ترامب والترامبية والنظام الامريكي !

عارف معروف
2021 / 1 / 7

--------------------------------------

والان ، رغم ان الوقت مازال مبكرا جدا على اطلاق التقييمات او الاحكام او التوصل الى خلاصات جدية مفيدة، ما اهمية ما حصل بالامس في واشنطن بالنسبة لنا ؟
وهل سننتفع منه في الشماته او كيل الشتائم او القول بان النظام الامريكي لا يختلف عن انظمتنا كثيرا وان ما يحصل لديهم الان هو صورة لا تختلف في الجوهرعما حصل ويحصل لدينا ؟ هل نبحث عن شفاء غليلنا ام ان هناك امر آخر اكثر اهمية بما لا يقاس علينا استشفافه والغورفيه، هو بالتاكيد ما ينفعنا ويجب بذل الوسع في فهمه ؟
اعتقد ان السؤال الاهم ، الان ،هو هل ان ترامب والترامبية وما حصل بالامس في واشنطن وتداعياته اللاحقة الممكنة او تداعياته التي لم تحصل وكان يمكن ان تقود الى عواقب اوخم هي ظاهرة استثنائية ، واحداث ووقائع شاذة ، عن النظام الامريكي كنظام اقتصادي اجتماعي وعن بنيته السياسية وآلياته الضابطة وما تتيحه ، ام انه ممكن من ممكنات هذا النظام وافراز طبيعي ووجه محتمل وتطور كامن يمكن ان تقود اليه تلك الاليات نفسها ؟
هل ان شخص ترامب نفسه ، بتكوينه الاخلاقي ومنطقه وافكاره وممارساته ، المعروفة ، سواءا على صعيد السياسة الخارجية مثل البلطجة والقتل والابتزاز التي تحولت في عهده الى سياسات رسمية معتمدة لها امثلتها المعروفة او السياسة الداخلية التي تجلى فيها ايضا استهتاره بحقوق المواطن الامريكي او تهربه الضريبي او اصدار الاعفاءات العامة والشاملة عن مرتكبين لجرائم حقيقية في القانون الامريكي او غيرها يمثل حالة طارئة ومرفوضة من قبل القيم الامريكية اوالممارسة السياسية الامريكية على الاقل ، ام انه صورة من صورها وان كانت اكثر تطرفا مما شهدنا من امثلة طوال عقود ؟!
اعتقد ان الشماته او الشتائم لا تنفعنا كثيرا هنا ، اما القول بان ماحصل لديهم لا يختلف جوهريا عما حصل ويحصل لدينا فهو قول لا يستند الى منطق ولا يدعمه علم ، لان الاسساس الاقتصادي والاجتماعي وطبيعة الصراعات وبالتالي انعكاساتها وتعبيراتها السياسية مختلفه كل الاختلاف ...
يبقى لدينا السؤال الاهم وهو هل ان ترامب والترامبية وما حصل من تداعيات بالامس امر غريب وشاذ ولا يمكن ان يصدر عن طبيعة النظام الامريكي ام انه احدى نتائجه المحتملة ووجه ممكن من وجوهه ؟
اذكركم فقط ، بان بلطجة ترامب وابتزازه علنا لحكام الخليج واستحواذه على ملياراتهم دون مقابل ، مثلا ، لم تستدع اعتراضا واضحا او استنكارا ملموسا ويعتد به من الاوساط المؤثرة في النظام السياسي الامريكي بل على العكس كان سببا من اسباب تنامي شعبيته وقبوله وكذلك كان امر تحويل الاغتيالات وجرائم القتل الى سياسة دولة دون خجل او وجل مما يعتبر " قيما امريكية" ثابته ومعلنه وكذلك المطالبة بالاستحواذ على نفط العراق وانكار وجود شعبه او الاستحواذ الفعلي على نفط سوريا ...الخ
وباعتبار ان السياسة الخارجية ، دائما او في معظم الاحيان ، هي امتداد اوانعكاس للسياسة الداخلية فلم تكن سياسة ترامب الداخلية لتختلف كثيرا عن ذلك خصوصا بحق احترام حقوق المواطن الامريكي او حياته او قيم الديمقراطية الامريكية ، سواء في القوانين التي عارض اصدارها او الاعفاءات التي استصدرها لمجرمين محكومين او متهمين يتعين مثولهم امام المحاكم او ذلك الفشل المشهود والمروع في العجز امام وباء كورونا الذي تجاوزت الاصابات فيه الملايين والوفيات مئات الالوف في اغنى بلدان العالم مالا وتجهيزات وقدرات !
لقد هوجم الكونكرس من جماعات منظمة وميليشيات ترفع اعلامها الخاصة وثمة معلومات ومشاهد تداولتها الوكالات العالمية ، قبل ذلك ، ان هذه الميليشيات مسلحة وانها كانت تواصل تدريباتها علنا قبل وقائع الامس ، وبحسب المعلومات فان الدستور الامريكي نفسه يسمح بوجود مثل هذه الميليشات كرديف للقوات المسلحة في حماية النظام الديمقراطي اتجاه اي " تهديد " محتمل !
واذا كان المشرع الامريكي يتيح للجماعات المسلحة وجودا قانونيا فان معظم الانظمة الديمقراطية الغربية يحتفظ بمثل هذه الامكانية على شكل جماعات يمينية متطرفه او جماعات فاشية شبه مسلحة يمكن نفخها والتمكين لها ساعة الحاجة وحينما تجد نفسها امام " تهديد " محتمل او مصلحة مصيرية وهي تواصل تغذيتها بمواد الكراهيةالسياسية والعنصرية يوميا ،ومثال صعود النازية والتمكين لهتلر والمجزرة العالمية التي واجهتها البشرية جراء ذلك ليس ببعيد بحيث ينسى ...اما الاستهتار بارواح البشر واستباحة البلدان والاستخفاف بقيم السيادة والحرية فامثلته اليومية حاضرة وملموسة في حين ان امثلته القديمة لم تنس بعد ، لانها احدثت جروحا لا تندمل في قلب وذاكرة البشرية رغم الذرائع المتهاوية التي حاولوا ويحاولون سترها بها عبر جهد الاعلام العالمي المطلق الهيمنة من خلال امتلاك احدث التقنيات والتوفر على ترليونات الدولارات وتجنيد جيوش من الاّفاقين والكذابين ومجرمي الكلمة و الرأي عن سابق تصور وتصميم والذين لم يخجلوا حتى عن ان يجدوا الذريعة لقتل مئات الالوف دفعة واحدة في هيروشيما وناكازاكي وبالقنابل النووية تحت ذريعة اضطرار ادارة ترومان الى فعل ذلك ... حقناً للدماء !

وليس معنى ما تقدم هو ان امريكا كلها شر او قصد تسويد صفحة النظام الامريكي بالنظرالى نصف الكأس الملطخ بالدماء والسخام وانما ما يعنينا هنا هو التأكيد بان النظام الامريكي عاجز تماما عن تقديم امثولة حسنة للاقتداء بحكم طبيعته ذاتها ، وهو اعجز عن ان يقدم للاخرين حلولا لمشكلاتهم او منهجا يساعدهم في البناء والتطور ، وان ما حصل بالامس من هجوم للغوغاء الترامبية على رمز امريكي هو الاشهر للديمقراطية والدستورية لم يكن الاول ولن يكون الاخيرمن نوعه عالميا ، فعبر السنوات والعقود السابقة شهد العالم عشرات الهجمات الغوغائية المسلحة الدامية على مؤسسات ورموز للديمقراطية والدستور والحكم الوطني المستقل في العديد من البلدان بتدبير واسناد امريكي فعال ادت الى مجازر واريقت فيها دماء المئات ان لم يكن الالوف من اجل مصالح القلة في ادارة امريكا وحلفائها ، والامثلة اكثر من ان تذكر ، من ايران مصدق الى عراق شباط 1963حتى شيلي سلفادور اليندي وروسيا يلسين وغيرها حتى امثلة اليوم الذي تجند فيه الدهماء في تنظيمات دموية او" منظمات ديمقراطية مدنية " او يجري دعم واسناد حكومات عسكرية او حكومات " رشيدة " تابعة وحليفة للعبث بامن واستقلال وسيادة واستقرار الدول والشعوب تحقيقا للغايات الشريرة ذاتها !
ان صورة ترامب التي رأينا ونرى فيها اليوم ،الجنون والبشاعة والبعد عن المنطق في سبيل المصالح الذاتية هي صورة امريكية بامتياز وان ترامب ليس سوى احدى تجلياتها الممكنة !

نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية