
2) تكليف مجلس القضاء الأعلى أو المحكمة العليا ، بإدارة البلاد (مؤقتا) و تنظيم انتخابات عامة برلمانية و رئاسية ، في أقرب وقت ممكن .
و لم يبق ثمة فائض من الوقت للانتظار مراهنة على المستحيل .
__________
* هامش أول
- راتب النائب 16000 دينار شهريّاً + مزايا عينية متعددة - خرافية - بما يناهز أو يتجاوز قيمة الراتب السنوي + معاش تقاعدي 12,800 دينار مدى الحياة = (بلطجة) .
- نائبة برلمانية (و الجمع : نوائب) ، كشف تقرير ديوان المحاسبة لسنة 2017 عن أنها حمّلت الخزانة العامة سداد مبلغ 30000 دولار - دون وجه حق - كأقساط مستحقة لمدرسة تركية / نموذجا .
** هامش ثان
- لا حدود لفوضى الاستخدام و الرواتب : مواقع عمل مقصورة على فئات محدودة ذات حظوة خاصة ، تنتفي فيها أية إمكانية لتكافؤ فرص التوظيف ، كمصرف ليبيا الخارجي ، و مؤسسة النفط و شركاتها ، و الشركات العامة كافة ، و البنوك ؛ نظرا لما فيها من امتيازات . (محسوبية)
- موظف بنفس المؤهل و نفس الخبرة و نفس الوظيفة و نفس الدرجة الوظيفية / المالية ؛ يتقاضى في جهات عامة معينة (فضلا عن مزايا التأمين الصحي) ، أضعاف مضاعفة أكبر مما يتقاضاه نظيره في جهات عامة أخرى . (واسطة و محسوبية) .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول