الديمقراطية والرأسمالية بين التناقض والترابط

رابح لونيسي
2020 / 12 / 25

لعل سيقول البعض إنطلاقا من قراءة بسيطة للعنوان بأننا نخلط بين نظام سياسي ونظام إقتصادي، فهذه النظرة هي جديدة بسبب محاولات الخطاب الرأسمالي الجديد بعد إنهيار المعسكر الشيوعي أن يفصل السياسة عن الإقتصاد، وهو ما يؤدي في الأخير إلى إبعاد أي تدخل للقرار السياسي في المجال الإقتصادي بدعوى ترك رجال المال يفعلون ما يريدون وعدم عرقلتهم، لكنهم في الحقيقة هم المتحكمون اليوم في كل القرارات السياسية، خاصة المتعلقة بالشأن الإقتصادي، ويريدون إخفاء ذلك بالفصل بين السياسي والإقتصادي، كما تم إستبعاد تدريس الإقتصاد السياسي حتى من بعض الجامعات كي لايتم إكتشاف وفهم آليات عمل الرأسمالية ومسؤوليتها في الإستغلال والفقر والبؤس الذي يعاني منه جزء كبير من الإنسانية.
فقد شاع في العالم بعد سقوط المعسكر الشيوعي فكرة إرتباط الديمقراطية بإقتصاد السوق الذي هو التعبير الناعم للرأسمالية، وقد روج المفكر الأمريكي ذو الأصل الياباني هذه الفكرة بقوة قائلا بنهاية التاريخ بعد ما يراه إنتصار هذا الثنائي ديمقراطية ورأسمالية على صعيد الأفكار والنموذج العالمي الذي يجب الإحتذاء به، وأنه يستحيل على الفكر البشري إنتاج أفضل من هذا النموذج، ويقول أنه لا يمكن نجاح الديمقراطية دون رأسمالية، لكن تبين فيما بعد بأن ليس من الضروري هذا الإرتباط الوثيق بين المبدأين، فقد أثبت مثلا الإقتصادي الفرنسي مارك فلورباييMarc Fleurbaey في كتابه "الراسمالية أم الديمقراطية-خيار القرن21-" إلى القول بأن الرأسمالية هي ضد الديمقراطية، وان إن أردنا تحقيق عدالة إجتماعية نسبية التي يستحيل تحقيقها بالمطلق يجب معاداة الرأسمالية التي هي نظام إستغلالي يخدم أقلية على حساب أغلبية سكان العالم، ويذهب أبعد عندما يناقش كل محاولات تحقيق المساواة والعدالة الإجتماعية بطرح سياسي هو الديمقراطية، أي بتعبير آخر أن الديمقراطية هي الطريق لتحقيق عدالة إجتماعية نسبية، ويقول انه هو خيار القرن21.
لكن السؤال المطروح هو أي ديمقراطية تحقق ذلك، فهل الديمقراطية القائمة في الغرب اليوم تحقهها فعلا، فقد تعرضت هذه الديمقراطية لعدة إنتقادات بسبب عجزها عن تحقيق العدالة الإجتماعية، فلا يخفى على أحد أن نشوء الديمقراطية في الغرب كان بهدف خدمة الطبقة البرجوازية وتحطيم طبقة النبلاء، ولهذا أقصيت من الممارسة السياسية في القرن 19م كل القوى التي تهدد مصالح البرجوازية، فمثلا لم يُسمح للعمال بحق التصويت في إنجلترا إلا في عام 1884 تحت ضغوط نقابات وتنظيمات عمالية وبعد تعهد هذه القوى بعدم المساس بالنظام الرأسمالي ومصالح الطبقات البرجوازية السائدة واحترام الحريات، والذي لا يعني في مفهوم الديمقراطية الغربية أنذاك إلا حرية الملكية والاستغلال والنشاط الاقتصادي دون حدود، وقد نظر إلى الحرية آنذاك كملكية خاصة فالأمريكي توماس جفرسون، والأنجليزي جون ستوارت مل... قالوا أن الحرية ملكية خاصة في ذاتها لابد من الحفاظ عليها ضد أية محاولة للمساس بها، ولو كانت من حكومة منتخبة من أغلبية الشعب... ولهذا فإن حق الانتخاب كان في بدايته للملاك فقط ، نعتقد أن الأسس الفكرية للديمقراطية في الغرب مستوحاة من ديمقراطية أثينا القديمة التي ما هي "إلا سيطرة 40 ألف مواطن حر مقابل 110 ألف من العبيد، ويساندهم السوفسطائيون الذين يصنعون الرأي العام، فيظهرون التافة عظيما والعظيم تافها بواسطة قوة الخطابة والكلام"-حسب المفكر الفرنسي روجي غارودي.
إن الارتباط الوثيق بين الديمقراطية والرأسمالية الاستغلالية في الغرب هو الذي جعل الماركسيون يعتبرون الدولة جهازا في يد الطبقة البرجوازية ضد البروليتاريا، كما لقيت الديمقراطية البرجوازية انتقادات من عدة مفكرين سياسيين كموسكا، وباريتو، وميسانز، وشمبيتر... وغيرهم، إلا أن الماركسيين حاولوا إعطاء البديل المتمثل في الديمقراطية الشعبية بمعنى دكتاتورية البروليتاريا عن طريق الحزب الشيوعي الذي يجسدها، والسوفيتات التي هي مجالس تمثل العمال والفلاحين والجنود، لكن نظام الحزب الواحد أدى إلى نتائج وخيمة لم ينتبه إليها منظرو الماركسية في حينها، حيث سمح بظهور برجوازية بيروقراطية استغلت مناصبها في الحزب والإدارة، مثلما قمعت الحريات، فانهار الإبداع العلمي والفني والفكري، لأن الحرية ضرورة حيوية لكل نشاطات الإنسان، وقد كان لليوناني كورنيليوس كاستورياديس Cornelius Castoriadis عملية السبق في فضح خطورة ظهور هذه البرجوازية البيروقراطية منذ نهاية أواخر أربعينيات القرن 20، فكانت مجلته الشهيرة "إشتراكية أو بارباريةSocialisme ou Barbarie " شهيرة بذلك، فقد ثبت اليوم معاناة روسيا من هذه الطبقة التي تشكلت من المتاجرين بالإشتراكية في العهد الشيوعي، لكنهم كانوا ينهبون ثروات الشعب بأساليب شتى، فهو نفس الأمر الذي وقع في كل هذه الدول، مما يثبت مرة أخرى أن الشعارات لامعنى لها، وأنه لايمكن إيقاف المتاجرة بها إلا بمؤسسات ديمقراطية حقيقة فعلية تحد من السلب والنهب لثروات الشعوب تحت أي شعار كان سواء كان الإسلام أو الإشتراكية أو الديمقراطية وغيرها، فلهذا يجب التفكير في آليات فعالة تمنع ذلك، لكن ثبت أن الأليات الديمقراطية المعروفة والمطبقة اليوم لا تف بذلك، إلا أن هذا لايمنعنا من القول بأن النظام الديمقراطي المطبق في الغرب اليوم هو احسن نظام مطبق عالميا لحد اليوم، لكن بإمكاننا تحسينه أكثر كي لايبقى رهينة مصالح طبقة برجوازية، فلنحوله إلى نظام يحقق أيضا العدالة الإجتماعية، ويخدم كل المجتمع بدل خدمته طبقات محدودة.
فبناء على ذلك كله، فإننا طرحنا في كتابنا "النظام البديل للإستبداد - تنظيم جديد للدولة والإقتصاد والمجتمع-" أين نطرح نظاما بديلا آخر مبنيا على إحترام الحريات الأساسية والربط الوثيق بين الديمقراطية والعدالة الإجتماعية الذي يجب أن لا ينفصمان عكس ما يحدث في الديمقراطيات الغربية اليوم .
وننطلق من مبدأ أساسي لأي نظام سياسي ناجح وفعال وهو أن التوازن والفصل بين كل السلطات والمؤسسات وتحديد صلاحياتها بدقة يعد عاملا رئيسيا في قيام دولة عادلة، فالدولة تشبه الكون أين كل طرف داخل الدولة والمجتمع يراقب الآخر، ويدفعه إلى العمل الجدي، ويمنعه من الطغيان، فلا تكون الدولة عادلة إلا إذا كانت على شاكلة النظام الكوني أين كل عنصر من عناصره وكواكبه تجذب بعضها بعضا، مما يحفظ توازنه وعدم إختلاله.
يعتقد الكثير أن أساس العملية الديمقراطية هي إنتخاب رئيس الدولة والنواب، ثم نفوض لهم الأمر في كل شيء، فنترك للرئيس المنتخب حقه الكامل في اختيار وزرائه ومساعديه، نعتقد أن عملية كهذه هي عملية انتخاب دكتاتور يقوم بما يريد في إطار صلاحياته، فالحل الأفضل في نظرنا هو انتخاب كل طاقم السلطة التنفيذية سواء على المستوى المركزي أو المحلي، ولهذا فعلى كل حزب سياسي أو تحالف أحزاب أو مواطنين تقديم قوائم حكومية مختلفة ينتخبها الشعب بالأغلبية المطلقة في دورين، فيكون الشعب قد اختار كل الطاقم الحكومي الذي يسير الحياة العامة لمدة معينة وببرنامج معين له أهداف محددة، وهو ما يدفع الرئيس المرشح إلى إختيار الأحسن والأكفأ ضمن طاقمه الحكومي المرشح لكسب الأصوات، وبذلك نحل مشكلة الحكومات الإئتلافية التي عادة ما تقع تحت طائلة الصراعات الحزبية بين مختلف الوزراء، مما يفقدها الفعالية نوعا ما، لكن لاتتوقف المسألة عند ذلك، بل يجب إخضاع هذه السلطة التنفيذية المنتخبة عن مدى تطبيق برنامجها وتحقيق أهدافها في نهاية العهدة من طرف أجهزة خاصة، فالانتخاب عملية عقد بين الناخب والمنتخب، وإلا تعرض الطاقم المنتخب وحزبه لعقوبة صارمة مثل إقصائه نهائيا من ممارسة العمل السياسي لأنه نقض العقد، إلا إذا قدم أسبابا موضوعية لعجزه في تحقيق وعوده، وبهذا ستكون البرامج السياسية واقعية وعلمية بدل الديماغوجية والكذب والميكيافيلية التي تستعمل كأدوات للوصول إلى السلطة.
لكن المشكلة الأساسية تتمثل في كيفية ضماننا عدم تحول هذه السلطة التنفيذية التي انتخبناها إلى خادمة لمصالح أوليغارشية بدل خدمة الشعب، خاصة المحرومين الذين ليس لديهم وسائل لإيصال مطالبهم وأصواتهم؟ وماهي الوسائل التي تضمن لنا رقابة شعبية صارمة على أعمال السلطة التنفيذية وممارساتها؟ وكيف نوفق بين الحفاظ على فعالية السلطة التنفيذية وإبقائها في نفس الوقت في خدمة مصالح كل شرائح المجتمع ومختلف فئاته المهنية دون استثناء بدل خدمة خدمة طبقة أو فئة أو شريحة معينة تحت غطاء القانون أو منطق ومصلحة الدولة وغيرها من الحجج والذرائع الواهية التي تستخدم للتغطية على ذلك.
لايمكن مراقبة كل الحكومة أو السلطة التنفيذية التي تنتخب مباشرة من طرف الشعب ببرلمان منتخب بالطرق السائدة اليوم، فهذه البرلمانات عادة ما نجد فيها فئات إجتماعية وشرائح مهنية دون أخرى، فبهذا الشكل لاتمثل كل مصالح الفئات الإجتماعية والمهنية الموجودة في المجتمع، ولهذا فالحكومة يجب أن تكون تحت رقابة برلمان مشكل من ممثلي مختلف مكونات الأمة والشرائح الاجتماعية والمهنية كالأطباء والمهندسين والأساتذة ورجال الأعمال وغيرهم، بل وحتى البطالين إن وجدوا في المجتمع، ويتم الانتخاب على هؤلاء الممثلين مباشرة من طرف الذين يمثلونهم –حسب عددهم ونسبتهم في المجتمع-، وليس عن طريق المؤتمرات كما يحدث اليوم لممثلي مختلف النقابات التي تحول بعضها إلى متحالفة مع المال، بل أصبحت تلعب دور كبح العمال عن المطالبة بحقوقهم أو المتاجرة بهم لتحقيق امتيازات وراء أخرى، وبتعبير آخر تصبح الدوائر الإنتخابية ليست المقاطعات كما يقع اليوم، وليست قيادات النقابات السائدة الآن، بل كل شريحة إجتماعية أو فئات مهنية تتحول إلى دائرة إنتخابية يتم بداخلها الإنتخاب الحر والنزيه على ممثليها.
فبذلك نكون قد صححنا خطأ فادحا وقعت فيه الديمقراطية في الغرب، خاصة فرنسا عند تطبيقها مبدأ جون جاك روسو "سيادة الأمة" عبر إنتخاب ممثليها الذين يقومون بعملية التشريع ووضع القوانين التي تعد أهم عملية في تقرير مصير المجتمعات لأن القوانين هي التي تصيغ مستقبلها، وتؤثر في مصالحها سواء بالسلب أو الإيجاب، فعند تطبيق هذا المبدأ بإنتخاب ممثلي الشعب تبين فيما بعد عدم تمثيل الكثير من الفئات الإجتماعية والمهنية، مما أدى إلى عدم وجود من يدافع عن مصالحها، وهو ما يتطلب اليوم تصحيح ذلك بتغيير الدوائر الإنتخابية من تقسيم جغرافي (ولايات أو عمالات ) إلى تقسيم إجتماعي وفئوي ومهني كما شرحناه آنفا، فيجد الجميع ممثلين لهم للدفاع عن مصالحهم في الهيئة التشريعية المتمثلة في البرلمان الذي نطلق عليه مصطلح "البرلمان الإجتماعي"
فتتحقق بذلك الرقابة المباشرة من طرف ممثلي كل المجتمع دون استثناء أية شريحة أو فئة مهنية منه على السلطة التنفيذية المنتخبة مثل أعضاء البرلمان، إلا أن قوة البرلمان تكمن في أنه يمثل كل الشعب أو المجتمع عكس الحكومة أو السلطة التنفيذية التي تمثل أغلبية مطلقة يمكن أن لا تتعدى في بعض الأحيان 51% من الشعب، مما يستدعي تقييد تصرفاتها بدقة، لأنه لا يمكن لـ 51% أن يفرض دكتاتورية على 49% المتبقين، ولهذا فإن للبرلمان رأيا قويا في القوانين التي تقترحها الحكومة، ولممثلي كل شريحة اجتماعية أو مهنية حق الفيتو ضد أي مشروع قانون مرتبط بها أو يمس مصالحها مباشرة، حتى ولو صادق عليه كل ممثلي الشرائح الاجتماعية الأخرى، وفي حالة تناقض مصلحة الدولة مع مصلحة شريحة أو فئة مهنية معينة من المجتمع أو وقع تناقض بين مصالح عدة فئات اجتماعية ومهنية حول مشروع قانون معين، فيمكن التفاوض بين الأطراف المختلفة والتنازل فيما بينها برضى كل الأطراف المتنازعة حول مشروع القانون، ومنها قانون المالية الذي هو في الحقيقة مجرد توزيع للريوع في الأنظمة الريعية التي تسود دول منطقتنا.
ولكي لا يتحول هؤلاء البرلمانيون إلى برجوازية تخدم مصالح خاصة، يمنع عليهم اكتساب أية امتيازات باستثناء الحصانة البرلمانية، مثلما يحدث اليوم في أغلب برلمانات العالم للأسف الشديد من خلال الأجور العاليةالمدفوعة لهم دون الحديث عن تحقيق غمتيازات ومصالح اخرى، فأصبح الوصول إلى سدة البرلمان معناه اكتساب امتيازات بدل ربط مصالح عضو البرلمان بمصالح الفئة الاجتماعية المهنية التي يمثلها، مما يجعله أكثر استماتة في الدفاع عن مصالحها لأنه دفاعا أيضا عن مصالحه الخاصة.
طبعا هذه بعض المؤسسات التي يجب إعادة النظر فيها لضمان قيام دولة تكون في خدمة كل فئات المجتمع بدل خدمة طبقات معينة كما يحدث اليوم في الديمقراطيات الغربية، لكن هذا لايكفي دون تعزيز مجتمعا مدنيا حرا ومستقلا يكون مبني على مراقبة كل أفراد المجتمع بعضهم بعضان مما يجعل كل واحد أو موظف يقوم بعمله على أحسن وجه خوفا من رقابة الجمعيات التي تدافع، وتحمي مصالح الذين يتعامل معهم، لكن يجب أن يتم ذلك كله في إطار قانون صارم ودقيق كي لايقع الظلم، وتستغل هذه الجمعيات لتصفية حسابات أو خدمة مصالح خاصة، ولا يمكن ضمان هذه الرقابة إلا بالسلطة الرابعة المتمثلة في الإعلام الذي يجب تحريره من نفوذ رجال المال والسلطة بميكانيزمات تقنية يكون على رأسها إنتخابهم لهيئة ممثلة لهم مع ضمان الحصانة لكل هؤلاء.
هذه مجرد خطوط وأفكار عامة لمشروع نظام ديمقراطي بديل يضمن بناء دولة تخدم كل فئات المجتمع، وتضمن الحريات الديمقراطية إلى جانب العدالة الإجتماعية، وقد فصلناها في العديد من كتبنا، وهي طبعا تحتاج إلى إجراءات تقنية كي توضع حيز التنفيذ، كما تحتاج إلى نقاش وإثراء لتطويرها أحسن.
ففي ضوء ذلك كله نريد أن نشير إلى هذا الشعار الذي رفعه الحراك الشعبي في الجزائر، وهو شعار "يتنحاو قاع" الذي بقي باهتا غير مفهوم، ولم يعرف أحد تحديد مضمونه، فبقي شعارا فارغا من أي محتوى عملي، وكأنه رغبة من البعض تحويله إلى دعوة لإفراغ مؤسسات الدولة من القمة إلى القاعدة من كل إطاراتها كي يأخذ هؤلاء مكانهم، فهو أمر مؤسف إتهام الجميع بالفساد، فقد حاولت من خلال عدة مقالات نشرتها في عدة صحف ومواقع، وبالأخص يومية الخبر الجزائرية(أنظر على سبيل المثال لا الحصر عدد 06جويلية2019 ) إعطائه محتوى إيجابي بناء إنطلاقا من النظام البديل للإستبداد الذي طرحناه، فقلنا مرارا بأن الرئيس بوتفليقة كان يمتلك صلاحيات أمبرطور، فيقوم بتعيين كل المسؤولين على أساس الجهوية والولاءات، وليس الكفاءة والنزاهة وبتأثير أطراف نافذة، فكان ذلك سببا في سوء التسيير، مما أضر بحياة الجزائريين، ولهذا نرى ضرورة العودة إلى مبدأ أساسي، ويكون شرطا لأي تغيير، وهو إنتخاب كل المسؤولين من أبسط مؤسسة إلى أعلاها، لكن وفق شروط الترشح للمناصب، فهذه العملية لايمكن تزويرها لأنها تتم داخل المؤسسات، والجميع يعرف الموظفين فيها، ويعرفون كلهم بعضهم بعضا، مما يصعب عملية تزوير الإنتخابات، فيتم بذلك تطهير الدولة من عناصر تعرقل كل مسار إصلاح اليوم ومن مسؤولين رديئين وغير نزيهين الذين تم تعيينهم من الفوق من قبل، وليس من القاعدة، فحتى الحكومة يجب إنتخابها كلها ضمن قائمة تضم الرئيس بكل وزرائه أثناء الرئاسيات، فيضطر الرئيس المترشح على وضع النزهاء والاكفاء في قائمة حكومته كي ينتخب عليه الشعب، إضافة إلى برنامجه الإنتخابي، فمن غير المعقول إنتخاب رئيس ثم نترك له الحرية أن يفعل مايريد، ويعين من يريد من وزراء ومسؤولين، أن قضية الإنتخاب على قائمة السلطة التنفيذية كاملة، قد سبق لنا أن شرحناها من قبل، وقد طرحناها بالتفصيل في النظام البديل الذي حددناه في كتابنا"النظام البديل للإستبداد-تنظيم جديد للدولة والإقتصاد والمجتمع".
طبعا يجب ان نقوم بذلك بكل حذر ورعاية توازن دقيق، فمثلا سلطة كبيرة جدا للعمال في المصانع والمؤسسات ولكل الشعب يمكن أن يعرقل المستثمرين، ولهذا يجب إقامة توازن دقيق لدرجة يمنع الإستغلال من جهة وأيضا يجب ان لايحد ذلك من حريات الإستثمار والمبادارات في المجال الإقتصادي وجلب المستثمرين، فالبناء الإقتصادي المنتج للثروة يحتاج إلى حريات أكبر أيضا للمستثمرين والتدافع والتنافس فيما بينهم، وهو ما يسمى بإقتصاد السوق الذي يحدده القانون الطبيعي العرض والطلب، فيجب أن لا تحد هذه الآليات الديمقراطية التي وضعناها حرية الإستثمار، فتطرد المستثمرين تحت أي ذريعة أو غطاء كان، فالإستثمار المنتج للثروة يحتاج إلى مناخ ملائم ومستقر ومربح للمستثمر، لكن يجب أيضا أن تعود فائدته كلها على المجتمع، فالإقتصاد يجب ان يكون في خدمة الإنسان ورفاهيته قبل كل شيء.