حاجة العراق للاستثمار الخارجي ولكن بشروط

عادل عبد الزهرة شبيب
2021 / 1 / 2

يدعو الوضع الاقتصادي في العراق والذي يعتمد اعتمادا كليا على تصدير النفط الخام وتبذير عوائده المالية بعيدا عن مشاريع الإنتاج بما فيها مشاريع إنتاج المنتجات النفطية والتي يستوردها من البلدان المجاورة وإهمال واضح للقطاع الصناعي والزراعي والقطاعات الاقتصادية الأخرى ومعتمدا اعتمادا كليا على استيراد كل شيء لسد الحاجة المحلية ,وفي ظل المديونية الكبيرة للعراق الموروثة من النظام المقبور نتيجة سياسته العدوانية, ولمتطلبات الأعمار وإعادة الأعمار وتحقيق التنمية الاقتصادية _الاجتماعية, أصبح الاستعانة بمصادر التمويل الخارجي والسماح للرأسمال الأجنبي بالاستثمار داخل العراق أمرا ضروريا.
فماذا يعني الاستثمار؟
الاستثمار:
الاستثمار هو إضافة طاقات إنتاجية جديدة إلى الأصول الإنتاجية الموجودة في المجتمع وذلك بإنشاء مشروعات جديدة أو التوسع في مشروعات قائمة أو إحلال أو تجديد مشروعات انتهى عمرها الافتراضي ,وهو يمثل الإضافات الصافية على خزين رأس المال الحقيقي للبلد المعني.
أهمية الاستثمار:
يؤدي الاستثمار الاقتصادي إلى زيادة الإنتاج والإنتاجية والتي تؤدي بالتالي إلى زيادة الدخل القومي وتحسين مستوى معيشة المواطنين وارتفاع متوسط نصيب الفرد ,إضافة إلى أهميته في توفير الخدمات وفرص العمل والمساهمة في التقليل من نسبة البطالة ,ويسهم أيضا في زيادة معدلات التكوين الرأسمالي للدولة وتوفير التخصصات المختلفة من الفنيين والإداريين والمهندسين والعمالة الماهرة , ومن خلال دوره في إنتاج السلع والخدمات فانه يساعد على إشباع حاجات المواطنين وتصدير الفائض منها للخارج مما يوفر العملات الأجنبية اللازمة لشراء الآلات والمعدات وزيادة التموين الرأسمالي.
أنواع الاستثمار:
يمكن تمييز عدة أنواع من الاستثمار: الاستثمار العام ,والاستثمار الخاص ,والاستثمار الأجنبي. فالاستثمار العام هو الذي تقوم به المؤسسات العامة للدولة ويركز على الخدمات العامة المقدمة للمجتمع من قبل الدولة كالخدمات الصحية والتعليمية ....الخ, أما الاستثمار الخاص فيقوم به الأشخاص أو الشركات بينما يقوم بالاستثمار الأجنبي الأفراد أو الشركات أو المؤسسات الدولية داخل البلد المعني من خلال نقل الأموال من بلد لاستثماره في بلد آخر بعد توفير المناخ الملائم للاستثمار ويكون أما بشكل مباشر عن طريق استثمار الأموال الأجنبية في مشاريع اقتصادية تفيد البلد المستثمر فيه ,أو غير المباشر ويكون عن طريق شراء الأسهم والسندات الخاصة أو الحكومية. أي انه لايتم في أصول إنتاجية بل يكون في المضاربة بالأسواق المالية ويشكل هذا النوع من الاستثمار الأجنبي خطورة وأثارا سلبية على عملية التنمية بدلا من دعمها .ومن الضروري في هذا المجال وضع قيود على تدفقات الرأسمال لأغراض المضاربة والتأكيد على توظيفه في الاستثمار المباشر الذي يخلق طاقات إنتاجية وفرص عمل وينقل خبرات تكنولوجية ومعارف ومهارات إدارية.
معوقات الاستثمار في العراق:
هناك مجموعة من المعوقات الاقتصادية والسياسية التي تعيق عملية الاستثمار للشركات المحلية والأجنبية في العراق تتمثل بـ :
1. عدم الاستقرار السياسي والأمني والذي يعتبر من أهم العوامل الطاردة للاستثمار وحتى لو توفرت عوامل الاستثمار الأخرى فان عدم توفر الأمن سيؤدي إلى عدم جذب الاستثمار ,فالاستثمار يبحث عن بيئة مطمئنة ليست فيها مخاطر خوفا على عدم ضياع رأس المال وبدون تحقيق الربح.
2. ضعف القدرة الاستيعابية للعراق والتي تشكل احد الموانع لجذب شركات الاستثمار للاستثمار في العراق, حيث يفتقر العراق إلى العوامل المساندة للاستثمار, إذ أن قلة تلك العوامل سيزيد من مستوى الأسعار ومن ثم زيادة كلفة المشروع والتي تعني قلة الأرباح التي يحصل عليها المستثمر ويجعل المشروع قليل الجدوى.
3. معدلات التضخم الكبيرة في الاقتصاد العراقي : يعتبر التضخم الكبير احد الموانع التي تحول دون دخول الشركات الأجنبية المستثمرة الاقتصاد العراقي حيث أن اختلال الأسعار يخلق صعوبات كبيرة تواجه تلك الشركات في عملية التنبؤ بتكاليف الإنتاج والأرباح المتوقعة وخاصة في المشاريع طويلة الأجل.
4. افتقار العراق للأسواق المالية المتطورة والتي تعتبر الممول الرئيسي لشركات قطاع الأعمال ,إضافة إلى افتقاره للمصارف المتطورة بأساليبها الحديثة .
5. افتقار البنية الاقتصادية العراقية للشفافية ,والشفافية هنا هي المعلومات التي تساعد الشركات والمستثمرين في إمكانية التنبؤ المستقبلي بظروف البيئة الاقتصادية الداخلية التي يمكن على ضوئها صياغة وتوجيه خطط الاستثمار.
6. عدم وجود قوانين وتشريعات موحدة لدعم الاستثمار.
7. البيروقراطية والفساد المالي والإداري عامل معيق للاستثمار وان معالجة الفساد لن تكون مثمرة وناجحة إلا عندما تكون معالجة سياسية_ اقتصادية_ اجتماعية في وقت معا.
العوامل المشجعة على الاستثمار في العراق:
هناك عدة عوامل تساعد على جذب رؤوس الأموال إلى البلد المعني بهدف الاستثمار وجني الأرباح, وفي العراق لم تتهيأ البيئة الملائمة والمشجعة على الاستثمار بسبب عدم استقراره السياسي والاقتصادي والتدهور الأمني ونقص الخبرة في التعامل مع الاستثمار الأجنبي ومتطلباته وعدم تشرع القوانين المناسبة للاستثمار وغير ذلك....
وللاستثمار الاقتصادي لابد من وجود قناعة لدى أصحاب القرار بأهمية عملية الاستثمار من اجل تجاوز التخلف الاقتصادي وتحقيق التنمية الاقتصادية_ الاجتماعية ورفع المستوى المعيشي للسكان وزيادة دخل الفرد وتجاوز خط الفقر. ومن العوامل المشجعة على الاستثمار يمكن تحديد :
1. يجب أن تتسم السياسة الاقتصادية في العراق بالوضوح والاستقرار مع وجود قوانين وتشريعات تنسجم معها وتساعد على تنفيذها, فالاستثمار يحتاج إلى سياسة ملائمة تعطي الحرية ضمن إطار الأهداف العامة للقطاع الخاص في الاستيراد والتصدير وتحويل الأموال والتوسع في المشاريع ,وهذا يعني أن تشجيع الاستثمار لا يتحقق في قانون واحد احتوى الكثير من المزايا والإعفاءات والاستثناءات وإنما يتحقق نتيجة جملة من السياسات الاقتصادية المتوافقة التي توفر مستلزمات الإنتاج بأسعار منافسة من ناحية وتؤمن السوق والطلب الفعال لتصريف المنتجات من ناحية أخرى وهذا من الممكن أن يتوقف على:
_ إعادة توزيع الدخل وزيادة حصة الرواتب والأجور.
_تشجيع التصدير وإزالة كافة العقبات من أمامه.
_تطوير إجراءات التسليف وتنشيط المصرف الصناعي بالنسبة للمشاريع الصناعية والمصرف الزراعي للقطاع الزراعي مع تخفيض سعر الفائدة على القروض بهدف تخفيض تكاليف الإنتاج ويسمح للمنتجات بالمنافسة الخارجية.
2. توفير البنية التحتية الملائمة للاستثمار وخاصة المناطق الصناعية الملائمة من حيث توفر الكهرباء والماء والمواصلات والاتصالات ووضعها تحت تصرف المستثمرين بأسعار معتدلة لكي تتمكن الاستثمارات المنتجة مباشرة الإنتاج بتكاليف منافسة. وفي العراق هناك نقص حاد في توفر البنى التحتية وخصوصا الكهرباء التي تعاني من أزمة طال أمدها وهي عنصر غير جاذب للاستثمار في وضعها الحالي, إضافة إلى ذلك من الضروري توفر الكفاءات والعناصر الفنية والمصارف الخاصة وأسواق الأسهم والأوراق المالية المتطورة والتي لها دور في تشجيع عملية الاستثمار ,ومن المهم في هذا المجال أن تكون أسعار عناصر الإنتاج منخفضة بحيث تشجع المستثمرين وتوفر في تكاليف الاستثمار. والعراق مازال يفتقر إلى الأسواق المالية المتطورة والتي تعتبر الممول الرئيسي لشركات قطاع الأعمال والقادرة على معالجة مشكلة السيولة التي تواجه الشركات والمستثمرين المحليين والأجانب. والمستثمر الأجنبي يحتاج إلى تسهيلات منذ دخوله المطار وحتى خروجه وبحاجة أيضا إلى شفافية في التعامل من قبل وزارات الدولة المعنية والى قوانين وإجراءات سهلة ومبسطة وهذا ما نفتقر إليه في الوقت الراهن .
3. ضرورة توفر بنية إدارية مناسبة بعيدة عن روتين إجراءات التأسيس والترخيص وطرق الحصول على الخدمات والحد من البيروقراطية الحكومية المعقدة وتسهيل أمر الحصول على أراضي المشاريع الصناعية الاستثمارية أو الأراضي الزراعية وإنهاء معاناة المستثمرين الذين يحصلون على موافقة مكتب الاستثمار من دوامة الحصول على تراخيص مختلفة من وزارة الكهرباء والصناعة والزراعة والبلديات وأمانة بغداد وغيرها من الجهات المسئولة سواء في بغداد أو المحافظات موقع الاستثمار على أن يكون ذلك بعيدا عن الفساد , والعمل على تخليص المستثمرين من مشقة متابعة هذه الإجراءات عن طريق توفير نافذة واحدة ضمن مكتب الاستثمار وبوقت قصير تنهي للمستثمرين كافة الإجراءات المطلوبة .
4. عدم تناقض القوانين وضرورة ترابطها وانسجامها مع بعضها البعض وعدم اختلافها مع القرارات السياسية المختلفة مع ضرورة تبسيط تلك القوانين وإنهاء إمكانية الاجتهاد في تفسير نصوصها.
5. توفر المواد الخام من منتجات زراعية ومعدنية وبتروكيمياوية ونفط وغاز وغيرها يشجع عملية الاستثمار وفي العراق تزخر أراضيه بالثروات الطبيعية المتنوعة وعلى رأسها النفط والغاز حيث يمكن توجيه الاستثمار نحوهما .
6. توفر الأيدي العاملة وهذا العنصر متوفر في العراق حيث تعاني أعداد كبيرة من الأيدي العاملة الماهرة وغير الماهرة ومن خريجي الكليات والمعاهد من البطالة.
7. ومن العوامل المشجعة على الاستثمار أيضا ,إمكانية الحصول على قروض بدون فوائد.
8. الإعفاء الجمركي على المعدات والمواد الخام المستوردة.
9. حرية حركة رؤوس الأموال وفق آلية محددة وليست بشكل مطلق وعدم وجود أي قيود على تحويل أرباح الشريك الأجنبي للخارج.
10. معرفة الشركات الأجنبية المستثمرة للمناخ الاقتصادي المناسب لتحقيق العوائد من خلال مد جسر التواصل مع شركات ذات خبرة تعمل في الداخل في عمليات الاستشارات الاستثمارية التي تبني تحديدا التعاملات في مجال تقديم الخدمات المالية والتمويل والمشورة وغير ذلك , وذلك لتغذية الشركات الخارجية بالمعلومة والخدمة المناسبة لتحصل على الأرضية الخصبة للاستثمار المطمئن داخل البلاد.
11. الاهتمام الخاص بتطوير البحث العلمي والتكنولوجي الذي يساعد على زيادة الإنتاجية وتحسين نوع الإنتاج ومن ثم تخفيض تكاليف الإنتاج والسعي لتطويع التكنولوجيا الأجنبية وفقا لبيئتنا وظروفنا والعمل على شراء براءات الاختراع وتنفيذها وشراء البحوث والوثائق العلمية وتراخيص الإنتاج والعمل على تعدد وجبات العمل حيث سيساعد ذلك على نمو الإنتاجية بوتيرة أسرع.
12. تفعيل دور الاستثمارات المحلية من خلال دعم الدولة لقطاعنا الخاص الذي يعاني من ظروف صعبة حيث أغلقت معظم المصانع أبوابها بسبب أزمات الكهرباء والوقود والتدهور الأمني والطائفي إضافة إلى إغراق الأسواق المحلية بالمنتجات الأجنبية المستوردة دون قيد أو شرط وبأسعار رخيصة كالمنتجات الإيرانية والصينية والتركية والأردنية والسورية والخليجية وعدم قدرة قطاعنا الخاص في ظل أوضاعه وظروفه الحالية على منافستها.
13. تشجيع رجال الأعمال العراقيين المهاجرين على العودة لاستثمار أموالهم داخل العراق بعد توفير الأمن ومستلزمات الاستثمار اللازمة.
14. إعادة هيكلة البنوك الحكومية وتقديم المساعدات الفنية لها وتحديث أسلوب عملها فنيا وتكنولوجيا.
15. الحفاظ على استقلالية البنك المركزي لتقديم الخدمات والإشراف على النظام المصرفي وعدم التدخل السياسي في شؤونه والعمل على تأسيس المقاصة الحديثة والمتطورة فيه.
16. دراسة وضع البنوك الحكومية والأهلية وشركات التامين بهدف تقويتها وتطويرها لتتناسب في نشاطها وخدماتها لعمليات الاستثمار.
الحاجة للاستثمار الأجنبي ولكن:
إن متطلبات اعمار وإعادة اعمار العراق ومديونيته الكبيرة تتطلب التوجه نحو مصادر التمويل الخارجي والسماح للرأسمال الأجنبي بالاستثمار داخل العراق والذي أصبح أمرا ضروريا ولكن ذلك ينبغي أن يتم في ظل توفير الحماية لبعض قطاعات الاقتصاد الوطني من خضوعها لسيطرة الرأسمال الأجنبي والعمل على توجيه هذه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية وليس الاستهلاكية والترفيهية والكمالية ومنع رأس المال الأجنبي من المضاربة ضمن الاستثمار غير المباشر وتوظيفه نحو الاستثمار المباشر مع ضرورة إبقاء البنى التحتية الرئيسية والخدمات خصوصا الكهرباء والماء والمجاري والطرق تحت سيطرة الدولة والوقوف ضد الدعوات الرامية إلى التحرير الكامل لحركة وانتقال رؤوس الأموال وإلغاء كل أشكال الضبط عليها والتنبه لمخاطر السيطرة الخارجية على القطاع المصرفي حيث تؤدي إلى استخدام نسبة مهمة من الادخار الداخلي لأغراض المضاربة وتسربه إلى خارج البلاد مع ضرورة أن تتولد من النشاط الاستثماري قيمة مضافة يستفاد منها العراق .