عبد الناصر ورأسمالية الدولة... فرصة الاشتراكية المهدَرة

حسين محمود التلاوي
2020 / 12 / 31

من الأمور التي تؤخذ على الشيوعية مسألة الملكية الفردية؛ ومن ثم تأميم المنشآت فردية الملكية؛ فيقال إن الشخص مالك المنشأة كافح، وسعى، واجتهد إلى أن أصبحت لديه هذه المنشأة، ثم يأتي النظام الشيوعي الحاكم فيؤممها لمصلحة الدولة، ويستولي على المنشأة وعلى كفاح هذا الشخص وسعيه واجتهاده. هذا عين الظلم.
في سياق آخر يقول المفكر الماركسي "سلامة كيلة" في كتابه القيم "التطور المحتجز" إن الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر وضع أطر بناء اقتصاد مصري تشارك فيه الرأسمالية الوطنية؛ حيث يسيطر الشعب — ممثلًا في الدولة — على كل وسائل الإنتاج، لكنها السيطرة التي لا تستلزم تأميم كل وسائل الإنتاج، ولا تلغي الملكية الخاصة" وفق ما نص عليه الميثاق الوطني.
ما العلاقة بين الفقرة الأولى، والفقرة الثانية؟ ما العلاقة بين السياق الشيوعي التأميمي وبين ما يظهر من سياق ناصري رأسمالي؟ في ثنايا النقاش التالي سوف نلقي الضوء على المبرر الرئيسي للتأميم في الفكر الشيوعي انطلاقًا مما ساقه المنظران الشيوعيان "نيكولاي بوخارين" و" بريو براجنسكي" في كتابهما المهم "ألف باء شيوعية". وكذلك سوف نعرج على التطبيق الناصري للمبادئ الاشتراكية، والذي جعله يستحق أن يكون أحد تطبيقات الاشتراكية؛ فَيُسَمَّى "الناصرية"؛ وهو التطبيق الذي يظهر ملامح ما يسمى حاليًّا "الطريق الثالث" بين الشيوعية والرأسمالية.

تسليع قوة العمل
وفق كتاب "ألف باء شيوعية" يقوم الاقتصاد الرأسمالي على مجموعة من العوامل في مقدمتها السلعة؛ أي أنه اقتصاد سلعي. ما معنى ذلك؟
عندما يزرع الفلاح قمحًا لكي يصنع منه خبزًا يأكله وأفراد أسرته، فهو خبز، ولكن عندما يزرعه لكي يبيعه إلى أصحاب المخابز، يكون قد استحال سلعة تباع، وتُشْتَرى في الأسواق. ومن هنا ينشأ اقتصاد السوق الذي من أساسياته الملكية الفردية؛ فالفلاح يمتلك الحقل، ويبيع القمح، وصاحب المخبز يمتلك المخبز، ويشتري القمح، وهكذا؛ فالمزارع يحلب أبقاره، ويبيع الألبان، وصاحب البستان يبيع ثماره، وكلها سلع تباع، وتُشْتَرى؛ فهو إذن اقتصاد سلعيـ قائم على الملكيات الفردية الصغيرة.
وعلى الرغم من أن هذا النمط الاقتصادي كان يقوم على التنافسية — والتي كانت تؤدي إلى إفلاس البعض، وإثراء البعض الآخر — لم يكن هناك داعٍ كبير للشيوعية؛ لأن النظام الرأسمالي كما نعرفه في صورته المنفلتة لم يكن قد تأسس بعد. إذن كيف تأسس؟!
عندما جرى امتلاك الآلة كوسيلة من وسائل الإنتاج. كان التحديث الصناعي هو اللبنة الأولى في نشأة الاقتصاد الرأسمالي، كما نعرفه الآن؛ حيث تأسست المصانع الكبرى في المجالات المختلفة؛ فبدأ أصحاب الملكيات الصغيرة يعجزون عن تصريف منتجاتهم بسبب المنافسة القوية مع أصحاب المصانع الكبرى؛ فعلى سبيل المثال يستطيع المرء أن يحيك في اليوم الواحد مثلًا 3 أثواب، بينما يمكن أن تصل قدرة الآلة عشرة أضعاف ذلك في اليوم الواحد بمصاريف أقل.
كان من الممكن أن يبقى الأمر في إطار المنافسة "العادلة" لولا أن دخل الاحتكار على خط المنافسة. ما الاحتكار؟! الاحتكار ببساطة هو الهيمنة... أنا فقط... أنا الذي أحدد، وأقرر؛ ومن ثم أملك السوق، وليس لأحد مساحة بجواري. هذا هو الاحتكار بتبسيط شديد. تجمع أصحاب أدوات الإنتاج في جبهة واحدة ليحددوا طرقًا معينة لتصريف المنتجات، وأسعارًا معينة لها، وسيطروا على السوق بغزارة إنتاج الآلة؛ فلم يجد أصحاب الملكيات الصغيرة أمام ذلك سوى أمرين؛ الأول ربط ملكياتهم بهذه المصانع؛ بحيث يبيعون لها إنتاجهم بالأسعار والكيفية التي يحددها أصحاب المصانع، والثاني تصفية ملكياتهم، والانضمام إلى صفوف العمال في تلك الملكيات الكبيرة.
قلنا إن السلعة هي التي تباع وتشترى. كان المشهد الاقتصادي الذي تابعنا كيفية تشكله هو الوسيلة التي بدأت بها قوة العمل تصبح سلعة. كيف؟!
في اقتصاد الملكيات الصغيرة كان الفلاح يبذل جهده، ويتكسب هو من بذل جهده هذا؛ فكان يزرع الأرض، ويبيع محصولها، ويعود الربح إليه هو ليس إلى شخص آخر؛ فكان هو المستفيد من جهده. لكن المشهد تغير في الملكيات الكبيرة؛ حيث أصبح العامل يبذل الجهد في الإنتاج والصناعة، ثم يأخذ أجرًا نظير ما بذل من جهد دون أن يحق لك التمتع بثمرة إنتاجه؛ فصار جهد العامل سلعة يبيعها العامل إلى صاحب العمل؛ فيشتريها الأخير، وفي النهاية دخلت مثل غيرها من السلع في إطار الاحتكار؛ فبات أصحاب الأعمال يحددون للعمال الأجور، وساعات العمل، وظروفه، وقواعده. وإذا تذمر العامل، وفكر في الانتقال إلى مصنع آخر، سوف يجد الظروف نفسها؛ لأن الاقتصاد بات اقتصادًا رأسماليًّا يسيطر فيه قلة محدودة من الأغنياء على أدوات الإنتاج؛ ومن ثم على السوق بكامل تفاصيله من طرق تسويق إلى تسعير السلع، التي صار جهد العمال واحدة منها.
تأتي الشيوعية لتحل هذا الإشكال من خلال ملكية العمال لوسائل الإنتاج؛ حيث يتولى العمال السلطة من خلال ديكتاتورية البروليتاريا (الطبقة العاملة)، ويجري تأميم المصالح الخاصة الكبرى، وتصبح مملوكة للشعب ممثلًا في الدولة؛ فيبدأ العمال في التمتع بثمار إنتاجهم، وبالقيمة المضافة التي يضيفونها إلى العمل بتحويله من مواده الخام إلى سلعة نافعة قابلة للبيع والشراء.
من هنا جاءت فكرة التأميم؛ فهي من الزاوية الشيوعية ليست استيلاءً على مقدرات الآخرين، وسلبًا لحقوقهم وجهدهم، ولكنها تقليم لأظافر الوحش وترويضه، وإعادة الحقوق لأصحابها بحيث يعود نتاج جهد العامل إليه؛ فلا يصبح جهده سلعة؛ ومن ثم تعود له إنسانيته.
حسنًا، ليس الكل يقتنع بذلك؛ فهناك من يستمر في الاعتقاد بأن التأميم هو استيلاء وهيمنة لا تقل وحشية ولا إضرارًا عن هيمنة الرأسمالية على أدوات الإنتاج. ربما يكون هناك بعض الحق في ذلك؛ لأن بعض عمليات التأميم التي جرت في العالم العربي على وجه الخصوص لم تكن لملكيات احتكارية، وإنما طالت ملكيات خاصة بناها أصحابها بجهدهم. وباتت ملكية الدولة لأدوات الإنتاج، وعدم السماح للملكية الفردية من بين الأمور المستنكرة عند بعض القطاعات. ما الحل إذن؟!

رأسمالية عبد الناصر؟!
ربما يستنكر البعض فكرة أن عبد الناصر كان يشجع الرأسمالية؛ فهو الديكتاتور الاشتراكي الذي أمم شركات الأثرياء ليفسدها، ويجعلها نهبًا لفساد كبير لم تعرفه مصر من قبل. هكذا صور إعلامُ السبعينيات الرئيسَ الراحل ومنجزه الاشتراكي لأجل تسويق سياسات الانفتاح الرأسمالية التي جرى تطبيقها بإشراف شخصي من الرئيس الراحل محمد أنور السادات الذي اشتهر بلقب "الرئيس المؤمن" تبرئة له من "الشيوعية" و"الكفر" اللذين سادا عصر سلفه عبد الناصر الديكتاتور.
ولنا هنا استدراك بسيط ووقفة مع كلمة "الديكتاتور" التي يطلقها "إعلام السبعينيات" على عبد الناصر، ويبرئ منها السادات "الرئيس المؤمن بطل الحرب والسلام ابن القرية". كان في عهد عبد الناصر اعتقالات سياسية، وكان هناك ديكتاتورية مع تفاوت درجة الحكم عليها من طيف سياسي لآخر. لكن الأرقام تقول إن عدد السجنا السياسيين في عهد عبد الناصر "الديكتاتور" الذي امتد 16 عامًا بين عامي 1954 و1970 كان أقل من عدد السجناء السياسيين في عهد الرئيس "المؤمن"" محمد أنور السادات صاحب المنابر الديمقراطية الثلاثة والذي امتد لنحو 11 عامًا بين عامي 1970 إلى 1981. وإلى هنا ينتهي هذا الاستدراك!!
يقول المفكر الماركسي "سلامة كيلة" إن عبد الناصر سعى إلى تطبيق رأسمالية الدولة. ماذا يعني هذا؟! رأسمالية الدولة هي بتبسيط — ربما يكون مخلًّا — أن تفتح الدولة الباب أمام الاستثمارات الخاصة على أن تكون وفق الأطر التي تحددها الدولة لهذه الاستثمارات مثل مجالات الاستثمار بهدف كبح جماح رأس المال الخاص، ومنعه من الانفلات، والعودة مجددًا إلى الصورة التي تحدث عنها كتاب "ألف باء شيوعية".
لكن الأمور لم تسر وفق الإطار المرجو لأكثر من سبب؛ في مقدمتها عدم رغبة أصحاب رؤوس الأموال في التعامل مع نظام اشتراكي في المقام الأول؛ حيث كان العداء وجوديًّا؛ فلم يكن في وارد التفكير أن يقدم رأسماليون على الاستثمار في ظل منظومة اشتراكية، وكانت أغلب رؤوس الأموال في أيدي العائلات التي كانت متنفذة أيام الإقطاع؛ فأمسكوا يدهم عن الإنفاق والاستثمار في ظل "رأسمالية الدولة".
ومن بين الأسباب الأخرى أن المجالات التي كانت مرصودة للاستثمار لم تكن المجالات التي تحقق الأرباح السريعة التي يسعى إليها من يستثمر؛ لأن غالبية الفرص المتاحة كانت في التصنيع، وكان كثير من أصحاب رؤوس الأموال من بين طبقة التجار الذين راكموا رؤوس أموال عن طريق التجارة الصغيرة؛ ومن ثم لم يكن لديهم الخبرة الكبيرة في الاستثمار؛ فكانوا يرغبون في "الاستثمار السهل"، إن جاز التعبير.
كذلك كان هناك من داخل مجلس قيادة الثورة من يعادي عبد الناصر، ولا يريد لتجربة عبد الناصر أن تنجح بأية طريقة؛ وهم معروفون؛ فكانت هناك بعض التحركات التي ساهمت في غل أيدي أصحاب رؤوس الأموال عن المساهمة في تلك الاستراتيجية، وجاءت حرب الخامس من يونيو عام 1967 لتزيد الطين بلة، وتعرقل بشدة عملية تحديث الاقتصاد، والانطلاق نحو مرحلة رأسمالية الدولة.
وهكذا كررت الرأسمالية المصرية خطأها الأول نفسه برفض المشاركة في عملية الانتقال الصناعي في الفترة الأولى لثورة يوليو مما أجبر الدولة على السيطرة على وسائل الإنتاج المعروفة باسم "التأميم"، ولكن لهذا حديث آخر.
ماذا جرى بعد عبد الناصر؟!
كان الغرض الناصري أن يجري استثمار أموال المصريين، وكانت المجالات التي تضعها الدولة للاستثمار هي التصنيع، لكن هناك من أمسك يده معاندة، وهناك من أمسكها بدافع إما الكسب السريع، أو أن يبقى المال في جيبي، وهناك من أمسكها بدافع توجيهات داخلية.
لكن هذه الأموال عادت لتتدفق في المسارات الاستثمارية بعد وفاة عبد الناصر وبدء تطبيق سياسات الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات؛ فماذا تغير إذن؟! كل ما تغير هو استراتيجيات الاستثمار؛ فبدلًا من التصنيع، كان الاستيراد هو المسار الأسهل، والأكثر ربحية بين كل المسارات؛ أي أن المواطن صاحب رأس المال كف يده عن الاستثمار التصنيع المحلي ليستورد المصنوعات الخارجية.
ودارت العجلة لتصل إلى أن رفعت الدولة نفسها يدها عن التصنيع لتبدأ في الاستيراد هي الأخرى، ولم تتوقف العجلة منذ ذلك الوقت عن الدوران لتصل إلى حد بيع المصانع التي كانت عاملة في الفترة الناصرية بداعي أن القطاع العام "ترهل"، ولم يعد قادرًا على تلبية احتياجات السوق.
نعم، هكذا كان المبرر في عملية الخصخصة التي اكتسحت المصانع الرئيسية في مصر بعد أن صار إنتاجها هزيلًا؛ وهم محقون؛ حيث إنك ينبغي أن تلوم البقرة، عندما لا تعطيك لبنًا، بينما لا تلوم نفسك أنك لا تعطيها البرسيم اللازم لغذائها!!
هكذا جرى إهدار الفرصة الاشتراكية التي سنحت، عندما أطلق عبد الناصر استراتيجية رأس المال الوطني في تطبيق حقيقي لما سبق أن قلناه في مقال سابق عن "تعاون الطبقات" الذي سعى عبد الناصر إلى تطبيقه بحيث تكون الطبقة الوسطى هي رمانة الميزان في المجتمع المصري؛ فتقدم التعليم والتنوير للمجتمع، بينما تقدم الطبقة العاملة له الإنتاج الصناعي، ويقدم أصحاب رؤوس الأموال التمويل للاستثمارات؛ فتبنى مصر بأيدي أبنائها.
تدهور الحال حتى وصل التسليع إلى الجنيه المصري؛ ففي ذروة أزمة انخفاض سعر صرف الجنيه أمام الدولار الأمريكي، قال الرئيس عبد الفتاح السيسي إن الدولة يجب أن تتدخل لضرب السوق السوداء؛ لأن هذا يعني أن الجنيه المصري يتحول إلى سلعة تُباع وتُشترى. وأن يتحول الجنيه المصري إلى سلعة تُباع، وتُشترى حسب العرض والطلب ليس حسب قوة الاقتصاد كما هو مفترض يعني أن يصبح الاقتصاد بأكمله سلعة تُباع وتُشترى.
من التحديث الصناعي إلى التهديد بتحول الاقتصاد الوطني إلى سلعة كانت هي النتيجة التي أفرزها القتل العمد لاستراتيجية الرأسمالية الوطنية التي أطلقها عبد الناصر؛ وهو القتل العمد الذي لم يقتصر فحسب على الاستراتيجية، وإنما امتد ليصل إلى الاقتصاد نفسه.

حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار