ظل آخر للمدينة26

محمود شقير
2021 / 1 / 13

صارت أسواق المدينة مألوفة لي، وأصبحت أمي تكلفني بين الحين والآخر، بشراء بعض لوازم البيت من المدينة. ولطالما أنبتني كلما وجدت حبة بندورة تالفة، أو حبة بطاطا ذابلة، ثم تحثني على أن أفتح عيني جيداً وأنا أشتري الخضروات، ولم تكن مستعدة للاقتناع بأن الباعة لا يتركون لفتى في مثل سني حرية اختيار ما يشتريه.
طلبت مني ذات مرة أن أشتري كيلوغرامين من اللحم، من ملحمة العائلات الواقعة في سوق باب خان الزيت، وكنا زبائن لهذه الملحمة ندخلها على فترات متباعدة. ذهبت إلى الملحمة بعد الدوام المدرسي، واقترحت على صاحبها عبد الحفيظ - مثلما أوصتني أمي - أن يزن لي قطعة لحم حمراء خالية من الدهن، فلم يعرني أي انتباه. اختار قطعة من إحدى الذبائح المعلقة خلف الزجاج، قطعها بالسكين، ووضعها في الميزان. أبديت احتجاجي عليها بسبب ما فيها من دهن. قال لي إنها جيدة ولا داعي للاحتجاج، غير أنني غادرت المكان دون أن آخذ قطعة اللحم.
اعتقدت أن أمي ستثني علي بسبب موقفي الحاسم، فلما وصلت البيت، أخبرتها بما حدث معي، فلم يرقها ذلك، وطلبت مني أن أحضر قطعة اللحم في اليوم التالي. حرت في الأمر، وشعرت بالحرج وأنا أعود إلى اللحام وهو يخرج القطعة نفسها من الثلاجة، فأحملها وأعود بها إلى البيت.
أمي كثيرة التطير، عصبية المزاج، فكأنها ورثت مزاج أبيها. لم يساورني شك في حبها لي وحرصها علي. لكن لمسة الحنان التي هي أبرز تجليات هذا الحب، لم تكن تظهر في تصرفاتها إلا لماماً، بسبب انزعاجها الدائم وميلها إلى التذمر من كل شيء.

***
كنت أذهب أحياناً في فترة عطلة الغداء إلى حي المصرارة، أستأجر دراجة هوائية بمبلغ وفرته من مصروفي الشخصي. هناك تعلمت بعد محاولات عديدة ركوب الدراجة الهوائية، فاعتبرت ذلك ميزة لمن يدرس في مدارس المدينة، وتباهيت بها على أقراني الذين كانوا يتلقون تعليمهم الإعدادي في قرية صورباهر المجاورة.
ولا أكتفي بذلك، بل أذهب بين الحين والآخر إلى الصخرة والحرم، أؤدي صلاة الظهر في بعض الأحيان، ثم أقرأ دروسي وأنا أمشي غادياً رائحاً في إحدى الساحات المحيطة بهما. أعود إلى المدرسة عبر طريق المئذنة الحمراء المفضية إلى باب الساهرة، أو عبر طريق الواد المفضية إلى باب العامود. أصبحت أعرف أسماء الأماكن والأسواق والحارات، وأسماء المتاجر والمطاعم والمقاهي، وحينما أعود إلى القرية كان لدي ما أقوله عن المدينة.
غير أن أمراً واحداً ظل صعباً بالنسبة لي، وأظنه كذلك حتى الآن، وهو التحدث باللهجة المدنية التي يتحدث بها أهل القدس. ففي قريتنا، درج الناس على توجيه السخرية المرة لكل من يحاول تغيير لهجته الأصلية، وكان الذين يتجرأون على مخالفة هذا العرف، يتعرضون لكثير من التهكم والإساءات، فلم أجرؤ، وأنا الشخص الخجول، على مخالفة المألوف، فبقيت أتحدث بلسان أهل قريتي، ولكن مع شيء من التلطيف والتخفيف، ثم حينما أصبحت قارئاً للكتب، صرت أميل إلى الاستعانة باللغة الأقرب إلى الفصحى المسكنة.
أما عمّي عايد، فلم ألحظ أنه استفاد معارف أو عادات جديدة، رغم الفترة الطويلة التي قضاها تاجراً في أحد أهم أسواق المدينة. لم يبدل لهجته القروية، بل إنه كان في بعض الأحيان، يعود إلى ترديد مفردات من اللهجة البدوية، التي كان يتحدث بها أثناء إقامته في البرّيّة، كأنه راغب في إقناع المتزمتين من أهل قريتنا، بأن المدينة لا تستطيع أن تختطفه من بينهم.
يتبع..