العقيده والميلاد

رفعت عوض الله
2020 / 12 / 30

العقيدة والميلاد

يصور لنا سفر التكوين كيفية خلق الله للانسان ، ففي بداية السفر هناك نص يقول : " ان الله خلق الانسان علي صورته ومثاله " . وفي انجيل البشير يوحنا في الحديث الذي دار بين المسيح والمرأة السامرية قال لها : "الله روح .... "
نفهم ان الروح ليس لها وجود مادي ملموس متعين كسائر الموجودات المادية ، وعلي هذا فالصورة والمثال الالهيين والذين وفقا لهما وعلي غرارهما خلق الله الانسان ليس المقصود بهما الهيئة والشكل المادي . لذا علينا ان نبحث عن معنى اخر لتفسير المقصود بهما . فاذا كان الله روح وبلا هيئة مادية فالصورة هنا هي مجموع الصفات والسمات الذاتية والتي تجعل من الله هو الله . ولما كان الله روح فقد خلق الانسان المخلوق علي صورته ومثاله روح ايضا منبثق من روح الله ...وكون ان الله خلق الكون بكل ما فيه من نظام وجمال وتعقيد ومخلوقات متنوعة متعددة فهذا يعني انه عقل ، وإلا ما كان هذا الكون العظيم . لذا فالانسان المخلوق علي صورة الله ومثاله ايضا مخلوق عاقل .. والله الخالق لابد انه ايضا مريد وذو إرادة حرة . فهو اراد ان يخلق الكون وان يخلق الانسان ، لذا ايضا الانسان المخلوق علي صورة الله ومثاله مخلوق حر لانه ذو عقل وذو ارادة .
الانسان المخلوق علي صورة الله مرتبط ارتباطا وثيقا بالله ، ولا يستطيع ألا يحيا معه في تواصل ومعية ، فلو حدث انفصال بينه وبين الله لكان معني هذا انكسار في روحه وعقله وارادته .
الانسان العاقل المريد وضعه الله في جنة عدن ، وقال له : " من جميع ثمار شجر الجنة تأكل ، وأما شجرة معرفة الخيروالشر فلا تأكل منها ، ويوم تأكل منها موتا تموت " .....همس ما يسمي بالشيطان في اذن حواء قائلا :" يوم تأكلان من تلك الشجرة تصيران مثل الله عارفين الخير والشر. "
لمعت الفكرة في عقل الانسان : "نصير مثل الله فنعرف الخير والشر "اي اننا نستقل عن الله ونصير علي معرفة تماثل معرفة الله ، وبالتالي يصير الانسان ندا لله ...فأكلت حواء واعطت ادم لياكل منها ، فادركا انهما عريانان فخجلا ، وخاطا اوراق تين ليسترا عوريتهما . نادي الله علي ادم فخجل الانسان من ان يجيب ، لأنه ادرك انه عريان ، ووقع الله حكمه علي الانسان اذ طردهما من الجنة الي الارض حيث تحصيل الخبز بالعرق والتعب ، وحيث الصراع مع قوي الطبيعة ، ومع الحيوانات الضارية والتي هي اشد فتكا وقوة عضلية منه .
خيم الشقاء والمعاناة علي الانسان ، نعم تكاثر وتناسل وصار قبائل وامما ، وبفضل عقله وارادة الحياة استطاع ان يتغلب علي الطبيعة الجامحة والحيوانات الضارية وظل موجودا ، ولكنه مغترب منفصل عن الله لا عزاء وسلوي لروحه التي لا راحة لها إلا بالتواصل مع الإله المحتجب عنه . والانسان الشقي في نزعته لتوكيد ذاته وسلطانه ونفوذه احتدم النزاع والصراع والحروب بينه وبين اخيه الانسان ، وسال الدم غزيرا . واستحدث الانسان تشريعات تبرر القسوة والظلم والانانية .
قال الرب الإله:" يوم تأكلان منها موتا تموتا" . اغتراب وانفصال الانسان يعني موتا ادبيا ، وسيادة القسوة والحروب وسفك الدماء تعني غياب السلام الذي لا يكون إلا بالمعية الإلهية .
ماذا يعني كل هذا ...؟ يعني شيئا واحدا ألا وهو فشل المشروع الإلهي من خلق الانسان ، وانقراض الانسان بالمعني الروحي..ولكن هل يفشل الله ؟ هل يسمح بموت وزوال الانسان المحبوب المخلوق علي صورته ومثاله ،روالذي خلقه الله في كرامة ، فهو روح عاقل مريد متفرد لا مثيل له في عالم المخلوقات ؟ المنطق يقول لا ...من هنا اختار الله ابا الانبيا ء ابراهيم ليكون نسله شعبا خاصا ، لا لانهم افضل من باقي الشعوب ولكن لكي يمهد لمجيئه في صورة انسان من نسل ابراهيم واسحق ويعقوب ، متوسلابالشرائع وكتابات الانبياء في العهد القديم ، والشرائع ، ونظام الذبائح الرامز لموت وفداء المسيح فيما بعد في التاريخ .
ولما كمل الزمان هبط لنا الله في صورة طفل مولود في بيت لحم مسقط رأس داود والذي من نسله سوف يأتي المسيح الانسان .
في زمن حكم اوغسطس قيصر الامبراطور الروماني والذي كان يحكم الامبراطورية والتي كانت تحكم من روما كل البلدان الواقعة علي البحر الابيض المتوسط من الشرق سوريا وفلسطين ولبنان و من الشمال ايطاليا واليونان وفرنسا وصولا لألمانيا وبريطانيا ، و من الغرب شبه جزيرة ايبريا اي اسبانيا والبرتغال ، و من الجنوب مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب ، لذا اسموا البحر المتوسط بحيرة رومانية .
في زمن حكم ذلك الامبراطور صدر قرار بالاحصاء العام . فكان علي كل فرد او اسرة ان تعود لمسقط الرأس ، لذا عادت مريم ويوسف النجار خطيبها من الناصرة في شمال فلسطين حيث كانا يقيمان الي مدينة بيت لحم حيث انهما من سلالة الملك داود بن يسي البيت لحمي .. ولما وصلا هناك كانت المدينة بالاضافة الي سكانها المقيمين مكتظة بالقادمين من اماكن بعيدة ليسجلوا في سجلات الاحصاء العام ..وكانت مريم حبلي بالروح القدس بيسوع المسيح . هناك عانت الام الولادة ، ولما لم يكن لهما موضع في بيوت البشر لجأ يوسف ومريم لمزود فيه تربي الانعام ، وهناك وضعت مريم الطفل الموعود به يسوع ، وهنا حلقت جوقة من الملائكة فرحا وابتهاجا بمولد المسيح مرنمين : "المجد لله في الاعالي وبالناس المسرة ، وعلي الارض السلام ".
بعد انتهاء الايام الاولي وما يصاحبه من طقوس وعادات عادت مريم ويوسف والرضيع لمدينة الناصرة حيث شب وترعرع هناك . ولما كبر بما يكفي انتقل لاورشليم حيث الهيكل . وكان هناك يسمع ويجادل رجال الدين ، وكانت اسئلته واجوبته تكشف معرفة عميقة بالناموس والانبياء .
في سن الثلاثين بدأ يسوع المسيح خدمته الجهارية ، فكان كما يذكر عنه يجول يصنع خيرا ويشفي ويهدي ويرشد ويتحنن ويترفق ، كاشفا عن عمق رحمة الله بالبشر المساكين الخطاة والمرضي والفقراء والمهمشين ..وكان يصنع معجزات تكشف عن محبته ورحمته وسلطانه الالهي ، وكونه الله المتجسد " عظيم هو سر التقوي الله ظهر في الجسد " . وكان من حين لأخر يلمح تلميحا لكونه الله في قوله للمفلوج مغفورة لك خطاياك ، فمن ذا الذي يغفر الخطايا إلا الله ، وقوله :" انا والآب واحد ، ومن راني فقد راي الآب " ، وقوله " قبل ابراهيم انا كائن ، وانا هو القيامة والحق والحياة" ، وغيرها من الجمل التي تلمح او تكشف عن كونه الله الظاهر في صورة انسان .
عاش المسيح حياة قصيرة ولكنها مفعمة بالعمل وفعل الخير والرحمة والدلالة علي كونه وحده نسيج اخر مختلف تماما عن كل الانبياء والمرسلين قبله .
دخل المسيح الثائر في مواجهة حادة مع رجال الدين اليهودي الذين افرغوا الناموس وكتابات الانبياء وتعاليمهم من مضمونها الروحي واحالوها لطقس وشكل ومظهر فارغ بلامضمون ..وكانوا يلهثون وراء السلطان والتسلط وتلميع انفسهم وتعظيمها في اعين الناس البسطاء المساكين ، فكانوا يحبون ان يجلسوا في الصفوف الاولي ، وان يقال لهم اينما حلوا سيدي ..سيدي ، وان يحييهم الناس تحيات التوقير والاحترام في الاسواق ، والادهي كانوا يقدمون عشورا عن ابسط الاشياء والتي تكاد تكون بلاثمن مثل الشبث والنعناع والكمون وفي نفس الوقت يتجاوزون عن الرحمة والحق ومحبة الله .
ندد بهم المسيح وكشف عوارهم وخوائهم الروحي فناصبوه العداء . حاكوا حوله المؤامرات ليقتلوه ، فضلا عن استنكارهم لدعواه الالهية .
وكان اليهود الواقعين تحت ظل الحكم الروماني الجائر يحلمون وينتظرون مخلصا علي شاكلة داود الملك والذي يرفع السلاح في وجه الرومانيين ويرد مملكة اسرائيل . فلما جاء المسيح ملكا وديعا مبشرا بالسلام مع الله ، قائلا "ان مملكته ليست من هذا العالم" خاب ظنهم فيه رغم كل معجزاته وكل تعاليمه النبيلة وكل حدبه علي المساكين والمهمشين .
اصر رجال الدين اليهودي علي محاكمته واستطاعوا شراء ذمم بعض الدهماء ، واوعزوا للسلطة الرومانية ممثلة في الوالي انه لا يعترف بسلطة قيصر ويقيم من نفسه ملكا علي اليهود . فتم القبض عليه وجرت وقائع محاكمته ، وحاول الوالي ان يطلق سراحه لانه وجد انه بريئ ، ولكن رجال الدين اليهودي تعنتوا واصروا فجرت وقائع صلبه ، فصلب ومات ولكن لأن المسيح الانسان المصلوب والميت بفعل الصلب كان متحدا بالمسيح الإله والذي لايموت قام في فجر الاحد لنقوم معه خليقة جديدة تتصالح معه ونحيامعه ، "فاذ قد تبررنا بالايمان لنا سلام مع الله ".
كل كراهية الاكليروس اليهودي وكل مؤامراتهم و كل ما فعلوه ليصلب ما هي إلا وسائل لتنفيذ المخطط الالهي من تجسد لله في صورة انسان وحياته كأنسان كامل وكل افعال الصلاح والبر التي قام بها ثم النهاية الحتمية بموته الانساني علي الصليب ثم قيامته الالهية في فجر الاحد ..فهذا الموت وهذه القيامة هما اللذان اهلا الانسان الساقط للعودة للجنة التي فيها يعيش الله مع الانسان ويحيا الانسان حياة البر والتقوي والصلاح والسمو الكرامة والراحة .

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير