الآثار الاقتصادية لمشاكل انهار العراق والمعالجات المطلوبة

عادل عبد الزهرة شبيب
2021 / 1 / 1

قامت اولى المراكز الحضارية في العالم في بلاد ما بين النهرين في العراق القديم وعلى امتداد 8000 سنة . وكان لنهري دجلة والفرات الأثر الكبير في قيام الزراعة والاستقرار وبالتالي نشوء اولى الحضارات الإنسانية الا وهي حضارة وادي الرافدين . يمتلك العراق العديد من الانهار التي يمكن تصنيفها الى أنهار طويلة مثل دجلة والفرات وأنهار صغيرة مثل روافد دجلة المتمثلة بالخابور والزاب الكبير والزاب الصغير والعظيم وديالى , اضافة الى شط العرب الذي يتكون من التقاء نهري دجلة والفرات في منطقة كرمة علي في محافظة البصرة وحتى مصبه في الخليج العربي . ولكن يلاحظ أن منابع النهرين الرئيسين دجلة والفرات تقع في دول الجوار وهذا يشكل تهديدا كبيرا لضمان امكانية الحصول على موارد المياه بشكل مستمر, وهذا ما نلاحظه اليوم من اقامة تركيا وسوريا العديد من السدود على النهرين دون مراعاة القوانين الدولية التي تضمن الحقوق العادلة للدول المتشاطئة, وكذلك ما تفعله ايران من تغيير مجاري الانهار التي تصب في شط العرب او اقامة السدود مما سبب انحسار مياه شط العرب وارتفاع نسبة الاملاح في مياهه.
يمتد نهر الفرات في تركيا وسوريا والعراق بحدود 2946 كلم , منها 1176 كلم في تركيا و610 كلم في سوريا و1160 كلم في العراق . أما نهر دجلة الذي ينبع أيضا من الجبال التركية فيبلغ طوله 1718 كلم ومعظم جريانه في الاراضي العراقية ولمسافة 1400 كلم وله خمسة روافد قادمة من ايران وتصب فيه كما اشير اليها آنفا. وللنهرين أهمية كبيرة في الحياة الاقتصادية للعراق , الا أن تركيا ترى أن من حقها الاستفادة منهما من خلال اقامة السدود والتي ستحرم العراق من حصته المائية خلافا للمواثيق الدولية والتي يمكن أن تشعل هذه السياسة المائية لتركيا حربا اقليمية حول الماء في هذه المنطقة .
تراجع مصادر المياه في العراق:
لقد شهدت مصادر المياه في العراق تراجعا كبيرا وذلك للأسباب الآتية :-
1. عدم اهتمام الحكومات المتعاقبة بالمياه كمصدر مهم ترتكز عليه حياة الانسان الاجتماعية والاقتصادية, ما أدى الى زيادة تلوث المياه وما ترتب على ذلك من مخاطر كبيرة.
2. انعدام الاستراتيجيات لتطوير الأسس لتوفير مياه نظيفة , حيث تميزت السنوات العشرين الأخيرة بتدهور البيئة الطبيعية ابتداء من تلوث الهواء وانتهاء بتلوث التربة والمياه, اضافة الى تردي نوعية المياه في العراق وذلك لتعدد مصادر التلوث فيه.
3. افتقار العراق الى الاهتمام بالبيئة وحمايتها من التلوث .
مشاكل الأنهار في العراق :
تواجه أنهار العراق العديد من المشاكل التي تحد من أهميتها الاقتصادية ومن أبرزها :-
1. تلوث مياه الأنهار :حيث يلاحظ تعدد مصادر التلوث والتي أدت الى تخريب الموارد المائية والتأثير على جودتها, ومن أهم مصادر التلوث لأنهار العراق :
أ‌- التلوث الناجم من النشاط الصناعي: كالصناعات البترولية والكيمياوية وصناعة المواد الغذائية ومعامل الدباغة والاسمدة والنسيج وغيرها الكثير والتي تلقي بمخلفاتها في الانهار مباشرة دون معالجتها في ظل انعدام الرقابة .
ب‌- التلوث الناجم من الصناعات الزراعية : مثل أملاح النترات والفوسفات والتي تتصف بذوبانها الكبير في الماء وانتقالها بسهولة الى المياه السطحية والجوفية ويؤدي الى تلوثها .
ت‌- التلوث الناجم من الاستعمالات المنزلية : وهي عديدة وقد ازدادت نسبتها بسبب زيادة عدد السكان وزيادة عدد التجمعات السكانية قرب الانهار في المدن والارياف مما زاد من تلوث الانهار .
ث‌- المبازل : وتعتبر المصدر الرئيسي لزيادة الملوحة في نهري دجلة والفرات لما تحويه من أملاح تصل الى 20%.
ج‌- استخدام المبيدات الكيمياوية , يعد مصدرا مهما لتلوث النهرين .
ح‌- مياه المجازر :تسهم مياه المجازر المطروحة في النهرين دون معالجة بزيادة التلوث خاصة وان معظم المجازر لا تحتوي على منظومات معالجة , اضافة الى انتشار العديد من المجازر العشوائية غير المرخصة رسميا.
خ‌- مياه الصرف الصحي : للفعاليات المدنية في العراق دور في زيادة تلوث الانهار من خلال القاء مياه الصرف الصحي في الانهار مباشرة دون معالجتها كما تلقي التجمعات السكنية في مدن وقرى العراق المختلفة نفاياتهم الصلبة في الانهار دون معالجتها بشكل صحي في مواقع نظامية.
2. تدني مستويات مياه الانهار وارتفاع نسبة الجفاف :
حيث أن انخفاض مناسيب المياه في دجلة وفروعه وكثرة الالتواءات سبب في بطء جريان المياه وزيادة الترسبات وظهور عدد من الجزرات الوسطية في كثير من مناطقه ونمو كثيف للطحالب والقصب والبردي وشوك البحر في حوضه وعلى ضفتيه .
كما انخفضت مناسيب نهر الفرات بشكل كبير حيث عللت وزارة الموارد المائية في العراق هذا النقص الكبير في مياه النهر الى سياسات الاحتكار للموارد المائية التي تنتهجها الدول المتشاطئة لنهري دجلة والفرات وفروعهم اضافة الى انحسار تساقط الأمطار للسنوات الاخيرة والتي ادت الى حدوث مشكلة الجفاف , كما اثرت شحة المياه على انخفاض مساحة البحيرات الكبرى في العراق ( الثرثار والحبانية والرزازة ) الى النصف بسبب شحة المياه الواردة الى العراق وبعد قيام كل من سوريا وتركيا ببناء سدود على نهري دجلة والفرات او السعي لتغيير روافدهما المتجهة للعراق. وتشير الدراسات الى أن موجة الجفاف وتقلص فترات هطول الامطار ادى الى تضاؤل كمية المياه الجارية في الانهار وجفاف الابار والعيون وتحول كثير من المجاري المائية الى مواضع للنفايات ومراتع للحشرات والقوارض ومصدرا للروائح الكريهة .
أما بالنسبة الى شط العرب فهو الآخر يعاني من التلوث وانخفاض مناسيب مياهه بسبب السياسات المائية الجائرة لدول أعلى النهرين التي أدت الى قلة الواردات المائية من نهري دجلة والفرات وسياسة بناء السدود لتلك الدول وتحويل مجاري الانهار المشتركة من قبل ايران الى داخل اراضيها ما أدى الى تدهور الوضع البيئي في البصرة حيث ادت الشحة المائية الى جفاف الاراضي الزراعية وبساتين النخيل ومزارع الحناء اضافة الى نفوق الحيوانات الداجنة وتدمير احواض تربية الاسماك
هناك علاقة بين التغير المناخي ونقص مياه الانهار في العراق فمع ازدياد درجة الحرارة تزداد نسب التبخر في المسطحات المائية الى جانب قلة الامطار. ان شحة المياه في العراق تعد من اهم التحديات التي يواجهها الانسان والبيئة في ظل سياسة بناء السدود من قبل تركيا وسوريا اضافة للدور الايراني والتي تعمل على احتكار المياه بدلا من مشاركتها والحفاظ عليها للأجيال القادمة.
ان انشاء السدود في تركيا وخاصة سد (اليسو) ضمن مشروع جنوب شرق الاناضول المعروف اختصارا بـ ( مشروع الغاب ) قرب حدود سوريا والعراق والذي يتضمن ( 22) سدا و ( 17 ) محطة كهربائية على نهري دجلة والفرات , هذا المشروع الكبير سيؤدي الى : -
• نقص كمية المياه التي ستوفر سنويا للعراق وسوريا .
• ما سيترتب على ذلك من تلوث خطير .
• نقص في قدرة توليد الطاقة الكهربائية لما سيؤثر سلبا في اقتصاد العراق وسوريا وتنميتهما.
3. مشكلة ارتفاع نسبة الملوحة في مياه الانهار:
يتوقع الخبراء أن العراق سيخسر حوالي 40% من أراضيه الزراعية بسبب ارتفاع معدلات الملوحة في مياه نهر الفرات . كما تعاني مياه شط العرب من شدة الملوحة بسبب السياسة المائية للدول المجاورة ( ايران , تركيا , سوريا ) التي أدت الى قلة الواردات المائية الى جانب قلة الامطار وارتفاع درجات الحرارة , وحسب وزارة الموارد المائية فان ارتفاع نسبة الملوحة في مياه شط العرب يعود ايضا اضافة للأسباب اعلاه الى قلة الاطلاقات الواردة من مياه نهر دجلة الى محافظة البصرة نتيجة الاستهلاك العالي للمحافظات الاخرى على طول حوض النهر وصولا الى شط العرب. وكذلك من الفرات حيث تناقصت حصص مياه دجلة والفرات بنسبة الثلثين على مدى العقدين الماضيين, كما أن غلق ايران لمياه نهر الكارون الذي كان يمد شط العرب بأكثر من 33% من مياهه حيث تسبب ذلك بإيصال مد مياه الخليج العربي المالحة الى منطقة ابي فلوس شمال نقطة المصب السابق لنهر الكارون بمسافة 130 كيلومتر , وهذه تعتبر من اخطر المشكلات التي تواجه محافظة البصرة لما تسببت من خسائر فادحة للقطاع الزراعي ويعتبر قضاء الفاو جنوب البصرة المتضرر الاكبر من ازدياد تملح شط العرب. كما ارتفعت نسبة الملوحة ايضا في اهوار العراق وهي لا تخرج عن الاسباب العامة المتمثلة بالتغيرات المناخية التي طرأت على دول المنطقة من بينها ظاهرة الاحتباس الحراري وتناقص كميات الامطار والثلوج المتساقطة .
أما بالنسبة للملوحة في نهر الفرات فهي اعلى منها في دجلة وخاصة أملاح الكبريتات , كما أن الملوحة عالية في بحيرة الثرثار لكونها بحيرة مغلقة تدخل المياه اليها فقط لدرء الفيضانات عن بغداد وبقية المحافظات وتم فتح قناة للفرات ومن ثم قناة من القناة السابقة الى نهر دجلة.
وبهذا الصدد فقد اشارت وزارة الموارد المائية الى أن اسباب ارتفاع تركيز الاملاح في نهري دجلة والفرات يعود الى قلة الايرادات المائية الواردة من تركيا وسوريا وان شط العرب تأثر كثيرا بإغلاق نهر الكارون من الجانب الايراني . ومن الاسباب الاخرى التي أشارت اليها الوزارة المذكورة آنفا تأثيرات التغيرات المناخية المتمثلة بارتفاع درجات الحرارة وما يرافقها من شدة التبخر في فصل الصيف ومصادر التلوث المختلفة التي تصب في مياهها من دون معالجات هي من الاسباب الاخرى.
4. من المشاكل الاخرى التي تعاني منها انهارنا فإن شط العرب يعاني من كثرة الغوارق ( السفن الغارقة ) , اضافة الى النفط المتسرب من ناقلات النفط وتعرض القنوات والانهر الصغيرة في البصرة الى الدمار بفعل الحروب التي شهدتها المنطقة .
الآثار الاقتصادية لمشاكل أنهار العراق :
اثرت المشاكل اتي تعاني منها انهار العراق من تلوث وجفاف وانخفاض مناسيب المياه وارتفاع نسبة الملوحة وغيرها على الواقع الاجتماعي والاقتصادي للعراق وقد اثرت هذه العوامل بشكل واضح على الزراعة وتقلص المساحات المزروعة وانخفاض الانتاجية الزراعية وهجرة الفلاحين من اراضيهم الى المدن وكذلك فإنها قد اثرت على صيد الاسماك وتوليد الطاقة الكهربائية وانخفاض المناطق الخضراء في المدن ليهدد الاحزمة الخضراء ويزيد من التغيرات المناخية البيئية المحلية ونفس الأمر على عمل المحطات الكهرومائية واداء السدود القائمة اذا ما استمرت الدول المجاورة بنفس سياستها المائية ..
اضافة الى ذلك فإن تغاير خصائص مياه الأنهار كالعسرة والملوحة وتراكيز العناصر المختلفة وتذبذب درجة حرارة المياه مما يؤثر على الاستفادة من مياه الانهار باعتبارها غير صحية تؤثر على صحة المواطنين وتخل بالجانب الجمالي للنهر.
وفي تقرير للمنظمة الدولية للبحوث أشار الى تناقص حاد بالحصص المائية الواصلة ضمن حوض نهر الفرات التي ستصل الى 32 مليارا و140 مليون متر مكعب في الثانية بحلول عام 2040 مقابل احتياجات العراق التي ستبلغ حينها 23 مليار متر مكعب وحاجة سوريا وتركيا تصل الى 30 مليار متر مكعب وان الواردات النهائية للنهر لن تكفي لتغطية الاحتياجات الكلية لها الامر الذي يؤدي الى خسارة العراق موارد النهر بالكامل, كما توقعت منظمة المياه الاوربية جفاف نهر دجلة بالكامل في ذات التاريخ بسبب السياسة المائية لتركيا ولذلك فان العراق مقبل على كارثة حقيقية ستلحق بملايين الدونمات الزراعية في البلاد وهذا يعني تحول العراق لجزء من صحراء البادية الغربية خلال فترة لن تتجاوز الخمسة والثلاثين عاما المقبلة كما سيؤثر نقص الحصص المائية سلبا في مجالات مياه الشرب وتوليد الطاقة والصناعة وبدرجة كبيرة في انعاش الاهوار والبيئة.
يمثل السهل الرسوبي سلة غذاء العراقيين وان 80% من مساحته تعاني من درجات مختلفة من التملح التي تؤثر بدرجة كبيرة على الزراعة .
وتشير تقارير الخبراء العراقيين الى أن خسارة كل مليار متر مكعب من مياه الفرات في العراق تؤدي الى نقصان 26 ألف دونم من الأراضي الصالحة للزراعة .
المعالجات :
1. للحد من تلوث الانهار فانه من الضروري توجيه المنشآت الصناعية المشيدة على ضفاف دجلة والفرات وشط العرب نصب وتحسين وحدات معالجة المياه الملوثة قبل طرحها الى الانهار , ويشمل هذا الأمر المستشفيات ايضا مثل مدينة الطب التي تطرح مياهها الملوثة الى نهر دجلة مباشرة .
2. الاهتمام بدراسة التلوث الناجم من المياه الداخلة الى العراق من دول الجوار .
3. الاهتمام بكري الأنهار وهذا من مسؤولية وزارة الموارد المائية .
4. فحص مياه الشرب دوريا ومراقبته صحيا .
5. توعية الشعب والمسؤولين بالمشاكل والحلول .,
6. معالجة مياه الصرف الصحي والاستفادة منها بعد معالجتها
7. وبهذا الصدد فقد شخص برنامج الحزب الشيوعي العراقي المقر من قبل مؤتمره العاشر ضرورة (( الالتزام بمخرجات الخطة الاستراتيجية للمياه والاراضي واستثمار المياه السطحية والجوفية والاستعانة بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية الخاصة بمجاري المياه الدولية وعرض موضوع المياه على هيئة الامم المتحدة والمنظمات الدولية الاخرى والانسانية , لغرض حل النزاعات المائية بين العراق ودول الجوار ولضمان حقوقنا المائية العادلة , وكذلك حماية مجاري الانهار كافة والحرص على نظافتها وابعاد اسباب التلوث عنها خاصة المياه الثقيلة ومخلفات المصانع والمؤسسات الصحية والنفايات الكيمياوية, واكد ايضا على البحث عن اساليب جديدة لاستصلاح الاراضي بالاستفادة من التجارب العالمية الحديثة ونشر تقنيات الري والبزل الحديثة واعادة تقييم المعالجات والحلول لمشكلات سد الموصل . كما اكد ايضا على انشاء محطات تصفية وتدوير النفايات لحماية المياه والاجواء من التلوث بالنفايات الكيمياوية والمياه الثقيلة وغيرها والاهتمام بالطمر الصحي ..)).
8. يرى البعض أن غياب الاطار القانوني الشامل للعلاقات بين الدول المتشاطئة وعدم الالتزام بالقواعد القانونية هو السبب في تفجر المشكلة في حين يرى اخرون ان العوامل السياسية تلعب الدور الاكبر في هذا السياق اعتمادا على توفر الارادة السياسية لدى الدول المتشاطئة . وتتمثل الاطر القانونية لاستغلال مياه الانهار الدولية في مجموعة من المعاهدات والاعراف الدولية والاحكام القضائية ودراسات القانون الدولي وتحدد هذه الاطر مجموعة من القواعد القانونية الدولية اهمها :-
أ‌- لكل دولة متشاطئة الحق في حصة عادلة ومعقولة من مياه المجرى الدولي .
ب‌- وجوب احترام الحقوق المكتسبة الناجمة عن الاستخدامات القائمة لمياه المجرى المائي الدولي.
ت‌- عدم جواز قيام أية دولة متشاطئة بإجراءات او انشاءات على المجرى المائي الدولي أو فروعه الا بعد اخطار الدول المتشاطئة معها والتوصل الى اتفاق بشأن ذلك .
ث‌- عدم جواز الحاق الضرر بالدول المتشاطئة الاخرى سواء من حيث كمية المياه أو نوعيتها.
ج‌- وجوب التبادل المستمر للمعلومات والبيانات بين الدول المتشاطئة في كل ما له علاقة بمياه المجرى المائي المشترك .