مسألة الحقيقة في الفلسفة الماركسية

مالك ابوعليا
2021 / 1 / 8

كاتب المقالة: جورجي الكسيفيتش كورسانوف*

ترجمة مالك أبوعليا

الملاحظات والتفسير بعد الحروف الأبجدية بين قوسين (أ)، (ب)... هي من عمل المُترجم

على الرغم من أن الكُتّاب الماركسيين الكلاسيكيين لم يتركوا لنا أي عَمَل مُكرّس بشكلٍ خاص لفلسفة نظرية الحقيقة، الا أن ارثهم الثري يحتوي على بعض الأفكار والمُقترحات المُهمة جداً، والتي هي، برأينا، ذات قيمة كبيرة فيما يتعلّق بمزيد من التطوير لنظرية الحقيقة، العلمية.
هذه النظرية المادية الدياليكتيكية عن الحقيقة هي نظام ديناميكي يتطور باستمرار يتحكّم في عملية الادراك العلمي بأكمله، والقائم على التطوّر والتغيّر المُستمر والمُعقّد والمتناقض للعالم المادي نفسه بكل تنوعه اللامتناهي.
نحن نعتبر النظرية المادية الدياليكتيكية عن الحقيقة مذهباً شاملاً وغنياً يُجسّد نتاج الفكر الفلسفي التقدمي والعلمي العالمي، ويعكس بأشكال نظرية مُعممة جوهر وانتظامات تطور الممارسة الاجتماعية-التاريخية الانسانية.
كافتراضات تاريخية ونظرية نطرحها، سنُلاحظ النقاط الأساسية التالية:
1- ترتبط النظرية المادية الدياليكتيكية حول مسألة الحقيقة نشوئياً بالتطور الكُلّي للفكر الفلسفي العالمي وتطوّر جميع الأفكار والمفاهيم التقدمية حول مسألة الحقيقة عبر تاريخ الفلسفة، من أرسطو وصولاً الى هيغل.
ان هذه النظرية، هي في وحدة عضوية مع كل المعارف العلمية العالمية. ان الحقيقة ليست مُتطابقة مع الادراك. بالاضافة الى ذلك، فان منطق العملية التاريخية للادراك، يظهر كأشكال ومقولات للمعرفة الصحيحة True knowledge أوالحقيقة نفسها.
3- ان المعرفة الصحيحة تكشف عن منطق تطور الوجود الاجتماعي. تتعمم الممارسة التاريخية للبشر ووجودهم الاجتماعي والتجربة الغنية لنضال الجماهير من أجل التغيير الثوري للعالم، في نظرية الحقيقة المادية الدياليكتيكية. وبالتالي، فان تشكّل وتطوّر هذه النظرية العلمية عن الحقيقة هو نتيجة لنشاط البشر في مجال الادراك القائم على ممارستهم الاجتماعية-التاريخية. لذلك، فان ذلك النشاط، له أهمية حاسمة بالنسبة للنظرية ككل.

1- تعريف وبُنية الحقيقة
يتحرّك الفكر الفلسفي، أثناء عملية تطوره، بثبات، نحو تبلور مفهوم الحقيقة الذي يُعبّر عن جوهره بدقة وكمال مُتزايدين. يُمكن ملاحظة النقاط البارزة في هذه العملية على النحو التالي: على الرغم من أن الأفكار الأولى حول المعرفة الصحيحة، في الفلسفة الهندية واليونانية، كانت تدور في نطاق قريب من مفهوم (الحقيقة)، الا أنها لم تكن قد توصّلت بعد الى انتاج هذا المفهوم. كان فهم الحقيقة، على هذا النحو، موجوداً في مدرسة سقراط وأفلاطون. أصبح التعريف الأول لمفهوم الحقيقة الذي قدّمه أرسطو، هو أساس تعريفه الكلاسيكي أو التقليدي باعتباره "تطابق شكل العقل مع شكل الواقع" adaequatio rei et intellectus. قام ديكارت بتحويل هذا التعريف الى تعريفٍ اسميٍ للحقيقة، وصاغ مسألة "معيارها". توسّع المفهوم ليشمل مبادئ الطريقة الصحيحة للادراك و"تفسير الطبيعة" واقامة العلاقة بين مفهوم الحقيقة ومبادئ المنطق الاستقرائي على يد بيكون، ولاحقاً ميل. من ثم زوّدت الأفكار والتعريفات في الفلسفة الكلاسيكية الألمانية وذروتها النظرية الهيغيلية، نظرية الحقيقة، سلسلةً كاملةً من التعريفات التي تكشف الفهم العام لمسألة الحقيقة من زوايا مُختلفة. شَمِلَت هذه تعريف الحقيقة كعملية، والحقيقة بشكلٍ عام، والحقيقة الموضوعية، والحقيقة العيانية. ولكن اكتمالية وانغلاق النظام الهيغيلي المثالي، جعلت من الحقيقة أمراً مُطلقاً، وحوّلتها الى معرفة مُطلقة اندمج فيها اللاهوت والفلسفة والدين والعقل(1).
يُمكننا، من خلال تنظيم الأفكار الرئيسية للكُتّاب الماركسيين الكلاسيكيين حول الحقيقة، كمقولة معرفية عامة، أن نطرح التعريف التالي لها:
الحقيقة، هي عملية انعكاس لا ينضب للعالم المادي اللامتناهي وانتظام تطوره، في الوعي البشري. هذا الانعكاس الذي يتضمن، في الوقت نفسه، عملية انشاء الانسان للصورة العلمية عن العالم التي تظهر كنتيجة تاريخية ملموسة للادراك الذي يتطور باستمرار على أساس المُمارسة الاجتماعية-التاريخية، والتي، أي هذه الأخيرة، هي أعلى معاييرها.
يُعبّر هذا التعريف عن الأفكار الرئيسية التالية: أولاً، يُشير الى المُكوّنات الضرورية والمُحددة للمفهوم التركيبي العام الموحد للحقيقة كعملية تترابط جوانبها المُختلفة في حركة موحدّة للادراك العلمي.
ثانياً، ان التعريف الكلاسيكي على أنها توافق العقل مع الواقع مُدرَج هُنا بالضرورة في معناه العقلاني والعميق كتعبير عن المبدأ المحدد لموضوعية الحقيقة التي لا تدل فقط على التطابق بشكلٍ عام، ولكن أيضاً كتعبير عن الجوهر الموضوعي للأشياء من خلال مفاهيم ومقولات، أو الموضوعية بمعناها الصحيح. ولكن على النقيض من أفكار هيغل، فان المادية الدياليكتيكية تهتم بالتطابق باعتباره انعكاساً لجوهر أشياء العالم الموضوعي، وجوهر الواقع المادي نفسه، وليس انعكاساً للروح المُطلَقة.
ثالثاً، يُعبّر هذا التعريف عن الطبيعة الجوهرية للحقيقة، الا وهو طابعها الدياليكتيكي.
في التعريف نفسه، تظهر هذه الطبيعة الدياليكتيكية في 1- المفهوم العام للحقيقة كعملية تشمل جميع العناصر الدياليكتيكية 2- تعريف الحقيقة على أنها انشاء صورة علمية عن العالم متطورة باستمرار على أساس تطوّر الممارسة الانسانية الاجتماعية 3- تفسير الحقيقة كنتيجة تاريخية ملموسة للادراك، وهنا تظهر الحقيقة كعملية تاريخية، وان ليس في شكل عملية غير متبلورة بشكلٍ عام ولكن كعملية واقعية لتحقيق نتائج الادراك العيانية ككل وفي سلسلة متواصلة من النتائج الجُزئية العيانية.
رابعاً، الحقيقة ليس عملية لتطور الادراك عموماً، ولكن كعملية خلق صورة علمية عن العالم. تشمل الحقيقة المحتوى العلمي الموضوعي لعملية الادراك ونتائجها الضرورية والمتطورة تاريخياً في شكل مفاهيم ومقولات ونظريات علمية، الخ.
ان أي شيء لا يُعبّر عن الجوهر الموضوعي للأشياء، وخصائصها الموضوعية وعلائقها، ليس حقيقة، على الرغم من أنه يُمكن ادراجه في عملية الادراك العامة. يشمل مفهوم النشاط الادراكي أيضاً أشكالاً مثل الاكشتاف والتعلّم والتشخيص والتنبؤ. لا تحتوي كُلٌ منها على عناصر علمية وحقيقية فحسب، بل تحتوي أيضاً على محتوىً قد يتعارض ايضاً، في مرحلةٍ ما، مع المعنى العلمي. تؤدي ضرورة ادراك الحقيقة الى خلق وتطوير صورة علمية عن العالم تُعبّر بشكلٍ مُباشرٍ عن تطور الحقيقة نفسها، والتي يتم من خلالها استبعاد ما هو زائف وسفسطائي باعتباره شبه حقيقة، والذي هو، ليس حقيقةً بأي حالٍ من الأحوال.
خامساً، ينص التعريف على أن الحقيقة كعملية هي عملية انشاء البشر للصورة العلمية عن العالم. يُعبّر هذا عن مبدأ لينين عن فعالية العقل الانساني في الادراك. وهذا يعني أن الصورة العلمية عن العالم ليست نتاجاً للتأمل السلبي للواقع المُحيط. تُدرَك الحقيقة في سيرورة النشاط الابداعي للانسان وعقله. ان ادراك الحقيقة هو تكوين صورة علمية للعالم كعملية تاريخية. لكن يجب أن نُلاحظ مرةً أُخرى أن هذا التكوين للصورة العلمية عن العالم ليس ذاتياً وتعسفياً بمعنى "مبدأ التسامح" أو "التجاوز" principle of tolerance الذي اقترحه رودولف كارناب ولا حتى بمعنى انشاء العالم نفسه بشكل "بُنية العالم المنطقية".
ان نشوء وتطور الصورة العلمية عن العالم هو انشاء الحقيقة نفسها كعملية (وليس عملية مُعطاة كعُملة مسكوكة. انها نتيجة انعكاس العالم الموضوعي في وعي الانسان، ولكنها ليست عملية بناء تعسّفي "حُرّ" للأنماط المنطقية أو الأشكال اللغوية، وبالتالي فان الحقيقة هي نتاج للنشاط الابداعي الايجابي للانسان باعتباره ذاتاً مُدركة، نتاج للنشاط الابداعي لعملية انعكاس الواقع الموضوعي.
نحن نعتبر الحقيقة،, في نفس الوقت، كنظام علمي مُحدد. لم يُعالج لينين هذه المسألة تحديداً. ولكن تحتوي العديد من أعماله على أفكار مُهمة بشكلٍ أساسي، والتي يُمكنها، أذا استعرضناها بطريقة منهجية في نظامٍ موحّد، أن توفر الأساس لتحليل عميق لبُنية مفهوم الحقيقة كمقولة ابستمولوجية أساسية.
هذا النظام، هو عبارة عن نظام من الأشكال والمقولات النظرية والمكونات المنطقية للمفهوم العام عن الحقيقة، وهي تظهر، على هذا النحو، كمرحلة عُليا من التجريد، وهو أحد أشكال الفكر العلمي النظري المُجرّد. في هذا الصدد، تتم مناقشة فكرة كتاب (علم المنطق) العامة، عند هيغل. وذروتها هي منظومة المفاهيم والأحكام والأشكال المنطقية الأُخرى والتي من خلالها يتوصل الفكر الانساني الى هدفه الأسمى وهو الحقيقة كفكرة مُطلقة. ان نظرية الحقيقة، في هذا المجال، تتشكل من المفاهيم والمقولات، التي لا يكون نظامها مجموعها الميكانيكي الكُلّي، بل تركيباً مُعمماً يتثبت بأعلى درجة من التجريد. مثل هذا النظرية هي التي يجب أن تُنتج، حسب هيغل، صورة عقلانية عن الحقيقة.
ان نظام المقولات الابستمولوجية الذي يُشكّل بُنية الحقيقة كأعلى مفهوم مُعمّم هو نظام مُعقّد ومتعدد الجوانب يعكس في مجال التجريدات العلمية ومن خلال توسّط مجال مقولات الادراك العلمي، يعكس كُل تنوع العالم المُحيط من روابطه وعلائقه المعقدّة والمتناقضة. يجب على الواقع متعدد الأبعاد المُتاح للمعرفة،بالضرورة، أن يجد تعبيره في تعدد أبعاد الحقيقة كمنظومة مقولات تكشف عن محتواها العياني الثري.
يجب التأكيد بشكلٍ خاص على أنه لا يُمكن الكشف عن معنى وأهمية انشاء نظام من المفاهيم العلمية تُعبّر عن المُحتوى الملوس والمتعدد الجوانب للمواضيع قيد البحث، ولا سِيما المواضيع شديدة التعقيد مثل المفهوم العام للحقيقة نفسها، الا انطلاقاً من موقف الفهم الدياليكتيكي لمثل هذا النظام والعملية الادراكية برمتها بشكلٍ عام. البُنية هي نظام ثابت، وبالتالي فان الارتباط المُعطى بين المفاهيم التي تُشكّل النظام له أهمية ثابتة مُحددة. ولكن لا يجب بأي حالٍ من الأحوال اضفاء صفة الاطلاق على هذه الأهمية، على الرغم من أن البُنية تتلاشى، خارج استمرارية روابط وعلاقات المفاهيم. تجعل المنهجية الدياليكتيكية من المُمكن دراسة البُنى المفاهيمية في استمراريتها الحقيقية والملموسة، وفي ثباتها، الذي يُحدد ويُعبّر عن طبيعة النظام المُعطى، وفي نفس الوقت في ديناميكيتها وفي تباينها التاريخي والمنطقي.
ان نظام المقولات المعرفية الذي يُشكّل بُنية مثل هذا المفهوم المُعقّد كمفهوم الحقيقة ليس بأي حال مُعطىً بشكلٍ نهائي وغير قابل للتغيّر. على العكس من ذلك، فهو نظام متطور تاريخياً، وعلى سبيل المثال، لا يُمكن لمجموع التعريفات التي تُشكّل المفهوم الأرسطي عن الحقيقة أن يكون على ذلك المستوى مع نظام مقولات المنطق الهيغيلي، الذي يُعتَبر الدياليكتيك من أهم خصائصه. هنا يحتفظ مبدأ المنطق الدياليكتيكي ومبدأ وحدة المنطقي والتاريخي في الادراك العلمي بقوته الكاملة.
يجب على انشاء بُنية عن الحقيقة أن يُعبّر عن الأفكار المُضمّنة في تعريفها ذاته كمفهومٍ مُعمّم ويجب أن يكشف عن جوانبها المتنوعة في شكل سلسلة من المفاهيم، غير المُعطاة في ذلك التعريف بأي شكلٍ ظاهر، ولكنها عضوية متأصلة فيه، ويجب الكشف عنها وصياغتها بشكلٍ خاص.
الآن دعونا ننظر في المكونات الأساسية للحقيقة كمنظومة من المقولات الابستمولوجية.

2- موضوعية الحقيقة. دياليكتيك الموضوعي والذاتي في مفهوم الحقيقة.
يجب على تحليل مفهوم الحقيقة كمفهومٍ عام أن ينطلق من مبدأ الموضوعية كعُنصر أساسي ومُحدد للنظرية، والذي، اي المبدأ، يُشكّل في نفس الوقت الجوهر الداخلي لتعريف مفهوم الحقيقة نفسها. نتحدث هنا عن مبدأ الموضوعية، بقدر ما أن هذه الخاصية لها معنىً شامل وحاسم يُحدد جوهر مفهوم الحقيقة بشكلٍ عام.
هذا يُحدد أيضاً مكان الموضوعية كمبدأ أساسي تقوم عليه جميع خصائص الحقيقة الأُخرى. لقد احتفظت الماركسية، بأهمية فكرة هيغل العميقة التي نقلها في طرحه عن الحقيقة الموضوعية. لذلك، فانه يجب أن يُعتَبَر التعريف المُعاكس، أي "الحقيقة الذاتية"، على المستوى الابستمولوجي الصرف، أنه تناقض في الوصف، لانه يُشير الى نفي موضوعية الحقيقة، أي نفي كونها حقيقة بشكلٍ عام.
في الوقت نفسه، كما رأينا في مسألة تعريف المفهوم العام للحقيقة، فان الادراك هو مجموعة من الأشكال الذاتية، أو صور ذاتية عن العالم الموضوعي. لذا فان دراسة موضوعية الحقيقة يتطلب أيضاً، وبطبيعة الحال، تحليل دياليكتيك الذاتي والموضوعي في مفهوم الحقيقة.

أ- مفهوم موضوعية الحقيقة
يُمكننا، انطلاقاً مما سبق، أن نصيغ التعريف التالي: الموضوعية هي شرط ضروري وسمة مُحددة للحقيقة، تُشير الى انعكاس جوهر وخصائص وعلاقات العالم المادي في الأشكال الادراكية. انها تُشير الى استقلالية مُحتوى المعرفة الذي أكدته المُمارسة، عن الانسان والبشرية.
ان الحقيقة الموضوعية كنتاج لانعكاس العالم المادي في دماغ الانسان، متأصلة في جميع أشكال وأنواع الادراك العلمي. بهذا المعنى، يتطابق مفهومي "الحقيقة العلمية" و"الحقيقة الموضوعية" في محتواهما. ان وضع هوسرل المُتأخر لسد بين الحقيقة العلمية و"الحقيقة الفينومينولوجية المُتعالية" في فينومينولوجيته، غير مُبرر تماماً. تبعاً لهوسرل، تتعارض الظواهر أثناء تطورها مع قوانين الادراك العلمي، وهذا يؤدي الى نفي الحقائق العلمية حول العالم الموضوعي وتأكيد حقائق الظواهر المُتعالية، والتي تختلف اختلافاً جذرياً عن الحقائق العلمية، ويُزعَم أنها مُتفوقة عليها وتتجاوزها.
تمتلك، جميع الطروحات الموجودة بدءاً من الأشكال الأولى للادراك العلمي-على المستويين التاريخي والمنطقي- وصولاً الى أعلى مراحله في المفاهيم والنظريات الحديثة، تمتلك محتوىً موضوعياً، وهي ليست سوى محتوى الواقع المادي المُتحوّل في الوعي. يقول لينين: "ان مُحيط اللوحة مشروط تاريخياً، ولكن لا ريب في أن هذه اللوحة تعكس موديلاً موجوداً موضوعياً"(2).
الآن دعونا نأخذ واحد من أعلى أشكال الادراك النظري. استحدث عالم الرياضيات الألماني المتميز جورج كانتور Georg Cantor مفهوم اللانهائي الرياضي وتعبيره بالأرقام الأساسية Cardinal Numbers : S0, S1, S2, S3, S4 وما الى ذلك. يُعتَبَر مفهوم اللانهائي الرياضي، في أهميته العامة، انعكاساً مُجرّداً للغاية للانهائية العالم المادي. يُمكن للمرء أن يستنتج من قانون حفظ وتحوّل الطاقة والحركة المُطلَق، سلسلة مُستمرّة ولانهائية من تحولات المادة وخلود وجودها في الزمان والمكان، أي اللانهائية كاحدى خصائصها التي لا تنفصل عنها. ان مفهوم الكمية اللامُتناهية له نماذج أولية في العالم المادي: المجموعات اللانهائية من النجوم والكوكبات والكواكب والتشكيلات المجراتية والأعداد اللامتناهية من الالكترونات والبوزيترونات والنيوترونات، الخ.
يتم التعبير عن كل هذه الكميات اللانهائية الحقيقية بالعدد الأساسي الأول S0، والذي هو رمز لقيمة لانهاية عدد عناصر مجموعات الأعداد الطبيعية، وهذا له أساسه الموضوعي في العالم المادي. ان القوى الأعلى من ذلك S1, S2, S3 تُعبّر عن علاقات نوعية مُختلفة من الكميات اللانهائية على مستوى أعلى من التجريد، وهذا لا يمنع بأي حالٍ من الأحوال وجود مستويات حقيقية لا تنفذ يقوم عليها مفهوم اللانهاية الرياضي في الواقع. بالفعل، انها حقيقة أن خصائص اللانهاية مُستمدة من الطبيعة.
ان المفاهيم ذات الدرجة العالية من التجريد، مثل مفهوم اللانهائية الرياضي (وهو مفهوم نموذجي للغاية)، لا تهتم بالعكس المُباشر للواقع كما في المرآة، ولكن بعكسه المُعقّد والمتوَسّط. غالباً ما يكون من المُستحيل الكشف عن ارتباط المفاهيم المُجرّدة كهذه مع الواقع. ومع ذلك، يُمكننا دائماً أن نُشير الى الأساس الواقعي الموضوعي الذي تنبثق منه المفاهيم العلمية، بما في ذلك أكثرها عموميةً وتجريداً والتي تنهض وتتطور وفقاً لمنطقها الجوهري الملازم لها.
هناك سمة رئيسية أًخرى لموضوعية الحقيقة تختلف شكلياً عن الأولى، ولكن يتبين أنها مُرتبطة عضوياً بها، في معناها الداخلي. يعود الفضل الى لينين في الكشف عن هذه السمة. في وصفه لمفهوم الحقيقة الموضوعية، يقول في كتابه (المادية ومذهب النقد التجريبي) أن هُناك في معارفنا "مضمون لا يتوقف على الذات (أي مُستقل عنها)، لا يتوقف لا على الانسان ولا على الانسانية"(3). تتحدد هذه الاستقلالية من خلال حقيقة أن المعرفة تكتسب أهمية الحقيقة الموضوعية نتيجة اختبارها وتأكدها في الممارسة الاجتماعية، وبالتالي تُصبح مُستقلةً عن رأس الأفراد والجماعات، بغض النظر عن تقييماتهم لهذه المعرفة، وما الى ذلك.
وهكذا فان كلا سمتي موضوعية الحقيقة يرتبطان بشكلٍ لا ينفصم.

ب- ذاتية الحقيقة
يتبين أن مبدأ موضوعية الحقيقة، في محتواه الدياليكتيكي العميق، مُتحد مع ذاتية الحقيقة. لا ينبغي الخلط بين هذه الأخيرة، وذاتية الادراك، والتي تتميز بأولية العنصر الذاتي الذي يُصبح مهيمناً ويقود الى تجاهل وانكار المعنى الحاسم لمحتوى أشكال الادراك الموضوعية، كأشكال لانعكاس الواقع المادي. وبهذا المعنى، فان مفهوم "الحقيقة الذاتية" يستبعد نفسه فعلياً ويصبح مفهوماً زائفاً- على عكس الخط الذي اتخذه كارناب الذي يتعامل مع مفاهيم "الواقع" و"الشيء" و"الزمان" و"المكان" وتقريباً جميع مقولات المعرفة العلمية على أنها مفاهيم زائفة، وهي تفتقر، حسب مفهومه للبنية المنطقية للغة، الى أي محتوىً موضوعي حقيقي.
على عكس مفهوم "الحقيقة الذاتية" على المستوى المذكور أعلاه، فان مفهوم "ذاتية الحقيقة" له معنىً عقلاني ضروري. تتجلى ذاتية الحقيقة في حقيقة أن الانسان كذات مُدركة يخلق الصورة العلمية عن العالم، يُطوّر المفاهيم والمقولات والنظريات العلمية ويقدّم أفكاراً ومبادئ في العملية المعرفية، متوجاً كل ذلك بصياغة التعاريف في المصطلحات اللغوية أو الرياضية المُقابلة لها. يخلق الانسان، كذاتٍ مُدركة، مفهوم الحقيقة ذاته، ويكشف محتواه في تعريف ويُعبّر عنه في شكل اصطلاحي.
يطوّر الانسان، من خلال تحليل بُنية المفهوم العام للحقيقية، نظاماً مُعيناً من التعريفات الابستمولوجية، ويؤسس الروابط والعلاقات فيما بينها كعناصر في المنظومة، ويبني نموذجاً لغوياً عن الحقيقة كمفهومٍ عام. ان ذاتية الحقيقة هي التعبير عن نشاط الانسان الابداعي الديناميكي باعتباره ذاتاً مُدركة، بصفته خالقاً ووسيلة للمعرفة. هذا صحيح فيما يتعلّق بالمفهوم العام عن الحقيقة ككل وفيما يتعلق بأي فرضية صحيحة مُحددة.
وبالتالي فان ذاتية الحقيقة هي عنصر أساسي في مفهوم الحقيقة. يُمكننا، فيما يتعلّق بهذا المفهوم، أن نتحدث عن النموذج العلمي كوحدة دياليكتيكية للموضوعي والذاتي. وبطبيعة الحال، يُمكن اعتبار كل فرضية حقيقية أيضاً نموذجاً مُحدداً وملموساً عن الواقع.
تتجلى وحدة موضوعية وذاتية الحقيقة على طول طريق الادراك الصحيح للعالم، وهي ذات طابع تاريخي مُحدد في كل لحظةٍ مُعطاة، ويتغير محتواها ويتطور باستمرار، وتُصبح أكثر عُمقاً وشموليةً. لكن كمبدأ، كواحدة من الافتراضات الأساسية لنظرية الحقيقة، فانها تتمتع بطابعٍ عالمي ومتأصلٍ في كل الادراك البشري، من اقليدس وأرخميدس، الى منجزات العلم الحديث العُليا.
بالاضافة الى ذلك، فان وحدة ذاتية وموضوعية الحقيقة، تجد التعبير عنها، بطبيعة الحال، في الأشكال اللغوية الموافقة لها. يكشف الدور الفعّال للعقل الانساني في الادراك عن نفسه بالكامل في عملية تعريف المفاهيم والأشكال الابستمولوجية الأُخرى. ان أوج المرحلة النهائية للتعريف هي تشكيل المصطلحات الضرورية للتعبير عن الأفكار حول خصائص وسمات الأشياء ومقولاتها التي يجب ذكرها في المفاهيم المعنية، أي أن الانسان، في عملية ادراك العالم يُطوّر مفاهيم معينة ويُعطيها تعبيراً لفظياً واصطلاحياً.
في ضوء ذلك، تكتسب أنظمة الرموز التي تحل محل مصطلحات وتعريفات معينة في علومٍ مختلفة أيضاً معنىً عقلانياً. ان رمزية الرياضيات والمنطق الحديث عقلانية بشكلٍ استثنائي. لا توفر الرموز الرياضية مجرّد بديلٍ تقليدي للمصطلحات اللفظية. انها التعبير المركّز في الشكل الأكثر اقتضاباً لجوهر وعلاقات المفاهيم الفعلية للرياضيات. بهذه الطريقة، تكشف الرموز عن نفسها على أنها تمتلك محتوىً مخفياً بشكلٍ مُباشر خلف شكلها الخارجي.
لا داعي للقول أن العلاقات والرموز الرياضية ليست انعكاساً للعلاقات وأشكال العالم الواقعي المكانية الكمية شديدة التعقيد يشبة انعكاس المرآة. لا يمتلك شكل الرموز والاشارات بحد ذاته محتوىً ادراكياً هادفاً وملموساً. ولكن من وجهة النظر الابستمولوجية العامة، فان أي وصف رمزي في العلم يفنرض مُسبقاً بالضرورة الصحة الموضوعية للشيء الموصوف والمُنعَكِس في الوعي بوسائل منظومةالأشكال الادراكية والمقولات.
تحتفظ موضوعية وذاتية الحقيقة في وحدتهما، حيث الأولوية للموضوعية دائماً، بأهميتهما على جميع المستويات وفي جميع أشكال الادراك العلمي. تفترض هذه الوحدة الاستقلالية النسبية لمكوناتهما وخصائصهما، ولا تستثنيها. تقف موضوعية الحقيقة في المكان المُحدد والحاسم بغض النظر عن تنوع أشكال تمظهراتها. ان ذاتية الحقيقة هي حرية مُعيّنة للتعبير عنها في هذا التنوع، والتي تظهر بشكلٍ مباشرٍ على أنها نشاط ابداعي ديناميكي للذات، نشاط متوجه دائماً الى شيءٍ ما، نحو ادراك العالم الحقيقي في حركته.

2- شمولية وعيانية الحقيقة
يشكل مفهوم شمولية (أو عالمية) الحقيقة جنباً الى جنب مع مفهوم عيانيتها جُزءاً لا يتجزأ من بُنية الحقيقة كمفهومٍ عام، ويتحد، كعنصرٍ لا ينفصل عن المنظومة بأكملها، مع مفاهيمة وتعريفاته الأُخرى. تضمن المبادئ المُحددة التي تكمن وتتغلغل في محتوى المفهوم العام عن الحقيقة، تضمن هذه الوحدة والارتباط بين جميع عناصر الحقيقة كنظام: مبدأ موضوعية الحقيقة، ومبدأ التطور (الديناميكية)، ومبدأ عدم توافق جميع الأشكال الادراكية، وفي حالتنا هذه، عدم توافق كل المفاهيم كعناصر لنظام الحقيقة العام. ان معنى ومحتوى شمولية وعيانية الحقيقة، الذين هُما مقولاتها (اي مقولات الحقيقة) الرئيسية وخصائصها، يكشفان عن نفسيهما بالكامل بناءاً على الأساس النظري لتلك المبادئ الرئيسية.
تُشكّل الفكرةالعميقة حول شمولية الحقيقة أساس افتراض هيغل الذي يمتد عبر كتاب (علم المنطق): حقيقة الوجود هي جوهر، وحقيقة الجوهر هي المفهوم the truth of being is essence, the truth of essence is the concept. يمتلك كلٌ من الوجود والجوهر والمفهوم شموليةً أو عالميةً أصيلة، وهذا ما يُحدد طبيعة المعرفة الصحيحة. يجب أن يكون المفهوم كتعبيرٍ عن الجوهر المُعُمم، شكلاً عالمياً من أجل أن يتوافق معه. حينها فقط، يظهر المفهوم كحقيقة للجوهر، وبالتالي، الشمولية هي خاصية مُلازمة للحقيقة في الادراك.
ان الاطروحة المادية الدياليكتيكية في نظرية المعرفة التي تقول بأن عالمية الحقيقة هي السمة الابستمولوجية الرئيسية لها، تقوم على حقيقة وحدة وجود العالم، وهي وحدة متضمنة في ماديته باعتباره غير مُنتهي وموجود منذ الأزل وسيظل يتطور الى الأبد. تتجلى هذه الوحدة بشكل طبيعي في التنوع اللامتناهي للظواهر والعمليات، ولكنها تُشكّل الأساس الموضوعي لشمولية الادراك، لشمولية الحقيقة. تكمن في هذه الوحدة الموضوعية لأساس الشموليةة، ارتباط ووحدة شمولية وموضوعية الحقيقة.
لكن الادراك لا يتوقف عند ادراك الوجود، أي لا يتوقف عند ادراك العالم في وضعه الحالي. انه يهدف الى الكشف عن الجوهر المُلازم للعالم المُحيط، وجوهر أشكال العمليات والظواهر المُتعددة للواقع المتطور. الجوهر بطبيعته هو أيضاً شيء شامل وعالمي، انه يحتفظ بأهميته الثابتة في علاقته بالتنويعات المُحددة للتغيرات التي تحدث في العالم الحقيقي، وفي علاقته بالمحتوى المحدد لعملياته المُختلفة.
الشمولية هي أيضاً سمة من سمات القوانين الأساسية لتطور العالم الواقعي، والتي هي بالضرورة موضوع للادراك مثل الوحدة والجوهر. لكي تتحقق شمولية الحقيقة بالكامل، فانها يجب أن تشمل مجال القوانين كمفاهيم تعكس الانتظامات الحقيقية، والروابط والعلاقات بين الجواهر في تنوعات ظواهر الواقع.
ان شمولية الحقيقة ذات أهمية نظرية وعملية كبيرة فيما يتعلّق بأهمية أفكار ومبادئ الماركسية-اللينينية كنظرة علمية عن العالم. ان مُصطلح الحقيقة الماركسية العالمية، الذي يُعبّر عن الأهمية العالمية للنظرية الثورية لجماهير العُمّال وجميع الشعوب وجميع القارات، مقبول بشكلٍ عام في الأدب الماركسي المُعاصر. مع ذلك، يجب أن نؤكد على الفور، أن هذا بالتأكيد لا يعني أي تخطيطات مُجردة أو فرض لـ"نموذج واحد" للتطور الاجتماعي من أعلى على العالم بأسره، مُتجاهلين ثراء وتنوع طرق وخصائص الحركة الاجتماعية للشعوب الحية والنضال من أجل مُستقبلٍ مُشرق. تُشكّل انتظامات التطور التاريخي التقدمية العالمية كُلّاً عُضوياً مع تنوعات الحركات الفعلية للحياة الاجتماعية.
انتشر في السنوات الأخيرة مفهوم "نماذج الاشتراكية" المختلفة مرةً أُخرى بشكلٍ كبير في الأدب اليساري. تتمثل طريقتها الرئيسية في اضفاء الطابع المُطلق على الخاص بمعزلٍ عن العام وتجاهل العام الذي يُحدد قوانين ومسارات بناء الاشتراكية. حاول ايديولوجيو الاصلاحية لعددٍ من السنوات حتى الآن ابتكار أنواعٍ مُختلفة من "نماذج الاشتراكية"، وأدى هذا الى الحديث عن الاشتراكيات "الأوروبية" و"الآسيوية" و"الأمريكية اللاتينية" و"الأفريقية" و"الشرقية" و"الغربية" و"السوفييتية" و"الصينية" و"التشيكوسلوفاكية" و"الفرنسية" و"الاشتراكية بوجه انساني" و"البيروقراطية" و"اشتراكية السوق"، وما الى ذلك. يقولون بأن كل نماذج الاشتراكية هذه تختلف اختلافاً كبيراً عن بعضها، وتتعارض مع السمات العامة والقوانين العامة والجوهر العام للاشتراكية. من الناحية النظرية، يرجع هذا الى الطبيعة الميتافيزيقية غير العلمية لهذا النهج، وهو نهج يتعارض تماماً مع الطريقة الصحيحة للادراك، والتي تتطلّب أن نكشف القوانين العامة المُحددة عن حركة المُجتمع نحو الاشتراكية في علاقتها العضوية مع الخاص، وليس بمعارضة أحدهما مع الآخر.
ميّز روجيه غارودي نفسه مؤخراً في التبشير بمثل هذه المفاهيم. انه يُثني على ما يُسمى بالنماذج الاشتراكية "التشيكوسلوفاكية" و"الصينية" ويُقارنها بالنموذج "التقليدي السوفييتي" الذي لا يعتبره سوى "اشتراكية مشوهة"(!؟). حول هذه النقطة يُلاحظ الشيوعي الفرنسي فالديك روشيه Waldeck Rochet أن غارودي "يخلط بشكلٍ منهجي بين مسألة الطُرق المختلفة للانتقال الى الاشتراكية وبين مفهوم نماذج الاشتراكية المُختلفة. ان استخدام مُصطلح "نموذج" عند الحديث عن طُرُق ووسائل الانتقال من الرأسمالية الى الاشتراكية هو اجراء خلافي الى حدٍ كبير ويؤدي الى الارتباك، لا سيما أنه يطمس السمات العامة التي لا يمكن بدونها التحوّل الى الاشتراكية، مثل الثورة والاستيلاء على السلطة السياسية من قِبَل الطبقة العاملة وحلفاؤها والغاء المُلكية الخاصة لوسائل الانتاج واضفاء الطابع الاجتماعي على الوسائل الأساسية للانتاج والتبادل، الخ"(4). مُطوراً فكرة القوانين العامة للانتقال الى الاشتراكية في مكانٍ آخر، يُلاحظ روشيه أن مفهوم "نماذج الاشتراكية" غامض وغير علمي على وجه التحديد لانه يتجاهل الشيء الرئيسي: القوانين العامة للاشتراكية.
في الواقع، من وجهة نظر متطلبات نظرية الحقيقة، فان مفهوم "نماذج الاشتراكية" هو مفهوم غير علمي، لانه يؤدي الى تجاهل مطلب عالمية الحقيقة، ولا يتوافق مع الحالة الفعلية للأمور، ويتعارض مع الأهمية الحاسمة لقوانين الثورة والبناء الاشتراكي العامة.
كما قلنا سابقاً، فان مقولة عالمية الحقيقة مُرتبطة ارتباطاً وثيقاً بـ"مُقابلها"، أي بمقولة عيانيتها.
ان عيانية الحقيقة مفهوم مُعقّد، كما ان أُحادية جانب تفسيراتها الذي يحدث أحياناً غير مقبول تماماً من وجهة نظر متطلبات نظرية الحقيقة اللينينية. في تفسيرنا لما تعنيه الحقيقة العيانية، ننطلق في المقام الأول من وحدتها العالمية، لان هذه الوحدة، التي تظهر مُباشرةً في العملية الادراكية، هي في التحليل النهائي انعكاس لجوهر العالم المادي نفسه وطابعه المتناقض، أي قوانينه المُلازمة له وأنماط تطوره. يبدو طرح لنين الذي يصف الأساس الموضوعي لوحدة العالمي والعياني في الادراك مهم بشكلٍ استثنائي. لاحظ لينين في دفاتره الفلسفية أن: "الطبيعة هي وقتٍ واحد عيانية ومُجردة، انها ظاهرة وجوهر، بُرهة وعلاقة"(5). ومن هنا يأتي مكان مقولات العالمي والعياني في بُنية الحقيقة كمفهومٍ عام حيث يتجسدان بعلاقتهما وترابطهما، وتحددهما من خلال موضوعية الحقيقة.
تعكس عيانية الحقيقة بمعناها الأساسي والأكثر عموميةً ثراء خصائص وصلات وعلاقات الأشياء وظواهر العالم المادي وهي التعبير المُباشرفي الادراك عن تطور المُحتوى العياني عن العالم. تُعبّر عيانية الحقيقة، في المجال الابستمولوجي، عن مدى عيانية وتحددية الوجود في وحدته مع جوهر وعالمية قوانين حركة العالم المادي الرئيسية، وهذا ما يُحدد وحدة العياني والعالمي في الحقيقة، كأهم خصائصها الابستمولوجية.
في مراحل نشاطه الثوري الأولى، أجرى لينين دراسةً عميقةً لأفكار عيانية التحليل العلمي، اي عيانية الحقيقة. لنتذكر طرحه الذي اكتسب شُهرةً كلاسيكيةً في تاريخ الفكر الماركسي. يقول لينين في مقال له تعود الى عام 1899 بعنوان (برنامجنا): "نحن لا نعتبر أبداً نظرية ماركس شيئاً كاملاً لا يجوز المساس به... ونحن نعتقد أنه من الضروري بخاصة أن يدرس الاشتراكيون الروس ويطوروا نظرية ماركس بصورة مستقلة لان هذه النظرية لا تُعطي سوى موضوعات توجيهية عامة تُطبّق مقلاً في بريطانيا على غير ما تُطبّق في فرنسا، وفي فرنسا على غير ما تُطبّق في ألمانيا، وفي ألمانيا على غير ما تُطبّق في روسيا"(6). أصبح هذا الطرح عملياً، برنامجاً لعمل الأحزاب الماركسية اللينينية في جميع البلدان.
لذا، فان التُهَم الموجهة ضد الماركسيين اللينيني، بأنهم "دوغمائيين" وذوي "مُقاربة مُجردة" و"معايير ثابتة"، التي أطلقها التحريفيين من برنشتاين وحتى غارودي لا أساس لها في حقائق النظرية الماركسية. شَرَح لينين بثبات واتساق الأفكار الدياليكتيكية العميقة حول تركيب المبادئ العامة للنضال الثوري بمطلب التحليل الشامل والملموس للأوضاع الحقيقية في كل بلد، في اللحظات التاريخية المُعطاة. ان الشيء المُميز في اللينينية هو مطالبتها المُستمرة بتحليل عياني للواقع.
تتضمن عيانية الحقيقة، في عملية الادراك، أيضاً، التعبير عن خصائص وعلاقات أشياء وظواهر العالم الملموسة. يستلزم هذا، ادراك الأشياء بتصنيفاتها وعلاقاتها وصلاتها المُقابلة لها، بمساعدة مجموعة من المفاهيم والأحكام والقوانين وما الى ذلك.
تتحدد الحقيقة العيانية بالمعنى الابستمولوجي الواسع، بمحتواها وبالتالي بأهميتها الادراكية، من خلال التحدد النوعي لمواضيع الواقع وبُنى ومستويات الوجود الموافقة لها. هذا يستبعد الاستنتاج المُجرّد وغير المتحدد لأي مواضيع ومستويات، ذات مُحتوىً غير متبلور وغامض بشكلٍ تجريدي. على هذا المستوى، كما يبدو لنا، يجب على المرء أن يحكم على أهمية صيغة لينين بأنه "لا توجد حقيقة مُجردة، فالحقيقة دائماً عيانية".
عند النظر في معنى وأهمية، على سبيل المثال، المقولات الاقتصادية في مُختلف الحُقَب التاريخية، يجب أن يكشف تحليلنا العلمي محتواها المُحدد، والذي يتغير حتماً بتطور العلاقات الاجتماعية. ان مفهوم القيمة هو مقولة تنبع من الاقتصاد البضاعي والعمل البشري. يتغير محتوى هذا المفهوم مع التغير النوعي للعلاقات الاجتماعية، وسيكون المنهج المُجرّد الذي يتجاهل التحليل المٌحدد للمحتوى الجديد غير صالحاً أساساً. ان مفهوم القيمة في ظل الاشتراكية، على الرغم من كونه يظل مقولةً من مقولات الاقتصاد البضائعي، الا أنه يُعبّر في محتواه الجديد، ليس عن التملّك الرأسمالي الخاص، ولكن عن التوزيع الاشتراكي للقيم المادية، المُختلف تماماً.
كل هذا يوضّح ضرورة اتّباع مُقاربة عيانية بدقة لتحليل محتوى المقولات الاقتصادية التي تعكس العلاقات الاجتماعية-الاقتصادية المُختلفة نوعياً.
ان لدى مطلَب التحليل العياني هذا، كما قُلنا، أهميةً ابستمولوجيةً عامة. تم الكشف عن هذه الأهمية بشكلٍ كامل فيما يتعلّق بالمحاولات في كُلٍ من تطور المعرفة السابق وفي الوقت الحاضر لبناء لوغاريتمية منطقية مُطلَقَة. نشأت أولى هذه المحاولات في البداية منذ زمن "الفن اللوللي"(أ) Lullic Art في العصور الوسطى. في وقتٍ لاحق، حاول مفكرون مثل لايبنتز ولابلاس تطوير منظومة منطقية-رياضية لحل أي مشكلة رياضية أو علمية عامة. في عصرنا، اقترح علماء السيمانطيقا تشارلز موريس Charles Morris والفريد كورزيبسكي Alfred Korzybski
ورادولف كارناب حلولاً مُختلفة في شكل "جداول علمية" Tables of Scienceشاملة ومنظومات "ما بعد منطقية" metalogics و"ما بعد لغوية" metalanguage و"ما بعد نحوية" metagrammar والتي سعوا فيها الى اضفاء طابع شامل ومُطلَق عليها. وهكذا، أدى تطور أفكار الصياغة المنطقية الى ظهور مُشكلة شمولية الحقل الموضوعي في المنطق، وهي المشكلة ذات الأهمية الأساسية لنظرية المعرفة ونظرية الحقيقة.
لكن يُظهر تاريخ العلم عدم كفاية مثل هذه الاستقراءات الميتافيزيقية المُجردة. بدءاً من أعمال شرودر وراسل وغيرهما من علماء المناطقة والرياضيين، تم اثبات أن الافتراضات حول شمولية الحقل المنطقي تؤدي الى ظهور مفارقات وتناقضات لا يمكن حلها على أساس مثل تلك الافتراضات التعسفية والمجردة. تكون الصياغة المنطقية عقلانيةً عندما تستوعب-بوسائل التحليل المنطقي- مُحتوىً مُعيناً لأشياء مُحددة تنعكس في الفكر البشري. تُعَدّ مجموعة الحسابات المنطقية والمنطقية-الرياضية المُستَخدَمة في الصياغة المنطقية تعبيراً عن خصائص وسمات مجالات المعرفة القابلة للصياغة. كل هذا جدير بالملاحظة لان التحليل المنطقي الحديث يرتبط بشكل وثيق بحل المسائل العلمية المُحدة التي تطرحها التكنولوجيا والهندسة. وبطبيعة الحال، في هذه المرحلة، لا بد للمنهجية الميتافيزيقية المُجردة التي تُضفي الطابع المُطلق على المجال الموضوعي للبحث أن تنهار بشكلٍ كامل. على العكس من ذلك، يتبين أن مبدأ عيانية الحقيقة صحيح تماماً ويكتسب قيمةً توجيهيةً كبيرة لانه يوجه البحث المنطقي على طول مسار التحليل العياني لمجالات مُحددة من المعرفة.
فيما يتعلق بمسألة عيانية الحقيقة، نرى أنه من الضروري استعراض خاصية لم يتم الاشارة اليها بشكلٍ خاص حتى الآن في مُختلف تعريفات الحقيقة المُقترحة في الأدب الماركسي. الحقيقة هي عملية، وتظهر دائماً، في نفس الوقت، في أي لحظة من الادراك، كنتاجها التاريخي الملوس، اذا كان المرء بالطبع يتعامل بالفعل مع الحقيقة. اذا تجاهلنا هذه الحقيقة أو نسيناها، فاننا نحرم مفهوم الحقيقة من كُلّ معنىً صحيح لانه لا يُمكن أن تكون هناك حقيقة حيث لا توجد نتيجة مُحددة وأصيلة في الادراك.
تتكون عملية الادراك المُعقّدة والمتناقضة، بشكلٍ عضوي من سلسلة من الافتراضات العيانية الصحيحة والنتاجات المُحددة تاريخياً والتي بدونها لن يكون هناك فائدة على الاطلاق من الحديث حول المعرفة الصحيحة، أو الحقيقة. يتم التعبير عن هذه النتاجات التاريخية الملموسة في جميع تنوعات الأشكال الادراكية: في المفاهيم والمقولات العلمية وفي المفهومات العلمية والنظريات وفي الأفكار والمبادئ. ان النتاج العياني الذي يتحقق في الادراك هو تعبير عن الطابع الموضوعي للادراك بشكلٍ عام، وهو تعبير عن قوة وفاعلية العقل البشري.
هذا ينطبق من حيث المبدأ على كل المراحل التاريخية والنتاجات العيانية للعملية الادراكية بصرف النظر عن تعقيدها وعُمقها. يُمكن أن ينطبق هذا على "قاعدة أرخميدس الذهبية" ومعادلة دالة شرودنغر الموجية في ميكانيك الكم والنظريات الأولية لهندسة اقليدس وهندسة المكان الاقليدي ذو الأبعاد وفكرة التركيب الذري التي اقترحها ديموقريطس وابيقوروس ومفاهيم تركيب النيوكليونات المعقد ونظام كوبرنيكوس حول مركزية الشمس والأفكار المعاصرة حول بُنية الكون والقوانين الأساسية للمنطق الأرسطي وأنظمة المنطق المُتعدد القيم التي ظهرت في القرن العشرين، الخ.
يُمكن من حيث المبدأ، قول الشيء نفسه عن نتاجات ادراك الظواهر الاجتماعية. يوجد ميزة مُهمة هنا، هي حقيقة أن الادراك العلمي الحقيقي عن المُجتمع يبدأ مع صعود الماركسية، التي كشفت الطبيعة الحقيقية للعلاقات الاجتماعية.
في الوقت نفسه سيكون من الخطأ تماماً بالطبع انكار وجود أفكار وطروحات لها أهمية صحيحة وعلمية أساسية تقدّم بها بها كبار مُفكري الماضي ما قبل الماركسية. قدّم أول ماركسي روسي جورجي بليخانوف في عمله الرائع (تطور النظرة الواحدية للتاريخ) تحليلاً رائعاً للنظريات الاجتماعية والتاريخية للماديين الفرنسيين في القرن الثامن عشر، ومؤرخي استعادة الملكية الفرنسيين والاشتراكيين الطوباويين في القرن التاسع عشر. أظهر أن نظرياتهم تحتوي على طروحات مادية صحيحة متعلقة بتفسير التاريخ: حول دور البيئة الاجتماعية في حياة البشر وفي تكوين وعيهم ومعاييرهم الأخلاقية، وحول تأثير العوامل الاقتصادية على العلاقات الاجتماعية، وأهمية "الحالة الحضرية" طوال حياتهم في المجتمع، وما الى ذلك. يمكن اعتبار اي طرح من هذا القبيل كنتيجة محددة تمتلك معنىً مُحدداً وصحيحاً وملموس للادراك العلمي للعلاقات الاجتماعية. لن نناقش هنا مسألة عمق ودرجة ادراك الظواهر الاجتماعية التي تحققت بمساعدة هذا الطرح أو ذاك. هذه مسألة الترابط بين المعرفة النسبية والمُطلقة. ما نود التأكيد عليه هو أهمية مثل هذه الطروحات كأشكال من الادراك الصحيح العياني، والذي يُشكل، في مجموعه، المحتوى الحقيقي للعملية المعرفية.
ويَصدُق هذا بشكلٍ خاص على الطروحات الرئيسية الماركسية اللينينية، والتي توضح كلٍ منها بشكلٍ مُباشر قوة وعمق الفهم العلمي الحقيقي حول طبيعة المجتمع البشري. تم التعبير عن جوهر وقوانين التشكيلة الاجتماعية-الاقتصادية الرأسمالية التي تم الكشف عنها في كتاب (رأس المال) لماركس في سلسلة من المفاهيم العلمية والقوانين العلمية، والتي تُشكل نتائج تاريخية عيانية للادراك العلمي ذات الأهمية التاريخية. تأخذ صفة عيانية الحقيقة هنا شكل نظرية متكاملة ومتسقة تظهر كأهم نتيجة تاريخية للادراك العلمي.
ان فلسفة الماركسية اللينينية هي فلسفة متكاملة ومنظمة، ومنظومة ديناميكية من المفاهيم والقوانين العلمية والمفهومات والنظريات في وحدتها الجوهرية، بكل ثراء وتنوع مكوناتها. ان جميع مكونات المنظومة الماركسية اللينينية هي انجازات علمية أصيلة للفكر الانساني، وهي نتاج تاريخي ملموس للادراك العلمي تكشف عن الصورة العلمية للعالم بشكلٍ شامل. وبعبارةٍ أُخرى، تكشف عن الحقيقة في تطورها. عندما تؤخَذ عيانية الحقيقة- في عملية كل الادراك العلمي- كواحدة من من خصائص الحقيقة الابستمولوجية الرئيسية، يتضح أنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنسبية ومُطلقية المعرفة.
ترتبط مُطلقية ونسبية الحقيقة، التي نحن على وشك دراستها الآن، ارتباطاً وثيقاً بمقولات موضوعية وشمولية وعيانية الحقيقة.
في تفسيرنا لمُطلقية الحقيقة ننطلق من التعريف التالي: تُشير مُطلقية الحقيقة الى الامكانية الحقيقية للمعرفة الكاملة والشاملة لجوهر وقوانين العالم المُحيط، وتتحقق في العملية المستمرة واللانهائية لادراك التطور الأبدي للمادة.
بمجرد أن نبدأ في دراسة مقولتي مُطلقية ونسبية الحقيقة، سنرى لماذا يجب استخدام التعريفات الواضحة بدلاً من مصطلحي "الحقيقة المُطلقة" و"الحقيقة النسبية"، وسيكون من الغامض للغاية أن نقول: "نظرية نيوتن في الجاذبية هي حقيقة مُطلقة". من ناحية أُخرى، اذا استخدمنا تعريفاً صريحاً وواضحاً سيصبح كل شيء منطقياً ولن يُثير اي شكوك. لا يُمكننا، بالنسبة لنظرية نيوتن أو أي نظرية علمية عيانية أُخرى، أن نقول أنها حقيقة مُطلقة، ولكن تنتمي سمة مُطلقية الحقيقة بالضرورة الى كل هذه النظريات. تحتفظ أفكار انجلز ولينين، في هذا الصدد، بكل أهميتها. في حين أنه يجب تنقيح وتطوير أشكال تعبيراتها الملموسة بطبيعة الحال.
تُعبّر مُطلقية ونسبية الحقيقة، مثل الخصائص الابستمولوجية الأُخرى للحقيقة، عن طبيعة الوجود نفسه، أي طابعه الدياليكتيكي المتناقض. وقد عبّر لينين عن هذا بايجاز في التعريف التالي: "المُطلَق والنسبي، المحدود واللامحدود، هي أجزاء، درجات الكون الواحد. أليس الأمر هكذا؟"(7). يُعبّر هذا عن فكرتي الأساس الأنطولوجي لمقولات مُطلقية ونسبية الحقيقة، وارتباطها ببعضها وبمقولتي المحدود واللامحدود، والتي تُعتَبَر مُهمةً للغاية من أجل فهم قوانين العملية الادراكية.
لا ترتبط مُطلقية ونسبية الحقيقة بموضوعيتها فقط، انهما مبنيةٌ عليه تماماً، لان هذا المفهوم الأخير، كما ذكرنا سابقاً، له أهمية مبدأ أساسي لنظرية الحقيقة بأكملها بجميع مقولاتها وعناصرها. لنتذكر في هذا الصدد اطروحة هيغل شديدة الأهمية: المُطلَق فقط هو الصحيح، والصحيح مُطلق. تُحدد وحدة الموضوعية والمُطلقية هذه جوهر الحقيقة ومحتواها الذي يكشف عن نفسه في تعريفات مختلفة، في التحليل النهائي. ينطبق الأمر نفسه على مفهوم نسبية الحقيقة.
يجب أن نبدأ بتعريف هذا المفهوم. تعتمد نسبية الحقيقة كُلياً على مبدأي الموضوعية والمُطلقية. انها تُعبّر عن محدودية المرحلة التي وصل لها للادراك البشري، هذا الادراك الذي يُعتَبَر عملية لانهائية، وتُشير، الى ادراك جوانب وعلاقات الواقع المُنفصلة. ان النسبية تعني تقريبية المعرفة، والدرجة التي يتغلغل بها وعينا في جوهر الأشياء الذي لا ينضب، وهي المستوى التاريخي للادراك العلمي الذي تحقق في فترةٍ مُعيّنة.
ان نسبية الحقيقة مشروطة بالطبيعة الدياليكتيكية للعملية الادراكية ككل. لا يتحقق ادراك الحقيقة الموضوعية (مثل الحقيقة المُطلقة) دُفعةً واحدةً وعلى الفور، وليس بكليتها. وبالمثل، فهي ليست مُجرّد عملية تحصيل سلسلة من الحقائق الأبدية الجاهزة. يُلاحظ لينين بشكلٍ خاص أن ما يجعل المرء يقترب من الحقيقة الموضوعية "الحقيقة المُطلقة" فقط هو سياق الادراك. ان مراحل الادراك المُختلفة هي في الواقع سلسلة من الحقائق النسبية التي تخلق "الحركة العامة للادراك" كادراك للحقيقة المُطلقة، والتي هي حركة في جوهرها، وعملية تمتد الى ما لانهاية.
يتم الكشف عن الترابط العميق بين مُطلقية الحقيقة ونسبيتها في العملية التاريخية الفعلية للادراك الانساني. من ناحية، تتحقق مُطلقية الحقيقة كامكانية لادراك كامل عن العالم، في سلسلة مُستمرة من افتراضات صحيحة نسبياً تعكس بشكلٍ أكثر عُمقاً من ذي قبل القوانين المُعقدة للعالم المادي المتطور باستمرار. ولكن من ناحيةٍ أُخرى، تُشير نسبية الحقيقة في الوقت نفسه الى مُطلقيتها لان كل خطوة صحيحة نسبياً في معرفة العالم هي خطوة في ادراك المحتوى الكامل والشامل المُطلق للواقع اللامحدود واللانهائي.
توجد علاقة لا تقل قوةً بين مفهوم نسبية الحقيقة وعيانيتها. ان "ضبابية" حدود اقتراب معارفنا من الحقيقة الموضوعية (والمُطلقة) لا يعني الذهاب باتجاه النزعة الاتفاقية conventionalism التي تُنكر كل تحددية وموضوعية أشكال المعرفة. تتحقق الحقيقة فقط في مجموع جوانب وعلاقات الواقع المتنوعة التي تنعكس وتُسجّل في مجموع التعريفات الابستمولوجية التي تقابلها. تُعبر كل مرحلة وكل تعريف، في هذا المجموع، عن مدى عيانية الحقيقة وفي نفس الوقت نسبيتها، بقدر ما تتحقق الحقيقة (الحقيقة المُطلقة) بشكلٍ كاملٍ فقط في مجموع مكوناتها وعناصرها.
ان خصائص نسبية الحقيقة، المذكورة أعلاه، والتي تنكشف أهميتها الحقيقة فقط بعلاقتها بموضوعيتها ومُطلقيتها وعيانيتها، مُستمدة من طبيعة العملية الادراكية نفسها، وتُستعمل، على مستوى "التغذية الراجعة" كمعيار منطقي لهذه العملية. دعونا أولاً ننظر في تقييم الفكرة الهامة حول العلاقة بين خصائص المكان الهندسية، وخصائصه الفيزيائية، أو العلاقة، كما صاغها اينشتاين بين الهندسة Geometry والفيزياء.
تم استباق هذه الفكرة، وهي واحدة من أكثر الأفكار جوهريةً في النظرية النسبية، في أعمال الروسي نيكولاي لوباتشيفسكي Nikolai Lobachevsky والألماني بيرنارد ريمان Bernhard Riemann. لدينا، فيما يتعلق بأهمية هذه الفكرة، شهادةً موثوقةً من اينشتاين نفسه، الذي أصبحت الهندسة بالنسبة له علماً طبيعياً فيما يتعلق بصلتها الوثيقة بالفيزياء. بالنسبة لاينشتاين، كان عدم الفصل بين الهندسة والفيزياء أمراً حاسماً. كما اعترف هو نفسه، فانه لولا هذه الصورة للهندسة "لما استطعت صياغة نظرية النسبية"(8).
من الناحية التاريخية، كانت هندسة اقليدس هي الخطوة الأولى في معرفتنا بالخصائص الهندسية للفضاء، ومن مبادئها اشتُقّ التعبير التالي لعنصر الخط (في الاحداثيات الديكارتية):
ds2= dx2+dy2+dz2
هذا التعبير هو أول تقدير تقريبي في ادراك العلاقات العالم الحقيقي الهندسية. وهي تُعبّر، بدرجة مُعينة من الدقة عن العلاقة المكانية بين الأجسام، مُتجاهلةً طبيعتها الفيزيائية. هذه حقيقة مُحددة وعيانية ونسبية، ومن ثم، فهي خطوة في ادراك الحقيقة المُطلقة.
كانت المرحلة التالية المُهمة في معرفة الخصائص الهندسية للمكان هي التعبير الذي تمت صياغته في النظرية النسبية، والتي استخدمت نِسَبَاً من الأشكال الهندسية اللااقليدية كما تطلّب الأمر. هنا يتم التعبير عن عنصر الخط بوسائل الموتر Tensor الأساسي:
ds2= ∑gµνdxµdxν
حيث قيمة µ وν تتراوح من 1 الى 4 وحيث تصف الدالات gµν والتي هي عناصر للموترات المتغيرة المتماثلة، تصف النِسَب المترية في متسلسلة الزمان-المكان والمجال الجاذبي(9).
يُشير هذا الى معرفة أعمق بالخصائص الفيزيائية للمكان، ودرجة أعلى من التغلغل في الجوهر اللامُنتهي للأشياء، ولكن في نفس الوقت-وهذا له أهمية ابستمولوجية خاصة- لم يتم الغاء علاقات الهندسة الاقليدية بأي حالٍ من الأحوال في هذه الصيغة، بل تستمر في مفهولها في مجالٍ صغيرٍ وكتقريب أولي، وأول نتاج تاريخي عياني جوهري في معرفة الخصائص الهندسية للمكان الحقيقي.
ومع ذلك، حتى هذا التعبير باستخدام الموتر الأساسي لا يستنفد غنى وتنوع خصائص وعلاقات المكان الحقيقية. وكما أشار الأكاديمي فلاديمير فوك Vladimir Aleksandrovich Fock، فان هذا التعبير، أو المعادلة، تنطبق على حركة نقطة مادية غير مشحونة في مجال الجاذبية. لو انشحنت النقطة المادية، فيجب أيضاً أن تخضع لتأثير المجال الكهرومغناطيسي الخارجي، تُصبح مقاييس المكان، في هذه الحالة، أكثر تعقيداً.
كما نرى، فان عملية ادراك جوهر العالم من المستويين الثاني والثالث، وما الى ذلك، لا تسير في خطٍ مُستقيم ولكنها غالباً ما تتبع مساراً لولبياً معقداً. في الحالة المعنية، اتخذ تعميق وصقل معادلات نظرية النسبية خطاً آخر. تفترض هذه المعادلات متوسط التوزيع المتساوي للمادة في الفضاء، طبعاً بشكلٍ تقريبي.
ولكن على الرغم من الأهمية الاستثنائية والعميقة لهذه الأفكار، فان المعادلات المذكورة أعلاه لا تُعبّر عن التنوع اللامتناهي الشامل للعلاقات المكانية الحقيقية، فهي لا تبحث، على وجه الخصوص، عن تأثير الميزون والنيوترون والمجالات الفيزيائية الأخرى على الخصائص الهندسية للفراغ. لذلك، لا يُمكن اعتبار المعادلات المُعطاة كحقائق مُطلقة كاملة، ولكنها تُعبّر عن مستوىً مُحدد في تغلغلنا في روابط وعلاقات المكان الحقيقي اللانهائي والمتنوع، وبالتالي تُظهِر وحدة نسبية ومُطلقية الحقيقة، وهي وحدة تتوافق مع المستوى المُحدد الذي تم تحقيقه في تطور المعرفة.
فيما يتعلق بمفهوم نسبية الحقيقة، يجب علينا أن ندرس بايجاز مسألة الحقيقة المُفارقة، التي وضعها العلم الحديث عن جدول الدراسة.
من الصحيح أنه عندما تتحطم المفاهيم والأفكار خلال فترات الثورات العلمية، فان عملية استبدال المفاهيم والنظريات القديمة بأُخرى جديدة يُصاحبها في الوقت نفسه اندماجها في تركيبٍ جديد في مرحلة جديدة من الادراك. لكن من حيث المبدأ، يحدث هذا النمط خلال عملية الادراك، والتي تكون دائماً ذات طابع متناقض، ولكن ليس بشكل جذري كما هو الحال في النقاط الحرجة في تطور العلوم وكما يحدث، كقاعدة، في جوانب مُعينة من هذا التطور.
كَشَفَ ماركس عن احدى النقاط الرئيسية في هذه الظاهرة الابستمولوجية لمفارقية الحقيقة. يقول ماركس في (الأجور والأسعار والأرباح): "ان الحقائق العلمية مُستَغرَبة دائماً حين يُحكَمَ عليها بناءاً على التجربة اليومية التي لا تتناول غير ظاهر الأشياء الخادع"(10). أظهر ماركس، من خلال تحليله العميق لطبيعة العلاقات الرأسمالية، صحة هذا الفهم للحقيقة العلمية. لقد كشف تحت غطاء العلاقات السلعية، العلاقات بين الناس والطبقات الاجتماعية وتناقضاتها وتناحرها. لقد أظهر، وراء الأرقام العامة لنمو الانتاج والثروة الاجتماعية، كل ظلم التوزيع الرأسمالي واستقطاب القوى الاجتماعية. ووراء الشكل الخارجي للحضارة الرأسمالية، كشف عن جوهرها وطبيعتها الحقيقية التي يُخفيها بعناية جميع الاقتصاديين البرجوازيين والسوسيولوجيين والفلاسفة. ان الحقائق العلمية الغزيرة التي قدمتها عبقرية ماركس مُفارقة من حيث أنها تكشف الجوهر الحقيقي لكل تناقضات الرأسمالية على الرغم من الانطباع الخارجي الذي قد تُعطيه عن "العدالة" و"الانسجام"، وهنا علينا أن نؤكد مرةً أُخرى على الأهمية الابستمولوجية لهذا المبدأ.
في فقرةٍ رائعة من كتابه (فينومينولوجيا العقل) يتحدث هيغل تحديداً عن "التصور المتناقض للشيء" مؤكداً أن الشيء الحقيقي يكشف عن نفسه بطريقتين " فالحاصل الآن هو الخبرة التي بحسبها يمثل الشيء بوجه محدد للوعي المتقبل، مع بقائه في الوقت نفسه منطوياً في ذاته خارج هذا الوجه الذي يمثل عليه-وهو ما تجوز ايضاً العبارة عنه بالقول: انه يضم في نفسه حقيقتين متقابلتين"(11). هنا اذاً، تكمن المفارقة التي نواجهها في فهم الشيء,، وبعبارة أُخرى، مُفارقة الحقيقة، التي تُعبّر في النهاية عن الدياليكتيك المُلازم لها.
هذا يقدم لنا نمطاً معيناً من الادراك الصحيح، او ادراك الحقيقة. علاوةً على ذلك، هذه المُفارقية، في التاريخ الحقيقي للادراك، او تاريخ العلم، غالباً ما تُظهر نفسها على انها عملية لتحرير الوعي من العقائد والشرائع المقبولة، والتي اعتُبِرَت ثابتة ومُطلَقة، وهو تحرير يدل على انهيار هذه العقائد، وليس نفي نسبية المكونات الصحيحة للمعرفة السابقة. في هذا الصدد، يجب أن نُلاحظ بعض النقاط الرئيسية في تطور الادراك.
أشارت الثورة الكوبرنيكية في علم الفلك الى انهيار العقائد التي ظلت ثابتة لمدة قرون. علاوةً على ذلك، فان التناقض في الحقائق الجديدة كان واضحاً في حقيقة أنها تعارضت مع مظهر حركة الأجرام في الفضاء.
كان القرن السابع عشر، في تاريخ الادراك، هو قرن نشوء العلم الكلاسيكي. بحلول نهاية القرن التاسع عشر، ظهرت صورة علمية متناغمة ومتناسقة عن العالم المادي، واعتُبِرَت جميع مكوناتها حقائق ثابتة نهائية، كأفكار ثابتة في الفكر العلمي بشكلٍ عام. لكن تميز نهاية القرن باكتشافات مهمة جديدة، وأعقبتها مفاهيم وأفكار مُفارقة جديدة ثم نظريات فيزيائية أصيلة، وشهد الربع الأول من القرن الشعرين ظهور الفيزياء غير الكلاسيكية.
ان الحقائق Truths الجديدة، بالمقارنة مع حقائق الفيزياء القديمة، هي نفي ظاهر لهذه الأخيرة، فهي حقائق مُفارقة اذا انطلقنا من المواقع التقليدية. لا يتم رفض المفاهيم والأفكار بشكل فردي وحسب، بل يتم رفض الطروحات والمبادئ الأساسية. لدينا هنا فكرة بلانك عن اشعاع الطاقة في أجزاء صغيرة منفصلة، اي الكوانتا. وفكرة اينشتاين عن الطبيعة الكمومية للضوء، وطروحات النظرية النسبية والفهم الجديد للمكان والزمان والحركة مُقارنةً بالطابع المُطلق لفهمها في نظرية نيوتن، واعتماد الكتلة على سرعتها وصياغة معادلة E= mc2، ونسبة التردد الى الطول الموجي لدو بروغليه de Broglie، واطروحة ميكانيكيا الكم ذات الصلة حول الوحدة بين الموجة والجُسيم، ومبدأ بور التكميلي ومبدأ هاينزنبرغ حول اللاتحددية، اللذان يشكلات أساس صرح ميكانيكيا الكم كنظرية حركة جسيمات المادة الدقيقة، والتفسير الجديد للسببية الذي ينفي حتمية لابلاس، واكتشافات تنوع عالم الجسيمات الأولية، واكتشافات في مجال السرعات العالية جداً التي تقترب من سرعة الضوء، والاكتشافات فيما يخص الفترات الزمنية المُقاسة بأجزاء من المليون من الثانية، وعمليات تحولات بعض الجسيمات الأولية الى أُخرى.
وأخيراً، فيما يتعلق بالدراسة متزايدة العمق لعالم الجسيمات الأولية، هناك حاجة ملحة لبناء نظرية للجسيمات الأولية على مبادئ أساسية والتي لا يجب أن تختلف عن تلك المعروفة بالفعل في نظرية النسبية وميكانيكيا الكم وحسب، ولكن يجب أن تتعارض معها من نواحٍ عديدة، وأن تكون مفارقة في محتواها الجديد، الذي لم يُعرَف بعد.
هذه العملية المعقدة والمتناقضة ليست بأي حالٍ من الأحوال اقتراباً تدريجياً من الحقيقة المُطلقة التي لا يمكن تحقيقها أبداً، انها حركة دياليكتيكية يحكمها القانون تتشكل في مراحل معينة، في فترات من التقلبات الحاسمة في تطور الفكر والتحطم الجذري للمفاهيم والأفكار القديمة واستبدالها بحقائق جديدة مفارقة في كثيرٍ من الأحيان. في التحليل الأخير، تتحدد مفارقية وتناقض النظريات الجديدة بتناقض ومفارقية الوجود نفسه، من خلال حقيقة أن العالم في جوهره الخفي هو "عالم غير اقليدي" ومليء بالتناقضات الصارخة، والتي يتم الكشف عنها بطبيعة الحال في عملية تشكل الحقيقة في الادراك نفسه.
بتحليل هذه العملية، يختتم نيلز بور، أحد أعظم علماء ومفكري القرن العشرين، في مقالته الشهيرة (مناقشة مع اينشتاين حول المسائل الابستمولوجية في الفيزياء الذرية) بمناسبة الذكرى السبعين لميلاد مُبدع النظرية النسبية، يختتم نقاشه بتحديد نوعين من الحقيقة "تلك التي تنتمي الى عبارات بسيطة وواضحة لدرجة أنه لا يمكن الدفاع عن التأكيد المناقض لها. النوع الآخر، (الحقيقة العميقة) والتي هي عبارات يحتوي نقيضها ايضاً على حقيقةٍ عميقة"(12). انطلاقاً من هذه الأسطر، من وجهة النظر الابستمولوجية الصارمة، حققت الفيزياء الذرية أكثر نجاحاتها اثارةً في الكشف عن الطبيعة المتناقضة لظواهر العالم المجهري.
انها ليست مسألة "أفكار مجنونة"-والتي يُمكن مسامحة العالم العظيم على هذه العبارة- ولكنها الطبيعة الدياليكتيكية العميقة للحقائق Truths الأصيلة ووحدة موضوعيتها ومُطلقيتها وعيانيتها ونسبيتها والتي يتم التعبير عنها في مفارقيتها كاحدى لحظات ذروة عملية تناقض الادراك العلمي، ادراك الحقيقة بكل تعقيدها وتعدد جوانبها.

3- مسألة معيار الحقيقة
ان الطرح القائل بأن الانسان يُثبت الحقيقة الموضوعية لأفكاره ومفاهيمه ومعرفته من خلال نشاطه العملي، هو طرح عام وأساسي لنظرية الادراك المادية الدياليكتيكية. بالاضافة الى ذلك، فقد صار بديهياً في هذه الفلسفة. لذلك يجب أن نفرز بعضاً من أهم النقاط التي لها تأثير على معيار الحقيقة.
بادئ ذي بدء، يجب أن نُلاحظ طرح لنين بشأن التفوق الأساسي لمبدأ الممارسة على النظرية، حيث أنه ذو أهمية حاسمة بالنسبة للتعريف العلمي لمعيار صحة المعرفة البشرية. يُقدّم لينين، من خلال الدراسة العيانية لطرح هيغل، الصيغة التالية بالغة الأهمية: "الممارسة أعلى من المعرفة (النظرية)، لان لها ليس فقط ميزة العام، بل ايضاً ميزة الواقعي المباشر"(13). هذه الخاصية الأخيرة تُحدد الاختلاف الأساسي بين الممارسة والمعرفة النظرية، وتُعبّر عن استقلاليتها في المعرفة، وبالتالي، تحل بشكل ايجابي مسألة واقع معيار المعرفة المناسب، اي معيار الحقيقة. هذه الاستقلالية هي في الوقت نفسه موضوعية معيار الممارسة، والتي هي شرط مُطلَق لامكانية فرز واستخدام هذا المعيار كمعيار للمعرفة الصحيحة.
في الوقت نفسه، ما قلناه، يدحض الادعاء غير المُبرر، بأنه لا يُمكن في نظرية المعرفة أن يكون هناك معيار للحقيقة على الاطلاق كما أكد على ذلك بروتاغوراس واناكساغوراس وكانط وليسينغ ونيلسون واوستن وبوبر وتاركسي وغيرهم(14).
على عكس كل هذه التأكيدات، تقدم الفلسفة الماركسية حلاً ايجابياً لمسألة معيار الحقيقة. بالاشارة الى الدور الحاسم للمارسة في نظرية المعرفة، يؤكد ماركس بشكلٍ خاص على أهمية كيفية فهم الممارسة. هذا هو الشرط الذي لا غِنىً عنه للتعريف الصحيح لدورها كمعيارٍ للحقيقة.
ترتبط الطروحات التالية التي قدمها لينين بشكلٍ خاص بتعريف مفهوم الممارسة: 1- اعتبار الممارسة على المستوى الاجتماعي الواسع، كعملية نشاط تاريخي للناس، لأفعال ونضال الملايين، كمسار للأحداث العالمية مثل "سير تطور جميع البلدان الرأسمالية"(15)، وما الى ذلك. 2- ادراج جوانب مختلفة من النشاط المادي للانسان في الممارسة العملية: التكنولوجيا والاكتشافات العلمية الطبيعية. 3- تحليل الحقائق التي تُشكل مكونات الممارسة في علاقتها مع بعضها البعض "ككلية"، كشرطٍ لأهميتها الايجابية، وهي، اي الحقائق، ليست شيئاً عصياً وجامداً، ولكنها أشياء علينا أن نُثبتها"(16). نجد العديد من العبارات الأُخرى حول الممارسة كمعيار لصحة مختلف النظريات والآراء والأفكار والمذاهب السياسية، في أعمال لينين العديدة، وليس حصراً كتاباته الفلسفة والاجتماعية. واذا أخذنا جميع طروحاته، فاننا سنجد أنها تتعلق بواحدة أو أكثر من الطروحات الثلاثة المذكورة أعلاه.
يُمكننا، على أساس هذه الطروحات التي قدّمها لينين، صياغة التعريف التالي للمارسة في نظرية المعرفة المادية الدياليكتيكية: الممارسة هي النشاط الاجتماعي التاريخي للناس: النشاط في مجال الانتاج المادي وفي مجال الصراع الطبقي والعلاقات الاجتماعية، وفي مجال الملاحظات والتجارب العلمية والتي تعتمد على مستوى التكنولوجيا المادية التي يُقابلها.
هذا التعريف واسع الى حدٍ ما في محتواه وفي نفس الوقت صارم بدرجة كافية ومحددة من وجهة النظر الابستمولوجية. انه يتضمن أهم جوانب الأنشطة الاجتماعية للانسان حسميةً، والتي هي أنشطة مادية عملية على وجه التحديد. يُمكن للممارسة، فقط بالنظر الى هذا المحتوى، أن تؤدي دور المعيار الموضوعي لصحة الأشكال المثالية Ideal مثل مقولات المعرفة التي تُشكّل المجال النظري، الذي هو أقل مستوىً بشكلٍ أساسي من مجال النشاط المادي العملي. هذا الأخير هو معيار الأولى، وليس العكس.
بالنظر الى هذا التفسير للممارسة، فان المحاولات التي قام بها عدد من الكُتّاب بدمج كل نشاط بشري في الممارسة العملية، بما في ذلك جميع اشكال النشاط الروحي بما في ذلك الادراك النظري نفسه، قد تكون غير مُبرّرة تماماً. في هذه الحالة، يتضح أن الادراك النظري يًصبح معياراً لذاته، مما يُلغي فعلياً امكانية وجود أي معيار، أو في أفضل الأحوال، يطرح نوعاً ما من المعايير المنطقية. ولكن حتى مثل هذا المعيار لن ينجح، لان المثالي Ideal، أي النظري، متشابك مع عناصر مادية متنوعة وسيكون من المستحيل تماماً فرز اي مقدمات أو استنتاجات صارمة، كما يتطلّب معيار الحقيقة المنطقي، ذلك.
يشتمل النشاط البشري بشكلٍ عام، بالطبع، على جميع أشكال الوجود الاجتماعي للانسان، بما في ذلك مجالات الأدب والفنون والدين وما الى ذلك. ولكننا مهتمون، فيما يتعلق بنظرية المعرفة، بالأهمية الابستمولوجية ومحتوى الممارسة الذي يمتلك معنىً حقيقياً فيما يتعلق بالأشكال الادراكية على وجه التحديد، كما المعيار الذي يجب أن تظهر به الممارسة، يجب أن يظهر بالفعل كنشاط مادي للانسان في المجالات المذكورة في تعريفنا. لذلك، فان تضمين الأشكال الروحية نفسها في الممارسة يجعلها، أي يجعل هذه الأخيرة، غير قادرةً على ايفاء وظيفتها الابستمولوجية الرئيسية كمعيارٍ للحقيقة في الادراك.
عبّر هيغل عن فكرة رائعة مفادها أنه من أجل الوصول الى الحقيقة المُطلقة، من الضروري توحيد الفكرة النظرية والعملية، ولكنه لم يكن قادراً على اقتراح حل مُناسب لمسألة معيار الحقيقة. وفقاً لهيغل، تنحلّ جميع أشكال النشاط الانساني، في التحليل النهائي، تنحل في الروح- في المثالي (Ideal)- التي، أي الروح، تُشكّل جوهر كل ما هو موجود، وكل جانب في هذا الموجود ليس سوى تمظهر لتلك الروح، لتلك المثالية. لذلك، يُقرّ هيغل فعلياً بشكلٍ واحدٍ فقط من العمل، وهو العمل الروحي التجريدي. ويترتب على ذلك أن هذا الأخير لا يُمكنه أن يوفّر معياراً حقيقياً لان "العمل الروحي" لا يُمكن أن يختبر "النشاط" الروحي، أي انه لا يُمكنه أن يختبر نفسه، ولا يُمكنه أن يكون أعلى من المعرفة النظرية، وهذا يعني، مرةً أُخرى، أنه لا يُمكن أن يكون أعلى من نفسه.
أخيراً، من أجل اختتام تقييمنا لتعريف الممارسة المذكور أعلاه، يجب أن نُلاحظ تعدد جوانب وظيفتها كمعيار للحقيقة. يوجد هنا نقطتنان أساسيتان.
أولاً، تخدم الممارسة كنشاط اجتماعي تاريخي في المجالات الرئيسية المُعرّفة أعلاه، كمعيارٍ عام للحقيقة، وهذه الممارسة كما هي في ذلك التعريف صالحة فيما يتعلق بالعلوم الطبيعية والرياضية والاجتماعية. من الطبيعي تماماً أن دور المعيار المباشر في مجالات المعرفة المتنوعة، تلعبه جوانب المُمارسة المُحددة المُقابلة لها.
تُظهِر هذه الخاصية العامة نفسها أيضاً في علاقتها بمجالات الانتاج الروحي الأُخرى: في الفن والأخلاق والدين، بقدر ما يُمكن ايجاد الجانب الابستمولوجي فيها (على سبيل المثال، تقييم صحة الأحكام الأخلاقية، ومفاهيم الخير والعدل، وما الى ذلك).
ثانياً، تؤدي الممارسة المُفسّرة بهذه الطريقة وظيفة معيار الحقيقة بشكلٍ عام، بمعناها الابستمولوجي العام، وفي نفس الوقت فيما يتعلق بجميع المكونات المنطقية وجوانب الحقيقة كمفهومٍ عام، كنظامٍ من تعريفات ومفاهيم متنوعة مُحددة. تؤيّد وتؤكد الممارسة، من الناحية الابستمولوجية، وحدة وشمولية وموضوعية ومُطلقية الحقيقة، وفي الوقت نفسه، نسبيتها وتعدد جوانبها وعيانيتها وذاتيتها بالارتباط والاعتماد على موضوعيتها. هنا تتجلى الطبيعة الدياليكتيكية للممارسة كمعيار، وهي طبيعة يجب أن تتمتع بها من أجل أداء وظيفتها فيما يتعلق بالحقيقة التي لها مُحتوىً دياليكتيكي عميق.
دعونا أولاً نتحدث عن ما هو برأينا، المعنى المبدأي للممارسة، أي تحدديتها و"مُطلقيتها" كمعيار للحقيقة.
تقوم الممارسة، بجوانبها المتنوعة، في سياق مجالات الادراك العلمية المحتلفة، بالعمل كوظيفة معيار الحقيقة، مما يُظهِر فقط طابعها العام كمعيار.
ان مسألة معيار الحقيقة في مجال الرياضيات لها أهمية خاصة. يجب أن نقول على الفور، أن المقولات والبُنى الرياضية العُليا لا يُمكن تحديدها (من وجهنة نظر صحتها أو خطأها) باللجوء المُباشر الى الواقع والتجربة. يبدو أن أطروحة اينشتاين المُفارقة المعروفة مُبررة هُنا. يقول اينشتاين انه بقدر ما تشير قوانين الرياضيات إلى الواقع، فهي غير مؤكدة، وبقدر ما تكون مؤكدة، فإنها لا تشير إلى الواقع. تم استخلاص العديد من الاستنتاجات على هذا الأساس فيما يتعلق بالغياب التام أي معيار لحقيقة اطروحات الرياضيات، الا أنه يتم الاعتراف بالعيانية المنطقية الشكلية لمفاهيمها. هذا هو الخط السائد حالياً في مفهوم الرياضي الفرنسي نيكولاس بورباكي Nicolas Bourbaki، والذي وفقاً له، ليست "الحقائق" Truths الرياضية الا "جوانب خاصة من المفاهيم العامة" تُحددها مبادئ ومُتطلبات المنهجية البديهاتية axiomatic في تشكيل البُنى الرياضية(17).
بالفعل، تم بناء صرح الرياضيات كله بوسائل منطقية بحتة. وفقاً لتعريف بوربكي، تتطور الرياضيات في محتواها الرئيسي كتخصص نظري، كمنظومة من الأشكال والبُنى النظرية المُجرّدة، وتتطور تبعاً للقوانين والقواعد المنطقية دون اي مرجعية رئيسية الى الأشياء المادية. تُفسّر الدرجة العالية من التجريد التي حققتها البُنى والمفاهيم الرياضية قوتها الهائلة وفعاليتها في الكشف عن أشكال العلاقات الكمية والخصائص المكانية المعقدة للغاية للأشياء في العالم المُحيط بكل تنوعه وشموليته.
ومع ذلك، يجب أن نؤكد بشكلٍ خاص انه هذا الصرح المُعقّد والمتعدد الجوانب للبُنى الرياضية المُجردة، يعتمد، في اسسه "النهائية" على نظام من المفاهيم الأساسية التي يكمن أصلها في الواقع بشكلٍ مباشر. كانت المفاهيم الرياضية، في بداياتها، كما يقول بوربكي "تمتلك... محتوىً حدسي مُحدد للغاية". وفقاً لاينشتاين، تمتلك مفاهيم النُقطة والخط المستقيم والمقطع والافتراضات الأساسية للهندسة، "منبعاً تجريبياً". ان البديهيات الرياضية، هي مثلها مثل العلوم، بشكلٍ عام، هي في التحليل النهائي نتاج لتكرار ممارسة العلاقات بين الأشياء آلاف وملايين المرات. في حين أن الصرح اللاحق للرياضيات قد بُنيَ وفقاً لقوانين المنطق، فانه لا ينبغي أن ننسى أن القوانين والأشكال المنطقية هي أيضاً انعكاس للموضوع في الوعي الذاتي للانسان. يُمكننا، ابستمولوجياً، أن نقول، أن الأصل الحقيقي للمفاهيم والبديهيات الرياضية وتعبيرها عن الخصائص الكمية والمكانية يوفر أساساً منطقياً تماماً لطرح مسألة معيار صحتها، انطلاقاً من المواقع الأساسية التي تشترك فيها كل المعرفة وجميع التخصصات العلمية على الرغم من خصوصية كُلٍ منها.
يجب أن نُلاحظ أيضاً الدور الحاسم للممارسة الاجتماعية في تحديد صحة أفكار الماركسية اللينينية النظرة العلمية والثورية للعالم في العصر الحالي.
قدّم لينين في سلسلة كاملة من أعماله تقييماً شاملاً لقوة وصحة الماركسية على أساس اختبارها الموضوعي في الحقبة التاريخية الحالية. يطرح لينين بشكلٍ خاص، في مقالته (مصائر مذهب كارل ماركس التاريخية)، مسألة صحة الماركسية كنظرة عالمية ثورية على المستويات التاريخية والابستمولوجية العامة. كتب انه بالنسبة لمذهب ماركس "فهل أكد مجرى الأحداث صحة هذا المذهب من أن عرضه ماركس؟"(19). رداً على سؤاله، يُحلل لينين الفترات الرئيسية الثلاث في تطور تاريخ العالم منذ لحظة نشوء الماركسية، ويصف تطور الأحداث الثورية والسياسية في كل فترة، ويُلاحظ على وجه التحديد كيف كان التاريخ يُثبت صحة الماركسية في مُختلف المراحل. كشفت الممارسة الثورية في شكل نضال الطبقة العاملة في الفترة من ثورة 1848 حتى كومونة باريس عن الافلاس التام لجميع مذاهب الاشتراكية غير الطبقية. في ضوء هذه الممارسة ثبت أن جميعها "هي هُراء لا أكثر"(20).
تميزت الفترة الثانية والتي كانت في سنوات 1872-1904 بممارسة جديدة في نضال البروليتاريا، من خلال حشد قواها والتحضير للمعارك المُستقبلية، وانشاء أحزاب اشتراكية على أساس بروليتاري. في هذه الفترة "أحرز مذهب ماركس انتصاراً كاملاً وأخذ يمتد ويتسع... وأن دياليكتيك التاريخ لعلى نحوٍ بحيث أن انتصار الماركسية في حقل النظرية يُجبر أعداء الماركسية على التقنع بقناح الماركسية، وتحاول الليبرالية المهترئة في داخلها، أن تنتعش في صورة الانتهازية الاشتراكية"(21).
كشفت الفترة الثالثة، التي اندلعت فيها الثورات الروسية والتركية والفارسية والصينية، عن مصدر جديد لعواصف عالمية هائلة. انجذبت آسيا الى الصراع العالمي، والآن، بعد بعد تجربة كُلٍ من أوروبا وآسيا، صار من غير المُجدي الحديث عن سياسة غير طبقية واشتراكية غير طبقية، كما تنبأت الماركسية "بتفسخ جميع الأحزاب البرجوازية ونضوج البروليتاريا"(22).
كُل هذا سمح للينين باستكمال مقالته بالاستنتاج العام التالي: "منذ ظهور الماركسية، جاءت لها كل من المراحل الكبيرة الثلاث من التاريخ العالمي بتأكيدات جديدة وبانتصارات جديدة. ولكن المرحلة التاريخية القادمة ستحمل للماركسية، بوصفها مذهب البروليتاريا، انتصاراً أروع بكثير"(23).
وكما نعلم، فان هذه "المرحلة التاريخية القادمة" أكدت بالكامل الصحة الموضوعية لأفكار لينين وكامل الفكر اللينيني حول الثورة الاشتراكية.
في الوقت نفسه، يُظهِر كُل هذا، العُقم التام لتأكيدات الفلاسفة والسوسيولوجيين البرجوازيين بأنه لا يوجد معيار للحقيقة في المجال الاجتماعي-السياسي بشكلٍ عام، حيث يزعمون أن المقولات الوحيدة القابلة للتحقق هي مقولات القيمة. لن نُبالغ ان قُلنا انه من السهل اثبات خطأ مزاعمهم الديماغوجية والمُفلسة بأن الأحزاب الشيوعية لا تنطلق من الحقيقة، بل من المصالح "السياسية". في الحقيقة، الوضع برمته على العكس من ذلك، تخضع ايديولوجية الأحزاب الشيوعية وجميع قراراتها السياسية للاختبار من خلال الممارسة الاجتماعية ونتائج نشاط جماهير الشعب وبواسطة مُجمل مسار التطور التاريخي، كما أشار لينين، وهذا يُحدد الصحة الموضوعية والطابع العلمي لايديولوجيا وسياسات الأحزاب الشيوعية.
وهكذا، يُمكننا أن نَخلُص الى الاستنتاج التالي: ان معيار الممارسة، مأخوذاً في كل تنوع جوانبه ومظاهره، مُحدد ومُطلَق تماماً بمعنى أنه يسمح لنا باثبات الصحة الموضوعية للنظريات والآراء العلمية، وبالتالي، أيضاً، مُطلقية الحقيقة كلحظة فعلية في تطور المعرفة. لا يُقصَد بالجزء الأخير من هذا الاستنتاج بالتأكيد، أي تأكيد دوغمائي للحقائق الأبدية والثابتة والمُطلقة والنهائية مثل تلك التي تُعلنها الأنظمة المُطلقة والمذاهب الدينية الدوغمائية.
الآن، دعونا نبحث بايجاز، مسألة "لاتحددية" ونسبية معيار الممارسة. عند توصيف هذا الجانب الأساسي من معيار الممارسة من الناحية المنطقية، يُمكننا تحديد النقاط التالية: 1- لا يُمكن للممارسة أن تُعطي تأكيداً كاملاً وشاملاً (أو رفضاً) لكل النظريات والمفاهيم والفرضيات (وقبل كل شيء، أشكال الادراك العلمي المُعقدة) ككل وبكل تفاصيلها. 2- ولا يُمكنها أن تؤكد بشكلٍ كامل صحة المعرفة الانسانية كحقائق "نهائية" ومُطلقة" كعقائد معصومة وأبدية، مما يُؤدي الى القول بانتهاء معرفتنا حول العالم. 3- الممارسة الاجتماعية نفسها تتطور باستمرار وتكتسب مُحتوىً جديدياً، فهي دائماً ما تتمتع في كل لحظة من تطورها بطابعٍ تاريخيٍ مُحدد ولهذا السبب بالذات لا يُمكن أن تكون أهميتها كمعيارٍ للحقيقة، أهميةً دوغمائية، ولكن فقط أهميةً نسبيةً بشكل عياني.
في هذا الصدد، يجب أن نُلاحظ النقاط المُهمة التالية في تاريخ العلم. كما نعلم، كانت سمة عدم القابلية للتحلل وعدم القابلية للتجزئ تُعتَبَر أهم السمات الأساسية للعناصر الكيميائية، حتى نهاية القرن التاسع عشر. كان هذا هو رأي مُمارسة ذلك العصر بامكانياته التكنيكية المحدودة. أظهر التطور اللاحق للممارسة أن أهمية تلك السمات لا يُمكن أن تكون مُطلقة، لان هذا من شأنه أن يُحوّل معارفنا حتماً الى عقيدة جامدة، مما سيؤدي، كما في الحالة المذكورة أعلاه الى أن تتحول الى تأكيدات خاطئة. علينا فقط أن نتذكر الصعوبات العملية التي أدت في مراحل مُعينة حتى الى استنتاجات مُعاكسة فيما يتعلق باكتشاف "الأثير الثابت"، والذي أجبر الفيزيائيين على تكرار تجاربهم لمدة نصف قرن للحصول على نتيجة صحيحة موضوعية أصيلة.
يُمكن ذكر نفس المبادئ الابستمولوجية فيما يتعلق بمعيار الممارسة في مجال العلوم الاجتماعية.
تعكس العلوم الاجتماعية ككل، جوهر وقوانين كل التطور الاجتماعي والتاريخي. كان هذا الأخير، أسرع بكثير من تطور الظواهر الطبيعية. يتسارع تتابع الأحداث والعمليات الاجتماعية في عصر التطور التاريخي الحالي بشكلٍ غير عادي، وهو حقبة ديناميكية لم يسبق لها مثيل في تاريخ الانسانية. لهذا السبب فقط، لا يجب أن تكون الأفكار والنظريات والمفاهيم التي تُشكّل المحتوى الابستمولوجي للعلوم الاجتماعية مجموعةً من العقائد الأبدية والميتة والمُنفصلة عن التطور المُستمر والمتسارع للممارسة الاجتماعية-التاريخية. يُشير هذا أيضاً الى أن الممارسة نفسها لها طابع ديناميكي عميق ومُتسق، أي أن السمة الدياليكتيكية الفعلية للمارسة كمعيار للحقيقة تنكشف بالاتحاد مع دياليكتيك الحقيقة نفسها. انها تُحدد موضوعيتها (التي بدونها لا يُمكن أن يدور الحديث عن الحقيقة بشكلٍ عام)، ومُطلقيتها وشموليتها، وفي نفس الوقت نسبيتها وعيانيتها، والأشكال المتنوعة التي تتجلى فيها مُختلف مجالات المعرفة.
في الختام، يجب أن ننظر في مسألة المعيار المنطقي للحقيقة.
ان المعيار المنطقي متوزع على عملية الادراك العلمي الفعلية بشكلٍ استثنائي على نطاقٍ واسع، وبالتالي، يحتل مكاناً مُهماً للغاية في النظرية العامة حول الحقيقة. تكمن فكرته في ما يلي: تتحدد صحة الأشكال الادراكية من خلال روابطها المنطقية واعتماديتها المُتبادلة، بصرف النظر عن علاقتها بمرجع خارجي(24).
أظهرت العملية الفعلية للادراك العلمي، في ظل ظروف مُعينة، ضرورة ادخال معيار منطقي للحقيقة. في عددٍ كبيرٍ من الحالات، في لحظاتٍ مُعينة من حركة المعرفة، لا يُمكن لمعيار الممارسة أن يُظهر نفسه على الفور، وفي بعض المواقف الخاصة، فيما يتعلق ببعض الأشكال والظواهر الادراكية الخاصة، يُصبح اللجوء الى الممارسة كمعيار مُستحيلاً تماماً. ان الطابع النسبي لمعيار الممارسة، والذي يرتبط بمحدوديته التاريخية في لحظةٍ مُعينةٍ من تطور المعرفة، يُحفّز ضد اثباتٍ كافٍ لصحة (أو خطأ) الفرضيات والتنبؤات الهامة، على سبيل المثال، فيما يتعلق بمسألة الحياة على الكواكب الأخرى، ووجود أنظمة كوكبية حول نجومٍ مُعينة، والتطور السابق للأرض والمجرة والفضاء الخارجي، وما الى ذلك. يقوم الانسان، بالطبع، بالحصول على المزيد والمزيد من البيانات التجريبية، وتُحقق التجربة العلمية تقدماً مُستمراً، ولكن غالباً، لا يُمكن أن يكون هناك "تجربة أو اختبار حاسم" experimentum crucis، وهذا يعني أنه، أثناء استخدام البيانات العلمية المُباشرة وغير المباشرة كأساسٍ لنا-كقاعدة لاثبات الاطروحات الأولية- فانه علينا أن نُفعّل أدوات المنطق القوية والقواعد والعلاقات المنطقية للتفكير الصحيح، لان أي مزيد من تقدم المعرفة سيواجه عقبات هائلة وقد يُصبح مُستحيلاً عملياً بدون هذه الأدوات. ان "نواة" المعيار المنطقي للحقيقة هي مبدأ عدم تناقض الفكر، وهو مبدأ ذو أهمية أساسية في المنطق وهو مبدأ أ=أ و أ≠ب. لقد خَدَمَ هذا المبدأ في كل التفكير الانساني، لعدة قرون، كمبدأ مُرشد، وحدد طرق ووسائل اثبات النظريات العلمية وأشار الى التحركات الكاذبة وانعطافات الفكر في العملية المعرفية المُعقدة. وقد أكسبه هذا مكانةً ودوراً رئيسياً كواحد من أقوى عوامل التقدم العلمي.
لقد أولى العلماء في العالم، وخاصةً علماء الرياضيات والفيزياء، أهميةً أساسيةً لمبدأ عدم التناقض والمعيار المنطقي للحقيقة. تزودنا عناصر اقليديس بمثال كلاسيكي لبناء نظام استدلالي وفقاً لهذا المبدأ، حيث يتم فيها تحديد صحة جميع الاتسنتاجات والنظريات بالكامل من خلال المعيار المنطقي. لقد أقام مكتشفوا الهندسة غير الاقليدية نظرياتهم بالكامل على أساس مبدأ عدم التناقض، وكانت صحة الأنظمة الجديدة بالنسبة لهم تنبع مع عدم التناقض المنطقي. تسنتد المناهج الحديثة القوية في بناء النُظم والنظريات العلمية، ولا سيما المنهجية البديهاتية، بدقة، على نفس المبدأ، وهذا لا يعني تخطيطاً مُجرداً، كما قد يبدو من المُقاربة السطحية لها. فيما يتعلق بالمنهجية البديهاتية في هندسة الرياضيات كمجموع من البُنى الرياضية، نقرأ عند بورباكي السطور التالية: "الوحدة التي تُعطيها للرياضيات ليست درع المنطق الشكلي ووحدة الهيكل العظمي الخامل. انها سائل العضوية في أوج تطورها، أداة البحث اللينة والخصبة التي ساهم فيها جميع الرياضيين العظماء منذ غاوس"(25). لا يسع المرء الا أن يوافق على هذا. لكن هذا يعني ضمناً عقلانية المعيار المنطقي، الذي لا يُمكن اختزاله، كما يبدو من طبيعته، الى عبارات شكلية، أو عبارات بروح النزعة الاتفاقية conventionalism.
هذا هو الخط الفكري الذي اتخذه اينشتاين، والذي عاد مراراً الى مسألة المعيار المنطقي لنظرية الحقيقة. في مقالته الشهيرة (حول الديناميكيا الكهربائية للأجسام المتحركة) والتي أطلقت رسمياً نظرية النسبية، يُلاحظ اينشتاين بشكلٍ خاص انه من الضروري بناء "نظرية بسيطة ومتسقة للديناميكيا الكهربائية للأجسام المتحركة بناءاً على نظرية ماكسويل في الأجسام الثابتة". قام مبتكر النظرية النسبية بتحقيق هذا المطلب المنطقي الحيوي، ببراعة.
يُمكن تلخيص مسألة المعيار المنطقي للحقيقة، على النحو التالي:
1- هذا المعيار هو مُكوّن جوهري للعملية الادراكية. انه مبني على قانون عدم التناقض، وهذا الأخير بدوره هو مُقدمة ضرورية لعملية بناء الأنظمة العلمية بشكلٍ صحيح ومنطقي. هذا يُحدد الأهمية العامة للمعيار المنطقي للحقيقة كعاملٍ مُهمٍ وضروري في التطور التدريجي للمعرفة البشرية.
2- المعيار المنطقي للحقيقة، ذو خاصية نسبية من الناحية الابستمولوجية. تعتمد فعاليته على محتوى الافتراضات الأولية (البديهيات، المُسلمات، القوانين، المبادئ)، هي عناصر أي نظرية وتُحدد مُحتواها منطقياً. وبطبيعة الحال فان صحتها الموضوعية تتأكد من خلال معيار الممارسة الحاسم.
3- لا يمتلك المعيار المنطقي كمفهوم، في حد ذاته، أي معنىً ادراكي حقيقي. انه يحصل على هذا المعنى على أساس معيار الممارسة عادةً بطريقة معقدة ومُتَوَسّطَة. لو فقد المعيار المنطقي صلته المعقدة والوسيطة تلك بالممارسة، فانه سيفقد أهميته كمعيار، وستؤدي أي محاولة لاضفاء صفة الاطلاق عليه الى الصياغة العقيمة.

***

يُستَنتَج مما قيل، أن نظرية الحقيقة المادية الدياليكتيكية تستند على أرقى انجازات المعرفة العلمية وتعميم ممارسة البشرية التاريخية المتطورة، تُسفِر عن حل مُلائم وشامل لهذه المسألة الفلسفية، على عكس مفاهيم الحقيقة التي تستعرضها الفلسفة البرجوازية المُعاصرة، والتي تفتقر الى الأساس العلمي وتستند على نظرة مثالية.

* جورجي الكسيفيتش كورسانوف 1914-1977. فيلسوف وأستاذ ماركسي ودكتور في الفلسفة منذ عام 1951 وعضو في الحزب الشيوعي السوفييتي منذ عام 1940. تلقى دراسات عُليا في معهد التاريخ والفلسفة والأدب عام 1938. وصار أُستاذاً في المدرسة الحزبية العُليا للفنون منذ عام 1959. كُرّسَت أعماله لتطوير مسائل نظرية المنطق والابستمولوجيا والممارسة في المعرفة ومشكلة المفاهيم العلمية ومسألة الحقيقة ومبادئ العلم المنطقية ومسائل العلوم الطبيعية في الفلسفة، مثل المكان والزمان، نظرية النسبية. وكتب أعمالاً في نقد الفلسفات البرجوازية مثل الوضعية الجديدة والبراغماتية والتوماية الجديدة.

1- يُشير الكاتب في هذا الهامش، الى التعقيدات التي تُثيرها كلمة الحقيقة بمفرداتها الشرقية واللاتينية والروسية. ولا أعتقد أنه من الضروري ترجمة هذا الهامش الكبير حول هذا الموضوع للقارئ العربي.
2- المادية ومذهب النقد التجريبي، فلاديمير لينين، دار التقدّم 1981، ص153
3- نفس المصدر ص136.
4- Cahiers du communisme, No. 11, 1969, p. 138
5- دفاتر عن الدياليكتيك، لينين، ترجمة الياس مرقص، دار الحقيقة 1988، ص209
6- مُختارات لينين في عشرة مُجلدات، المُجلد الأول، دار التقدم 1978، ص499
أ- من الفيلسوف واللاهوتي والرياضي الاسباني ريمون لول Raymond Lull1232-1315. سعى لول، من خلال رغبته في وضع أداة نظرية لجذب المسلمين والتبشير المسيحي، الى وضع منظومة قال أنها شاملة عقلياً ومنطقياً. بنى لول مرجعاً لاهوتياً-صوفياً يمكّن القارئ، حسبما يرى، من الاجابة على كل الأسئلة حول الله وخلقه. كانت فكرة لول عن مثل هذا "الفن العالمي"، مؤثرة للغاية.
7- دفاتر عن الدياليكتيك، لينين، ترجمة الياس مرقص، دار الحقيقة 1988، ص127
8- أفكار وآراء، البرت اينشتاين، ترجمة رمسيس شحاتة، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1986، ص27.
9- See Albert Einstein, The Meaning of Relativity, Princeton, New Jersey, 1955, p. 64
10- الأجور والأسعار والأرباح، كارل ماركس، دار التقدم موسكو، ص46
11- علم ظهور العقل، هيغل، ترجمة مصطفى صفوان، دار الطليعة 2001، ص98
12- Albert Einstein: Philosopher-Scientist, New York, 1951, p. 240
13- دفاتر عن الدياليكتيك، لينين، ترجمة الياس مرقص، دار الحقيقة 1988، ص213
14- K. R. Popper, Objective Knowledge. An Evolutionary Approach, Oxford, 1972, pp. 317- 318
15- المادية ومذهب النقد التجريبي، فلاديمير لينين، دار التقدّم 1981، ص161
16- V I. Lenin, Collected Works, Vol. 23, p. 272
17- The American Mathematical Monthly, Vol. 57, No. 7, 1950, p. 231
18- أفكار وآراء، البرت اينشتاين، ترجمة رمسيس شحاتة، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1986، ص133
19- مُختارات في عشرة مُجلدات، المُجلّد الخامس، فلاديمير لينين، دار التقدم 1976، ص26
20- نفس المصدر، ص27
21- نفس المصدر، ص28
22- نفس المصدر، ص30
23- نفس المصدر
24- يُقدّم أحد علماء المنطق المُعاصرين، ألفريد تارسكي، في عمله الرئيسي (مقدمة للمنطق ولمنهج البحث في العلوم الإستدلالية)، مفهوم وظائف الحقيقة ويكتب في هذا الصدد "... ان صحة أو خطأ العبارة التي تم الحصول عليها بالاستعاضة من دالة مقولية، تعتمد على صحة أو خطأ العبارات المًستعاضة بالمتغيرات"
the truth´-or-falsity of a sentence obtained by substitution from a given sentential -function- depends upon the truth´-or-falsity of the sentences substituted for variables
(Alfred Tarski, Introduction to Logic and to the Methodology of Deductive Sciences, New York, 1946, p. 40
ان مفهوم المرجع الخارجي، كما سيرى القارئ، غائب. يُقدم ديفيد هيلبرت Hilbert وويلسيام اكرمان Wilhelm Ackermann في علهما الشهير (أساسيات المنطق النظري) صياغةً مُماثلةً تؤكد بشكلٍ أكبر على الطابع المنطقي البحت أو المنطقي الشكلي للمعيار: "ان صحة أو خطأ عبارة مُعقدة يعتمد فقط على صحة أو خطأ العبارات المُكونة لها، وليس على محتواها".
D. Hilbert und W. Ackermann, Grundzuge der theoretischen Logik, Berlin, Gottingen, Heidelberg, 1959, S. 6
25- The American Mathematical Monthly, Vol. 57, No. 4, 1950, p. 231

ترجمة لمقالة:
Philosophy in the USSR, Problems of Dialectical Materialism, Published and -print-ed in 1977, Progress Publishers, Moscow
Article: The Problem of Truth in the Philosophy of Marxism, G. A. Kursanov

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية