ماذا تعني الطائفية في العراق ؟

عادل عبد الزهرة شبيب
2021 / 1 / 1

الطائفية لغويا مفهوم مشتق من (طاف,يطوف,طواف,فهو طائف)وهذا يحمل معنى تحرك الجزء من الكل دون ان ينفصل عنه. والطائفية هو انتماء لطائفة معينة دينية او اجتماعية ولكن ليست عرقية فمن الممكن ان يجتمع عدد من القوميات في طائفة واحدة بخلاف اوطانهم او لغاتهم كانتماء العرب والكرد والتركمان والباكستانيين والاتراك الى الطائفة السنية مثلا وانتماء العرب والكرد الفيليين والتركمان والايرانيين الى الطائفة الشيعية.
ظهرت الطائفية ايضا في العصور الوسطى بين البروتستانت والكاثوليك او الارثوذوكس والكاثوليك ثم تحول مفهوم الطائفية ليستخدم بديلا لمفاهيم (الملة والعرق والدين) ,والطائفية تعبر عن حالة ازمة تعيشها بعض المجتمعات تمثل العراق ولبنان من بين المجتمعات العربية حيث اصبحت الطائفية مذهبا وايدلوجية وهوية حلت محل الهويات الاخرى.
يعرف معجم الاوكسفورد الشخص الطائفي :بأنه الشخص الذي يتبع بشكل متعنت طائفة معينة.ويمكن وصف الطائفية في عصرنا الحالي بأنها التمييز بالعمل والمدخول او الكره او حتى القتل على اساس طائفة الشخص اودينه . هذا ومن حق كل البشر حرية الانتماء لأي دين او طائفة والاعتقاد بشرط ان لا تكون افكار الشخص متعصبة تلحق الاذى بالآخرين وتهمشهم وتعرضهم للقتل بسبب التعصب الطائفي .
السياسة والطائفية:
لكي يتمكن السياسي الانتهازي من الوصول الى السلطة فانه يعتمد الطائفية السياسية سبيلا لذلك وقد لا يكون لديهم التزام ديني او مذهبي بل هو موقف انتهازي للحصول على شعبية لتحقيق هدفه في الوصول الى السلطة.
ان مجرد انتماء الانسان الى طائفة معينة لا يجعله طائفيا ولكن الطائفي هو الذي يرفض الطوائف الاخرى ويغمطها حقوقها ويتجاهلها ويتعصب ضدها.
والطائفية كظاهرة لا تخص الدين الاسلامي وحده وانما هي موجودة في كافة الاديان السماوية او الوضعية كالمسيحية واليهودية والبوذية وغيرها. وفي حالة صراع القوى والطبقات والفئات الاجتماعية فان ذلك يستدعي ان يكون لها غطاء ايدلوجيا في البنية الفوقية يدعم وجودها ويؤمن الركائز الفكرية للديمومة والبقاء في حلبة الصراع الدائر بينها وبين نقيضها الطبقي, ويمكن ان نستنتج بان الطائفية ليست مشكلة ايدلوجية وانما هي مشكلة سياسية في الاصل.
الطائفية في العراق المعاصر:
في العراق مارس العثمانيون السياسة الطائفية وبعد سقوط الدولة العثمانية في الحرب العالمية الاولى واحتلال الاستعمار الانكليزي للعراق واصلوا عمل العثمانيين الطائفي بأكثر شدة لتأبيد ظاهرة الطائفية في المجتمع العراقي. انشأ الانتداب البريطاني الكيان العراقي عام 1921 كدولة تحكمها نخبة اقلية سنية حيث لم تكن هناك دولة قائمة في العراق قبل ذلك ولم تكن الدولة نتيجة الحراك الاجتماعي الداخلي وانما كانت دولة مصنعة من قبل قوى خارجية غازية ومستعمرة وتم استيراد ملك العراق الاول من خارج العراق وتم رسم حدود البلد من قبل المحتل البريطاني وفقا لمصالحه. اذا الطبقة الحاكمة كانت مختارة من قبل ممثلي التاج البريطاني وليس من الشعب العراقي وكانت هذه الطبقة مكونة من كبار الاقطاع وكبار شيوخ العشائر والقبائل اضافة الى التجار والبرجوازية الناشئة التابعة للرأسمال العالمي وتم استبعاد الطبقات الشعبية من عمال وفلاحين ومثقفين , وتعامل الاستعمار البريطاني مع الشعب العراقي على اساس عشائري وطائفي يقرب البعض ويبعد الاخر حسب درجة الولاء للاستعمار. اما بالنسبة للبرلمان العراقي في تلك الفترة فكان على اساس عشائري وطائفي وليس على اساس طبقي مما ساعد على انتشار الطائفية والعرقية والعشائرية.وقد ساعد اكتشاف الثروة النفطية في العراق على توفير مورد ريعي للدولة لتمويل مؤسساتها وقواها القمعية كدولة استهلاكية ريعية كابحة لنمو وتطور القوى المنتجة في كل مجالات العمل والانتاج الصناعي والزراعي .
في العراق لم تحدث فيه ثورة صناعية او علمية تقنية كما حصل في اوربا والذي ادى الى قيام طبقة برجوازية ونقيضها الطبقة العاملة وانما كان في العراق نمط انتاج رعوي زراعي ريعي لم يساعد على نشؤ جمهور واع قادر على حكم نفسه بنفسه وهذا مكن الدولة من تصنيع طبقة وسطى مرتبطة بالسلطة وليس بعجلة الانتاج مما افقدها القدرة على الضغط على السلطات المهيمنة. وعمل الاستعمار البريطاني وقوى الرأسمال العالمي على كبح جماح الطبقة العاملة العراقية والفلاحين والطبقة البرجوازية الوطنية المنتجة وشل بناها التحتية والعمل على اشاعة ثقافة استهلاكية غير منتجة لتأبيد حالة الشرذمة وادامة حالة الضياع والضعف لدى الطبقات المستغلة المنتجة وعدم نموها العددي وعرقلة تطور وعيها الطبقي .وبفضل الاستعمار البريطاني تحول الشعب العراقي الى شعب طوائف وعشائر واعراق وليس شعب من الطبقات والفئات الاجتماعية التي تخوض صراعها على الارض ,واستخدم المحتل البريطاني للعراق اوصافا مثل :عربي’ كردي ,اشوري, تركماني, صابئ’ ازيدي, سني, شيعي....الخ مبتعدا عن ذكر طبقاته وفئاته على اساس اجتماعي وعلاقتها بعلاقات الانتاج القائم حينها.
فالطائفية اذا هي جرثومة تنتعش في اي بلد متنوع اثنيا حينما تجد الظروف الاقتصادية والاجتماعية الملائمة من ركود في الانتاج وتضخم وفقر وبطالة وانتشار الجهل والتخلف هذا بالنسبة للداخل اما بالنسبة للصعيد الخارجي فالدول الاقليمية والدولية تريد ان يبقى العراق دولة هشة وضعيفة وغير


مستقرة وسهلة الاختراق حيث ان اهدافها الخبيثة يمكن ان تتحقق بسهولة اذا نجحت في تمزيق النسيج
الوطني وزرع الفتنة الطائفية. ويمكن القول بان هناك علاقة طردية بين ضعف الدولة في
النواحي الاقتصادية والسياسية داخليا وخارجيا من ناحية وتعمق مشكلة الطائفية والتشرذم الاجتماعي من ناحية ثانية, اما بالنسبة للمواطن العادي فهل هو بريء من الطائفية اذا حملنا وزرها على الدولة والخارج والكتل السياسية؟
الشخص العقلاني سيميل نحو الخيارات التي تعظم منفعته الاقتصادية والاجتماعية لذلك فانه من المستبعد ان يلجا الشخص العقلاني الى السلوك الطائفي والشخص الذي ربى نفسه او تربى على ان يكون غير طائفي سيظل يمقت الطائفية ولن يكون طائفيا ’اما اذا كان الشخص شريرا او ضعيفا او جاهلا فانه سيكون مرشحا لتفضيل الطائفية ويلاحظ ارتفاع نسبة السلوك الطائفي بين اوساط الاميين وقليلي التعليم والجهلة بالمقارنة مع المثقفين والمتعلمين.
ان التخفيف من غلواء الطائفية واستفحال ظاهرة التمزق في النسيج الاجتماعي للمجتمع العراقي تكون عن طريق الاهتمام بالسياسات الاجتماعية والسياسات التي تحفظ التنوع والاندماج الاجتماعي هي السياسات التي تعمل على اعادة تنظيم القوى الاجتماعية المختلفة وصولا الى اعادة انتاج البناء الاجتماعي ويتطلب تحقيق هذا الهدف زيادة الاهتمام بعملية بناء راس المال البشري بزيادة الانفاق على التربية والتعليم والثقافة وكل ماله صلة بعملية بناء الانسان وتقوية المجتمع المدني المتحضر.
وبهذا الصدد يرى الحزب الشيوعي العراقي وحسبما ورد ذلك في وثائقه ضرورة (التوقف عند مسار العملية السياسية واجراء مراجعة نقدية لحصيلتها ولأداء مؤسسات الحكم على اختلافها فتجربة شعبنا في السنوات التي اعقبت رحيل الدكتاتورية وما عاناه خلال ذلك من احتقانات وترد في الاوضاع ومآس ومراوحة في الكثير من الملفات تبين بصورة لا لبس فيها فشل نهج المحاصصة الطائفية بصورة خاصة كأساس للحكم واستحالة نجاح اي نهج يقوم على الاستئثار والاقصاء والتهميش كذلك عدم امكان اقامة دولة القانون والمؤسسات من دون اعتماد المواطنة المبرأة من ادران التخندق الطائفي, وباتت اوساط الشعب على اختلاف اتجاهاتها وانتماءاتها تستشعر الحاجة الملحة للتغيير الجدي والملموس واعتماد المشروع الوطني العابر للطوائف بما يضمن التوجه لتعزيز الوحدة الوطنية والشروع ببناء دولة عراقية ديمقراطية عصرية تقوم على مبادئ المواطنة والعدالة الاجتماعية.)
الاستنتاجات:
1. انتماء الانسان الى طائفة معينة لا يجعله طائفيا ولكن الطائفي هو الذي يرفض الطوائف الاخرى ويغمطها حقوقها ويتجاهلها ويتعصب ضدها.
2. الطائفية السياسية هي موقف انتهازي من قبل الساسة للحصول على شعبية بهدف الوصول للسلطة .
3. الطائفية ليست مشكلة ايدلوجية وانما هي مشكلة سياسية في الاصل.
4. الطائفية لا تخص الدين الاسلامي وحده وانما هي موجودة في الديانات الاخرى السماوية والوضعية كالمسيحية واليهودية والبوذية.
5. تنتعش الطائفية في اوساط الاميين والجهلة وقليلي التعليم مقارنة بالمثقفين والمتعلمين.
6. لم تكن في العراق المعاصر دولة وانما شكلها الاستعمار البريطاني واستورد لها ملكها الاول الذي لم يختاره الشعب ومن ثم رسم حدودها وفقا لمصالحه . ولم تكن الدولة نتيجة الحراك الاجتماعي الداخلي.
7. تريد القوى الاقليمية والدولية للعراق ان يبقى دولة هشة وضعيفة وغير مستقرة وسهلة الاختراق حيث يمكن تحقيق اهدافها الخبيثة بسهولة. وذلك من خلال استخدام الطائفية كسلاح في تمزيق النسيج الاجتماعي.
8. زيادة الاهتمام بعملية بناء الانسان وتقوية المجتمع المدني وزيادة الانفاق على التربية والتعليم والثقافة يمكن ان يخفف من غلواء الطائفية واستفحال ظاهرة التمزق في النسيج الاجتماعي للمجتمع العراقي.