دور القطاع الخاص في دعم الديمقراطية.. مصر نموذجا

حسن الشامي
2021 / 1 / 8

لكي نستعرض دور القطاع الخاص في التنمية ودعم الديمقراطية يجب أولاً التعرض بعجالة سريعة لحوليات النصف الأخير من القرن العشرين والتعرف على الفلسفة السياسية والإطار العام للنظام الحاكم حيث أن السياسة متغير مستقل والاقتصاد متغير تابع ينتج عنهما ردود فعل اجتماعية تتبلور مع الوقت إلى قيم ثقافية سائدة في المجتمع.
ولفهم قضية النمو والتنمية الاقتصادية والانطلاق والإبداع الاقتصادي الحر فإن "انبثاق ونمو كل الإمكانيات والطاقات سواء كان هذا الكيان هو فرد أو جماعة أو مجتمع".
وبناء عليه لابد من توافر شرطين هما : إزاحة كل المعوقات التي تحول دون انبثاق الإمكانيات الذاتية داخل كيان معين. وتوفير الترتيبات المؤسسية التي تساعد على نمو هذه الإمكانيات الإنسانية المنبثقة إلى أقصى حدودها.
وتعتمد الأنظمة السياسية على النظام السياسي الواحد الذي يرتكز إلى صفوة حاكمة يقودها بصفة أساسية الجماعات العسكرية والبيروقراطية وهذا يؤدي إلى الخلل السياسي والضعف الاقتصادي والتدهور الاجتماعي وظهور التطرف الفكري.

أولاً : الوضع الراهن للقطاع الخاص :
ودور القطاع الخاص تبلور إلى أدوار بعيدة تماماً ومعايير مغايرة لما هو متعارف عليه اقتصادياً حيث ظهرت مفاهيم وآليات ومراكز قوى اقتصادية لا تعمل لمصلحتها ومصلحة الشعب والمجتمع ولكن لمصلحتها الشخصية فقط عازفة تاركة خائفة من أية مشاركة سياسية فعالة لتحسين القوائم الاقتصادية ومن هنا ظهر ما يسمى "الرأسمالية البيروقراطية" حيث نجد أن الدول المتخلفة المستقلة حديثاً والتي تحاول توسيع نطاق وحجم التراكم الرأسمالي السريع النمو وسد الفجوة بينها وبين الدول المتقدمة تقوم بالتدخل المباشر في الاقتصاد وتستبدل أهل العلم بأهل الثقة خوفاً على ضياع مكاسبها السياسية وبالتالي تستحوذ على الأصول الإنتاجية القائمة وبالذات في قطاع الصناعة وتكلف مجموعة من القيادات البيروقراطية بإدارة هذه الأصول لمصلحة الأمة وهذا هو المفروض ولكن في غياب استقلال القضاء وسيادة القانون وغيره، إلى طبقة تعمل على استغلال الأصول العامة لمنافعها ومصالحها الشخصية دون أدنى مسئولية أو ضمير بعيداً عن نظريات النمو والتنمية الاقتصادية.
ولذلك شاعت سياسات " لجنة تصفية الإقطاع والحراسات، وقوانين التأميم وتهريب الأموال والاتجار في الآثار المصرية وتهريبها في الستينيات. وصفقات وعمولات الأسلحة والانفتاح الاستهلاكي في السبعينيات. وخصخصة ونهب ثروات وأصول القطاع العام وشركات توظيف الأموال وكشوف البركة في السبعينيات والثمانينيات. وشركات استيراد الأغذية الفاسدة في التسعينيات. ونهب أموال البنوك وظهور نواب القروض ورجال الأعمال غير الشرفاء والتهرب الضريبي والجمركي. وانخفاض قيمة العملة المحلية. وضعف الصادرات وزيادة الواردات وعجز الميزان التجاري. والاستغلال البشع للنفوذ السياسي والوظيفي في تحقيق مكاسب غير مشروعة. وظهور اقتصاديات (الخبطة / الفهلوة) في التسعينيات. واستغلال مشاعر وعواطف الشعب عقائدياً لتحقيق ربح وعائد سريع. وتحويل القطاع العام إلى قطاع أعمال وظهور العمولات والصفقات.
تدهور المستوى المعيشي للشعب وتفشي البطالة نتيجة للتضخم والركود الاقتصادي.
إن هذا السلوك الفاسد والاستغلال الاقتصادي في أبشع صورة للأصول العامة وثروات البلد من القطاع الخاص هيئته ظروف سياسية سحقت القانون وسيادته والضوابط التنظيمية والرقابية سحقاً سياسياً.
وهذه السياسات الاقتصادية تبعتها قيم اجتماعية منها : الظهور بوضوح لثقافة الخوف من السلطة ورموزها.
وعدم الإقبال على العمل والعلم وتبني ثقافة الهدم والكسل والاتكال. وظهور ثقافة عدم قبول الآخر. وظهور الأنانية الفردية وعدم الولاء للوطن. والولاء للطائفية والتعصب لها.

ثانيا : القطاع الخاص والتنمية الاجتماعية :
للقطاع الخاص دور مهم في تفعيل التنمية الاجتماعية حيث يجب تشجيع ثقافة الحد من الزيادة السكانية ونشر ثقافة الولاء للوطن ورفع قيم العمل ونشر الفكر الليبرالي الديمقراطي وقبول الآخر على أساس من الأصالة التاريخية العقائدية المتماشية مع حركة التاريخ وروح العصر ومن ثم زيادة الإنتاج والقيم المضافة للاقتصاد الوطني.
العمل على رفع رواتب الموظفين الحكوميين حيث لا تتم عرقلة مسيرة القطاع الخاص في التنمية ومنع استغلال النفوذ الوظيفي للحصول على رشاوى ودخل إضافي لتأمين الحد الأدنى للحياة المعيشية.
ومطالبة القطاع الخاص بدور أكبر في عمليات النمو الأساسي على أن تضمن الحكومة تنفيذ هذه الأعمال من خلال إصدار أسهم وسندات تضمنها الخزانة العامة حسب الخطة العامة الموضوعة من الحكومة.
وعلى القطاع الخاص العمل بجدية على التفاعل على أرضية المكان والتكامل الجغرافي للوطن العربي عن طريق تشجيع آليات السوق العربية المشتركة أسوة "بالسوق الأوربية المشتركة".
وعلى القطاع الخاص الأهلي بالتنسيق مع الأنظمة الحاكمة في أطر الخطة العامة جذب استثمارات أجنبية مباشرة في أصول جديدة وكيانات زراعية وصناعية تخلق فرص عمل جديدة وتزيد من الصادرات.
وعلى القطاع الخاص مطالبة النظام الحاكم تبني سياسة تعليمية قائمة على نبذ الطائفية بأنواعها واحترام حقوق الإنسان وقبول الأخر. وصهر جميع الطوائف المجتمعية في البوتقة الوطنية.
وعلى القطاع الخاص الاهتمام ببرامج التأهيل والتدريب للقوى الوطنية العاملة وإرسال الكوادر العمالية في بعثات تدريبية إلى الدول المتقدمة تكنولوجيا ونشر ثقافة أن العلم وحده القادر على مساعدتنا في تحقيق النمو والتنمية والاستقلال الحقيقي.
ويجب على القطاع الخاص تكوين هيئات استشارية في مختلف القطاعات ممن بلغوا سن التقاعد لتقديم المشورة المجانية لكوادر الشعب المتطلعة لدخول سوق العمل والاقتصاد الحر وكذلك نشر ثقافة التأمين في شتى المجالات ونواحي المجتمع.

ثالثاً : دور القطاع الخاص في تدعيم الديمقراطية :
وحتى يقوم القطاع الخاص بدوره في تدعيم الديمقراطية لابد من إلغاء حالة الطوارئ حيث لا يوجد قطاع خاص ونمو وتنمية في ظل حالة الطوارئ.
ويقع عاتق النمو الاقتصادي على النظام السياسي الحاكم والحكومة المنتخبة الذي يتمثل في تأسيس البنية التحتية الأساسية لقطاع الزراعة والصناعة بخطط متوازنة ومدروسة على أحدث الطرق التقنية والعلمية.
لذلك لابد من التفريق بين مفهومي "النمو" و"التنمية".. إن "مفهوم التنمية" أكثر اتساعاً وشمولا من "مفهوم النمو" حيث يشمل الحب والولاء للوطن "كنموذج الإقبال على دفع الضرائب العادلة ومحاربة الفساد والمطالبة بنوعية التعليم المتماشية مع متطلبات السوق قبل تكافؤ الفرص وكذلك الحرص على معنى "التنمية الاجتماعية".. لأن التنمية الاقتصادية من أساسها وأيضاً المعطيات الحديثة للثقافة الاجتماعية والمعطيات السياسية التي تتطلب سلسلة من الاستثمارات غير المثمرة برغم أنها نافعة اجتماعياً، فيمكننا القول أن التنمية الاقتصادية تقف على شفا مرحلة من شأنها أن تعرقل النمو إن لم تضع نهاية له... وعلى سبيل المثال غي وجود إنتاج محدود من المواد الغذائية (نقص الأراضي القابلة للفلاحة). ونفاذ الموارد الطبيعية الأمر الذي يبدو وشيك الوقوع (البترول). وارتفاع درجات التلوث البيئي. والزيادة السكانية.

رابعا : آليات تفعيل دور القطاع الخاص في دعم الديمقراطية :
ولكي يقوم القطاع الخاص بدوره من أجل تحقيق المسار الديمقراطي والنمو والتنمية الاقتصادية :
على الدولة أن تكفل الحرية والطمأنينة وتكافؤ الفرص لجميع المواطنين على أساس احترام حقوق الإنسان. وأن تكون حرية الاعتقاد مطلقة وأن تحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد طبقاً للعادات المرعية في البلاد. كذلك تكفل الدولة حرية الرأي والبحث العلمي مكفولة ووسائل الإعلام ملك الشعب والمسيرات والمظاهرات مباحة بالطرق السلمية. وحرية تكوين الأحزاب والجمعيات الأهلية مادامت الغايات والوسائل سلمية. كما أن الملكية الخاصة مصونة ولا تنزع الملكية الخاصة إلا للمنفعة العامة، ومقابل تعويض عادل يدفع مقدماً وفقاً للقانون. وأحقية أفراد الشعب في الحصول على المعلومات بعد دفع الرسوم المقررة وينظم القانون ذلك.
يكفل القانون التوافق بين النشاط الاقتصادي العام والنشاط الحر تحقيقاً للأهداف الاجتماعية ورخاء الشعب، كما يكفل للعاملين فيهما نصيباً في ثمرات إنتاجهم يتناسب وعملهم.والمصادرة والتأميم للأموال والأصول محظورة.
والنشاط الاقتصادي الفردي حر، على ألا يضر بمنفعة اجتماعية، أو يخل بأمن الناس أو يعتدي على حرياتهم وكرامتهم.
كذلك إنشاء النقابات حق مكفول في حدود الأهداف الوطنية والمهنية البحتة ولها شخصية معنوية وفقاً للقانون.
يشترط فيمن ينتخب رئيساً للجمهورية البرلمانية أن يكون مصرياً متمتعاً بكامل حقوقه المدنية والسياسية ولا يقل سنه يوم الانتخاب عن أربعون عاماً.
الفصل التام بين السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية. والقضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم الغير القانون ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضايا أو في إجراء العدالة. والقضاة غير قابلين للعزل.
الدولة وحدها تنشئ القوات المسلحة وهي ملك للشعب ومهمتها حماية حدود البلاد وحماية نظامها الدستوري القائم على التعددية والديمقراطية والمساواة وتتدخل القوات المسلحة عند استشعارها بتغير هذا النظام من قبل الحاكم المنتخب.
ويقع على عاتق منظمات المجتمع المدني والحركات الاحتجاجية والأحزاب تحت التأسيس وأحزاب المعارضة الرئيسية استخدام كافة أساليب النضال الشعبي السلمي وآليات التقنية الحديثة في الاتصال والحشد والتعبئة لنشر وتوعية الشعب بحقوقه السياسية والاجتماعية في إطار من الشفافية والديمقراطية.

رئيس الجمعية المصرية للتنمية العلمية والتكنولوجية

أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار