بمناسبة اليوم الدولي للتعليم في 24 كانون الثاني / يناير ( من المسؤول عن تدمير النظام التعليمي في العراق منذ 2003 وحتى اليوم ؟

عادل عبد الزهرة شبيب
2021 / 1 / 12

نصت المادة ( 26) من الاعلان العالمي لحقوق الانسان على في فقرتها الأولى على : (( لكل شخص حقً في التعليم , ويجب ان يوفر التعليم مجانا , على الأقل في مرحلتيه الابتدائية والأساسية . ويكون التعليم الابتدائي الزاميا , ويكون التعليم الفني والمهني متاحا للعموم . ويكون التعليم العالي متاحا للجميع تبعا لكفاءتهم .)) وفي الفقرة الثانية من المادة ( 26) نصت على :((يجب ان يستهدف التعليم التنمية الكاملة لشخصية الانسان وتعزيز احترام حقوق الانسان والحريات الأساسية . كما يجب ان يعزز التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الأمم وجميع الفئات العنصرية او الدينية , وان يؤيد الأنشطة ابلتي تضطلع بها الأمم المتحدة لحفظ السلام .)).
كما اكدت اتفاقية حقوق الطفل المعتمدة في عام 1989 على اتاحة التعليم امام الجميع . وتناولت خطة التنمية المستدامة لعام 2030 التي وضعتها الأمم المتحدة في ايلول / سبتمبر 2015 واقرها المجتمع الدولي والمؤلفة من سبعة عشر هدفا , ان التعليم ضروري لنجاح جميع اهداف الخطة السبعة عشر . ويهدف الهدف الرابع من الخطة الى ضمان توفير تعليم جيد وشامل وتعزيز فرص التعلم مدى الحياة للجميع بحلول عام 2030 .
الا ان هناك العديد من التحديات امام تحقيق التعليم الشامل , فالتعليم يمنح الأطفال سلما للخروج من الفقر ومسارا الى مستقبل واعد ولكن ما يقرب من 265 مليون طفل ومراهق في العالم لا تتاح لهم الفرصة للدراسة او حتى اكمالها . ومع ان اكثر من خمسهم في سن التعليم الابتدائي , الا انهم محبطون بسبب الفقر والتمييز والنزاعات المسلحة وحالات الطوارئ. وبحسب تقرير مراقبة التعليم العالي لعام 2019 فإن الهجرة والتهجير القسري يؤثران كذلك على تحقيق اهداف التعليم .
لقد تعرضت البنى التحتية في قطاع التعليم في العراق الى الأضرار التي افرزتها تغييرات ما بعد 2003 حالها حال البنى الأساسية الاخرى في مجالات الحياة كافة , ويبقى النهوض بهذا القطاع الحيوي هاجسا مستداما للعراقيين . ولم يستطع هذا القطاع ان ينهض على الركام بحلة جديدة وهو ما يزال يعاني من وطأة الهزة القوية ولا يزال يبحث عن السبل التي تعطي للأنشطة التعليمية صورة معاصرة. وتحتاج العملية التعليمية الى تصويب ورصد الاخطاء ومعالجات متواصلة سواء على مستوى العملية التعليمية نفسها او العناصر المادية الساندة لها .
بعد عام 2003 برز بشكل كبير اتجاه في التعليم مسنود من قبل الدولة المتوجهة نحو الخصخصة الا وهو ( التعليم الأهلي ) في كافة المراحل الدراسية ويبدو انه كنتيجة للنواقص والأخطاء والتدهور التي رافقت عملية التعليم الرسمي الحكومي ومنها على سبيل المثال , قلة المدارس وضعف الكادر التدريسي وقلته احيانا وتراجع اساليب التعليم وعجزها عن مواكبة الأساليب المعاصرة وانعدام او قلة المختبرات العلمية الحديثة وطرق التدريس البالية , اضافة الى امور اخرى تتعلق بالعملية التعليمية ومن بينها تأشير حالات العنف ضد الطلبة والتي تمارس في المدارس الحكومية , وعدم الاهتمام بتوفير الأبنية المدرسية وفق المواصفات العالمية وضعف التخصيصات المالية والمادية والبشرية اللازمة لقطاع التعليم . والى جانب العنف ضد الطلبة في المدارس الحكومية , هناك اسلوب التلقين الذي يستهين بقدرات العقل , اضافة الى انتشار الفساد وخاصة ما يتعلق ببناء المدارس او اعمال الترميم او الكتب المدرسية وطباعتها وبكل ما يتعلق بتجهيز المراحل الدراسية المختلفة والتي يمكن ان تستنزف المال العام من دون ان تؤدي الغرض المطلوب منها.
لقد شخصت تقارير المنظمات الدولية المختصة العراق كأسوأ دولة في العالم في مستوى التعليم, علما ان الدولة المعافاة لا يمكن بناءها من دون تعليم معاصر سليم ومعافى من الظواهر المسيئة . وقد ظهرت العديد من المشاكل منذ 2003 والتي تعيق النظام التعليمي والمتمثلة بـ :
انتشار الدروس الخصوصية , ونقص الموارد وتسييس النظام التربوي والهجرة والتشرد الداخلي من المعلمين والطلاب وتسرب الطلاب من المدرسة لأغراض العمل والتسول , والتهديدات الأمنية والطائفية والفساد وتفشي الأمية على نطاق واسع وغيرها من المؤشرات السلبية التي تعد عوامل معيقة للعملية التربوية . ولا يمكن النهوض بالتعليم في حالة استمرارها كونها تؤثر بصورة فعلية على تطور هذا القطاع الحيوي . لذا فان التدهور المستمر في قطاع التربية والتعليم يعني استحالة بناء الدولة المتطورة التي تحكمها المؤسسات والقانون وذلك بسبب تفشي الامية والجهل بين العراقيين وهو امر لا ينسجم مع التوجه نحو المسار الديمقراطي وتعميق التجربة التحررية التي يأمل العراقيون ان يقطفوا ثمارها بصورة فعلية بمساعدة قطاع التعليم اولا .
ان بوادر تدهور التعليم في العراق يمكن ملاحظتها من خلال بعض الممارسات في عدد من المدارس الابتدائية حيث يقوم بعض المعلمين بتعليم التلاميذ كيفية اللطم وصلاة الجنازة وغيرها من اساليب , اضافة الى ان بعض الاحصاءات الدولية تشير الى ان نسبة القادرين على القراءة والكتابة قد وصلت الى اقل مستوياتها في تاريخ العراق الحديث حيث بلغت في العقد الأخير ما يقارب 60% اذ عانى اكثر من 6 ملايين عراقي بالغ من الامية التامة نتيجة الحروب التي اتت على البلاد والحصار الاقتصادي الذي دام اكثر من 13 عاما, في حين كاد العراق ان يقضي على الامية في سبعينات القرن الماضي .
اليوم يتميز القطاع التربوي والتعليمي بالهشاشة وعدم جدية وافلاس الجهات المسؤولة في معالجة الظواهر السلبية المنتشرة في هذا القطاع ولذلك تراجع التعليم كثيرا .
اما بالنسبة للجامعات الحكومية فهي غير قادرة على استيعاب كل مخرجات التربية حيث ان العراق يخرج سنويا 100 – 120 ألف طالب وطالبة من الدراسات الاعدادية والاعداد في زيادة كبيرة ليفوق العدد الـ 200 ألف طالب وطالبة وهذا العدد لا يمكن ان تستوعبه الكليات الحكومية لذلك قامت وزارة التعليم العالي بمنح الاجازات لفتح كليات اهلية دون التدقيق في الشروط المطلوبة المتعلقة برصانة التعليم وجودته خاصة وان الكليات الأهلية تعمل وفق مبدأ التمويل دون الرصانة العلمية مما يعني انها تهتم بالاستثمار اكثر من تقديم المادة العلمية وان الطالب يمكن ان ينجح بسهولة على اساس ما يدفعه وليس على اساس ما يتعلمه . اضافة الى ذلك فان المعدلات المتدنية للطلبة في الدراسة الاعدادية وارتفاع معدلات القبول في الجامعات الحكومية يدفع بعض الطلبة المتمكنين ماديا للتقديم الى الدراسة في الكليات الاهلية بينما يحرم غالبية الطلبة من ذوي الدخل المحدود من الدراسة في هذه الكليات ليلتحقوا بجيش العاطلين .
ينبغي ان لا يكون التعليم الاهلي في العراق بديلا عن التعليم الرسمي ولا يمكن اعفاء الدولة من احد اهم واجباتها, فالتعليم حق كفله الدستور العراقي للمواطن والملقى على الدولة قبل غيرها . ويجب ان تكون هناك رؤية جديدة تغير واقع التعليم جذريا وتجعله مرتبطا بحاجات المجتمع وتطوره الاقتصادي والاجتماعي , ويبقى الامر مرهونا بالتخطيط الجيد وبالإرادة السياسية , كما ينبغي عدم التوسع في التعليم الأهلي على حساب التعليم الحكومي خاصة وان التعليم الاهلي يكلف الاسر العراقية كثيرا وان كثير من ذوي الدخل المحدود لا يستطيعون تسجيل ابناءهم في المدارس والكليات الاهلية خاصة اذا تعدد الابناء , لذلك من الضروري التوسع في المدارس والكليات الحكومية والحفاظ على مجانية التعليم . فقد دمر الصراع وغياب الاستثمارات في العراق نظامه التعليمي الذي كان يعد فيما مضى افضل نظام تعليمي في المنطقة , وهناك اليوم ما يقرب من ( 3,2 ) مليون طفل عراقي في سن الدراسة خارج المدرسة بسبب الفقر وغيرها من اسباب . فالوضع مقلق وخاصة في المحافظات المتضررة من النزاع والحرب مع داعش مثل محافظة صلاح الدين وديالى وغيرها اذ ما يزيد عن 90% من الأطفال في سن الدراسة خارج النظام التعليمي وما يقرب من نصف الأطفال النازحين في سن المدرسة وهم ليسوا في المدرسة والوضع اسوأ بالنسبة للفتيات. وكثيرا ما نجد الأطفال في سن الدراسة يتسولون في تقاطعات الطرق او يمسحون زجاج السيارات او يبيعون الشاي والمناديل الورقية وغيرها من المواد البسيطة لإعانة عوائلهم الفقيرة . ان البنية التحتية في العراق في حالة خراب ودمار في اجزاء كثيرة من البلاد حيث المدارس متضررة وبحاجة الى اعادة تأهيل , بينما يعمل عدد آخر من المدارس بدوام مزدوج ثنائي او ثلاثي لاستيعاب اكبر عدد ممكن من الطلاب مما يتسبب في ضغوطات على الوقت القليل المخصص للتعليم الذي يحصل عليه الأطفال . كما تشير تخصيصات موازنات العراق العامة الى قلتها خاصة في السنوات الأخيرة والتي بلغت اقل من 6% للقطاع التعليمي مما يضع العراق في اسفل الترتيب لدول الشرق الأوسط بحسب اليونيسيف.
ولغرض النهوض بالواقع التعليمي والتربوي في العراق فمن الضروري :-
1. وضع حد للتعليم الطائفي في مدارسنا والغاء مادة التربية الدينية واستبدالها بمادة التربية الاخلاقية
2. الاستعانة بالخبرات المتخصصة والاطلاع على الخبرات والتجارب العالمية والاستفادة منها في هذا المجال .
3. وضع الخطط الكفيلة بدعم قطاع التعليم وتطويره .
4. العمل على تطوير الكادر التدريسي وفق اساليب التعليم المعاصرة اضافة الى تطوير الاشراف التربوي .
5. ضرورة انتهاج سياقات تعليمية تتيح للطالب فرصة للتعليم النموذجي .
6. الغاء التعامل بعنف مع الطلبة والغاء الدروس الخصوصية خارج نطاق المدرسة .
7. اكمال النواقص في الأبنية المدرسية من ناحية البناء والتجهيزات ووسائل الايضاح والمختبرات العلمية وما شابه , ومنع حالات التجاوز على المال العام تحت هذا البند .
8. وضع حد للفساد المستشري في وزارتي التربية والتعليم العالي .
9. التأكيد على الرصانة العلمية في كلياتنا الرسمية والاهلية .
10. ينبغي البحث الدائم عن الاسباب التي تقود الى تدهور التعليم بكافة مراحله وتحديدها بصورة واضحة ووضع الحلول الناجحة لمعالجتها .
11. تأشير ومحاصرة الظواهر التي تسيء للتعليم ومعاقبة من يقف وراءها بصورة فورية .
12. العمل على مضاعفة المخصصات المالية للكادر التدريسي وتوفير الموارد المالية لإنجاز ما يتعلق بالبنى التحتية لهذا القطاع وانشاء المختبرات ووسائل الايضاح وما شابه .
13. هناك بطالة مقنعة واضحة في دوائر ومؤسسات التعليم ولا بد من اعادة هيكلتها ومعالجتها بصورة صحيحة .
14. مضاعفة الزمالات الدراسية الى الخارج ووضع ضوابط عادلة للقبول فيها وفقا للمعدلات وبعيدا عن المحسوبية والمنسوبية والمحاصصة .
15. الاسراع بتشكيل مجلس الخدمة العامة وتعيين الكادر التدريسي من قبله وفق ضوابط عادلة لمنع الفساد في تعيينات وزارة التربية والتعليم العالي .
16. ضرورة توفر الارادة الحكومية الجادة القادرة على النهوض بالواقع التربوي والتعليمي .
17. اعتماد فلسفة تربوية – تعليمية تقوم على قيم المواطنة وتعزيز الفكر التنويري .
18. العمل على تغيير مناهج التعليم وطرق التدريس وتأمين مستلزمات التقدم التقني والمادي مع تشجيع البحث العلمي والابتكار .
19. ربط العملية التعليمية بعملية التنمية الشاملة في البلاد واهدافها الكبرى وتطوير التعليم المهني الزراعي والصناعي والتكنولوجي .
20. ادراج تعليم المعلوماتية ضمن المناهج في مرحلة مبكرة .
21. مكافحة الامية في الريف والمدينة وضمان مجانية التعليم في المراحل الدراسية كافة وتفعيل الزاميته في الدراسة الابتدائية .
22. صيانة حرمة الجامعات والمعاهد واستقلالها وصيانة الحريات العامة فيها .
23. متابعة تطبيق القوانين والضوابط الخاصة بالمدارس والجامعات الاهلية وتخفيض اجورها وعدم التوسع فيها لتكون بديلا عن المدارس والجامعات الحكومية .
24. حث الكادر التدريسي على الاخلاص في العمل واخذ التعهدات بعدم ممارسة التدريس الخصوصي وفرض العقوبات الصارمة بخلاف ذلك .
25. توعية الطلبة وحثهم على عدم ممارسة الغش في الامتحانات كوسيلة رخيصة للنجاح.
فماذا ستفعل الورقة الحكومية البيضاء في هذا المجال المهم ؟؟؟!!!