حول البورجوازية العربية

محمد علي سليمان
2021 / 1 / 13

يقول ماركس: " لقد تأخرت الطبقة العاملة الألمانية في تطورها الاجتماعي والسياسي عن الطبقة العاملة الفرنسية أو الإنكليزية، بقدر ما تأخرت البورجوازية الألمانية عن بورجوازية فرنسا وانكلترا. كما يكون المخدوم، كذلك يكون الخادم. ذلك أن تطور الظروف المؤدية إلى قيام طبقة كادحة عديدة متماسكة وواعية، مرهون بتطور الظروف الملائمة لقيام بورجوازية عديدة غنية مركزية وقوية. فلم يكن قط نمو الطبقة العاملة أمراً مستقلاً بذاته _ كتاب: ماركس وعلم الاجتماع ". ففي أوروبا تكونت بورجوازية انطلقت من النظام الاقطاعي، واستولت على المجتمع المدني من خلال إنتاجها الصناعي، ثم حينما هيمنت في المجتمع المدني عملت على السيطرة على المجتمع السياسي _ الدولة، السلطة السياسية. ومعروف من التاريخ أنها دخلت مرحلة استعمار العالم، وراكمت الأموال من النهب والسرقة وخلقت التخلف والتبعية في كثير من دول العالم. ولكن في تلك الدول المتخلفة والتابعة والتي رماها القدر في دوامة الاستعمار والإمبريالية حوربت البورجوازية المحلية، ومنعت من التطور كبورجوازية مهيمنة في بلدانها المتخلفة بحيث لم يعد بإمكانها أن تقوم بدوها التاريخي: إنجاز الرأسمالية. وفي حين خلقت البورجوازية الأوروبية الطبقة العاملة، وهو إنجازها الأعظم بحيث، رغم كل تشوهات الطبقة العاملة الأوروبية ستبقى تلك الطبقة العاملة مصدراً من مصادر هلاك تلك البورجوازية. أما في البلاد المتخلفة، فبما أنه لم تتكون بورجوازية مهيمنة، ولم يحصل تراكم رأسمال أولي للإقلاع بالإنتاج الصناعي، فلم تتكون، حسب ماركس، طبقة عاملة. ويلاحظ أن الفلاح بقي مرتبطاً بأرضه رغم العمل الوظيفي في القطاع العام الصناعي أو الإداري، فهو لم يتكون كعامل لا يملك غير قوة عمله ويعرضها للبيع في سوق الإنتاج الصناعي، بل أصبح نصف فلاح _ نصف عامل، أو نصف فلاح _ نصف موظف.
ويمكن معرفة دور البورجوازية الأوروبية في التاريخ وديناميكيتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية: " فقد لعبت البورجوازية في التاريخ دوراً ثورياً للغاية.. إن البورجوازية لا تعيش إلا إذا أدخلت تغييرات ثورية مستمرة على أدوات الإنتاج، وبالتالي على مجمل علاقات الإنتاج، أي على العلاقات الاجتماعية بأسرها.. وخلقت البورجوازية، منذ تسلطها الذي لم يكد يمضي عليه قرن واحد، قوى منتجة تفوق في عددها وعظمتها كل ما صنعته الأجيال السالفة مجتمعة _ كتاب: البيان الشيوعي ". وبعد أن أظهرت البورجوازية الأوروبية ما يستطيع إبداعه النشاط الإنساني، يمكن أن ننتقل إلى معرفة وضع البورجوازية في المجتمع العربي:
إشكالية البورجوازية العربية أنها لم تتطور بشكل طبيعي في المجتمع الإقطاعي بحيث تملك الوقت لتصبح طبقة تعمل ل " ذاتها "، فقد بقيت طبقة تعمل ب " ذاتها " بحيث اصطدمت، وهي لا تملك القوة الاجتماعية الفاعلة، بالاستعمار الذي تحكم بتطور المجتمع العربي عن طريق القوة، قبل أن يتمكن من تدجين تلك البورجوازية العربية وربطها به بالفعل كتابع _ وسيط تجاري يرعى مصالحه السياسية والاقتصادية. وكان أن اندمجت كتلة تجار المدن مع كتلة كبار ملاك الأراضي الذي وجهوا اهتمامهم نحو الزراعات الرأسمالية، وهذا تكونت البورجوازية العربية في العصر الحيث من هذا الاندماج بين الكتلتين، ما أطلق عليه مهدي عامل " البورجوازية الكولونيالية ". وهذه البورجوازية الكولونيالية طبقة تابعة، متخلفة، غير قادرة على المبادرة الذاتية _ الإرادة من أجل تحديث المجتمع العربي، واختارت أقصر الطرق نحو الثروة: الانخراط في النظام العالمي.
لقد تساءل فالرشتاين " ما الذي يجعل بورجوازية وطنية ما تخون دورها التاريخي؟ من المفترض أنها ستكسب كل شيء من القيام بهذا الدور. وبما أن الجميع _ من المحافظين والليبراليين إلى الماركسيين متفقون على أن الرأسماليين البورجوازيين يتبعون دائماً مصالحهم الخاصة، فكيف لهم ألا يروا، في هذه الحالة بالذات، تلك المصالح الخاصة؟ _ كتاب: البورجوازية العربية المعاصرة ". ويمكن أن نجد الجواب عند فرانز فانون " إن البورجوازية التي تستلم مقاليد السلطة في نهاية العهد الاستعماري هي بورجوازية متخلفة. قوتها الاقتصادية تكاد تكون صفراً، أو هي على الأقل لا تقاس أبداً بالقوة الاقتصادية التي تملكها بورجوازية البلاد المستعمرة التي تريد هذه البورجوازية أن تحل محلها. لقد ظنت البورجوازية الوطنية لنرجسيتها وغرورها أن في وسعها أن تحل محل بورجوازية الاستعمار وأن تكون خيراً منها. لكن الاستقلال ما يلبث أن يضعها في مآزق حرجة، فإذا هي تلجأ إلى وسائل تجلب الكوارث، أو تتجه بنداءات إلى الدولة التي كانت تستعمر بلادها " ذلك إنه " ليس بين أفراد هذه البورجوازية الوطنية إناس من رجال الصناعة أو رجال المال. إن البورجوازية المتخلفة ليست متجهة نحو الإنتاج، والابتكار، والبناء، والعمل، وإنما هي تنفق نشاطها كله في أعمال من نوع الوساطة. إن نفسية البورجوازية الوطنية هي نفسية رجال أعمال، لا رواد صناعة _ كتاب: معذبو الأرض ".
لكن التاريخ يظهر أن هناك محاولات في العصر الحديث والمعاصر من قبل المجتمع العربي لدخول العصر الحديث عبر الدولة _ المجتمع السياسي: محاولة الباشا محمد علي، وأيضاً محاولة الزعيم جمال عبد الناصر. وهناك محاولة طلعت حرب وبنك مصر لخلق لإنتاج صناعي في مصر عبر داخل المجتمع المدني عبر جهود فئة من البورجوازية المصرية:
تجربة الباشا محمد علي
وضعت الحملة الفرنسية على مصر المجتمع العربي على مفترق طرق، فقد أظهرت عبر البعثة العلمية التي رافقت الحملة الفرنسية، وجلبت معها مبادئ الثورة الفرنسية في الأخوة والعدل والمساواة، وكذلك قوة وضرورة العقل والعلم في تقدم أوروبا فكرياً ومادياً، بحيث بدا المجتمع العربي على حقيقته: مجتمع استبدادي متخلف، يعيش في الجهل، ولا يستثمر موارده الطبيعية من أجل تقدم وتطوير المجتمع. وقد أدرك الباشا محمد علي أن تقدم مصر يعتمد على ذلك العقل والعلم الأوروبي، وإن الاقتصاد يقوم بشكل رئيسي على الإنتاج الصناعي، وأن الزراعة يجب أن تخدم ذلك الإنتاج الصناعي. لذلك، وقت استولى على حكم مصر أخذ يرسل البعثات إلى أوروبا، وخاصة إلى فرنسا، من أجل تمكين المبعوثين من خلق مجتمع صناعي حديث، وكان الطهطاوي الذي رافق إحدى البعثات كإمام هو منور العرب الأول بعد أن أمضى وقته في دراسة أفكار الثورة الفرنسية، والدستور الفرنسي، وحاول أن يقدم تلك الأفكار والمبادئ، من أجل تطوير مصر على طريق العصر الحديث محاولاً تقريب الفكر الإسلامي من فكر الثورة الفرنسية. لكن مأزق الباشا محمد علي تمثل في أن الحداثة التي أرادها عبر البعثات العلمية وضعها في خدمة الجيش، من أجل بناء جيش قوي، لذلك احتكر الزراعة والتجارة والصناعة، واعتمد في التمويل على مصادر مصر المالية، وجعل الإنتاج الزراعي والصناعي في خدمة الصناعات المتعلقة بالجيش_ وخاصة معامل صناعة الأسلحة، وبناء السفن، وسبك الحديد، وألواح النحاس. كما أنه عمل على بناء مجتمع سياسي قوي عماده الجيش من أجل تحقيق طموحاته الإمبراطورية في تفكيك الخلافة العثمانية والسيطرة على ممتلكاتها وخاصة البلاد العربية على أمل إنشاء إمبراطورية عربية منفصلة عن الإمبراطورية العثمانية بقيادة مصر. لكن مشكلة الباشا محمد علي لم تكن في عدم وجود بورجوازية مصرية، بل في عدم العمل على تكوين تلك البورجوازية المصرية التي تحتضن أعماله الصناعية، فقد قضى على الطبقة الوسطى، وخاصة عبر تكوين فئة من التجار تعمل على بالتجارة مع الأسواق الأوروبية التي انفتح عليها، ولكنه أصبح أسيرها، وأسير الرأسمالية الأوروبية، خاصة بعد أن تخلى عن الشعب وعن السيد عمر مكرم الذي عمل على تحقيق حق الشعب في مساءلة الحاكم. وبهذه السياسة أفقر المجتمع المدني، ولم يسمح لرجال الأعمال المصريين رواد العمل في القطاع الخاص _ البورجوازية المصرية من العمل في المجتمع المدني، وقضى على تكوين بورجوازية وطنية قوية، رغم أن أوروبا كانت تخاف من أحلام الباشا الإمبراطورية أكثر مما كانت خائفة من أحلامه في تحديث مصر. وحسب طلعت حرب فإن السبب الحقيقي لتدهور الصناعة في عهد الباشا محمد علي " إنها قامت على وسائط يدوية أو ميكانيكية بقوة دواب الحمل، في زمن تحولت فيه الصناعة في أوروبا من الطرق الميكانيكية الحيوانية إلى الطرق الميكانيكية البخارية، فلم تستطع صناعات مصر أن تنافس مصنوعات أوروبا فانهزمت أمامها _ كتاب: خطب طلعت حرب ". بالإضافة إلى أن استبداد الباشا، وربط الاقتصاد المصري بشخصه، وتدخله في الزراعة بحيث كان يفرض على الفلاحين بعض الزراعات في غير مواسم زراعتها، وكذلك القسوة التي عامل بها الفلاحين وعمال المصانع، بحيث جعل هؤلاء الفلاحين، الذين حررهم من نظام الالتزام العثماني وأوقعهم في الالتزام الشخصي للباشا يهربون من الأراضي، كما جعل العمال يهربون من المصانع، فقد كان العمل في معامل الباشا وأراضيه نوعاً من السخرة، وفي النتيجة انهارت أحلام الباشا في حياته، وكان في أواخر عمره يقف على خراب تجربته في الحداثة.
تجربة الزعيم جمال عبد الناصر
كانت حرب 1948 مرحلة تحول في العالم العربي، فقد كانت ضربة قاسية للحكومات العربية التي خاضت الحرب ضد إسرائيل، وكانت النتيجة هزيمة للجيوش العربية، وللحكام العرب: بين الخيانة والتقصير. لكنها من جهة أخرى فتحت عيون الضباط الأحرار في العالم العربي على ضرورة تغيير الأنظمة العربية الرجعية، التي انتهت صلاحيتها بعد أن أصبحت إسرائيل بحاجة إلى أنظمة وطنية قادرة على الصمود في وجه هيمنتها على المنطقة العربية بمساعدة الدول الأوروبية وأمريكا. وهكذا بدأ جمال عبد الناصر ورفاقه الضباط من تيارات سياسية مختلفة _ من التيار القومي، ومن التيار الماركسي، ومن تيار الإخوان المسلمين، ومن تيارات وطنية أخرى بالتفكير باستلام السلطة في مصر. وكان أن تحركت البورجوازية الصغيرة عبر جناحها العسكري، وقامت فئة من الجيش المصري بقيادة جمال عبد الناصر، فقد كان الجيش هو الجهة المؤهلة تنظيمياً من بين كافة القوى السياسية في مصر للتحرك واستلام السلطة، بإنجاز ثورة يوليو 1952، وأسقط النظام الملكي عبر انقلاب عسكري قاده الجيش، وأقيم النظام الجمهوري.
وبالمقارنة مع تجربة الباشا محمد علي يلاحظ أن هناك تشابهاً بين التجربتين من حيث: سيطرة الفرد الواحد على الحكم، واعتماد تطور المجتمع على الجيش، واحتكار الزراعة والتجارة والصناعة، وتأميم الأزهر وإبعاده عن قضايا المجتمع ومؤسساته. لكن تجربة الزعيم عبد الناصر كانت تقوم على البورجوازية الصغيرة، ولذلك عمل على القضاء على البورجوازية حيث أممت السلطة السياسية المعامل والمصانع، وبذلك أرضت الطبقة العاملة. ومن أجل تحطيم كبار ملاك الأرض من الإقطاعيين أنجزت الإصلاح الزراعي، وحددت ملكية الأرض، وبذلك أرضت الطبقة الفلاحية. وعبد الناصر لم يكن ضد دخول رأس المال مجال الإنتاج الصناعي عبر القطاع الخاص، ولكنه كان يريد ذلك الإنتاج الصناعي الرأسمالي تحت إشراف السلطة السياسية بحيث يظل تحت سيطرتها. وذلك القطاع الخاص مهم للنخبة الحاكمة من أجل استثمار أموالها التي نهبتها من القطاع العام، بحيث تسيطر على الاقتصاد، وتستثمره لصالحها الشخصي عبر التحكم بالمجتمع المدني من قبل المجتمع السياسي ومؤسساته وأجهزته الأمنية. فالبورجوازية الصغيرة التي حكمت عبر جناحها العسكري بالانقلاب، قامت بتوظيف عناصرها ومناصريها في القطاع العام من استيعابهم رغم عدم حاجتها إليهم في عملية الإنتاج والإدارة، وفتحت الطريق لهجرة الفلاحين إلى الوظيفة، رغم الإصلاح الزراعي وتوزيع الأرض على الفلاحين، وبذلك لم يتحول الفلاح إلى عامل يبيع قوة عمله، بل تحول في النهاية إلى موظف، وخاصة أبناء الفلاحين الذين تعلموا وتخرجوا من الجامعات. وكذلك أبعدت البورجوازية الصغيرة الديمقراطية، واختارت نظام الحزب الواحد، فقد كان عبد الناصر يؤمن أن الأحزاب والتنظيمات السياسية هدفها السلطة، أما الإفراد من كافة الاتجاهات الفكرية فيمكنهم، كأفراد، التعبير بكل حرية عن أفكارهم المعارضة للنظام من خلال حزب السلطة.
وكما كان الباشا محمد علي يحلم بوراثة الإمبراطورية العثمانية عبر تحقيق إمبراطورية عربية، فقد سعى الزعيم جمال عبد الناصر من أجل وحدة العالم العربي، وقاد النضال العربي القومي في وجه القوى المعادية، وخاصة إسرائيل_ القاعدة المتقدمة للغرب في المجتمع العربي، ولأن عبد الناصر اقتنع أن الغرب لن يساعده في مشروعه القومي فقد أمم قناة السويس وكانت الحرب في عام 1956، وهكذا التجأ إلى الاتحاد السوفييتي، لكن السلطة السياسية، كمعبرة عن الطبقة البورجوازية الصغيرة لم تستطع أن تتجاوز ازدواجيتها كطبقة ضائعة بين البورجوازية الوطنية والطبقة العاملة، وهذا الموقف الذي هو في النهاية لا موقف أضعف التجربة الناصرية حيث أن الجيش لا يمكن أن ينتج مجتمعاً حديثاً يقوم على الحرية والعدالة والديمقراطية، بالإضافة إلى الفساد الذي أصاب جسم " الثورة " التي اعتمدت ضباط الجيش في مختلف المواقع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية، وأدى ذلك إلى عسكرة ليس المجتمع السياسي وحده، بل والمجتمع المدني أيضاً، وكان لا بد أن يتحرك الغرب الإمبريالي ضد نظام " الثورة "، وأدى إلى تحركه عبر إسرائيل وضرب " الثورة " في حرب حزيران عام 1967، وهكذا انتهت التجربة الوطنية في مصر، حيث انقلبت البورجوازية الصغيرة ضد عهده الوطني، عهد مناصرة الطبقات الشعبية، ودخلت في نطاق البورجوازية الطفيلية، خاصة وإن زعماءها كانوا قد راكموا أموالاً طائلة من نهب القطاع العام، وظهر عهد الانفتاح على الغرب الإمبريالي في عهد السادات، وظهور البورجوازية الطفيلية كفئة مسيطرة على الاقتصاد عبر ارتباطها بالنظام العالمي الإمبريالي، وأيضاً عبر ارتباطها بالأنظمة الحاكمة، وانتهت التحولات صوب ذلك الغرب الإمبريالي بقيام معاهدة السلام مع إسرائيل بعد حرب 1973. وبذلك دخل المجتمع العربي في نفق مظلم، وخاصة بعد ارتفاع أسعار البترول بسبب حرب تشرين، ودخول البترو دولار الخليجي في سوق إفساد الإنسان العربي والأنظمة العربية الحاكمة، وعملت القوى الدينية المحافظة والراديكالية، بمساعدة دول الخليج والبترو دولار، التي كانت مسيطرة على المجتمع المدني، من أجل السيطرة على المجتمع السياسي عبر لعبة تبادل المصالح بينها وبيم الأنظمة السياسية الحاكمة، وخاصة في مواجهة القوى التقدمية اليسارية والماركسية.
تجربة طلعت حرب وبنك مصر
بين تجربة الباشا محمد علي (1805 _ 1848) وتجربة الزعيم جمال عبد الناصر (1918_ 1970) قامت تجربة طلعت حرب (1867 _ 1941) في محاولة من البورجوازية الوطنية الليبرالية لخلق صناعة مصرية بالاعتماد على الذات. وكان طلعت حرب قد قدم رؤيته للاقتصاد المصري في كتاب " علاج مصر الاقتصادي وإنشاء بنك للمصريين ". وفكرة تأسيس بنك مصري تعود إلى زمن ثورة عربي، وكانت تتجدد باستمرار حتى تحققت في عام 1920، بعد ثورة 1919 كثورة سياسية لاستقلال مصر، وكنتيجة من نتائجها الاقتصادية. وهذا ما قاله طلعت حرب في خطبة تأسيس بنك مصر: " إن فكرة تأسيس بنك مصري، برؤوس أموال مصرية، يعمل لمصلحة مصر قبل كل مصلحة سواها ليست بالحديثة. ففي البلاد أموال عظيمة بعضها مخزون معطل، وبعضها في البنوك الأجنبية وكلاهما لا تستفيد البلاد منه شيئاً مذكوراً. وفي البلاد ودائع وأمانات كثيرة مستثمر معظمها في بلاد غير البلاد لو استثمرت هذه وتلك في الشؤون المصرية وسوعدت التجارة والصناعة والزراعة المصرية لزادت الثروة المصرية أضعافاً، ولكان ذلك عاملاً قوياً على إصلاح حالنا الاقتصادية وإيجاد الكفاءة المالية التي هي الأساس المتين للرقي المطلوب _ كتاب: خطب طلعت حرب ". " ما هذه الحياة إلا حرب اقتصادية "، هذا ما رآه طلعت حرب، ورأى أن التجارة المصرية تحت رحمة الأجانب في كل شيء، وأسواق المحاصيل المصرية هي كذلك تحت رحمة الأجانب في كل شيء. والبنوك الموجودة كلها أجنبية وتستثمر تقريباً كل ودائع المصريين وأموالهم في بلادها الأجنبية، وتنفذ في المصريين أوامر البلاد الأجنبية، ولذلك كان لا بد من الاستقلال السياسي والاستقلال الاقتصادي. وقد تم إنشاء البنك بجهود طلعت حرب ومجموعة من المواطنين المصريين من كبار ملاك الأراضي الزراعية للتخلص من تحكم البنوك الأوروبية وضمان توفر الائتمان، وذلك من أجل تمويل صناعة وطنية تقوم على مجموعة من الشركات العملاقة تحمل كلها اسم مصر: شركة عملاقة لصناعة النسيج، وشركة لحلج القطن، وشركة للتأمين، وشركة للنقل البري، وأول شركة مصرية للطيران، شركة للملاحة البحرية، وشركة للطباعة الكتب، وشركة للسينما لإنتاج الأفلام، وقد تجاوزت تلك الشركات المصرية العشرين شركة، وكلها برأسمال مصري عبر بنك مصر. كما أن بنك مصر أرسل البعثات من أجل التدرب على العمل المصرفي، وشجع ثقافة الادخار عند كل أفراد الشعب المصري، حتى تلاميذ المدارس. ولم تمانع سلطات الاحتلال الإنكليزي إنشاء بنك مصر، لأن مزاج الشعب المصري بعد ثورة 1919 كان ضد الاحتلال، ولم تكن ترغب في تحريك الشعب المصري ضدها، خاصة وإنه تم الترحيب بالبنك من كافة قطاعات الشعب المصري، واعتبر باعثاً للروح القومية. وقد حقق البنك نجاحاً كبيراً في مصر، وتجاوز مصر للعمل في البلاد العربية وحقق فيها نجاحاً عظيماً، خاصة في سوريا ولبنان. وفي خطبة له في مأدبة أقيمت له في بيروت يقول " نخن المصريين بالذات نعلن إنه كما تهمكم _ سوريا ولبنان _ شؤوننا تهمنا شؤونكم. وإنه يهمنا ويهمكم على السواء أن تكون الثقافة العربية التي تربطنا بكم أقصى ما تكون من الرقي. وإنه يهمنا كما يهمكم على السواء أن يكون الاستقلال الاقتصادي أمراً واقعاً في بلادنا، كما يكون الرخاء ميسوراً قائماً على قواعد ثابتة في بلادكم. وإنه يهمنا ويهمكم على السواء أن تكون حركة المبادلة التجارية بيننا وبينكم على أشد ما تكون _ كتاب: خطب طلعت حرب ". وكان الدافع لتأسيس فروع لبنك مصر في البلاد العربية له علاقة بصعود النزعة المعادية للإمبريالية، وكان طلعت من المؤيدين للقومية العربية، وأقام علاقة قوية مع الحركة القومية لمعاداة الإمبريالية، حتى أن بنك مصر اعتبر من الحركة القومية من أعداء الإمبريالية.
لكن البنك الذي بدأ كممثل للشعب، ويعمل لمصالح الشعب المصري، سيطرت عليه الطبقات العليا، وتمت الإطاحة بطلعت حرب عام 1939 من رئاسة البنك، حيث ظهرت أزمة كساد بسبب الحرب العالمية الثانية التي على الأبواب، وبسبب الخوف الذي فرضه عدم الثقة في مصر نتيجة الصراعات الإمبريالية بدأت الودائع تسحب من بنك مصر مما تسبب في أزمة سيولة في النبك، ورفض المحافظ الإنكليزي لبنك الأهلي إقراضه المال. فذهب إلى وزير المالية ولكنه رفض المساعدة لأسباب سياسية إلا إذا استقال، وقدم طلعت حرب استقالته من أجل أن يستمر بنك مصر. وبعد طلعت حرب بدأت تلك الطبقة العليا التي سيطرة على بنك مصر، وراحت تتشارك مع الرأسمال الأوروبي، مما أفقده استقلاليته، وبدأ يستدين الأموال من البنوك الأوروبية حتى وجد نفسه عاجزاً عن تسديد فوائد تلك الديون، وكانت النهاية: فالظروف الخارجية، وخاصة من قبل الاحتلال الإنكليزي، والظروف الداخلية، وخاصة الصراع بين الأحزاب السياسية للسيطرة على البنك بسبب إبعاد طلعت حرب البنك عن السياسة _ طلعت حرب وحزب الأحرار الدستوريين كانوا من أنصار الاستقلال الاقتصادي قبل الاستقلال السياسي، أما حزب الوفد فقد كان من أنصار الاستقلال السياسي قبل الاستقلال الاقتصادي، بالإضافة إلى محاربة من قبل القطاع التجاري القوي داخل النخبة الحاكمة، وكذلك معارضة بعض عائلات ملاك الأراضي لسياسة البنك، ويمكن إضافة سوء الإدارة، والفساد، لكن لا بد من القول أنه حتى تنجح مثل هذه التجارب الصناعية في القطاع الخاص يجب أن تحظى بدعم دولة قوية تضمن وتساند هذه التجربة في الإنتاج الصناعي، أو يجب أن تقوم عبر طبقة مهيمنة على المجتمع المدني تعمل ل " ذاتها "، وليس عبر قوى فردية _ كتاب: طلعت حرب وتحدي الاستعمار دور بنك مصر في التصنيع ".
لنحاول أن نتعرف على رأي آخر في البورجوازية العربية المعاصرة، يقول مهدي عامل " فالبورجوازية الكولونيالية، كممثلة، في وجودها الطبقي المسيطر نفسه، للبورجوازية الإمبريالية، تستمد سيطرتها الطبقية بالذات من تبعيتها البنيوية لهذه الطبقة، أي من تبعية هذا الإنتاج الذي يولدها كطبقة مسيطرة، للإنتاج الإمبريالي. إن علاقة التبعية هذه بين بنية الإنتاجين توجد في منطق الصيرورة الطبقية داخل الإنتاج الكولونيالي إمكاناً هو مستحيل في منطق الصيرورة الطبقية الخاص بالإنتاج الإمبريالي. هذا الإمكان في وصول البورجوازية الصغيرة، أي في وصول هذه الطبقة غير المهيمنة إلى السيطرة الطبقية، برغم وجوده في التطور الطبقي للواقع الكولونيالي، هو بالفعل فضيحة نظرية في منطق التاريخ ".
لكن هذه البورجوازية الكولونيالية عاجزة عن تحقيق تطور المجتمع العربي في طريق الحداثة، والتحول الرأسمالي لذلك يرى مهدي عامل " إن على الطبقة العاملة أن تقوم، بسبب من تميز الإنتاج الكولونيالي، بثلاث ثورات هي في الحقيقة ثورة واحدة: الثورة البورجوازية، والثورة الوطنية، والثورة الاشتراكية _ كتاب: مقدمات نظرية ". أي هدم جذري لعلاقات الإنتاج السابقة، وتحقيق تراكم رأس مال أولي من أجل الإنتاج الصناعي، إنجاز التحرر الوطني بقطع العلاقة البنيوية مع الرأسمالية، وتحيق الاشتراكية.
ولقد هدم التطور التاريخي هذا التفاؤل الماركسي بقوة الطبقة العاملة، وخاصة بعد أن أصبح واضحاً مقدرة الرأسمالية على تجاوز أزماتها الاقتصادية، وأيضاً بعد انهيار التجربة الشيوعية في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية، مما جعل الماركسية العربية تعيد النظر في موقفها من الطبقة البورجوازية كطبقة أصبحت عاجزة حتى عن تحقيق مهماتها التاريخية كطبقة، وهذا رأي مهدي عامل، وهو رأي أغلب الماركسيين العرب عدا قلة منهم مثل المفكر الياس مرقص. ولكن بعد تجاوزت الرأسمالية أزماتها، وبعد انهيار الكتلة الشيوعية بدأ الماركسيون العرب ينظرون للبورجوازية كطبقة عليها أن تقوم بدورها التاريخي، وإنجاز النظام الرأسمالي في المجتمع العربي المتخلف والتابع.
ولكن هل كان مهدي عامل، كمثال، مخطئ كلياً بخصوص دور الطبقة العاملة العربية؟ وقبله هل كان ماركس مخطئ كلياً هو الآخر بخصوص انهيار الرأسمالية تحت ثقل أزماتها المتكررة؟ صحيح أن مهدي عامل أعطى الطبقة العاملة العربية دوراً هو أكبر من حجمها الطبيعي، وهو أيضاً خارج الشرط التاريخي الاجتماعي العربي أيضاً، ولكن التاريخ صيرورة، وإذا كانت الرأسمالية تجاوزت أزماتها حتى هذا التاريخ بالفعل: تطور العلم والبحوث العلمية، وتطور التكنولوجيا، وإذا كانت تتجاوز أزمتها الحالية عبر نهب العالم بالقوة. دائماً كانت الامبريالية تنهب العالم بالقوة المباشرة وغير المباشرة: الاحتلال الاستعماري، والنهب اقتصادي المباشر وغير المباشر، لكن الجديد في تصرف الإمبريالية في أزمتها الحالية أنها أصبحت أكثر توحشاً، إنها تحاول السيطرة على العالم المتقدم والمتخلف على طريقة قطاع الطرق، حتى لو أدى ذلك إلى تدمير العالم: تدمير العراق، وليبيا، وسوريا من أجل نهب ثرواتها الطبيعة _ وليس أهمها البترول، وكذلك احتياطاتها المالية: ذهب العراق، وذهب ليبيا. ومن يدري فإن مالم يتحقق في زمن يمكن أن يتحقق في زمن آخر وتنهار الرأسمالية بسبب أزمة قاصمة، كما يمكن في زمن آخر أن تقوم الطبقية العاملة العربية وقد أصبحت طبقة تعمل ل " ذاتها " بما رأى مهدي عامل أنها يمكن أن تحققه وتخلق الحداثة العربية. ولنتجاوز دور الأزمات الاقتصادية في النظام الرأسمالي، ويبدو أنه ما تزال تحت السيطرة، فهناك أزمة أخرى تأكل المجتمعات الرأسمالية: إنها العنصرية، ولقد أظهر الرئيس رونالد ترامب بعنصريته المتطرفة أنه يمكن أن يقود الرأسمالية إلى التفكك من الداخل ويقضي عليها، كما قضى الرئيس الروسي يلتسين على الشيوعية. وهذه الأزمة العنصرية التي أشعلت حركة احتجاج غاضبة على خلفية مقتل الأمريكي من أصل أفريقي جورج فلويد بطريقة وحشية، تزامنت مع أزمة كورونا، وكما كرس الرئيس العنصري ترامب العنصرية ضد الأمريكان من أصل أفريقي، كرس أيضاً اللامبالاة في التعامل مع وباء الكورونا، وترك الأمريكيين يواجهون مصيرهم المظلم. أن أعمال العنف التي رافقت الاحتجاج على العنصرية الأمريكية أدت إلى انهيار الاقتصاد الأمريكي، وتفكك الداخل الأمريكي حتى أن عمدة لوس أنجلس قال " هذه ليست احتجاجات، إنه تدمير ". إن الرئيس ترامب حول البلد الذي يفاخر أنه قلعة الديمقراطية في العالم، ولو نظرياً، إلى مهزلة بعد أن دفع أنصاره لاحتلال مبنى الكابيتول والاعتداء على النواب، وإعاقة العملية الديمقراطية. لقد أظهر الرئيس العنصري ترامب هشاشة النظام الأمريكي، وإنه يمكن لرجل مغامر عنصري أن يلعب بقضية العنصرية بين الأمريكان من أصل أفريقي والأمريكان من أصل أوروبي ويقود بلاده إلى حرب أهلية من أجل التحكم بالسلطة السياسية رغم هزيمته بالانتخابات، مغامر يريد أن ينقلب على الديمقراطية التي جاءت به إلى السلطة بالقوة، خاصة وقد ظهر أن المجتمع الأمريكي منقسم عنصرياً على مستوى الشعب، وعلى مستوى الولايات الأمريكية. وكما يقول ماركس " لا يكفي القول، كما يفعل الفرنسيون، بأن أمتهم قد أخذت على حين غرة. فإن الأمة والمرأة لا تغتفر لهما تلك اللحظة التي تفقدان فيها الحذر ويتمكن أول مغامر يمر بهما من أن ينتهكهما _ كتاب: الثامن عشر من بروميير ".
لكن، لنطرح السؤال الآخر، وهو هل يمكن للطبقة البورجوازية العربية الكولونيالية أن تتحول إلى بورجوازية رأسمالية، وتقوم بخلق التراكم الأولي لرأس المال لتحقيق بنية اجتماعية رأسمالية؟
يظهر التاريخ أن البورجوازية في الدول التي في طريق النمو _ الدول المتخلفة يمكن أن تنجز هذا التحول إلى النظام الرأسمالي بإرادة حقيقية وعظيمة عبر التنمية المستقلة، وقد قامت بهذه العملية التاريخية في دول كثيرة: اليابان_ النور الآسيوية: كوريا الجنوبية، تايوان، سنغافورة، هونغ كونغ _ الصين، وجميع هذه البلدان قامت عبر المجتمع السياسي، التنمية من البنية الفوقية عبر الدولة حسب ظروفها الاجتماعية والاقتصادية حيث استخدمت التقدم الرأسمالي العقلي والعلمي _ التكنولوجي في عملية التحول الرأسمالي دون أن تتخلى من تراثها وعاداتها، ودون أن تدخل في الغربة الاجتماعية بين ذلك التراث القومي وتراث الغرب الحديث. إن نهضة العالم العربي، في النهاية، تتطلب قوى اجتماعية مهيمنة: قوى بورجوازية وطنية، وطنية بمعنى إنها من خلال عملها ل " ذاتها " تعمل أيضاَ لأجل المجتمع، وعليها أن تتجذر في المجتمع المدني بقوة الاقتصاد لأنها سوف تجد مقاومة من البورجوازية الكولونيالية المسيطرة على المجتمع السياسي، ومن النظام العالمي أيضاً الذي يسعى لإعادة إنتاج التخلف في العالم الذي يسعى للنمو الاجتماعي والاقتصادي، ولذلك عليها أن تملك تفاؤل العقل وتفاؤل الإرادة.