بمناسبة اليوم الدولي للتعليم في 24 كانون الثاني / يناير (اثر تطور التعليم على التقدم الاقتصادي للبلاد / تجربة سنغافورة نموذجا )

عادل عبد الزهرة شبيب
2021 / 1 / 12

كشف مؤشر جودة التعليم العالي الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس لعام 2015 – 2016 في 30 أيلول 2015 عن تدني ترتيب أغلب الدول العربية في مجال جودة التعليم , ولم يدرج العراق في خارطة التقييم لكون النظام التعليمي فيه ليس بالمستوى المطلوب , بينما احتلت سنغافورة المرتبة الاولى تلتها سويسرا ثم فنلندة .فكيف احتلت سنغافورة هذه المرتبة المتقدمة في التعليم والاقتصاد ؟ وما أثر تطور التعليم فيها على تقدمها الاقتصادي ؟
مما لاشك فيه أن هناك علاقة طردية بين مستوى التعليم والنمو الاقتصادي في البلد, فكلما تحسن المستوى التعليمي لبلد ما كلما تحسن أداء هذا البلد اقتصاديا, وان قدرة البلاد وتقدمها لا يرتبط بما موجود لديها من خيرات ومصادر للدخل فحسب , بل هو مرتبط بتنمية وتثقيف عقول شعبها .
جمهورية سنغافورة بلد صغير يقع على جزيرة في جنوب شرق آسيا عند الطرف الجنوبي من شبه جزيرة الملايو ويفصلها عن ماليزيا مضيق جوهور. أحتلت من قبل بريطانيا ثم نالت استقلالها في 19 / آب 1965 بعد انفصالها عن الاتحاد الفيدرالي الماليزي. وسنغافورة بلد صغير يفتقر للأرض والمياه العذبة ومعظم غاباتها أزيلت والمتبقي منها 3% من مساحة البلاد .
كانت سنغافورة تعاني من العديد من المشاكل كالفقر وارتفاع نسبة البطالة وانخفاض دخل الفرد وتلوث البيئة وازالة الغابات ومشكلة الامية, اضافة الى المشاكل العرقية , فسنغافورة تتألف من ثلاثة أعراق رئيسية هي :
الصينية 76% والمالوية 15 % والهنود 7% من السكان , ولاتكمن المشكلة في اختلاف اللغات بين هذه الاعراق بل أن كل عرق منها يتبع ديانة مختلفة عن ديانة العرق الاخر .
في عام 1959 وصل حزب العمل الشعبي للحكم واستلم ( لي كوان يو ) مهام رئاسة الوزراء والذي لعب دورا مهما في نهضة سنغافورة حيث تمكن من نقلها الى أحد أقوى نمور الاقتصاد الاسيوي والعالمي وجعل منها دولة تحتل أحد أعلى عشر مراكز بين أغنى دول العالم اذ بلغ معدل دخل الفرد فيها حوالي 56 ألف دولار سنويا وقلت نسبة البطالة الى أقل من 2%, واحتلت سنغافورة رابع أهم مركز مالي في العالم ومدينة عالمية تلعب دورا مهما في الاقتصاد العالمي, كما يعد مرفأ سنغافورة خامس مرفأ في العالم من ناحية النشاط ,كما تم احلال الزراعة محل الغابات التي تمت ازالتها وتحولت ارض الجزيرة الى مزارع علمية واسعة للمطاط وجوز الهند والفواكه المدارية , وأصبحت سنغافورة أسرع دولة في انعاش اقتصادها بنمو وصل الى 17.9 % , الى جانب احتلالها مراتب متقدمة عالميا في النظام التعليمي .
فما الذي ادى الى هذا التحول والتقدم الكبير في سنغافورة ؟
أدرك رئيس الوزراء السنغافوري ( لي كوان يو ) أنه لن يتمكن من الحفاظ على تقدم بلاده وتطورها بدون انشاء نظام تعليمي متكامل , وهذا النظام كفيل بتوفير جميع انواع الايدي العاملة التي تحتاجه بلاده, وبالتعليم يتم القضاء على الامية ومعالجة مشكلة البطالة , ويقل الفقر ويتحقق الاكتفاء الذاتي, وبالتعليم يمكن المحافظة على النمو والتقدم . ولكن ( كوان ) واجه مشكلة تعدد الاعراق واللغات والديانات في سنغافورة وكان لزاما عليه المحافظة على وحدة البلاد وفي نفس الوقت عليه أن يحقق لكل عرق رغبته بالمحافظة على لغته وهويته , فوجد أن فرض لغة وثقافة الاغلبية (العرق الصيني 76% ) ونظامه التعليمي سيتسبب في خلق كثير من المشاكل والنزاعات العرقية والدينية وسيؤدي ذلك الى تجاهل الاقليات وطمس هويتها, لكنه وجد الحل في تطبيق نظام ( ثنائية اللغة ) حيث جعل اللغة الانكليزية ,اللغة التعليمية الرئيسية في كافة مدارس الدولة وفي نفس الوقت يحق لكل فرد أو عرق أن يختار لغته الخاصة كاللغة الام يتخاطب بها بين أقرانه, ومع تطبيق حرية الممارسة الدينية تمكن ( كوان يو ) من خلق هوية دولة سنغافورة الحديثة المتعددة الاعراق الخالية من النزاعات والخلافات الدينية والعرقية ,( وهذا أحسن درس لسياسيينا الطائفيين ) .
وما أن استقر الامر على ذلك حتى توجه الى تحديد أهداف النظام التعليمي , فما هي هذه الاهداف ؟
1. تطوير امكانيات كل طالب من الناحية الذهنية والاخلاقية والبدنية.
2. أن يكتشف كل طالب مهاراته وقدراته الفردية ليطبقها بالطريقة التي تمكنه من خدمة وطنه ومجتمعه على أكمل وجه .
3. التركيز على التحصيل النوعي في التعليم بعد أن كان مرتكزا على التحصيل الكمي .
4. ومن أجل الوصول الى درجة الامتياز النوعي في التعليم تم التركيز على كفاءة المعلمين وجميع العاملين في قطاع التعليم , واصبح ينظر الى المعلم على أنه الركيزة الاولى والاساسية بين ركائز العملية التعليمية فتم الحرص على تنمية قدراته ومهاراته التعليمية والادارية , وحرصت الحكومة على الارتقاء بمستوى كفاءة المعلم عن طريق برامج تطويرية وتدريبية مختلفة لدى أعرق مراكز التعليم في كل من امريكا وبريطانيا .
5. الحرص على توفير عدد كاف من المعلمين في المدرسة الواحدة وذلك للتخفيف من العبء الاداري الروتيني على المعلم ويصبح المعلم بذلك متفرغا لطلابه وتعليمهم وكذلك لديه الفسحة الكافية من الوقت لتطوير مهاراته وتقوية معلوماته .
6. منح المعلمين المتفوقين في التقييم السنوي المكافئات والعلاوات السخية والعالية جدا .
7. قيام رئيس الوزراء بزيارات مفاجئة للجامعات والمعاهد والسكن الداخلي للطلاب والاستماع الى طلباتهم واقتراحاتهم والتوصية بها الى ادارة هذه الجامعات.
8. الاهتمام بالتعليم الالكتروني وتوفير كافة المستلزمات لذلك وبهدف تعزيز الابداع .
لقد أطلقت سنغافورة مبادرتين لتطوير التعليم : الاولى مبادرة ( مدارس التفكير , تعلم الامة ) القائمة على مبادئ:
اعادة النظر بأجور المعلمين, واعطاء قادة المدارس مزيداً من الاستقلالية والغاء التفتيش واستحداث التميز المدرسي وتقسيم المدارس لمجموعات يشرف عليها موجهون مختصون لغرض التطوير واستحداث برامج جديدة .أما المبادرة الثانية فكانت مبادرة (تعليم أقل ,تعلم أكثر), التي ركزت على طرائق التدريس وتقليل حجم المحتوى لإفساح المجال للتفكير.
وفيما يتعلق بالعراق فان التعليم فيه وفي كافة مراحله يعاني من العديد من المشاكل التي أدت الى انخفاض مستواه , مما يتطلب اعادة النظر فيه والاستفادة من التجربة السنغافورية في هذا المجال وفقا لظروفنا وضرورة تسخير عائدات النفط لرفع كفاءة وامكانات الطاقة البشرية عن طريق مناهج الدراسة الجامعية وقبل الجامعية والاستفادة من تقنيات التعليم الجامعي وربطه باقتصاد البلاد وحاجاته, الى جانب تأهيل الكادر التعليمي تأهيلا عالي الجودة وادخالهم في دورات تطويرية وتدريبية مع تقديم مناهج تنمي مهارات التفكير وتلبي سوق العمل , وتشجيع المشاركة النشطة للطلاب في الاستفادة من الامكانات المتاحة . اضافة الى الاهتمام بالبنى التحتية لقطاع التعليم وتوفير التجهيزات التعليمية والابنية , والاهتمام بالتعليم الالكتروني وتوفير مستلزماته, مع توفير العدد الكافي من المعلمين لكل مدرسة , وفك الازدواج في المدارس , الى جانب تحقيق الاستقرار الامني ووضع حد للنزاعات الطائفية والدينية التي ليس لها أي مبرر . فكلما حسّنا مستوى التعليم في كافة مراحله كلما نجد أن اداء اقتصادنا الوطني قد تحسن .