دلالة حكم البراءه والدوله الدينيه العميقه

رفعت عوض الله
2020 / 12 / 21

دلالة حكم البراءه والدولة الدينية العميقة
في قرية بائسة من قري محافظة المنيا وهي المحافظة الاشد فقرا ، وايضا الاكثر نشاطا للسلفيين والاخوان ..تلك القرية تدعي قرية الكرم ، بها مصريون مسلمون ، ومصريون مسيحيون ..القاسم المشترك بساطة حياتهم ، وتغلغل الفقر ، والجهل ، وسيطرة من يتولون امور الدين .
في سنة 2016 اراد تاجر بسيط من مسلمي القرية إزاحة منافس له في التجارة من جيرانه المسيحيين فأشاع ان هناك علاقة أثمة بين طليقته وخصمه التاجر الشاب المسيحي . انتشر الخبر بالقرية انتشار النار في الهشيم .. وكان متوقعا ومنتظرا ان تثور ثائرة القرويين المسلمين ، فكيف لنصراني مشرك ان يقيم علاقة مع مسلمة موحدة ، فهاجوا وماجوا ، والهب غضبهم بعض من يتولون امرهم الديني في المسجد ، فخرجوا قاصدين بيت النصراني ومنطقيا انهم اعملوا كالعادة الحرق والاتلاف والتدمير والسلب في بيوت النصاري المشركين ، وبحثوا عن الشاب المسيحي صاحب الفعل الآثم فلم يجدوه ، فامسكوا بأمه العجوز ، ومزقوا ثيابها ، وجروها عارية في الشارع المكتظ بالقرويين الغاضبين الثائرين ، فكا ن الامر مذلا ومهينا لابعد حد .
جاءت الشرطة ، وتقدم المتضررون ببلاغ ، وتمت تحقيقات علي مستوي الشرطة والنيابة العامة دون القاء القبض علي الجناة ، وتحدد موعد لمحاكمة الجناة ، وصدر حكم غيابي علي الجناة الثلاثة بعشر سنوات سجن ...ولما ظل الجناة طلقاء استأنف دفاع السيدة المجني عليها الحكم ولكن للاسف القضاة في مرتين متتالتين تنحوا عن نظر القضية استشعارا للحرج... وهنا السؤال هل في نظر قضية بها طرف جاني بصورة فجة وقحة وطرف مسكين مجني عليه ، الجريمة بحقه سلبته كرامته واظهرته ذليلا ما يدفع القاضي للتنحي لشعوره بالحرج ؟ القاضي منوط به تطبيق القانون الذي يردع امثال اولئك الجناة . القاضي عليه ان يصدر حكما يرد الكرامة المسلوبة لهذه السيدة المسكينة !..والادهي ان رئيس البلاد علق علي تلك الجريمة فيه قدم اعتذارا للسيدة المهانة ، وكل المصريات وشدد علي ان "الغلطان لازم يتحاسب " ورغم كل هذا ، ورغم هيبة الرئيس إلا ان القضاة استشعروا الحرج ، وكأنهم اذا نظروا القضية سوف يرتكبون خطأ !
الخميس الماضي 17دسمبر اصدر القاضي الذي كان ينظر القضية حكما تاريخيا بتبرئة الجناة الثلاث ، وغالبا الحكم استند علي ان السبب الذي استند عليه القضاة حين يكون الجناة مسلمين والمجني عليهم مسيحيون ، كما حدث في قضية الكشح الشهيرة والتي راح ضحيتها 21 مسيحيا القاضي حكم ببراءة الجناة المسلمين استنادا لعدم كفاية الادلة ، وكأن المجني عليهم قتلوا انفسهم او قوة غيبية ازهقت ارواحهم .
الملحوظ ان هذا نهج متبع ، ففي كل عدوان علي بسطاء المسيحيين تدعوالاجهزة التنفيذية والامنية لعقد جلسة صلح فيها يتجاور الجناة والمجني عليهم ، وتفرض علي المجني عليهم شروط اذعان واذلال وعسف ، في عصف بالدولة المدنية وسيادة القانون .
في ظني ان الامر راجع لتفشي مفاهيم الاصولية الدينية الاسلامية وهيمنتها لا علي البسطاء فقط ولكن علي قطاعات واسعة وذات تأثير وحيثية في المجتمع المصري .
في العقل الجمعي المصري المسلم ، بديهيات ومسلمات منها : ان الاسلام يعلو ولا يعلي عليه .. وان ابتغاء غير الاسلام دينا امر مرفوض من قبل الله ..وانه لا يتساوي المسلم وغير المسلم ..وان المسيحيين ان لم يكونوا كفارا فهم مشركون يعبدون المسيح ويؤلهونه رغم انه بنظر الاسلام رسول ونبي .
كل هذه البديهيات تجد دائما تغذية من قبل الشيوخ والوعاظ وايضا المدرسة وخاصة في حصص التربية الدينية ، فضلا عن التمييز العام ضد المصريين المسيحيين والذي تمارسه الدولة فليس هناك من شخصيات مسيحية في قيادة الجيش ، ولا المخابرات ، ويقتصر وجود المصريين المسيحيين علي وزيرين في وزارات ثانوية ، وكذا الحال في رؤساء الجامعات وعمداء الكليات والمحافظين ..فهناك تهميش مقصود للمسيحيين في المجال المصري العام .
في ظني ان هذا يدعم التوجهات الاصولية الحاكمة للعقل الجمعي المصري المسلم .
في ظل سيادة هذه الروح انتشر المؤمنون بتلك العقيدة وتلك الافكار في بنية المجتمع المصري ، لذا تجدهم يحددون ما يرونه مناسبا للتعامل مع القضايا ذات الصبغة الطائفية بحيث تتوافق مع نزعتهم الاصولية والتي تسعي للنيل من شركائهم في الوطن والعمل بدأب علي ان يظلوا مهضومي الحقوق .. العلمانية تحررنا من كل هذا الشر والظلام وتبني دولة ومجتمع المواطنين المتساوين امام الدولة والقانون .

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير