عام الفأر

ساطع هاشم
2020 / 12 / 31

خرجت ابحث عن مكان ما تدب فيه الحياة، مليء بالاصوات والضوضاء والضجيج والملابس الانيقة، والمصابيح والزائرون واترك أجواء المنزل المعتمة بعد عزلة الشهور الماضية، ومشيت بالشوارع ولم اسمع شيئاً لا احاديث ولا احداث، ولم استطيع ان أقول ما بخلدي لأحد، وتوقفت فجأة مستفهماً أهذه المدينة منحدري؟ هل انا في جو بوليسي ومنع تجوال؟

فاعتراني نوع من الحذر الشديد وشيئاً من الخوف، فهذا هو عام الفأر كما يقول اهل الصين، وتخيلت رسماً كاريكاتيرياً لمشهد كهذا حتى ابدد خوفي وحذري من الفئران، رغم اني لا اعتبر ان هدف رسام الكاريكاتير الحقيقي هو اضحاك الناس، بل الاصح تركيز مشكلتهم بالسخرية والهجاء، فهو رسام اجتماعي قبل كل شيء.

ثم مشيت بشارع فرعي ومررت امام مسرح مغلق، وشاهدت صوراً معلقة على بابه الزجاجية الامامية لمسرحيات سابقة تم عرضها بنجاح، وفي الصالون كانت الجموع تصفق بحرارة لممثلين مشهورين وهم بملابس الادوار المسرحية، وقد اثارتني صورة احدهم وهو يقبل يد احدى الممثلات التي قامت بدور البطولة وكأنه يطلب الزواج منها، وصور أخرى لاسدال الستائر وتقديم الزهور، ثم واصلت المشي وحدي بين هذه البنايات المهجورة وانا افكر بعزلة هؤلاء الممثلين والممثلات الذين لمعوا بالسنوات الأخيرة في ادوارهم وهم يقدمون أنواع اللهو وسط حماس الجمهور الذي يحيط بهم كما صورته الكاميرات في تلك الصور، اين هم الان؟

ثم قرأت لوحا على جدار احدى البنايات القريبة من دار التمثيل هذا تقول: لقد رحل الإنسان السابق عن كوكب الأرض منذ مئات الآلاف من السنين، وترك علامات مخفية منذ فترة طويلة، منها لأقدام اطفال يسافرون على طول مصب موحل حيث كان النهر يلتقي بالبحر بعد ان تحولت مسارات الأنهار الجليدية السابقة الى اراض زراعية، انت الان تسير في هذا الشارع على اثارهم وفي نفس دربهم.

ثم تركت المسرح ورائي ومشيت حتى وصلت الى اكثر الاماكن التي افتقدها وانا في هذا الحصار وهو هذا المقهى المغلق الان، فهو بالنسبة لي مثل سوق شعبي به تصادف كل الاشياء، والقراءة في بهوه من اكثر الانشطة فعالية وبروزا، عشرات الكتب والجرائد اليومية قرأتها هناك، وفيه تولد بسهولة الكثير من الافكار والصداقات العابرة، وفي اجوائه اراقب الناس والحركات البطيئة واكتب واستمع الى الاخبار، والتقي بالأصدقاء والمعارف وادخل في نقاشات وجدل غالبا ما اخسر فيها، وغير هذا الكثير.

شعرت بعد تلك الجولة والتي اردت منها البحث عن الضجيج والضوضاء الذي لم اراه منذ شهور، وكأني وقعت فريسة لقوى عليا، وراء الشمس، بعيدة عن احداث زماني، ودون تفكير مني وكأني في عالم آخر صاخب، فشعرت ايضا بنوع من الثورة الصامتة على هؤلاء الذين تسلطوا علينا وعلى دواخلنا وتسببوا لنا في كل هذه الاهوال، اين نحن الان من كل هذا وكيف سنواجه الحياة؟

في الليالي الحارة عندما يكون الجو جميلا هناك على الرمل الجاف على الساحل، كنت ابحث عنها، كنت اراها دائما في غيابها، في ليالي السُهد والوجد كانت تفعل ما افعله، ربما لارضائي ليس إلا، لقد سيطرت ذكراها الان على صفو دماغي وانا في هذه الحيرة اجوب الشوارع ابحث عن ظل افعى.

ثم رن التلفون في جيبي، وقال صاحبي بأن زوجته لا تحبه، وانه سيفارقها رغم ان الفراق بالنسبة له اصعب المآسي، كانت سعيدة معي لكنها لم تشعر يوماً بسعادتها، لانها قمة في الانانية، وكرر كلمة الانانية عدة مرات، كنت معها لا أرى في بقية حياتي سوى هدوء وسلام، اما الان فقد انتهى السلام، وان لحظة الفراق قد دنت وستكون وبالا مؤقتاً، لذلك اريد ان نتحدث عن ذكريات الشباب فربما تنسيني هذا الحداد.

اثناء مروري على المحلات لفتت انتباهي كثرة التمنيات المكتوبة على هدايا العيد وبطاقات التهاني والصور، وكأنها تعويذات او ادعية من عصور منقرضة، هل سنشفى حقاً من هذه الجائحة؟

كنت انتظر احداً ما يخرج من أعماق الضجيج والضوضاء غير المرئي ليقول لي شيئاً ما، أي شيء، أي شيء
ثم لا شيء، لا يبدو ان الفأر قد رحل