انحطاط الثقافة البصرية العربية

ساطع هاشم
2021 / 1 / 10

في اوروبا وعلى مدى تاريخهم الطويل عبرت التقسيمات والتصنيفات الفكرية والسياسية والاجتماعية عن نفسها بواسطة الصور والتماثيل والرموز البصرية بشكل واسع النطاق وعميق، اما في الشرق مهد الحضارات فقد دُمِرَت ثقافة الصور والتماثيل التي ولدت فيه اصلا منذ الاف السنين، بواسطة الغزو الاسلامي منذ القرن السابع الميلادي والى الان، ولجأ الناس بخيالهم الفني مجبرين او مخيرين الى الزخرفة والخط والأشكال الهندسية المجردة عديمة المعنى.
واستمرت هذه النظرة الرجعية والحط من أهمية الفن البصري التصويري والتشخيصي في مجتمعاتنا وثقافتنا واقتصارها على الأغراض التزينية والتطبيقية النفعية الى حد دخولنا عصر الاستعمار بعد نهاية الحرب العالمية الأولى وإدخال نظام التعليم الغربي الى مدارسنا.
ورغم جهود الأجيال المتنورة بالمئة سنة الأخيرة بالتربية والتعليم والصحافة ونشر الثقافة لكن هذه النظرة الرجعية المتخلفة مازالت عميقة الجذور ومتواصلة، بل انها زادت بعد سيطرة تجار الدين بالأربعين سنة الماضية على مجتمعاتنا، وساهمت هذه السيطرة بشكل كبير في إعاقة تطور الفنون والعلوم والثقافة الإنسانية وانتكاستها بعدما شهدت تقدماً كبيراً في القرن العشرين استمر حتى أواخر السبعينات منه.
كيف حصل هذا؟ وماهي جذوره التاريخية؟
اجتاحت العالم الإسلامي بالقرنين الأخيرين للدولة العباسية نزعة ذهنية/عقلية وعلمية تجريبية ادت الى تطور العلوم وخاصة الكيمياء والرياضيات، لم يكن سببها مذهبي او ديني او روحاني، وانما سببها البحث عن الذهب وإمكانية تحويل العناصر من شكل الى آخر، بمعنى سبب اقتصادي يتخذ من العلوم اساساً لتوسعه، لكنها لم تستمر بسبب من سقوط بغداد سنة 1258 وانهيار الحضارة بالشرق ودخولنا بالعصور المظلمة التي ازداد ظلامها بالأربعين سنة الماضية.
فعرف العباسيون أشياء مهمة بالكيمياء واكتشفوا بعض العناصر الكيميائية الجديدة التي لم تكن معروفة من قبل منها الزرنيخ مثلاً، وكان مركز هذه (الثورة) العلمية في بغداد، وكان العراقيون ينفقون الأموال في جمع كتب الاغريق وترجمتها، لكنهم مُنعوا من تطوير علم التشريح لان الفقهاء اعتبروه تمثيلا بالجثث، ولهذا فقد توقفت معارفهم بالجسم الإنساني على ما عرفه قبلهم الاغريق في مدوناتهم، ولم يتقدم الطب عندهم كثيرا.
ومن جهة أخرى فقد طوروا الفنون التطبيقية فيما يخص الخط والزخرفة الهندسية وتزيين الكتب والنسيج والصياغة واشغال المعادن البرونزية والحديدية والسيراميك والتزيين المعماري، وقاطعوا وعطلوا ودمروا الفنون الجميلة بالرسم والنحت التشخيصي والقصصي التصويري والرمزي الذي كان سائدا بالشرق منذ فجر التاريخ، وحُرّم على الرسام او النحات من الرسم من الطبيعة للإنسان او الحيوان او الكائنات الحية عموماً، والتي هي من الضرورات الأساسية لهذه الأنواع من الفنون، وذلك بحكم العرف الديني والحدود التي وضعها الدين الاسلامي وتفاسير الفقهاء للفنون، وهي الأسباب التي تمنع الفنان من ان يرسم الكائن الحي وخاصة الجسد الانساني العاري للمرأة او الرجل، التي هي عماد حياته العملية وابداعه.
فتحول فن المسلمين الى عمل ذهني (افلاطوني) يميل الى الصنعة وبالغوا في اتقانها واهملوا الفن الذي هو احاسيس ومشاعر والهام وخيال وارتجال وتصوّر، وكل هذه التعاليم الدينية الكابحة للرؤيا الفنية تجدها متجسدة في تكرار وكثرة الزخارف الهندسية والمعمارية والخطوط الكتابية المتشابكة المثيرة للملل في احيان كثيرة والتي غالبا ما يصعب حتى قراءتها، فمشكلة الشكل التجريدي الهندسي بهذا النوع من الفن انه وعاءا زخرفيا تزينيا للأعمال الفنية يبعث المسرة للعين والرؤية البصرية لكنه لا يثير الرغبة بالتفكير.
وحطوا ايضاً بشكل فاشي من قيمة التمثيل والغناء والموسيقى التي ربطوها بالحانات والملاهي وما شابه، حتى انهم منعوا شهادة المطرب والموسيقي بالمحاكم، ولم تستعمل الفنون بشكل عام لأغراض التثقيف والدعاية الدينية ونشر العقيدة كما في بقية الأديان.
وصارت الطبقات الحاكمة التي سيطر على ادمغتها الدين وتفاسير الفقهاء الفاسدة تقاوم وتحرّم الفنون عامة وتضطهد الفنانين، الا عند الشيعة الصفوية الفرس في وقت متأخر من القرن الخامس والسادس عشر (بعد قرنين ونصف على سقوط بغداد), الذين رفعوا التحريم وسمحوا برسوم المنمنمات ورسم الوجوه الادمية والشخصيات الدينية والاسطورية والانبياء والرُسل، وسمحوا في تزيين القصور والأماكن العامة كالحمامات والخانات بالصور والتماثيل، لكن كل هذا جاء كاستثناء عن القاعدة الإسلامية العامة، لان التشيع الفارسي كما يصفه بعض الباحثين هو نوع من الانشقاق عن الإسلام وخروج على جمهور المسلمين، مثله مثل الوهابية او ما شابه.
ورغم هذا الاضطهاد الديني والتزمت المذهبي فان الدولة العباسية قدمت بالقرنين الاخيرين من عمرها للبشرية اروع العلوم والفنون المعمارية والزخرفية وانواع الخطوط العربية (التي ربما لا توازيها بجمالها غير الخطوط الصينية واليابانية)، وطبعت الحضارة الاسلامية بها وميزتها عن بقية الحضارات بالعالم، وربما لو كانت قد استمرت حضارتها قرنين اخرين لكنا قد وصلنا الى ما وصلت اليه اوروبا بعدنا بخمسة قرون من علمانية وديمقراطية ونهضة وثورة صناعية تكنلوجية.
ولهذه الأسباب البدوية الصحراوية وغيرها الكثير فقد انقطعت عن وعينا الثقافي الفنون الجميلة وصلتنا بالصورة البصرية كممارسة وكوسيلة للتعبير عن الذات والأفكار او مشاكل المجتمع واشكال الطبيعة، التي كانت سائدة في بلادنا قبل الاسلام، وبالتالي لا نستطيع ان نقرأ تاريخنا منذ الغزو الإسلامي للعالم في القرن السابع ولحد الان عن طريق الصور والرسوم والمنحوتات او الفنون البصرية عامة لأنها غير موجودة الا بشكل محدود وفقير جداً.
لكن كل هذا بدا بالتبدل مع دخولنا عصر الاستعمار الغربي بعد الحرب العالمية الاولى، ودخول الحضارة الينا من جديد، وبدأت تعاد الحياة الى تلك الصور والتماثيل والرسوم الحية ويعاد اكتشافها ودراستها بمبادرة واهتمام من قبل الاوروبيين الذين كشفوا لنا تاريخنا وحياتنا قبل الاف السنين.
فكانت جهود الفنانين الرواد الاوائل الفكرية والعملية قد هدفت الى التغلب على انماط التفكير الرجعية والقديمة وإعادة الاعتبار الى الصورة والتمثال كما كانت قبل الغزو الإسلامي، هذا الغزو الاستيطاني الذي اشاع وكرس البداوة وكراهية الصورة في الثقافة البصرية بكل المناطق التي احتلها من اسبانيا الى الصين، وخصوصا بالشرق الاوسط مهد الحضارات، وعمل هؤلاء الفنانين الجدد على تأسيس مرحلة جديدة في ثقافتنا الوطنية ترد الاعتبار للإنسان كموضوع مركزي ومحوري بالثقافة البصرية، ومواكبة بقية الامم بالعالم.
فانتشرت فكرة وعقيدة استلهام التراث، ودراسة الماضي لتطوير الحاضر والتي صارت لها سطوة هائلة على عقول الفنانين، وهذه الايدلوجيا وطريقة التفكير الجديدة التي وصلنا محتواها وشكلها الفكري من اوروبا في زمن الاستعمار مازالت قوية وفعالة في انتاج الكثير من الفنانين، وصارت بمثابة الهوية والذات لهم، ومثلها الكثير من الايدلوجيات الاخرى التي وصلتنا من خلال التاريخ الحديث لأوروبا التي اثرت تأثيرا حاسما علينا وعلى افكارنا وشكل ومحتوى حياتنا ومازالت تؤثر منذ قرنين ماضية.
اننا بالواقع العملي ثمرة لتقاليد التعليم الاوربي في النظر الى التاريخ والفن والسياسة والحياة الفكرية عامة, بعد ان تم تلقيحه وتطويعه ليتلاءم مع ثقافات اجنبية اخرى عبر سلسلة طويلة من التحولات والانصهارات التاريخية مع بقية شعوب الأرض.
اما حاضرنا البائس والتعيس الحالي الذي يحكمه البرابرة والحروب، فليس الا انتكاسة هائلة وخيانة لجهود المنورين الاوائل، فما يجري حاليا ليس الا احياء مستمر وتوسيع للأفكار الرجعية القديمة، وتشويه لأفكار الفنانين والمفكرين الرواد عمدا، وتحوير لأفكارهم وعدم نقلها بأمانة وحرفها باتجاه رجعي وشوفيني، وهذا هو بالضبط عكس ما كان قائما قبل مئة سنة.
وبادعائهم الكاذب والمظلل وتركيزهم على الفترة الاسلامية في تاريخنا، صرنا لا نفهم من تراثنا غير غفلة العقل والضمير والتخلف والسلفية، وفي سبيل هذا الهدف الرجعي فان هؤلاء الطغاة الجدد يستخدمون جميع الوسائل والطرق في الدعاية البصرية التي (تحرمها عليهم ديانتهم وفقههم الكسيح)، والتي سمحت بها الثورة العلمية والتكنلوجية وجعلتها ممكنة على نطاق واسع، ولا تربطهم اية رابطة حقيقية بتقاليد وسلوك رواد وبناة الدولة الاموية او العباسية او غيرها.
فكم سنحتاج من سنوات بعد فناء هؤلاء الدجالين وانواعهم المختلفة لنقطع المسافة التي تخلفنا عنها في ميدان تحررنا من ربقة الماضي السحيق وخرافاته وسجون الحاضر الدموي وارهابه، لمواكبة التقدم البشري العاصف؟
لنترك التراث للتراثيين والمتاحف، رجاءا