البطالة بين اصحاب الشهادات العليا في العراق اهدار للكفاءات الوطنية

عادل عبد الزهرة شبيب
2021 / 1 / 10

منذ 2003 والى اليوم عجزت الحكومات العراقية المتعاقبة في معالجة مشكلة البطالة في العراق ما ادى الى تفاقمها , وبحسب آخر الاحصائيات التي اصدرتها وزارة العمل والشؤون الاجتماعية فإن عدد العاطلين عن العمل في العراق بلغ نحو ( 1,6) مليون شخص وبفئات مختلفة بينهم ( 10) من حملة الشهادات العليا, وبحسب احصائيات الأمم المتحدة فإن اكثر من 45 ألف شخص يتخرجون سنويا في الجامعات والمعاهد في العراق . وفي سنة 2019 كان هناك 50 ألف خريج وتم تعيين نحو الفين فقط من هذا العدد , وهذا يبين حجم المشكلة الكبير والتحدي امام الحكومة التي بينت انها غير قادرة على تعيين أي شخص ( عدا ابناء المسؤولين واقاربهم !).كانت نسبة البطالة في العراق عام 2019 ( 22%) الا انها ارتفعت الان لتصل الى اكثر من 40% نتيجة تفشي جائحة كورونا .
ويعود السبب في ارتفاع نسبة البطالة في العراق وتفاقمها المستمر الى سوء الادارة وتفشي الفساد وغياب الرؤى الاستراتيجية اضافة الى نهج المحاصصة الطائفية الاثنية المعتمد وعدم فتح المجال امام الاستثمارات الأجنبية, واعتماد الاقتصاد الريعي الوحيد الجانب الذي يعتمد على تصدير النفط الخام والحصول على العوائد المالية وبنسبة 95% وتهميش القطاعات الانتاجية الاخرى كالصناعة والزراعة والتعدين والسياحة وغيرها , الى جانب احتلال داعش لثلث الأراضي العراقي وتسببه في تدمير المدن التي احتلها وتهجير سكانها مما زاد من عدد العاطلين عن العمل .
ان تفاقم البطالة بين اصحاب الشهادات العليا من الشباب وحرمانهم من الحصول على فرص للعمل في الوقت الذي يتعين فيه ابناء كبار المسؤولين من الأحزاب المتنفذة واقاربهم على الرغم من عدم حصولهم على الشهادة والمؤهلات اللازمة , دفعت بهم الى التظاهر امام مقر رئاسة الوزراء وامام الوزارات المختلفة كوزارة النفط والكهرباء والتعليم العالي والصحة وغيرها اضافة الى طرقهم ابواب القطاع الخاص لأجل الحصول على العمل ولكن دون جدوى . وهذا ما دعاهم الى تنظيم الوقفات الاحتجاجية والتظاهرات والاعتصامات للمطالبة بفرص العمل وتشريع قانون التعيين المركزي لحملة الشهادات العليا اضافة الى تخصيص الدرجات الوظيفية ضمن حركة الملاك الوظيفي لحملة الشهادات العليا .
ان المشكلة في تفاقم البطالة بشكل عام في العراق لا تكمن في نقص الموارد المالية وانما في سوء الادارة وتفشي الفساد , فموازنة البلاد تجاوزت في الماضي القريب مئة مليار دولار ومع ذلك فالبطالة باقية ولم تعالج . اضافة الى حرمان خزينة الدولة من الموارد المالية لكثير من المصادر بسبب الفساد مثل موارد المنافذ الحدودية الكبير وموارد التعريفات الجمركية والضرائب وموارد النفط المهرب وغيرها . ويرى البعض ان الطبقة السياسية في العراق تعاملت مع فرص التوظيف كمكاسب حزبية لتوسيع قاعدتها الجماهيرية والاعتماد عليها عند المواسم الانتخابية , واول ما يوعد به النائب المرشح اثناء الدعاية الانتخابية هو الوعد بالتوظيف. ويعتبر العراق من الدول التي يوجد فيها تضخم في اعداد الموظفين والبالغ نحو ( 7 ) ملايين موظف ما تسبب في انفاق نحو 70% من الموازنة المالية السنوية كرواتب واجور . وهذا مرتبط بسوء التخطيط وسوء الادارة وتعيين الأحزاب المتنفذة للمقربين والمؤيدين خلافا لقانون الخدمة المدنية رقم 24 لسنة 1960 المعدل .
اصبحت البطالة في العراق نتيجة عوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية استشرت وتعمقت جذورها في الاقتصاد العراقي بعد 2003 , واصبحت ظاهرة لا يمكن تجاهلها او تركها لآليات سوق العمل , اذ أن ارتفاع معدلاتها يمثل احد المؤشرات الدالة على تدهور الوضع الاقتصادي وغدت مشكلة ذات ابعاد اقتصادية واجتماعية تعبر بوضوح عن عجز في البنى الاقتصادية وعن خلل اجتماعي على الصعيد الوطني وتمثل آفة اجتماعية خطيرة تعطل القدرات البشرية وتبدد فرص النمو والرفاه الاقتصادي , وهذا ما دعا الجماهير الشعبية وخصوصا الشباب العاطلين عن العمل الى الانتفاضة في بغداد و البصرة ومدن الجنوب وفي مختلف محافظات العراق مطالبين بتوفير فرص العمل من قبل الدولة بعيدا عن المحسوبية والمنسوبية .
وبهذا الصدد فقد اكد الحزب الشيوعي العراقي في برنامجه على ضرورة ( تبني استراتيجية تنمية مستدامة واعتماد خطط تنموية متوسطة وقصيرة الأجل بالاشتراك مع حكومة الاقليم والحكومات المحلية , تهدف الى توسيع وتنويع وتحديث قاعدة الاقتصاد وتنمية القدرات البشرية والاستخدام العقلاني والكفوء لموارد البلاد بما يحقق مستوى ونوعية حياة افضل لجميع المواطنين. مع وضع سياسة اقتصادية فعالة والقيام بالإصلاحات الضرورية لتأمين ما يقتضيه ذلك من تنسيق وتكامل بين السياسة المالية والسياسة النقدية وتطوير آليات وضع الموازنة العامة وتخطيط وتنفيذ البرامج الاستثمارية , مؤكدا على توظيف العوائد النفطية لأغراض الاستثمار والتنمية بالدرجة الأساسية , ومكافحة البطالة باعتبار ذلك من الأهداف الرئيسية للسياسة الاقتصادية وتنفيذ قانون الخدمة المدنية العامة وتشكيل مجلس الخدمة الاتحادي على صعيد السلطة الاتحادية وسلطات الاقليم والمحافظات وايجاد الضوابط والآليات التي تضمن التوظيف على اساس التكافؤ والنزاهة والمهنية والكفاءة .) . فهل ستعالج الورقة الحكومية البيضاء بطالة اصحاب الشهادات العليا وتنصفهم ؟ أشك بذلك...