أكاديمية أبو غريب للبحوث الحيوانية

المهدي بوتمزين
2020 / 12 / 27

يبقى للأستاذ عبد الباري عطوان حق السبق في إستعمال عبارة أكاديمية بوكا , حينما وسم منشأة فريدي سابقا ؛ بالمُجمَّع المنتج للتطرف و المدرسة التي فشلت في إحتواء مد التطرف و الإرهاب . و هي نفس الزاوية التي نرى منها جوهر و ماهية سجن أبو غريب , الذي أساء لتاريخ العراق الحديث .
انتشرت فضيحة سجن أبو غريب في 28 نيسان 2004 , عندما خرجت للعلن؛ بناء على خطأ في حفظ الأسرار, صور إلتقطها الجندي الأمريكي جيرمي سايفيتس بمعية جنود اَخرين , حيث أظهرت حجم الإرهاب الغربي و الإجرام المرضي و الجنون الأخلاقي بحق السجناء العراقيين المدنيين الأبرياء , و من بينهم نساء و أطفال .

لقد تعددت أساليب التعذيب النفسي و الجسدي ما خلف اَثارا جسيمة في نفوس الضحايا و عائلاتهم , و نكس علم العراق الذي فقد سيادته و أمنه , و أضحى تحت الحذاء الأميركي و الغربي . من بين عروض التنكيل و فنون التعذيب و أساليب الإهانة , تعرض السجناء للضرب على الرأس المفضي إلى الموت , و تجريدهم من الملابس و تركهم لساعات و أيام في غرف ترتفع درجة حرارتها أو تنخفض من خلال التحكم فيها , و الإعتداء الجنسي على الأطفال و الرجال و النساء , حيث كان يتم إغتصاب النساء أمام أزواجهم و الأطفال أمام أبائهم , و هذه هي الديمقراطية الغربية التي تصدرها واشنطن إلى بلدان العالم العربي, كما رفعتها العديد من القنوات و الصحف و التسريبات التي تمت من داخل واشنطن نفسها .

إن أوكار و سجون الأنظمة العربية لا تقل إجراما عن المرجعية البوليسية الأميركية , لكن البون بينهما يتجلى في أمور عدة . فأميركا بلد ديمقراطي داخليا , لكنها تمارس تشبيحا إستراتجيا رهيبا خارج حدودها . أما الدول العربية فتمتهن البلطجة و الإرهاب في الداخل , و تذعن للسياسة الأميركية و تقبل بكل شروطها و أوامرها . إن الأنظمة العربية وريثة الإستعمار القديم , و هي أدوات تستعمل لإكمال مخططات التصفية و تنزيل مضامين إتفاقية سايكس - بيكو و مؤتمر برلين 1884 م .

لقد إتخذت واشنطن من أحداث 11 سبتمبر 2001 م , ذريعة للدخول في حربها الإنجيلية المقدسة , لتقويض دول عربية على رأسها العراق و سوريا , حيث دُمر فيها البشر و الحجر و الشجر و تم إنهاء معالم حضارة عمَّرت لقرون طويلة , ما يعتبر جريمة ضد الإنسانية و التاريخ .

بعد الحملة العسكرية الغربية ضد العراق و أفغانستان , و أمام حجم الإعتداءات التي طالت المواطنين,برزت حركات مسلحة أعلنت أن هدفها تحرير الأرض من المحتل الأميركي , فبدأ البيت الأبيض حربا سيمانتيكية و إعلامية واسعة , حيث وصف مجاميع المقاومين بالإرهابين , و هذا ما كان سيصرح به في حربه في الفيتنام وديمقراطيته التي أبادت مدينتي هيروشيما و نكازاكي . الإعلام العربي لم يخالف الإرادة الأميركية , حيث أطلق العنان للتجني و تلفيق التهم للمدنيين الذين يدافعون على أنفسهم, و اعتبر أن واشنطن ضحية تاَمر الجماعات المدنية الفقيرة التي ترفض أن تكون حيوانات تجارب في مختبرات الغرب . إن هذه المجاميع هي الفئة التي مازلت تملك مناعة طبيعية ضد الإستعمار و العبودية الحديثة . أما الأنظمة العربية بجيوشها و استخباراتها و أحزابها السياسية , فتظل بيادق بيد العم سام و حلفاءه .

إن حجم الجرائم التي ارتكبت في العراق وحده , تكفي لإدانة كل المتدخلين في سيادة هذا البلد العربي , الذي تم دكُّه بذرائع واهية , حينما زعمت أميركا أن العراق يحوز أسلحة دمار شامل , ثم تبين بعد ذلك أنه وقع خطأ في تقدير الأدلة و فراغات في تحليل المعطيات , ولم تعتذر واشنطن عن تدخلها الماغولي الذي أباد الأخضر و اليابس في بلاد النفط و الحضارة و التاريخ و العلوم و المعارف . إن غياب إستقلال حقيقي للدول العربية هو المعطى الذي منح الغرب الحق للتدخل في الشؤون الداخلية , ما أدى إلى غياب نمط حياة و إدارة وطنية مستقلة , حيث أصبحت الأنظمة العربية تحارب كل شيئ لا يسير على هوى الغرب و لا يلائم نمط عيشه. فالتواطئ الكبير الحاصل بين الكمبرادورية الداخلية و الدول الأجنبية ساهم في وأد أسس القبيلة و إرث الثقافة العربية و هدَّ القيم الدينية و حال دون قيام نهضة إسلامية أو تحقيق وحدة عربية .

لقد أضحى من المتعذر إخفاء معالم الحرب الباردة الأحادية الجانب, و هو الجانب الغربي, ضد كل ما هو إسلامي و عربي , حيث استُهدفت العراق التي كانت قوة عربية كبرى, ثم نعيش اليوم حربا أنهكت سوريا , حيث يتلاعب الغرب بأوراقه , ليطيل من مدة الحرب , حتى تدمر سوريا بأيدي السوريين , و هذا جيل جديد من الحروب , و في المحصلة ستأخذ إسرائيل الجولان و ستقدم الأراضي الجغرافية الباقية لمن يدخل في بيت الطاعة الصهيو- أميركية . و الأدهى في الأمر أن العرب مازالو يعقِدون الأمل على إجتماعات مجلس الأمن و الأمم المتحدة لإيجاد تسوية للقضايا العربية . إن كل ما يقع اليوم في العالم العربي هو تمهيد لقيام شرق أوسط جديد و مغرب عربي مكون من دويلات صغيرة لا تجمع بينها تحالفات أبدا , حيث ستكون كل دويلة تابعة لدولة غربية , فعودة العرب لإحتلال شبه جزيرة أيبيريا سيغدو أمرا مستحيل التحقق حتى على خشبات المسرح , التي ستمنعها حرية التعبير و التمثيل الغربية من تجسيد مشاهد مسرحية أو بروفات تحاكي الزمان الأموي في الأندلس و لا ريب في أن الذاكرة العربية ستفقد تحت الضغط الحاضر؛ تاريخ طارق بن زياد و موسى بن نصير .

إن التاريخ ليس طاهرا من التوسعات الإمبريالية و الغزو الأجنبي للدول , فإلى زمن قريب كانت جيوش النازيين في باريس , لكن التاريخ نفسه ليس معيارا مفصليا أو مرجعا يمكن الإستناد عليه لتبرير الإعتداءات و الحروب . فالمنتظم الدولي استطاع صياغة مفاهيم قانونية و إيجاد مؤسسات دولية كالمحكمة الدولية و مجلس الأمن للفصل في النزاعات , لكن اَلية إشتغالهما تشوبها غموضات كثيرة , تنذر بمصيرهما الذي يشبه عصبة الأمم .

فالولايات المتحدة الأميركية تحاول إخضاع العالم لهيمنتها و هي تعتمد في ذلك على أساليب حادة ,منها على سبيل المثال العقوبات الاقتصادية التي تستهدف اَنيا إيران , و هي أعمال ترقى لمستوى الجرائم ضد الإنسانية .

إن المجتمع الدولي مطالب اليوم بتعزيز مقتضيات حماية المدنيين أثناء الحرب , فالأرقام التي تنشر عن عدد المدنيين ضحايا التعذيب و الحروب , لا تمثل إلا الإجرام الشرعي أو الظاهر , وفي المقابل فإن الإجرام الفعلي أو الرقم الأسود سيكون صادما بالفعل . ولا فرق في ذلك بين أن يرتكب عن هذه الأفعال أفراد أو جماعات أو دول , فالإرهاب واحد متى توفر ركناه المادي و المعنوي و هذا ما يفرض دعم السلوك الإيجابي و الإشراط الإجرائي أو الإستثابي . أما أن تقدم واشنطن نفسها كضحية للإرهاب فهذه مداروة و أحابيل ميديائية , تجتر معها ماكيناتها و أدواتها العربية .