يا الله!!

مختار سعد شحاته
2020 / 12 / 28

إلى روح ح. م:

جاءني الله على سحابة كبيرة...
لم يكن عابثًا كما أخبروني،
رفعني كما يُرفع العارفون نحو السماء، وقال في أذني مباشرة...
أنا الله؛ فلا تخف...

طأطأت رأسي، وحاولت البكاء، والحكاية عن كل الخيانات التي صمدت عليها روحي...

وحاولت أن أخبره عن أمي وطفلتي وابني وأخ غريب عن الدنيا زيفوه في الغربة وعاد بلا روحه التي غادرتنا...

حاولت أن أخبره عن الثورة التي كانت وعن الأحلام التي ماتت، وعن الأصدقاء، وعن الذين ارتمينا تحت أقدام المحبة حتى يرضوا...

حاولت أن أحدثه عن المطاردات والمطارات والقتل واغتيال أطفالنا في الشوارع وعن صديق له لحية بطول الذراع...

حاولت وحاولت وحاولت... وقلت وقلت وقلت...

حدثته عن الميلاد الجديد في أرض بعيدة، وعن مدينة قررت في لحظة أنني لا أناسبها، وعن أرض طردتني منها الخيانة وما اشتكيت...

حاولت صدقوني أن أسأله في النهاية لماذا سندخل النار؟ وعن معنى العذاب المقارن مع فقدي...

الله فوق السحابة صامت،
جليل...

يرى كل العالم هناك ويعرف؛ فلماذا لا يجيب؟!

يا رب أنزلني مرة أخرى لآخذهما في حضني، وأشتري حذاءها الجديد؛ ولعبته التي يريد...

ربما أحتاج الآن أن أمسح دمعة أمي التي أفزعوها وخوفوها بالحكايات عني وعن ذلك المجنون الذي حولوني...

يا الله أنزلني،
لا أحب السحاب!!

يا الله كيف تعرف عن فقد طفلين، وأنت لم تلد ولم تولد، ولم يكن لك صاحبة ولا ولد؟!

لماذا استثنيت نفسك من هذا الامتياز؟!! وطعم المرارة التي تقذفها الصور؟!
لماذا يا ربّ أنت وحيد؟! وكيف تقضي كل الحياة محرومًا من هذا الأمل؟!!

يا الله؛ هل يعرف النور من عاش أبدًا بلا ولد؟!

أرجوك!!
هذا عقلي الذي جردتني منه، وهذا عمري الذي شاخ على عيني، وهذا جنوني، وهذا جنوحي، وهذي صلاتي، وهذا وردي الصباح والمساء، وهذا دفتر ندمي على سوء اختياراتي، وهذا خيار يقولون عنه مكتوب، وهذا ولد، وهذه بنت، وهذا ألم، وهذه غرفتي، وهذا أنا وحيد، وهذا أنت الأحد، فلماذا لا يكفي الثمن؟!

يا الله!!
هنأتُ جارًا بالعيد، وغسلت شجرة الميلاد ككل عام بالدموع، وانتظرتك في منتصف الليل كما أخبرونا صغارًا، أشعلتُ شمعة، صليت في الليل، سجدت عند أقدام تمثال، رفعت وجهي للسماء، ناشدت ماء النهر، هامست النجوم، قلت للقمر حين كان بدرًا، أنت جميل، وقلت للشمس أنت إله، قدست بقرة، انحنيت أمام النار، تمسحت بالضريح الذي قالوا أن ولي الله نام فيه للمرة الأخيرة، صعدت قلاية في الدير، بكيت مرات على كل حائط العمر، وشجعت شابين على الإلحاد، يظنان أن الكون محض انفجار عظيم، وكنتُ أنانيًا ولم أخبرهما عنك سوى أنك وحيد، لم يلد ولم يولد، بكيا كثيرًا، وطلبا مني الحديث عنك أكثر...

صرت مجنونا يخاطب العصافير كلما عبرت حديقة بيتي الجديد، كلما رأيت صورة أمي تقول يا (حبيبي رد لي حبيبي، ورد على حبيبي كل حبيب)...

يا الله،
عام جديد، عام سعيد، وأنا وأنت بلا ولد.

حوار مع المفكر اليساري عدنان الصباح حول دور واوضاع اليسار في المنطقة العربية عموما وفلسطين بشكل خاص
د. اشراقة مصطفى حامد الكاتبة والناشطة السودانية في حوار حول المراة في المهجر والاوضاع في السودان