نقد مسرحية ( شهدى ) د.على خليفة

اشرف عتريس
2021 / 1 / 4

من الواضح لي أنه لا يحب البطولة المطلقة لشخصية معينة في مسرحياته،
بل هو يفضّل البطولة الجماعية، ومن ثم نرى في مسرحياته مجموعات كثيرة، ويتم عرض جوانب من كل شخصية من هذه الشخصيات،
وإن كان هذا لا يمنع من أن يسلط المؤلف الضوء بشكل كبير على بعض الشخصيات في بعض مسرحياته.
وكذلك من سمات مسرح أشرف عتريس وجود الشاعرية العالية فيها في رسم المواقف، وحوار الشخصيات؛ ولهذا تنساب كثير من الصور البلاغية على ألسنة معظم الشخصيات في مسرحياته.
وأيضا نرى روح القرية بادية في بعض مسرحياته بما تختزنه من عادات وطقوس واحتفالات شعبية، وبعض هذه العادات والطقوس والاحتفالات آخذ في الأفول، ويستعيدها المؤلف في مسرحه، ويمزجها بالخيوط الدرامية فيها.
أما عن مسرحية شهدي فإنها من مسرحيات المؤلف القديمة، وفيها سمات أسلوبه التي تحدثت عنها في السطور السابقة، ونرى في هذه المسرحية أهل قرية يخوضون حربا ضد عدو، ويواصل فدائيو هذه القرية الكفاح ضد هذا العدو،وونراهم طوال مشاهد المسرحية يحتمون في بدروم تحت الأرض تجنبا لرصاص المدافع، ولشظايا القنابل، ونرى بعض النساء ينتظرن عودة أولادهن المجاهدين في ذلك المكان، ويأملن أن ينجحوا في تنفيذ عملياتهم الفدائية
ومن هؤلاء النساء من ترثي ابنها الذي استشهد خلال تلك المواجهات مع ذاك العدو، مثل الست حزينة، وكذلك نرى في ذلك المكان أيوب المصري الذي يتذكر الانتصارات التي شارك فيها، ويشعر بأن البعض لم يقدروا كفاحه، وكذلك نرى بينهم عسران الكفيف الذي شارك هو أيضا في بعض الحروب.
وخلال مشاهد المسرحية نرى شباب الفدائيين يخرجون منه مستعدين لتنفيذ عملية فدائية جديدة، ونراهم يدخلون اليه بعد تنفيذهم لإحدى العمليات أو عند حملهم لجثة شهيد.
وتبدو الحركة في هذه المسرحية من خلال انتظار من في هذا البدروم لعودة الفدائي الشاب شهدي بعد أن نفذ عملية فدائية مع رفاق له،
وتترقب أمه وحبيبته زهرة عودته بلهفة شديدة، ويعود شهدي، ويفرح الجميع بعودته، ويخرج مرة اخرى مع رفاقه الفدائيين في عملية فدائية أخرى،
ويعودون من غيره، ويتألم الجميع خاصة أمه وحبيبته زهرة لغيابه، ويهتز الشاعر والرسام لغياب شهدي، فتشتعل الحماسة لديهما، ويتركان سلبيتهما، ويخرجان مع بقية الفداييين للكفاح ضد العدو.
ويعود شهدي في نهاية المسرحية على كرسي متحرك، ولا يقول شيئا، ويعبر رفاقه عن شعورهم بالملل من هذه الحرب التي لا تنتهي، ويبدو في كلامهم نبرة استسلام، فتصرخ فيهم أم شهدي، وتعرفهم أنها أفضل لها أن يستشهد ابنها من أن يكون مستشعرا الاستسلام، وتقول لشهدي ورفاقه: إنها لا يسرها أن يكون لها أولاد إلا وهم مصممون على مواصلة الكفاح من أجل الوطن، وهنا تعود روح الحماسة للفدائيين، ويصممون على مواصلة الكفاح حتى يتم النصر أو ينالوا جميعا شرف الشهادة.
والشخصيتان النشاز على هؤلاء الفدائيين وأهاليهم المتعاونين معهم في هذه المسرحية هما آدم الحانوتي الذي لا يعنيه من تلك الحرب سوى أن يجد الجثث التي يغسلها ويدفنها، ويحصل على النقود من وراء ذلك، وهو يرى أن هذه الحرب باب رزق له، وعليه استغلاله.
والشخصية الشريرة الثانية في هذه المسرحية هي زكي الذي لا يوجد لديه أي إحساس بالوطنية، بل إنه يسخر من الفدائيين الذين يضحون بأرواحهم من أجل الوطن، ونراه يحاول أن يضغط على أخته زهرة حتى تتزوج من آدم الحانوتي، ويتجاهل رفضها له، وميلها لشهدي.
وكما نرى فالمسرحية تقسم الشخصيات لصنفين أخيار وأشرار، ولا تعطي أبعادا نفسية لهذه الشخصيات النمطية.
كما أن تطور بعض الشخصيات فيها كان تطورا ميلودراميا، مثل ما حدث للشاعر والرسام اللذين كانا محبطين، ويحاولا أن يغيبا وعيهما عما يحدث حولهما خلال هذه الحرب- وغالبا كان هذا الإحباط لانكسارات سابقة - من خلال إفراطعهما في شرب الخمر، ولكنهما يستفيقان هكذا فجأة حين علما بغياب شهدي، وعدم حضوره بعد إحدى العمليات الفدائية، ويقرران عند ذلك ألا يغيبا وعيهما بالخمر مرة أخرى، وأن ينخرطا مع الفدائيين.
وكذلك نرى هذا التطور الميلودرامي في نهاية هذه المسرحية حين تخطب أم شهدي في بعض الفدائيين حين شعرت بروح الانكسار تسري فيهم، وتعيد لهم بخطابتها الرغبة في استمرار مقاومة العدو.
وعلى الرغم من هذه الملاحظات فإن هذه المسرحية لها متعة كبيرة في القراءة، ولا شك أنها تلقى استحسانا كبيرا عند عرضها الروح الشاعرية بها، وللحماسة التي تتبدى عند أكثر شخصياتها ..

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول