نقض مفهوم الحق لدى محمد شحرور

هيبت بافي حلبجة
2020 / 12 / 29

بعدما إنتقدناه في قضيتين ، حول مفهومه للروح ، حول مفهومه للشيطان ، نود أن ننتقده في مفهوم الحق ضمن تفسيره لنصوص النص الإلهي ، ذلك المفهوم الذي تبدت عناصره من خلال ثنائية الحق والباطل . أي إن شحرور ، مثلما فعل في قضية الروح وفي قضية مأساة الشيطان ، إلتزم بمفهوم الحق في سياق تفسيره الخاص لتلك النصوص ، وتطابقاٌ مع مضمون تلك الثنائية .
المقدمة الأولى : يؤكد الدكتور محمد شحرور إن مفهوم الحق هو التالي ، هو الوجود الموضوعي المستقل عن الوعي البشري ، هو الوجود خارج وعينا ، أي الوجود الحقيقي والفعلي الذي لايرتهن في خاصيته الإنطولوجية على وعينا به أو تصورنا له أو إحساسنا به ، فنهر أمازون هو موجود ، حسب تفسيره ، هناك سواء أدركناه بوعينا أم جهلنا حقيقة وجوده ، وكذلك تلك الشجرة ، والسماء والأرض ، وتلك المجرة التي نعرفها وتلك التي لانعرفها ، أي إن أي شيء له وجود هو الحق ، إله الكون ، الشيطان ، الملائكة ، كانط ، محمد شحرور ، أرسطو ، التفاحة ، الخنزير . وأما الباطل ، في ثنائية الحق والباطل وبالتضاد من مفهوم الحق ، هو الوجود الوهمي ، هو التصور اللامتعين واللاشيء، هو الوهم المحض ، وهو مرهون ، حسب شحرور ، بإعتقاد بشري ، بإعتقاد مجموعة بشرية ، فإله الكون هو الحق ، هو الوجود الإلهي المستقل عن الوعي البشري ، وأما الأصنام ليست إلا وهماٌ ، إلا باطلاٌ ، حيث يتوهم البشر على إنها آلهة . وفي الأصل لايدرك الدكتور محمد شحرور ، وهو الجاهل بالأصول الجوهرية للفلسفة ، حقيقة مايقول ، إذ لاعلاقة أبداٌ مابين إعتقاد البشر على أساس إن تلك الأصنام هي آلهة ، ومابين حقيقة وجود تلك الأصنام ، فالشيء في وجوده لاعلاقة له بما يعتقده البشر عنه وما يحملون من تصورات وأفكار عنه ، أي إذا كان الحق هو الوجود الموضوعي المستقل ، فإن الباطل ينبغي أن يكون وهماٌ في وجوده وليس في ما يعتقده البشر من أفكار عنه . وأنوه إني تجنبت أن أستعمل مفردات ، الوجود في ذاته والوجود لذاته والوجود لغيره ، لإن شحرور يرتبك جهلاٌ في حقيقة فهم هذه المقولات .
المقدمة الثانية : ينطلق الدكتور محمد شحرور من نصوص النص الإلهي في تقرير ماهو الحق وماهو الباطل ، ذلك بأن الله هو الحق وأن مايدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير ( لقمان 30 ) ، ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحي الموتى وأنه على كل شيء قدير ( الحج 6 ) ، ذلك بأن الله هو الحق وأن مايدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي القدير ( الحج 62 ) ، وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاٌ ( الإسراء 81 ) . ويؤكد إن الله هو الحق يعني إنه الوجود الموضوعي المستقل عن التصورات البشرية ، فليس البشر ، حسب تعبيره ، هم الذين يقررون وجود الله بوعيهم ، لإن وجوده خارج ذلك الوعي ، مثل تلك الشجرة ، وذاك النهر ، في حين إن الباطل ليس إلا وهماٌ ، فالأصنام كانت وهماٌ ، لذلك جاء الحق أي جاء الوجود الموضوعي المستقل أي جاء الله ، وزهق الباطل أي زهقت الأصنام ، أي زهق الوهم .
المقدمة الثالثة : يقول شحرور ، بعد أن يعرف الحق على تلك الشاكلة ويعرف الباطل على هذه الشاكلة ، إن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه علينا هو : ماهي العلاقة الحقيقية مابين وجود إله الكون ومابين وجودنا ، وهي العلاقة مابين المتكلم وكلامه ، أي العلاقة مابين الذي يتكلم ، الذي يصدر الكلام ، ومابين كلامه الذي صدر عنه ، فنحن كلمات إله الكون الصادرة عنه . وكما إن سيدنا المسيح ، عليه السلام ، هو كلمة إله الكون ، فإن شحرور ، ويقولها صراحة ، هو أيضاٌ كلمته ، وهكذا يكون سقراط وأبليس وجبرائيل وأبن تيمية كلمات الله . إذن ثمة شرطان لوجودنا ، الأول هو مدلول الكلمات ، والثاني هو صدور تلك الكلمات ، أي عملية الصدور ، وهو يقصده تماماٌ ليؤكد على أمرين أثنين ، الأول ليتجنب موضوع الحلول ، الثاني إن يكون ماصدر ليس جزءاٌ مما صدر عنه ، أي ألا يحل إله الكون في كلماته ، وألا نكون جزءاٌ من إله الكون . والجدير بالذكر إن شحرور يفارق مابين كلام إله الكون ومابين كلماته ، فنحن كلماته في حين إن النص الإلهي هو كلامه ، أي نحن لسنا كلامه كما إن النص الإلهي ليس كلماته ، ويستند على الآية : وإن أحد من المشركين إستجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لايعلمون . وهنا تدق إشكالية كبيرة وهي ، صدور الكلام عن المتكلم ، فهل إله الكون حينما يتكلم يقول : هذه كلماتي ، وأما هذا فهو كلامي .
المقدمة الرابعة : يرتكب محمد شحرور مغالطة منطقية كبيرة ، ويفسر السؤال الفلسفي التالي تفسيراٌ مغلوطاٌ ، والسؤال هو : هل الوجود ، الكون ، هو حقيقي أم وهمي ، أي هل هو وجود موضوعي مستقل عن الوعي البشري ، أم إنه مرهون بوعينا . يفسر شحرور ذلك بقوله : هل يتطابق الوجود في الأعيان ، أي خارج الوعي البشري ، مع صور الموجودات في الأذهان ، أي هل هي واحدة . هذا النفسير ليس له أية علاقة بالسؤال ، فالتطابق يعني هل مايتصوره عقلنا وماينقله لنا حسنا عن الشيء يماهي حقيقته أم لا ، أي هل عقلنا وأحاسيسنا صادقة أم إنها تخطىء ، في حين إن السؤال الفلسفي كان هل الشيء له وجود موضوعي مستقل أم إن عقلنا هو الذي يوهمنا بوجده . وهكذا فإن الوجود هو لدى البعض حقيقي ، ولدى البعض وهمي ، ويقول شحرور إن المادية تؤكد على الوجود الموضوعي المستقل ، أي الوجود الحقيقي ، لكن هو ، أي شحرور ، يرى إن الوجود نوعان ، الأول هو وجود إله الكون وهو الحق ، وهو وجود لامادي موضوعي مجهول الكينونة . والثاني هو الكون ، هو الوجود المادي ، وهو الوجود الحق أيضاٌ ، ويذكرنا بالآيات التالية : ربنا ماخلقت هذا باطلاٌ ، ما خلق الله السماوات والأرض ومابينهما إلا بالحق . وهذا مايفضي بنا إلى المقدمة الخامسة .
المقدمة الخامسة : في موضوع العدم ، في علاقة العدم بالوجود ، في علاقة العدم بكلمات إله الكون ، يقول شحرور إذا أدركنا حقيقة مفهوم العدم ، أدركنا فعلية مفهوم الوجود ، ثم أدركنا أصيلية مفهوم كلمات إله الكون .
فمن زاوية : إن العدم هو الدال ، دال بدون مدلول ، فالكون والموجودات والأشياء في العدم هي بصيغة الدال فقط دون المدلول ، ولاتنتقل إلى الوجود العيني الموضوعي إلا بعد أن يتوافق ويتماهى المدلول مع الدال فعلياٌ . فالإنسان هو دال في حين إن أحمد وسعيد وأبو زيد مدلولات ، والشمس هي دال في حين إن شمسنا هي مدلول ، والشجرة هي دال وهذه الشجرة هي مدلول ، فالإنسان والشمس والشجرة دوال في العدم ، في حين إن أحمد وسعيد وأبو زيد وهذه الشجرة وتلك الشمس هي مدلولات في الوجود .
ومن زاوية ثانية : كان الله ولاشيء معه ، أي كان إله الكون وحيداٌ بمفرده ولم يكن معه أي شيء ، لكن العدم بالمفهوم الذي يطرحه شحرور ، كان إله الكون ومعه العدم والدوال بالضرورة ، مع العلم إن شحرور المسكين لايمايز مابين فيما إذا كان العدم نفسه دال فما هو مدلوله ، أو أن تكون الأشياء دوال في ( .... ) في أين ، فهي إذن معدومة .
ومن زاوية ثالثة : فيما يخص علم إله الكون ، ولإن علمه كلي شامل تام ، لايقبل النقصان أو الخطأ ، فينبغي أن يكون الدال في علمه دون مدلول ، أي أن الكون في علم إله الكون هو دال دون مدلول كون الأشياء دوال ومدلولات بالضرورة ، والسبب في ذلك ، إذا غابت الدوال والمدلولات عن العلم الإلهي غاب العلم الإلهي نفسه وأصبح إلهاٌ جاهلاٌ فغابت ألوهية إله الكون ، وإذا تحقق المدلول مع الدال ، أصبح الوجود المادي قديم قدم إله الكون وأصبح العدم عدماٌ . وهذا مايفسر أرتباك شحرور ، فهو يرى إن الدال هو عين المدلول بالنسبة لإله الكون ، ويرى ، في نفس الوقت ، إن الدال هو دون مدلول في العدم وفي الوجود الحق أي الوجود الإلهي .
ومن زاوية رابعة : إن إله الكون قد خلق الوجود من العدم ، أي قد أوجد المدلول من الدال . فالدال ، وكي يصبح شيئاٌ وكي يصبح كلمة ، من الضروري أن يتحول إلى مدلول ، فهذه الشمس كمدلول ماكانت ، إنما أصبحت بعد أن إنتقل الشمس إلى هذه الشمس أي إنتقل الدال إلى مدلول أي إنتقل الدال من العدم إلى الوجود . لذلك يزعم شحرور إننا ينبغي أن نمايز مابين مفهوم الخالق ، ومفهوم البديع ، ومفهوم الفاطر ، فالفاطر هو وجود مما سبق ، والبديع هو وجود لم يكن ، والخالق هو المصمم .
نكتفي بهذا ، ونعترض على هذه التصورات المتهافتة بالآتي :
أولاٌ : من الضروري أن نوضح مفهوم المفردتين الحق والباطل تاريخياٌ ، وكيف إنشىء هذا المفهوم . الحق والباطل هما مفردتان كورديتان قديمتان موجودتان في تراتيل الديانات الثلاثة ، الإيزيدية والزرادشتية والمانوية ، وإنتقلتا ، عن طريق سلمان الفارسي ، إلى النصوص الإلهية : يا إله الأرض والسماء ، إله الليل والنهار ، إله الحق ، أنت الحق ، والحق أنت ، ومنك الحق . والحق ، في هذه الديانات الثلاثة ، يعني تماماٌ المنطقة المشتركة مابين مقولتين ، الوجوب والصواب ، ومن ثم ماينتج عن ذلك من مفاهيم ، الصدق والإخلاص والولاء والحقيقة والطاعة . وأما الباطل فهو موجود في الترتيل الآتي : إله الحق ، أنت لست الباطل ولايصدر منك الباطل . والباطل يرمز إلى أهريمان إله الشر ، كما يرمز الحق إلى أهورامزدا إله الخير ، وهذا هو حقيقة الصراع الأبدي مابين أهورامزدا وأهريمان ، مابين الخير والشر .
ثانياٌ : ومن الضروري أن نرى نصوص النص الإلهي التي أشارت إلى مفردة الحق ومفردة الباطل لنر إلى أية جهة تميل ، هل هي تميل إلى ما أشرنا إليه سابقاٌ في سلمان الفارسي أي إن النص الإلهي قد إقتبس مفهوم الحق والباطل من تلك الديانات الثلاثة ، الإيزيدية والزرادشتية والمانوية ، أم إنها تميل إلى ما ذهب إليه السيد شحرور ، أم إنها تميل إلى موقع ثالث . ولكي يتضح الأمر كلياٌ لابد من أن نذكر النصوص الإلهي بخصوص هاتين المفردتين لنتحقق مما يمكن أستنباطه منها : إنا أرسلناك بالحق بشيراٌ ونذيراٌ ولاتسأل عن أصحاب الجحيم ( البقرة 119 ) ، ماننزل الملائكة إلا بالحق ( الجحر 8 ) ، الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاٌ منهم يكتمون الحق وهم يعلمون ( البقرة 146 ) ، ود كثير من أهل الكتاب لما يردونكم من بعد إيمانكم كفاراٌ ... بعدما تبين لهم الحق فأعفوا وأصفحوا ( البقرة 109 ) . قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها ... فول وجهك شطر المسجد الحرام ... وإن الذين أوتوا الكتاب يعلمون إنه الحق من ربهم ( البقرة 144 ) ، الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل الله أعمالهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم ( محمد 3 ) ، تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين ( البقرة 252 ) . هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراٌ وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ماخلق الله ذلك إلا بالحق ( يونس 5 ) ، وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين ( القصص 53 ) ، إن الله لايستحي أن يضرب مثلاٌ ... وأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم ( البقرة 26 ) ، يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء ( الأعراف 53 ) ، وإذ قلتم ياموسى .. كانوا يكفرون بآيات الله ويظنون النبيين بغير حق ( البقرة 61 ) ، كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ( الأنفال 5 ) ، قال إنه يقول إنها بقرة ... قالوا الآن جئتنا بالحق ( البقرة 71 ) ، لاتلبسول الحق بالباطل ( البقرة 42 ) ، من بعد ماتبين لهم الحق ( البقرة 91 ) ، ويقتلون النبيين بغير حق ( البقرة 61 ) ، فليكتب وليملل الذي عليه الحق ( البقرة 282 ) ، إن هذا هو قصص الحق ( آل عمران 62 ) ، يا أيها الناس إن وعد الله حق ( فاطر 5 ) ، ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير ( الحج 6 ) ، يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون إن الله هو الحق المبين ( النور 25 ) ، لا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل ( البقرة 188 ) ، ويمحي الله الباطل ويحق الحق بكلماته ( الشورى 24 ) ، يا أيها الذين آمنوا لاتبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ( البقرة 264 ) ، وأكلهم أموال الناس بالباطل ( النساء 161 ) . أضطررنا أن نسرد كل هذه الآيات لنتحقق من التالي : فمن ناحية لو بدلنا مكان الحق بمفهوم شحرور أي وضعنا الوجود الموضعي خارج الذهن مكان الحق ، والوهم الوجودي مكان الباطل ، لأصبحت الآيات ، لاتأكلوا أموالكم بينكم بالوجود الوهمي !! يا أيها الذين آمنوا لا ( الوجود الوهمي ) صدقاتكم بالمن والآذى !! إن هذ ا قصص الوجود الموضوعي خارج الذهن !! يا أيها الناس إن وعد الله هو الوجود الموضوعي خارج الذهن !! وأما الذين آمنوا فيعلمون إنه الوجود الموضوعي خارج الذهن !! ماننزل الملائكة إلا بالوجود الموضوعي خارج الذهن !! فليكتب وليملل الذي عليه الوجود الموضوعي خارج الذهن !! تلك آيات الله نتلوها عليك بالوجود الموضوعي خارج الذهن وإنك لمن المرسلين !! وآمنوا بما نزل على محمد وهو الوجود الموضوعي خارج الذهن !! . ومن ناحية ثانية نتحقق بكل يسر وسهولة إن مفهوم الحق في هذه النصوص كلها هو تماماٌ المنطقة المشتركة مابين الوجوب والصواب وماينتج عن ذلك من خير وصدق وإخلاص وحقيقة وطاعة وهدى ضد الضلال والإنحراف والزوغان والشر . ومن ناحية ثالثة نتحقق بكل يسر وسهولة إن هذه النصوص تؤكد على مفهوم الصراع مابين الخير والشر ، مابين ماهو حق وماهو باطل ، والصراع ، هنا وهذه نقطة في غاية الأهمية ، ليس مابين الوجود الموضوعي خارج الذهن ومابين الوهم الوجودي أو الوجود الوهمي كما ذهب إليه محمد شحرور ، إنما هو صراع مابين فئتين موجودتين أصلاٌ ، فئة الضلال وفئة الهدى ، فئة الخير وفئة الشر ، أي فئتان حقيقيتان في وجودهما ، فالأصنام كان لها وجود حقيقي لكن إعتقاد بعض البشر هو الذي أضفى عليها مفهوماٌ خاصاٌ .
ثالثاٌ : في موضوع أسباب النزول ، أي أسباب نزول تلك الآيات ، لا أود ، هنا ، أن أسرد كل ذلك ، لكن بإقتضاب وجيز ، إن أسباب النزول هي الكاشف الكيميائي في تحديد ماهو مفهوم الحق في تلك الآيات وماهو مفهوم الباطل في تلك الآيات ، وبكل بساطة نتأكد من إن أسباب النزول كلها ، ومن خلال كتب السيرة ، تشير إنها أتت بخصوص ماهو يتعلق بالوجوب ومايتعلق بالصواب ، وأتت لتفرق مابين الخير والشر ، مابين الهدى والضلال ، أتت على وجوب الإخلاص والطاعة والتقوى ضد المعصية والفجور .
رابعاٌ : إذا كانت الدوال موجودة ، تأصيلاٌ ، في العدم ، وإذا ما أقترنت بالمدلولات الموازية لها إنتقلت إلى الوجود وتحولت إلى هذه الأشياء التي نراها ، لكن ، وحسب شحرور ، الدال هو ، ومنذ الأزل ، عين المدلول بالنسبة للذات الإلهية ، وهو الشيء المحقق في العلم الإلهي منذه ، فهذا يعني ، إضافة إلى حالة التناقض الذي نهمله مابين الحالتين ، إن الأشياء والموجودات موجودة منذ الأزل ، وقديمة قدم إله الكون ، وبالتالي لاداع لوجود العدم ، وبالنتيجة لاوجود للعدم ، طالما إن الأشياء والموجودات والكون والوجود محققة منذ الأزل ، وبالنتيجة النهائية لاداع لمفهوم الدال ولا لمفهوم لمدلول طالما إن الشيء محقق في ذاته منذ الأزل . وإذا ما تحقق الشيء وفي ذاته ومنذ الأزل إنتهى الوجود الإلهي .
خامساٌ : إذا كانت الدوال موجودة ، تأصيلاٌ ، في العدم ، وإذا ما إقترنت بالمدلولات الموازية لها إنتقلت مباشرة إلى الوجود وتحولت إلى هذه الأشياء التي نراها ، فمن أين أتت المدلولات ، هنا نحن إزاء ثلاثة إمكانيات لارابعة لها ، إما من إله الكون نفسه ، إما من العدم نفسه ، إما من الوجود نفسه . وفي الحالة الأخيرة لايمكن أن يتحقق ذلك لإن الوجود لم يتحقق بعد ، فكيف يصدر المدلول عنه ، وإذا قال محمد شحرور إن المدلول في الوجود هو يشبه حالة الدال في العدم ، لقلنا له إن الأمر لايستقيم ، لإن الدال في العدم يمثل حالة صورة ، في حين إن المدلول في الوجود يمثل حالة تحققت بالفعل ، أي إن الشيء موجود بالفعل ، وإنه قد تحقق بدون تدخل العدم وتدخل الدال فلاداع ، ، إذن ، لهما وبالتالي لوجودهما . وفي الحالة الثانية إذا أتى المدلول من العدم نفسه ، فعندها لايكون العدم عدماٌ بالمفهوم الشحروري إنما عدماٌ بمفهوم آخر ، لإنه سيكون محتوياٌ على الدال وعلى المدلول معاٌ . وفي الحالة الأولى إذا أتى المدلول من إله الكون ، فهذا يعني إن الشيء كان محققاٌ في إله الكون نفسه وهذه كارثة إنطولوجية ، وإن إله الكون لم يكن يدرك ويعلم بوجود الشيء محققاٌ فيه وهذه كارثة إلوهية .
سادساٌ : إذا كان الدال موجود في العدم ، فإن ذلك لايمكن أن يتحقق إلا ، وشرط إلا ، إذا كانا خارج مجال إله الكون ، وكانا قديمان قدم إله الكون . وإذا كانا قديمان فإن المدلول قد أتى من ( ... ) وولج إلى العدم وزاوج الدال الذي لايمكن أن يخرج من العدم إلا به وبصورة الشيء الذي يتحقق وجوده خارج مجال وإرادة وعلم إله الكون . وفي الحقيقة إن شحرور يعتقد ، من قريب أو بعيد ، بمفهوم الصورة والمادة لدى أفلاطون ، لكنه لم يتجاسر على طرح هذه الفكرة ، وإكتفى إن وضع الدال في العدم ، الصورة في عالم المثل ، ووضع المدلول في ( ... ) ، لتتحقق فكرتان أساسيتان لديه ، الأولى الوجود الموضوعي خارج الذهن ، الثانية إن الخالق هو المصمم ، إن الفاطر يفطر من فطيرة سابقة ، إن البديع يبدع بدون سابقة .
سابعاٌ : إذا ، وحسب شحرور ، كان الدال وجود موضوعي لامادي ، وكان العدم وجود موضوعي لامادي ، وكان إله الكون وجود موضوعي لامادي ، وكان المدلول وجود مادي ، فكيف يمكن أن ندرك القضيتين التاليتين . القضية الأولى كيف تمكن المادي من إختراق مجال اللامادي وخلق كوننا هذا . القضية الثانية كيف تمكن المدلول وهو مادي في الأساس أن يحصل على مادته ، وهل حصل عليها بذاته أم من خلال إله الكون ، فإذا كان من ذاته فهو إله مستقل لايحتاج في وجوده لا إلى الدال ولا إلى إله الكون ، وإذا كان من إله الكون فنحن إزاء فرضين ، الأول أن يشمله الكمال ، الثاني أن يشمله النقصان ، في الفرض الأول لايحتاج المدلول إلى الدال ، وفي الفرض الثاني يكون إله الكون ناقص القدرة .
ثامناٌ : إذا صرخ شحرور وزعم إنه لم يقرر صراحة طبيعة الدال ولاطبيعة العدم وإنه نفى عنهما ، فقط ، طبيعتهما المادية ، حينئذ نقول له ، حسناٌ إنك تقول إن إله الكون حق ووجوده موضوعي لامادي ، وإن الشيء حق ووجوده مادي ، أي إن العدم والدال إما أن يكونا حقاٌ ، أو ألا يكونا حقاٌ في وجودهما ، في الفرض الثاني إنتفى وأنهتك أساس كافة إطروحاتك بخصوص هذا المجال ، لإن تزعم إن كل شيء حق . وفي الفرض الأول أي أن يكون العدم حقاٌ والدال حقاٌ ، عندها نكون أمام أمرين : الأمر الأول إن يكون الحق لامادياٌ ، الأمر الثاني أن يكون مادياٌ . في الأمر الأول أي كان الدال وجود موضوعي لامادي وكان العدم وجود موضوعي لامادي ، فنرجع إلى ماقلناه في سادساٌ . وفي الأمر الثاني أي أن يكون الدال وجود مادي وأن يكون العدم وجود مادي ، وبالرغم من إنك نفيت طبيعتهما المادية ، نؤكد إن إذا كان الدال مادة فلاقيمة بعدها للمدلول ، وإذا كان العدم مادة فلاقيمة بعدها للوجود وبالتالي للكون ، وبالتالي للعدم نفسه ، وبالتالي لإله الكون . وإلى اللقاء في الحلقة الرابعة بعد المائة .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول