«القهر» كمفهوم أساسي في السياسة الداخلية للدول العربية

المهدي بوتمزين
2021 / 1 / 7

في الواقع العربي نكاد لا نلمس معالم تباين و تمظهرات إختلاف عريضة بين إدارة الإستعمار الأجنبي لبلداننا سالفا؛ و نظيرتها من الكولونيالية الوطنية الاَنية , التي هي امتداد طبيعي للأولى , حيث وُجدت الكمبرادورية الداخلية ككيان عميق يخدم المصالح و السياسات و الأجندات الغربية , دون مراعاة للقيم و المبادئ و القوانين التي تنص على حق تقرير المصير و ضمان إستقلالية الدول , حيث باتت اليوم ولاية كاليفورنيا أو تكساس الأمريكيتين أكثر إستقلالية من مصر و السودان, و هو نفس الحكم الذي يسري على باقي الدول العربية لكن بنسب مختلفة.

من البديهي أن الإدارة الفرنسية و البريطانية كما الإيطالية لم يغادروا نهائيا الجغرافيا العربية تحت ستار وثيقة الإستقلال , لأن مضامين المفاوضات لم تعرض جميعها للعلن , و حتى الثورة العربية ضد الوجود التركي في الجزيرة العربية بقيادة الشريف حسين المدعوم بريطانيا ,لم يكن فيها هذا الأخير على دراية كاملة بالغايات الكبرى للإمبراطورية, و التي ظلت حبيسة رأس العميل الإستخباراتي البريطاني توماس إدوارد لورنس, كما جاء في كتابه أعمدة الحكمة السبعة, الذي أعتبره مؤلفا يضعنا أمام الصورة الكاملة للثورة العربية الحسينية ,ضد الوجود التركي الذي يُعده البعض خلافة بينما يعتبره الاَخرون إمبريالية تحت غطاء الإسلام .

إن المسافة التي تفصل بين الإستعمار القديم و المعاصر , تكمن في أن الأول كان واضح البنية و المضمون , حيث كان من اليسير تمييز الأفراد الذين يخدمون الإستعمار الأجنبي, انطلاقا من صورتهم الظاهرة التي تعكس موطنهم الأوروبي أو زيهم العسكري, كما يسهل معرفتهم من خلال مواقفهم الصريحة التي تساند الاحتلال و تطعن في الوطنيين و مطالب الإستقلال . أما الإستعمار الحالي فإنه يتم بواسطة كيانات تضم في غالبها أفرادا محليين يحملون فكرا و ثقافة غربية , لا يتوانون في تنفيذ المخططات دون أخذ جِدي لتقدير الأخطار . إنهم نفس الأقانيم التي تشكل شبكات التجارة بالرقيق الأبيض و يتحكمون في مجون الإعلام و تهتك الوسط المدني و ينشرون ثقافة الإباحبة و الخنى و الشذوذ الأخلاقي و القيمي و يحاربون أواسي القبيلة و المجتمع و الدين . إنهم يضاربون و يراهنون على كل شيئ أمكنه أن يحمل لهم نفعا و ربحا ماديا ,حتى لو ارتبط الأمر بالشرف و التعليم و إستقلال البلد . إنهم يفرضون حظرا على الإلتزام الأخلاقي و الديني الذي يصفونه في سياق حربهم الإعلامية و السيمانتيكية بالرجعية و التطرف و الإرهاب . إنهم يريدون إستحداث مجتمعات مادية تفتقر إلى روح التعاضد في المكان و الزمان ,رافعة لخلق إنقسامات عرقية و مذهبية و جغرافية ,من شأنها جعل خارطة العالم العربي تضم جزرا منعزلة , تمنع قيام إتحاد عربي و إسلامي ككتلة إقتصادية و سياسية و عسكرية رهيبة , تجاري جارتيها الغربية بقيادة واشنطن و الشرقية تحت إشراف موسكو و بكين .

في إحدى المأثورات المتداولة في الحديث عن تاريخ المغرب , طلب أحد الفقهاء المغاربة مقابلة المشرف العسكري الفرنسي على منطقة معينة , ولما تحقق ذلك ,صاح الفقيه في وجه مضيفه و أمام جنوده قائلا : يمكنكم الاَن العودة إلى دياركم و أنتم مطمئني البال , لقد تركتم جيلا وكيلا و نائبا عنكم , أمكنه ضمان استمرار تدبير و تسيير عملكم بشكل أفضل منكم . أي أن نسبة من المغاربة ستغدو فرنسية أكثر من الفرنسيين أنفسهم , و هذا ما نلمسه على مستوى الإستلاب اللغوي الذي أحجم اللغة العربية ,و رفع من مساحة التوظيف للغة الفرنسية , و حجم المعاملات الاقتصادية و الإستثمارات الفرنسية في المغرب التي تفيد الاقتصاد الفرنسي و تدمر نظيره المغربي . حيث تستفيد فرنسا من الصادرات المغربية في المجال الفلاحي و اليد العاملة بمقابل بخس يجعلنا في موضع غبن قانوني .

من نافذ أوفرتون أو المنطلق الخطابي , نجد أن مواقف الشعوب العربية تصادف الجوهر الواقعي لإيجاد منفذ محتمل ؛يمَكنها من الإنعتاق من شرنقة الفقر و التخلف و الجهل ,و الفساد المستشري في كل زوايا و أرجاء المؤسسات و الإدارت بما فيها المسجد و المشفى و المدرسة . إن القاعدة الشعبية تملك الحق في الثورة ضد الكمبرادورية و الدولة العميقة ,التي هي محتل تحت ستار الوطنية , ما أنتج قاموسا لغويا تلقفه الإعلام المتملق و الوصولي, حيث أضحى من يمارس العنف الغير المشروع رجل أمن ,و الذي يرهن سيادة البلد في يد الشركات الكبرى و صندوق النقد و البنك الدوليين خادم دولة , و الاَخر الذي يثمن و يمدح و يصفق على كل الزلات و الكبوات و الأخطاء السياسية , سياسيا محنكا و رجلا وطنيا مثقفا . إن الأنظمة العربية تمارس سلطة قهرية أنتجت مواطنا مطيعا مطأطأ الرأس مكسور القامة, يعاني من فعل إذلال مازوخي يجعله موضوعا للإستغلال و التجربة , و ينزع عنه ملكة التفكير و النقد و المحاججة و النضال و الثورة .

من مظاهر الدونية و الإهانة و الخوف القهري , خرج بعض السكان الذين ينتمون لمنطقة شبه حضارية في إحدى الدول المغاربية للتظاهر و الإحتجاج , وهم يحملون علم البلد و صور الحاكم , منهمكين في تقبيل قطعة الثوب, و بين الفينة و الأخرى يحتجبون عن الأنظار لينفظوا فيها مخاط أنوفهم , كما يحدث مع الأطفال الصغار الذين تمتزج دموعهم مع أمخطتهم . و الدافع لهذا الخروج الميداني الهادئ و البريئ , الذي يظهر و كأنه مطالبة للحصول على تبرعات أو هبات من هكتارات الأرض أو أسهم في شركات المناجم أو السمك , و بعد التحري تجلى أن السبب يكمن في الشطط السلطوي الذي مارسه رجال السلطة المحلية الممثلة في قائد بمعية مُقدم , اللذان دأبا على التحرش بالنساء و الفتيات, و يمتهنون الرشوة و الفساد الإداري . إن الساكنة التي خرجت للدفاع عن شرفها و هي تتدثر بالعلم الوطني و تتلو طلاسم الوطنية و تُذكر أن مجموع الحاضرين للإحتجاج الرمزي الوطني - الوثني- وطنيون يقُبِّلون الأيادي و الأرجل و كلهم إستعداد للدفاع عن الوطن ضد عدو مازال مجهولا.

إني لا أحترم هذه الفئة التي تدعي النضال و هي تقبل بالوضع العام , الذي يعاني في ظله المواطنون من كل صور الإستبداد و الإهانة و الفقر المدقع, و تنعدم فيه اَمال المستقبل مادامت السلطة الشمولية بمعية الكيانات العميقة و الكمبرادورية تتاَمر على الشعب و ترفض نهضة تنموية و تحرير ديناميكية تحول ديمقراطي كفيل بضمان إنسانية الإنسان و حريته و كرامته . إن الإنتفاضة الضيقة المكان تظل عاجزة على الإستمرار في الزمان , و تقعيدا عليه لا مناص من إنتفاضة شعبية تملأ كل الوطن أما نصف مسيرة أو مسافة الثورة زمانيا أو مكانيا , فكأنما يأكر المرء قبره بيديه ,بتعبير ماوتسي تونغ .

صحيح أني فقدت الثقة و الأمانة و الأمن في أنظمة الدول العربية, كما لا أملك أدنى اَصرة تجاه الشعوب العربية , فأنا لا أركن لمفهوم القومية العربية و لا العرق القبلي و لا الموطن الأصلي , فالنموذج الذي يمكن إحترامه هو الذي يرقى بالفرد و يقدس العقد الاجتماعي و الدستور, و ليس الأشخاص . فالدول التي تبنى على الأشخاص , تنتج شمولية و ديكتاتورية و سلطة قهرية قمعية , مع ما يستتبع ذلك من إقامة نظام أبارتايد يفصل و يفيئ الأفراد , كنموذج ما يسمى خدام الدولة أي الفئة التي تحمي سيف الحاكم و عرشه ,و تتمتع بكل الحصانات و الإمتيازات اللامحدودة, كالتي يملكها القائد السافل الماجن الذي يستغل فساد النظام الإداري و القضائي ليتاجر في شرف النساء و البنات يإسم السلطة و القانون و الإستعمار الحديث .

إن الوضع النفسي المضطرب و الواقع المادي المزري الذي يحكم حياة الفرد العربي , ليس قدرا لامتناهيا و إنما حالة مؤقتة أمكن تغييرها , لكن الملاحظ أن إسقاطات الذل و الإهانة على الشعوب , صنع مجتمعات هرمية تجعل من الإهانة فعلا يوميا و ثقافة تحتل الجانب اللاواعي الذي يتكيف المرء معه . إن المواطن العربي لا يتورع لإهانة الاَخر متى وجد الفرصة سانحة لذلك , بحكم أفضلية مادية أو معنوية . و إن كنتُ لا أؤمن حقيقة بالعروبة و لا القومية و لا العرقية , فإني أتشبث بالمليارية الاجتماعية و السياسية التي تجعل المستقبل موضع تفاءل و طوباوية , كما أوثق وجودي و أقنومي الخاص مع القراَن دون أن أفِق في السجال المذهبي عقائديا كما فقهيا . و إن أهم شيئ في الدراسات المستقبلية هو فعل التفاءل مهما كان إحتمال تغيير المعطيات الاَنية ضيقا و غير ممكن , و إن التغيير اَت لا محالة مهما سيطرت الأنظمة على الأحزاب السياسية و النقابات و البرلمانات و الحكومات و الشرطة و الجيش و الإعلام ,لأن الطفرة تحدث في ظرفية زمانية مفاجئة و بفعل سيل اَتي و أتاوي لا يدرك منبعه و لا يبلغ لمصدره .