ماذا يعني زيادة اقبال العراق على الأقتراض ؟

عادل عبد الزهرة شبيب
2020 / 12 / 20

د خلت ديون العراق مرحلة الخطر لكون ديونه قد بلغت 63,8 مليار دولار من الناتج المحلي الاجمالي, واشار تقرير لصندوق النقد الدولي بأن مجموع الدين العام ارتفع من 32 في المائة الى اكثر من 60 في المائة من اجمالي الناتج المحلي للفترة من 2014 – 2016 في ظل اعتماد الاقتصاد العراقي على انتاج وتصدير النفط الخام الذي انخفضت أسعاره وتهميش القطاعات الانتاجية غير النفطية كالصناعة والزراعة والسياحة والتعدين والنقل وغيرها. وبحسب دراسة للبنك الدولي فإن الدين العراقي يشكل نسبة 70 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي لعام 2016 , بينما كان 56 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي لعام 2015. هذا الوضع الذي يتميز بزيادة اقبال العراق على الاقتراض ناجم عن المرحلة الصعبة التي يمر بها البلد بسبب سوء الادارة وتفشي الفساد المالي والاداري في معظم اجهزة الدولة والذي اصبح ميزة تميز كبار الموظفين من وزراء ومحافظين ورؤساء مجالس محافظات وغيرهم اضافة الى الاشكالات السياسية والازمات المتواصلة منذ التغيير في 2003 والى اليوم, الى جانب عدم توفر الأطر التشريعية اللازمة والناتجة عن عدم توفر رؤية واضحة لبناء الدولة حيث الاهتمام بالمصالح الطائفية والحزبية الضيقة والاعتماد على نظام المحاصصة المقيت, ما ادى الى تفاقم الأزمات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي صاحبت ازمة انخفاض اسعار النفط في الاسواق العالمية, وكذلك عدم ادراك القوى المتنفذة لطبيعة المرحلة واكتفاؤهم بالنظر لمصالحهم ومكتسباتهم التي حققوها بعد التغيير بمساعدة الأمريكان متجاهلين احتجاجات المواطنين ومطالبهم المشروعة. وما زال الوضع الأمني هشا في معظم مناطق العراق حيث انتشار مظاهر الجريمة وانتشار الاسلحة خارج اطار الدولة وسيادة القانون العشائري واتساع جرائم الخطف والاغتيال خصوصا بين الكوادر العلمية والطبية وغيرها.
وتؤشر الوقائع ضعف الاجراءات الحكومية لفرض الأمن والاستقرار وسلطة القانون ومعالجة الأوضاع الاقتصادية السلبية. وفي ظل هذه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتأزمة وغير المستقرة اقدمت الحكومة كجزء من جهودها لتقليل عجز الموازنة العامة للدولة بالتوجه الى الاقتراض والاتفاق مع المؤسسات المالية الرأسمالية الدولية وفي مقدمتها صندوق النقد والبنك الدوليين للحصول على القروض وبمباركة الجانب الامريكي. حتى ان مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2021 تضمن في كثير من فقراته التأكيد على الاستمرار في الاقتراض الخارجي .
ان المراقب للنشاط الاقتصادي العراقي يلاحظ انكماش هذا النشاط وتراجعه وخاصة النشاط الاقتصادي غير النفطي بفعل انخفاض الانفاق الرأسمالي بعد تراجع ايرادات النفط بسبب تفشي وباء كورونا .
سبق وان توقع صندوق النقد الدولي ان يكون نمو الاقتصاد العراقي لعام 2017 محدودا بسبب التزام العراق باتفاق اوبك لخفض انتاج الاعضاء في المنظمة من النفط الخام وبنسبة (1,5 في المائة) وما يزال هذا الالتزام قائما لغاية الان في نهاية عام 2020.
في ظل كل هذه الاوضاع السلبية فإن العراق يحتاج الى تنمية وتنشيط الصناعة والزراعة والاستثمار المحلي مع تقليل الامتيازات لكبار الموظفين والدرجات الوظيفية العالية من اجل التمكن من ايفاء الدين وان لا يتحول الى حجم يفوق طاقة السداد . ولا اعتقد ان الحكومة ستفعل ذلك في الوقت الراهن, بل انها ومؤسساتها التشريعية والقضائية تسعى جاهدة الى تأبيد نفسها بالحكم والتمسك بشدة بالمكاسب والامتيازات وهذا ما لاحظناه مؤخرا من خلال التصويت على قانون الانتخابات بدوائره المتعددة الذي يكرس الطائفية والعشائرية وقوة السلاح , بهدف تهميش القوى الوطنية الاخرى.
عادة تلجأ الدول الى الاقتراض سواء داخليا او خارجيا عندما تعجز عن توفير الايرادات ولكن هذه الديون تشكل ازمة عندما تفشل الحكومة في خدمة ديونها المقومة بالعملات الاجنبية لعدم قدرتها على تدبير العملات اللازمة لسداد الالتزامات المستحقة عليها بموجب هذه الديون. وفي حالة عدم السداد فان ذلك سيؤدي الى فقدان المستثمرين في الاسواق الدولية الثقة بها وتجنبهم التعامل معها وسيتم سحب الاستثمارات من الدولة المدينة.
ان بلوغ الديون العراقية نسبة تزيد على مجموع الناتج المحلي الاجمالي يعد مشكلة خطيرة تهدد الاقتصاد العراقي في ظل سعي البلدان الصناعية المتقدمة لإغراق البلاد بالقروض لتوريط البلد بمديونية ثقيلة وايقاعه في فخ المديونية التي تعتبر منفذا للتسلل الى البلاد والتدخل في شؤونها, كما يفعل صندوق النقد والبنك الدوليين اليوم بفرض اجندتهما على العراق.
ان ارتفاع الدين ومعدلات الفائدة له تأثير كبير على الاقتصاد على المدى الطويل, اذ قد تواجه الحكومة صعوبة في التسديد بسبب انخفاض الموارد المالية المرتبطة اساسا بمبيعات النفط الخام ذات الاسعار المنخفضة حيث ان الحكومة تركز على سداد ديونها وليس على الاستثمار في مشاريع اقتصادية تخدم مصلحة الدولة والمجتمع.
يتم قياس درجة المخاطر في اقتصاد معين عن طريق مقارنة الدين بالناتج المحلي الاجمالي لهذه الدولة حيث يستخدم الناتج المحلي الاجمالي كمؤشر لصحة الاقتصاد ومدى امكانية الدولة من سداد ديونها. ويعتبر الدين خطيرا عند وصوله الى الناتج المحلي الاجمالي في الدول النامية الى نحو 70 في المائة وفي الدول المتقدمة الى 90 في المائة اذ ان معدلات الدين المرتفعة لها تأثير كبير على الاقتصاد.
طالما ان موارد العراق من النقد الاجنبي محدودة وغير مستقرة بسبب السياسة الخاطئة للحكومة وانخفاض اسعار النفط, فإن خدمة القروض الخارجية تمثل عبئا على حصيلتنا من النقد الاجنبي وضغطا على سعر صرف الدينار العراقي. وان التوسع في الديون الخارجية ثم العجز عن السداد سيدفع بالعراق الى اعادة الجدولة من الدول الدائنة وبالتالي الوقوع تحت شروط صندوق النقد الدولي والتي ستسفر عن تفكيك البنية الانتاجية للعراق وتحويل البلاد الى دولة مستوردة لكل شيء ومعتمدة تماما على الخارج. لذلك يجب الا نقع في تلك المصيدة والتعامل مع الاقتراض الخارجي بميزان حساس آخذين بالاعتبار قدرتنا على السداد بما يتطلب ذلك من طول اجل القروض وانخفاض التكلفة وتوجيه التمويل الى المشروعات التي تدعم قدرتنا على النمو وتوليد عائد يكفل سداد المديونية.
وبهذا الصدد فقد تناول برنامج الحزب الشيوعي العراقي الذي اقره المؤتمر الوطني العاشر للحزب (1-3) كانون الاول 2016 موضوع المديونية الخارجية مؤكدا على العمل من اجل:-
• ((دعم الجهود الرامية الى الغاء اعلى نسبة مما تبقى من الديون الخارجية والتعويضات المالية المترتبة على العراق نتيجة الحروب التي خاضها النظام المباد واعادة جدولتها .
• مقاومة ضغوط المؤسسات النقدية والمالية الدولية لفرض برنامج وشروط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي الرامية الى اعادة الهيكلة وتطبيق الاصلاحات الاقتصادية الليبرالية الاخرى , كرفع الدعم عن سلع اساسية والغاء البطاقة التموينية وتحرير التجارة . ))
• كما اكدت الوثيقة ايضا على ضمان توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الانتاجية وفقا للاحتياجات التنموية وبما يحول دون التحكم بالثروات الوطنية.
• ويؤكد الحزب ايضا على تطوير القطاع النفطي والاستخراجي وانتاج الطاقة الكهربائية وضمان دعم الدولة للمشاريع الصناعية ذات المكون التكنولوجي العالي والمتطلبات التمويلية الكبيرة وذات الاهمية الاستراتيجية وتطوير الزراعة واعادة النظر في قوانينها والاهتمام بالسياحة كمورد مالي مهم .
• كما اشار التقرير السياسي للحزب الشيوعي العراقي الى مسألة ارتفاع الدين العام الذي بلغ اكثر من 60في المائة من الناتج المحلي الاجمالي ولجوء العراق الى الاقتراض من صندوق النقد الدولي مقابل سلسلة من السياسات الاقتصادية والمالية التي تلتزم بها الحكومة العراقية على مدى السنوات الثلاث القادمة والتي تشكل اعباء معيشية اضافية على المواطنين وستكون ثقيلة على الكادحين وذوي الدخول الواطئة والشرائح الوسطى في المجتمع. وشخص التقرير الى ان سياسة صندوق النقد الدولي تهدف الى تكريس الطابع الريعي للاقتصاد ذلك ان القطاعات الانتاجية يصعب ان تجد الموارد اللازمة لنموها لدى القطاع الخاص المحلي الضعيف والمحاصر بالروتين والفساد وسوء الادارة او في الاستثمارات الاجنبية التي تمتنع عن القدوم الى العراق بسبب غياب البيئة الملائمة الجاذبة .))
ويؤكد الحزب ايضا على ضرورة التخلص من الطابع الريعي الاستهلاكي الاستيرادي وتنويع مصادر الدخل القومي وان تلعب الدولة دورا اقتصاديا فاعلا ومؤثرا انتاجا وتحفيزا وتنظيما ضروريا لتوفير شروط اعادة تنشيط قطاع الصناعة التحويلية والزراعة وحماية المنتج المحلي وتوفير التمويل الضروري وتحقيق الشراكات مع القطاع الخاص المحلي والاجنبي لتحديث الشركات المملوكة للدولة وتوسيع القاعدة الانتاجية وتنويعها .