برنار- هنري ليفي والمتاجرة بفوكو

عبد المجيد السخيري
2021 / 1 / 7

آخر منشور يمكن أن يسعي في طلبه واحد مكاني هو ما يدبجه الفرنسي "برنار - هنري ليفي"، فبالأحرى أن يمنحه امتياز القراءة والتقديم. فلدي أسباب شخصية، وأخرى "معقولة"، تجعلني أتعامل بقليل من الجدية مع ما يدبجه هذا الفليلسوف المزور، إن سمحت لنفسي بالتعبير عن حكم قيمة في هذا المقام. صحيح أني في سياق آخر خصصت نصا طويلا (1) لتجميع أشلاء الصورة التي ارتسمت في ذاكرتي من قراءات وهجومات مضادة تعرَض، ولا يزال يتعرَض لها، وستظل تلاحقه في المستقبل، هذا الذي فشل بشكل ذريع في أن ينتزع من الفلاسفة الحقيقيين والكبار اعترافا صريحا أو حتى تلميحا بانتماءه لعالم الفلسفة، وهو ما يسري على شلته من أشباه الفلاسفة والمثقفين الاعلاميين، كما وصمهم كبار النقاد في فرنسا. فقذ ظل السيد "ليفي" يلف ويدور منذ أزيد من خمسة عقود حول نفسه وحول العالم الثقافي ويصول ويجول في وسائل الاعلام، حتى قبل أن يصير له موطئ قدم وأسهم في الشركات الكبرى المالكة لعدد من القنوات التلفزية والصحف ودور النشر ومجالس الاستشارة التابعة لها، ليثبت مكانته وسط هذه الفئة من المجتمع بالتحديد، أقصد صفوة المفكرين والفلاسفة المكرسين بقوة أعمالهم وآثارهم وإبداعهم المفاهيمي، دون أن يفلح أبدا في نيل مراده إلا بالاسم والتدليس وإرادة الأقوياء من أصدقائه في الأجهزة الإيديولوجية والمؤسسات الرسمية، وقبل كل شيء من قبل اللوبي الصهيوني الذي تربطه به أواصر الأخوة "الدينية" والمناصرة الإيديولوجية والسياسية العلنية، وبالطبع المصالح الاقتصادية والمنافع المادية الكثيرة. بالنسبة لي لا مجال لأي إحالة لمنشورات هذا الدجال، سواء قبل أو بعد ذيوع أخبار فضائحه الكثيرة في التدليس الفكري والشعوذة، إلا إذا تعلق الأمر بإثبات حجج أو استدلال على ترهاته ومزاعمه عند الضرورة. والحال أن المرء منا لا يحتاج اليوم إلى مزيد من الحجج على إفلاس هذا الكائن العجيب ودجله، فقد تولى أمره نقاد من طراز رفيع بمنتهى المسؤولية الأخلاقية والسياسية التي يقتضيها فضح المزيفين من المتسلطين على حقل الثقافة والدخلاء على ميدان الفكر والمدعين.
لكن للأسف أجدني في هذا المقام مضطرا لتقديم وجهة نظره في موضوع الجائحة لاستكمال الصورة، بعدما عرضت وترجمت نصوصا لكبار وألمع الفلاسفة والمفكرين، وكنت أتوقع أنه لن يفوت بالطبع حدثا بمثل هذه الأهمية ليدلي بدلوه، وهو بالفعل ما قام به حين دفع لدار نشره العزيزة "غراسي" في يونيو من السنةالماضية بكُتيب حمل عنوانا مثيرا: "هذا الفيروس الذي يجعلنا مجانين"(2)، بالرغم من أني لا أجد لا أصالة ولا عمقا فيما يذهب إليه، بل ومرة أخرى يثبت أنه نذر نفسه للفذلكة بديلا للفكر، والادعاء بديلا للجدة. والعمق، فضلا عن افقتاره للنزاهة الأخلاقية التي تجعل القارئ يتفاعل مع ما يكتبه بدون تعصب ولا خوف من الاختلاف.
لكن لا بأ س من أن ننصت قليلا هذه المرة إلى ما يهذي به هذا "المدعي"، على الأقل لأن ما سيقوله لن يكون لا أقل ولا أعظم شأنا من أحاديث العامة في كل مكان عن الفيروس الذي شغل الجميع وفرض نفسه على كل القضايا والأولويات الأخرى، في أجندات النقاش العالمي والمحلي، منذ أن حل ضيفا غير عزيز على معظم بلدان المعمور. وكيف لا يكون لكلامه أي معنى وقد صار الفيروس موضوع تدخل من كانوا بعيدين عن الكلام العمومي من الأطباء وخبراء الدواء والأوبئة وعلماء النفس. فعلى الأقل نقبل بتدخل السيد "ليفي" كشهادة مواطن في زمن المحنة لنرى ما الذي تحمله من جديد،قبل أن نرى ما القيمة المضافة المفترض أن تحملها شهادة مواطن "غير عادي" من تجربة العزلة وتأمل الوضع الراهن.

"فيروس الفيروس" أو تضخم الخطاب حول الفيروس

لم ينتظر "ليفي" طويلا ليقذف القارئ بكتيب(أقل من ثلاثة أشهر فقط من بدء تنفيذ الحجر الصحي بفرنسا وباقي دول العالم) يقول أنه خلاصة تأملاته في الوضع الوبائي الراهن، أو بالأحرى في حالة "العماء الجماعي" التي أصابت المجتمعات اليشرية من جراء الطريقة التي "فاقمت بها قنوات الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي هذه الحالة وكرست من خلالها انتصار منظري النهيارات من كل المشارب". وهو يقول في مقدمة الكُتيب أنه أصيب بالذهول مثل غيره عندما حلت الجائحة بالعالم، غير أن الذي ذهله أكثر هو الطريقة التي تعامل بها العالم مع الجائحة، مع أنه يؤكد خطأ ما راج من أن الوباء غير مسبوق. فقد عايش بنفسه حدثا مماثلا عندما انتشرت الأنفلونزا الآسيوية وخلفت مئات الآلاف من الضحايا، وقبلها أنفلونزا هونغ كونغ، فضلا عن أنه سمع وقرأ عن أسوء جائحة شهدتها بدايات القرن الماضي وأوقعت عشرات الملايين من الضحايا في العالم والمعروفة بالأنفلونزا الاسبانية(بين 50 و100 مليون)؛ فإن ما جثم على أنفاس العالم ليس الوباء وإنما الخوف منه، وما تضايق منه "ليفي" أكثر هو انخراط المثقفين في أحاديث عن حرب صحية شاملة وعدو خفي وجيش من المقاتلين في الصف الأمامي(الأطباء والممرضين ...)، مع أن بعضهم عاش ما هو أسوء من محنة الجائحة الأخيرة، كالحروب الدموية والكوارث الصناعية. ولعله يلمح هنا إلى بعض الأسماء المعروفة والمكرسة في فرنسا كالفيلسوف "إدغار موران"، أو المفكر الأمريكي " نعوم تشومسكي" . وهو إذ يذكرنا بالأحداث، يتجاهل ما أثارته من خوف ورعب في النفوس، مثلما فعل فيروس كوفيد 19، مع أن قوة الإماتة لا تقارن مع الفيروسات السابقة. فالخوف من الفيروس بالنسبة لكاتبنا ليست هي المشكلة، وإنما المشكلة كلها تكمن في تخضم الخطاب حوله، إنها "فيروس الفيروس" بتعبيره المفذلك. وإذا كان لا بد من استحضار بعض الجوانب الايجابية من تجربة مواجهته، كما تجلت من الأيام الأولى لانتشاره، كالتضامن المواطني وإعادة الاعتبار لفئات من المواطنين كانت على الهامش قبل الجائحة، مثل المسعفين وعمال النظافة وغيرهم، فإن الأهم بالنسبة له هو الوقوف مليا عند الآثار السلبية التي خلفها، والمتمثلة بالخصوص في مهاجمة الفيروس وخطابه التسلطي لقيم المجتمعات الغربية التي كان يعتنقها ويذوذ عنها. وها هنا بالذات يتلاقى خطاب "ليفي" ويتماهى بخطاب اليمين المتطرف الذي ظل يعزف على وتر الحرية منذ اجتاح الفيروس القارة الأوروبية وأمريكا الشمالية، حيث ساد هذا النوع من الخطاب لتبرير رفض إجراءات الاغلاق والحجر الصحي. فما شاع عن إيجابيات الفيروس، مثل تخفيف التلوث وتراجع ضجيج المدن وانتشار الهدوء، لا يجب في نظره أن يحجب عنا سلبياته الكثيرة، وفي مقدمتها انتعاش خطاب متطرف ينسبه الكاتب لليسار والإيكولوجيين الذين ابتهجوا بالفيروس لأنه كشف في نظرهم عن جرائم الانسان في حق الطبيعة، وكذلك خطاب اليمين الديني المتطرف (وفي الواقع قسم منه) الذي رأى في الفيروس عقابا إلهيا للبشر على تساهلهم مع الخطايا. وهو يرفض في الأصل فكرة أن يحمل الفيروس خطابا إلى البشرية لأنه وُجد دائما، وهو لا يفكر ليقرر توجيه خطاب لنا أو معاقبتنا. وإذا كان الخوف له ما يبرره، فإن الانصات للأطباء من شأنه أن يطيل زمن حالة الطوارئ الصحية والحجر إلى أمد بعيد غير مقبول،و هو أمر مخيف حقا ويفتح الباب أمام المجهول، لأن هناك من يتربص بمثل هذه اللحظات ليثبَت سلطانه في الأرض ويستمر في الحكم والتحكم. ولعل السيد "ليفي" يسمي طبعا فقط أعداءه التقليديين مثل حكام روسيا وكوريا الشمالية وتركيا، لكن لا يتجرأ على تسمية أندادهم من حلفاء الغرب والحكومات الأوليغارشية في أوروبا وأمريكا، ولا الشركات العابرة للقارات ولوبيات شركات صناعة الأدوية واللقاح، وغيرهم من المستفيدين من انتشار الفيروس وصناعة الخوف.
قد لا يجد القارئ ما يستحق أن يقرأ هنا كجديد، إذ ورد مثل هذا النقد في التعليقات الكثيفة بنصوص المدونين على المواقع الاجتماعية، وهو ما ينطبق على بعض السلبيات التي عدَدها، مثل تراجع مكانة الكتاب والاهتمام المفرط بإشباع حاجات الجسم، وهو أمر لا وجود لأي دليل ثابت على صحته، إن لم يكن العكس ما حدث مع عودة الكثير من الناس لممارسة فعل القراءة والتطبيع مع الكتاب بعد طول قطيعة، مثلما قرأنا في شهادات كثيرة لأشخاص اكتشفوا لذة مصاحبة الكتاب ودفئ التواصل الأسري ...إلخ. كذلك حين يتحدث "ليفي" عن إغلاق فضاءات الحضارة كالمتاحف والحدائق وأماكن العبادة وكل الأماكن التي يمارس فيها الناس عادات التأمل والتنفيس الروحي، وفرض ارتداء الكمامات ومنع التصافح الذي يضر بأجمل إشارات التحضر، فهو يتعمد المبالغة ليوهم القارئ بـأنه ينظر إلى أبعد مما يراه الناس العاديون في الأحداث التي تجري من حولهم، متجاهلا أنه إجراء منطقي للغاية في مواجهة الكوارث والأوبئة، وإلا فما الأصح بالنسبة إليه: هل هو إغلاق هذه الفضاءات إلى حين محاصرة الفيروس والسيطرة عليه، أم فتحها على مصراعيها وترك الفيروس يتفشى ويزحف إلى أن ينهار النظام الصحي أكثر مما هو منهار ومفلس؟ ونفس الشيء يقال عن اجراءات الدفن بالنسبة للموتى من جراء الإصابة بالفيروس، حيث أن غياب طقوس الدفن كان لأسباب منطقية، رغم الألم الذي خلفه ذلك بالنسبة لأهل الضحايا وأحبتهم، وإلا فمعنى ذلك فسح المجال للفيروس ليفعل ما يشاء. أما بخصوص معاناة المسنين والتمييز ضدهم بسبب اختيار بعض الدول التضحية بهم لإنقاذ الشباب في أقسام الانعاش والتنفس الاصطناعي أو تركهم فريسة الوحدة القاسية في انتظار أن يفتك بهم الفيروس، فإن صاحبنا لا يقول لنا من المسؤول عن أوضاع هذه الفئة وكل المحرومين من الرعاية الصحية ويكتفي بالوصف البكائي الكاذب، لأننا نعرف جيدا أنه لا يستطيع أن يوجه الاتهام بشكل صريح للنظام الصحي وللسياسات الليبرالية التي تقف وراء تهميشه وتدميره وتخلف خدماته العمومية، وهو الذي ظل لعقود يتبجح بلبراليته وأمجادها ويدعم علنا النيوليبرالية ويتباهى بانجازاتها "العظيمة". هنا أيضا يبدو "ليفي" كمتزلف يبحث عن اعتراف لدى القارئ بإنسانيته، وهو المعروف بسجله اللا أخلاقي وسمعته السيئة في دعم الطغاة في الشرق والغرب وانتصاره للكيانات والأفكار العنصرية، وفي مقدمها الكيان الصهيوني الذي يحازبه في كل الأوقات والمواقف بدون تحفظ ولا حياء.

الحرية أولا ودموع ليفي

ليس "ليفي" وحده من بكى الحريات التي فرضت الجائحة التراجع عنها أو الحد منها، والتي هي من صميم المجتمعات الغربية وقوام ديمقراطيتها العريقة في نظره، بعدما أصبح نموذج دولة المراقبة هو المعمول به للتصدي للفيروس المستعار من آسيا(في إشارة إلى تجربة الصين في المكافحة الصارمة لفيروس كورونا)، بل كثير من أمثاله من الذين آثروا نعمة الحرية والاستمتاع بملذات الحياة في الحانات المكتظة والسهرات الحمراء على الحياة نفسها فعلوا، لأنه في نظرهم، إذا كان لا بد من أن يتنازل الفرد عن جزء من حريته لفائدة الدولة أو الجماعة بموجب العقد الاجتماعي، كما تصوره فلاسفة القرنين السابع عشر والثامن عشر، فإنه ليس من معنى أن يضحي الفرد بحرياته كلها مقابل عقد تأمين حياته وحمايتها من الفيروس، إلا إذا صارت دولة المراقبة بديلا للنظام الديمقراطي الليبرالي. إنه يرفض مقايضة الحرية بالأمن الصحي مخافة أن يجعلنا ذلك ننسى المعنى العميق للحياة. وهو أيضا يرفض ما يقول إنه نقاش مغلوط في الأساس القائم على المفاضلة بين الحياة والاقتصاد لأنه "ليس ثمة درس مجتمعي ننتظره من الجائحة". وقبل كل شيء يرى أن حياة مليئة بالخوف والتضييق لا تصلح أن تسمى حياة "حيث نقبل المرور من دولة الرعاية إلى دولة المراقبة، وحيث نستبدل العقد الاجتماعي بالعقد الحيوي un contrat vital ". لكن تخوف السيد "ليفي" من استغلال الأنظمة للتدابير الصارمة المؤقتة لحالة الطوارئ الصحية في فرض التباعد الجسدي أو الاجتماعي ومنع التجمعات الكبيرة، وتحويلها إلى قوانين دائمة، مثلما حدث مع قوانين مكافحة الارهاب، يبدو غير لائق به لأنه لم يسبق لصاحبنا أن ندد بها صراحة في حدود علمنا إلا عند تحويرها في اتجاه الأنظمة "المارقة"، مثلما يريد أن يوهمنا اليوم بأنه يرفض الوصاية على الحريات باسم الأمن والأمان والحق في الحياة. ونفس الشيء ينطبق على قوله بتواري القضايا الملتهبة التي شغلت الرأي العالم قبل الجائحة، والتي بنظره لا يستفيد من تراجع الاهتمام بها سوى الطغاة ودعاة الموت. ومن المضحك حقا أن يذرف الكاتب دموع التماسيح على تواري قيم الجمهورية وطقوسها مثلما يصفها، رمز الإخاء والتضامن، كالمصافحة باليد في إطار تدابير التباعد الجسدي لتفادي انتقال العدوى الفيروسية، وكأن هذه القيم والطقوس صالحة لكل وقت وتراجعها المِؤقت سيزعزع نظامها الرمزي إلى الأبد، بينما التاريخ يشهد أن كثيرا من القيم والطقوس تختفي في ظروف استثنائية وسرعان ما تعود إلى عهدها السابق، وربما بصورة أقوى حين تتغير الظروف التي فرضت تراجعها والتنازل عنها. فهل يتوقف التضامن والإخاء على طقس المصافحة والعناق والجلسات الحميمية والاحتكاك الجسدي، أم أنه أعمق من ذلك ويضرب بجذوره في هوية الكائن الانساني وتاريخه الثقافي؟ والمثير هنا هو أن يتقمص السيد "ليفي" دور المثقف الناقم على السلطة، سواء حين يقول إنه مستاء لقبول الناس لإملاءاتها وانقياذهم لأوامرها في إطار تدابير الطوارئ الصحية، على نحو ما أورده إتيان دو لابويتي في كتابه حول “العبودية الطوعية"، وبالخصوص من أولئك الذي يقبلون بها وهم "سعداء بالحجر" لأنه أتاح لهم فرص خوض تجربة جديدة للتأمل الذاتي وتقاسم الروتين اليومي مع الآخرين من خلال مواقع التواصل الافتراضي بدل التواصل الحي واللقاءات المباشرة، بينما يتعلق الأمر في نظره بتجربة قاسية يقترن فيها التأمل المفروض بالزهد الفعلي في غرفة منعزلة عن العالم تُعمَق الحرمان وتبعث على القرف، وهي قبل كل شيء تكشف رغبة شريحة من المترفين في التنصل من المسؤولية ونفض عبئ الحياة اليومية عن أكتافهم، وتنسى أن سعادتها الوهمية بتجربة الحجر لا تُقارن بأولئك الذين حُرموا أصلا، إما من السكن أو فرض على بعضهم قضاء شهور بأيامها ولياليها في غرف ضيقة مكتظة، وهو ما يمثل بالنسبة لهم كابوسا مظلما. فإن ما يسعد السعداء بالحجر في الواقع هو الانكفاء والتقوقع على الذات وليس العودة إليها واكتشافها وتأملها. والحال أن ما أسهمت حقا في الدعوة إليه الأفكار الفلسفية العظيمة هو اللقاء بالآخر وليس الانكفاء إلى الذات وتأملها. فالإنسانية تبدأ بلقاء الآخر وليس العكس. و الحال أن هؤلاء السعداء، باسكاليي الأحد ces pascaliens du dimancheكما ينعتهم، وقد وجدوا في الحجر الصحي فرصة للهدوء والتزود، ينسون أن سعادتهم هي بمثابة إهانة بالنسبة لمن ليس لهم مبيت من المشردين أو المهاجرين. وفي نفس السياق يقر صاحبنا بأن مكافحة التغيرات المناخية من القضايا العاجلة لزمننا، إلا أنه يرى من باب التضليل أن ننسب لفيروس كورونا فضيلة مضمرة لكونه سمح باستعادة الطبيعة لحقوقها، ومن ثم يهاجم بعبارات ساخرة ومشحونة بعاطفة مفتعلة أولئك الذين يمتدحون الفيروس على حساب آلام الضحايا، وكذلك إذ يقر بأنه لم يكن ثمة خيار آخر غير الحجر، فهو يؤكد مستنكرا أن حياة فقيرة ومذعورة من نفسها لا تستحق أن نعيشها وأن نكرس لها كل هذه الجهود من الرعاية والوقاية والحذر.

المتاجرة بفوكو

ليس جديدا على "ليفي" المتاجرة بالأفكار والأسماء حين يكون ذلك مدرا للربح وطريقا للإثارة ولفت الانتباه. فهو "النجم الاعلامي" الذي يبحث دوما عن الأضواء ويرفض العيش بعيدا عن أعين الصحافة والكاميرا وبريق البلاتوهات التلفزيونية، وله سوابق عظيمة في تسخير قضايا انسانية لفائدته الخاصة، بل وفبركة كثير منها لدغدغة العواطف واستمالة ذوي الاحساس الرهيف من المخدوعين، ولائحة فضائحه طويلة في هذا الباب بالذات، وقد أشرنا إلى بعضها في دراستنا المشار إليها أدناه، ولا فائدة من التذكير بأي مثال منها. نود فقط الاشارة إلى أنه فعل مع "جون بول سارتر" ما فعله ويفعله مع "ميشال فوكو" حين يخصص الفصل الأول من الكتيب الجديد للحديث عن تصاعد سلطة الأطباء في زمن الجائحة مستدعيا أطروحة من درج على وصفه بأستاذه الكبير، وقد اختار له عنوانا يحاكي عناوين مماثلة شائعة في الكتابات الفرنسية: " عُد يا ميشال فوكو"، بما يفيد الحاجة الماسة لفكر هذا الأخير وأدواته لتشريح الوضع الراهن. لكن قراءة سريعة لما جاء بهذا الفصل تؤكد، لمن هو بحاجة لمزيد من الحجج، الاستنتاجات المتسرعة التي يهرع إليها "ليفي" كلما كان بحاجة لدعم خرجاته البهلوانية في مناسبة ما أو التدخل في قضية له فيها مآرب شتى، بل ويبستر كما يحلو له أطروحات الفلاسفة ويسلط عليها تأويلاته الفاسدة دون حياء. لا ننكر أن "فوكو" اقترف أكبر زلة قيد حياته حين مرَر ذات مرة اعترافا مريبا بجماعة "الفلاسفة الجدد"، مخالفا كل معاصريه من كبار فلاسفة فرنسا ومفكريها المرموقين، بمن فيهم صديقه الكبير "جيل دولوز"، إلا أن ذلك لا يشفع لعرَاب الجماعة المشبوهة باستغلال اسم هذا المفكر اللامع، ولنقده للسلطة الطبية في المجتمعات الغربية ورغبتها الشديدة في الهيمنة في سياق تاريخي خاص عبر سلطة المعرفة، وذلك لممارسة الخلط المفضل لديه بين نقد التصورات والممارسات الممأسسة التي تقوم على الفحص الدقيق للظواهر التاريخية والشواهد، وبين التهجم المجاني على الأطباء لمجرد أن فرضت الظروف على بعضهم المرور الضروري إلى وسائل الاعلام لأداء دورهم في التحسيس والتواصل مع الناس، ما وجد أنه احتكار من قبل هؤلاء للنقاش العمومي وإرادة لنشر الخوف داخل المجتمع. وقد يكون الدافع الحقيقي لهذا التهجم هو أن الأطباء أخذوا مكان فيلسوف التلفزيون في البلاتوهات وحجبوا صورته إلى حين. وعليه يجهد صاحبنا في إيهام القارئ بأنه يسير على خطى "فوكو" المشرح لنظام الخطاب والناقد الشرس للسلطة ولسلطة المعرفة، حين يؤكد أن سلطة الأطباء تزايدت في زمن الجائحة وصارت قاب قوسين أو أدنى من فرض هيبتها حتى على السلطة السياسية مع تحول جماعة الأطباء إلى مصدر المعلومات الأول والأخير للسياسيين، مع أنهم أبانوا في نظره عن تناقضات كثيرة في مواقفهم وتصريحاتهم، خاصة أولئك الذين احتلوا واجهة التدخل العمومي. فصعود السلطة الطبية تؤشر في نظره على تشويه متنامي للكلام العمومي، ونكران النخب مثلما على فقدان السلطات للبوصلة، بل إن حرص الأطباء على الغلو في الوقاية والنظافة l’hygiénisme يجعل من الصحة "نوعا من الاستحواذ السالب ومن إرادة العلاج براديغم العمل السياسي"، يقول "ليفي".
والغريب أن صاحبنا لن يكتفي باستغلال اسم "فوكو" للظهور مظهر المفكر الحذق الوفي لتقليد فلسفي مرصع، بل سرعان ما سينزلق مع خلفيته الدينية ليسلط على سلطة الأطباء ضوء التلمود حين يبعث من رماده تلك النبوءة الغريبة التي تقول أن "أفضل الأطباء مآلهم جهنم"، جنبا إلى رجم الطب بالموقف الابستمولوجي الباشلاري المنزوع من سياقه، والمشوه صياغة، الذي اعتبر أن الحقيقة العلمية خطأ وقع تصحيحه، بل والحال أننا أمام حشو مألوف عند صاحبنا حيث الخلط بين الاستدلال والانطباع، بين التحقَق والاسقاطات الذاتية، من قبيل أن الطب ليس بعلم دقيق حتى يملي علينا أوامره كأنها حقائق مسلم بها، وأن طبيبا قد يزهق روحا فقط بسبب سوء تقدير للحالة المرضية مثلما قد ينقذ روحا أخرى، ثم ما يلبث يناقض نفسه حين يعود للتنويه بالأطباء الذين يخاطرون بحياتهم لإنقاذ الآخرين بعدما هاجم تدخلاتهم لرفض تدابير الوقاية الصحية معتبرا أنها تؤكد مرة أخرى أنها آليات للضبط والتخطيط كما وصفها "فوكو". وفي الواقع لم يفوت الفرصة هذه المرة أيضا لتصفية حساباته القديمة مع المثقفين مستخدما شعبويته المعهودة حين يتعلق الأمر بالظهور مظهر "الشعبي" المناهض للنخبوية، وقد أضاف إليهم هذه المرة الأطباء الذي يقول أنهم أصبحوا متسيدين على المشهد العمومي، رغم ما يخترقهم من انقسامات وتناقض المصالح، حتى أنه بالنسبة إليه لا يعدو الانصات لمن يعلم أن يكون انصاتا لمن يأتي بنتائج عكسية دائمة.

ختاما

من المنطقي جدا أن يُؤاخذ صاحبنا على تسرعه في رد الفعل وعدم انتظار الوقت الكافي لبناء نظرة موضوعية وشاملة للحدث تأخذ بالاعتبار مجمل العوامل والظروف التي أسهمت في تحديد اختيارات الدول لسياسات الحجر الصحي وإجراءات الحماية الضرورية في مواجهة وباء جديد لم يكن أحد يتوفر حوله سوى على معلومات قليلة ومتضاربة. ولعل مقارنة سريعة مع ما أدلى به مفكرون وفلاسفة مرموقون في هذا الباب يجعلنا نتبيَن الفرق الشاسع بين الفكر والدجل. فمعظم هؤلاء بنوا مواقفهم أو ردود أفعالهم الأولى من الحدث، إما على حدوس عميقة تتجاوز النظر إلى الحدث من الزاوية الحدثية والشرط الظرفي والانفعال والتسرع، أو على أساس ما يكشفه على مستوى تجليات أزمة النظام الرأسمالي وسياساته الليبرالية المتطرفة، خاصة في الميدانين الصحي والبيئي، بينما لم يفلح السيد "ليفي" سوى في سبك العبارات الرنانة للتعويض عن ضعف التحليل والتفكير العميق في الظواهر والأحداث الماثلة للعيان، مثل "فيروس الفيروس" و "عولمة الخوف"، وهي عبارات دارجة تعجَ بها صفحات المواقع الاجتماعية ولا تصنع فرقا جوهريا بين تفكير "الفيلسوف" وبين انطباعات العامة من الناس أو متوسطي التفكير من المتعلمين، حتى أنه لا ينفع مرة أخرى اللجوء المتحايل إلى حشو النص بكثرة الاستشهادات المبتورة للفلاسفة الكبار للتغطية على ضعف الرؤية وتلبية الرغبة الجامحة في الظهور بين "الأنداد"، كما لا ينفع اللجوء المخادع لفوكو للهجوم على السلطة الطبية بشكل قد يجعل القارئ يخال هذا الأخير عدوا مجانيا للأطباء والطب. فقد أثبتت الأحداث التالية على الشهور الثلاثة الأولى لاعتماد حالة الطوارئ الصحية، بتوصية من منظمة الصحة العالمية، أو بشكل استباقي بالنسبة لبعض الدول التي رفضت الخضوع لمنطق أولوية الاقتصاد على الصحة العامة، أن تخمينات "ليفي" مجرد هواجس عقل صغير لا يصح منها إلا ما يتكرر في أحداث مماثلة، كالأزمات الإيكولوجية والحروب والكوارث، وأن مظاهر الحياة الطبيعية سرعان ما عادت مع بدء تخفيف تدابير الحجر الصحي والإغلاق، بينما من الوارد أن تعود هذه التدابير متى ظهر أن ذلك ضروري لوقف زحف الفيروس أو نسخ جديدة منه، وهو أمر لا يمكن أن نرميه بالشك لمجرد أنه يحرمنا من الاستمتاع والخروج للتنزه والسفر وارتياد الحانات الصاخبة والعلب الليلية.

هوامش
1-عبد المجيد السخيري،السياسة ضد الفلسفة، برنار هنري- ليفي نموذجا، مجلة الحرية، الجزء الأول بالعدد 6 صيف 2019، والجزء الثاني بالعدد 7 خريف 2020.
2-Bernard –Henri Lévy, Ce virus qui nous rend fou,Paris, Grasset, 2020, 112 p.

حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت
حوار مع الكاتبة التونسية د. امال قرامي حول ما تعانيه النساء من جراء الحرب والابادة اليومية في غزة، اجرت ا