موقف لا مسؤول: أين كنا وأين أصبحنا!!

ماهر الشريف
2020 / 12 / 23

في مذكراته يصف الموسيقي واصف جوهرية المظاهرة الكبيرة التي شهدتها مدينة القدس بعد نشر تصريح بلفور المشؤوم في سنة 1918 من قبل بريطانيا، فيكتب: ابتدأت تلك المظاهرة "من داخل السور، على ما أظن، من مركز الجمعية الإسلامية المسيحية تحت قيادة المرحوم موسى كاظم باشا الحسيني، وخطب فيها كلّ من فخري النشاشيبي وصليبا الجوزي، من أعضاء النادي العربي، الذي تأسس في حزيران 1918 ليدافع عن استقلال الأمة، من شرفة فوق بنك الكريدي ليونيه ملك البطريركية الأرثوذكسية خارج باب الخليل"، وكان خطاباً "حماسياً سياسياً عانقا بعضهما بعضاً، وأشارا إلى ضم الصليب مع الهلال"، ما أظهر، بصورة جلية، للبريطانيين والصهيونيين "مدى عظم الأخوة الصادقة بين المسلمين والمسيحيين في هذه البلاد على الرغم من احتلالها من طرف بريطانيا بصفتها دولة مسيحية".

كما يصف جوهرية الهبة الشعبية التي شهدتها مدينة القدس بتاريخ 4 نيسان 1920، فيذكر أنها وقعت في "أحد الشعنينة لدى الطوائف المسيحية"، وهو اليوم الذي توافق مع "موسم النبي موسى" الذي يحتفل به المسلمون، إذ يجتمعون في المدينة في هذا اليوم، "لمرافقة حفل علم النبي موسى، ذلك الاحتفال المهيب الذي كان يحدث في ذلك الزمن، وهو عيد قومي لحفظ التوازن بين المسلمين والمسيحيين بالقدس". ويبيّن جوهرية، في موقع آخر من مذكراته، كيف أن "موسم النبي موسى" صار يتخذ، بعد الانتداب البريطاني، طابع العيد القومي، بحيث "إذا شاهدت موكب النبي موسى يأخذك العجب والدهشة لما تراه من تنظيم وتجمعات من أقطار المدن والقرى المحيطة بالقدس؛ جنوباً خليل الرحمن، وشمالاً نابلس، تكون مدينة القدس في أبهى العيد والبهجة والحماس السياسي ضد المستعمر والصهيونية لمدة أسبوع كامل؛ والجدير بالذكر أن هذا الأسبوع يقع في أسبوع الآلام لجميع الطوائف المسيحية بالقدس".

ويصف خليل السكاكيني من جانبه، في يومية بتاريخ 2 نيسان 1920، كيف أن موكب النبي موسى تحوّل إلى عيد وطني، فيشير إلى أنه صار الشبان "من كل البيوت يشتركون فيه بثيابهم الرسمية"، وجعلوا له "غرضاً جديداً، وهو إثارة العاطفة الوطنية ومقاومة الحركة الصهيونية، ومن جملة الأهازيج التي تغنى بها الشبان هذه السنة هذه الأهازيج "صهيوني خد ربعك وسير، هذه البلاد بلادنا". ويتابع السكاكيني بعد أيام، في يوميات لاحقة، تعليقه على الصدامات التي وقعت في 4 و5 نيسان في القدس بين العرب واليهود؛ فيظهر كيف أن تلك الصدامات أثارتها بواعث قومية، ذلك أن الأعياد الإسلامية والمسيحية كانت "قبل اليوم أعياداً دينية، ولكن في السنة الماضية وهذه السنة ظهرت الأعياد أعياداً قومية؛ ففي الاحتفال بنزول العلم إلى النبي موسى وصعوده، ظهر الناس بمظهر المحتجين على اليهود، المقاومين للمهاجرة الصهيونية، وكانت المواكب تنشد "صهيوني خود ربعك وسير هذه البلاد بلادنا"، واليوم ظهر على حفلة المسيحيين بظهور النور مظهر القومية، فقد جعل المسيحيون يقولون : "يا مار جريس على القبر صلينا، نحن العرب والسيوف في أيدينا"، بدلاً من قولهم: "نحن النصارى والشموع في أيدينا".

هذا كان حالنا في مطلع العقد الثالث من القرن العشرين، فما هو حالنا، أو بالأحرى حال بعضنا اليوم، في مطلع العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين؟

في 15 كانون الأول الجاري، أصدر وكيل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في قطاع غزة، الخاضع لسيطرة حركة حماس، بلاغاً بعنوان: "فعاليات الإدارة العامة للوعظ والإرشاد للحد من التفاعل مع الكريسماس"، يدعو فيه إلى تجنيد دوائر الوزارة ودوائر وزارات الإعلام والداخلية والاقتصاد لتحقيق هذه الغاية، وذلك بدلاً من دعوة المسلمين في القطاع إلى التفاعل مع إخوانهم في الوطنية والقومية من المسيحيين، الذين لم يعد عددهم في غزة يتجاوز الـ 1300 شخص، لدى احتفالهم بعيد ميلاد السيد المسيح، وتوظيف وسائل الإعلام لتوعية سكان القطاع بأهمية الحفاظ على هذا المكوّن الشعبي وبذل كل الجهود للحؤول دون استمرار هجرته وتناقص أعداده في القطاع وفي فلسطين عموماً، وذلك لأن الحفاظ على التنوع الديني في المجتمع الفلسطيني هو عامل قوة له، ولأن الفلسطينيين المسيحيين اضطلعوا، وما زالوا، بدور بالغ الأهمية في النهضة الفكرية والتربوية وفي نضال الشعب الفلسطيني ضد الاستعمار والصهيونية.

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير