متى يلتهم التنين الصيني الطائر العنزة الأمريكية العجوز

هاله ابوليل
2020 / 12 / 18

في كتاب " دبلوماسية القوة الناعمة " للدكتور ليو شين لو يتحدث عن مفاتيح لفهم العلاقات الصينية العربية وفيه سرد لما قامت فيه الصين في دعم البلاد العربية وحركات تحررها مقابل الدبلوماسية الروسية والانكليزية والفرنسية واليابانية وغيرها .
ودبلوماسية الكتاب بصورة أو بأخرى ليست سوى محاولة لإظهار انجازات الصين كقوة داعمة ناعمة للوطن العربي .
ويشير الى وقوفها ومساندة مصر في قرارها تأميم قناة السويس و حرب العدوان الثلاثي وكيف ايدت استخدام سلاح البترول لتلك الدول المهيمنة, وكيف كانت ترسل شحنات قمح لمصر أيام العدوان الثلاثي وغيرها من الدول العربية وقد استطاعت الصين بانفراد قرارها بعيدا عن تعصب الامريكان باتجاه دولة الكيان لضمان امن مستعمرتهم الناشئة رقم 51 من الولايات المتحدة في الشرق الاوسط وقد استطاعت الصين ان تنفرد بقراراتها بالوقوف مع قضايا العرب المصيرية .
وفي الكتاب تباشير خافتة الى اقتراب التنين الصيني للتحكم بالعالم بعد نفاذ آخر شعاع من ديمقراطية امريكا التي تنجر وتسوّق لا اراديا مخالفة كل بروتوكولات الدبلوماسية الحكيمة باتجاه احياء الحبل السري الذي يجمعها مع دولة الكيان الصهيوني الذي قسمت بوجوده السرطاني جناحي النسر العربي وقضت على احلامه بالوحدة والزعامة العالمية وتعارض حتى انشاء سوق عربية مشتركة لأن ذلك كفيل بسرقة البساط من تحتها . لقد صنعوا هذا الكيان الهجين لإحباط أي امل لقيادة العالم من حيث ان دولنا العربية متماسكة باللغة والدين والتاريخ المشترك وتسبح فوق اكبر نهر بترولي في العالم مما يجعلها اقوى دولة في العالم لو اتحدت . وماتزال تفقد امريكا من رصيدها الحضاري طالما مازالت تدعم انظمة قمعية ديكتاتورية تبتزها ماليا ,وما تزال تموّل حركات جهادية ارهابية لخدمة مصالحها .
ان هذا السقوط الاخلاقي لما اسسه الآباء الأولين من حكام امريكا بدأ ينطفأ وكان أخر شراراته انتخاب الرئيس ترمب – وهو مجرد مقاول وبائع عقارات لا يؤمن بعالمية امريكا وقوتها ما هو الا شيخوخة امريكا التي تقترب من الموت, ولا نقصد بالشيخوخة هنا الاعمار بل الافعال , فرئيس دولة من طراز مهرج مثل ترمب ,لا يؤمن بوطن يتسع للجميع ,و يحارب اللاجئين وينكل بهم و يبنى اسوار مع جيرانه , وحتى أنه الغى ما يسمى بالحلم الامريكي وهو خيال يضاجع خيال المتعثرين في الحياة بولادة طفلهم في امريكا للحصول على جنسيتها ,رغم انه هو نفسه ابن لاجىء قديم .كل ما حدث في امريكا من تصدع في بنيتها الثقافية والاجتماعية ,كل ذلك يسير بخطى ثابتة نحو انهيار امريكا الحتمي واستبدالها بقوة اخرى تسمى التنين الصيني ,وكانت جميعها تبشر بأفول امريكا كقوة عظمى وحلول الصين بدلا عنها
ولكن هل يوجد بديل لحلول قوة عظمى غير الصين لأسباب سنذكرها لاحقا .
لو استعرضنا الخيارات سنجد أن روسيا كدولة نصف قطع اراضيها الشمالية متجمدة وثقافتها ماتزال تائهة بين انظمة الفاشية و اللينية والماركسية والثورات والجيش الأحمر كلها اصبحت مرفوضة من عالم المستقبل الآتي ان البحث عن بديل يحتاج الى منظومة يتقبلها الجميع تحقق فردية الانسان و مستقبل المجتمع الرائد بدون نقصان أو زيادة لكلاهما ولكن باستطاعة روسيا ان تكون رقما صعبا في حروب الطاقة فهي لا تحتاج للدبلوماسية الناعمة في تعاملها مع العرب لحاجتها للنفط فلديها اكتفاء ذاتي بالنفط والغاز ,ومسعاها في التعامل مع الحرب منبعه تحقيق توازن بين كفتي الميزان فهي احد اعضاء دول الفيتو والتي بقرار رفض منها قد تغيّر سياسة عالمية اتجاه أي دولة .
فهي وان كانت تستغل ذلك النفوذ كانت لتصبح اقوى دولة في العالم لو لم يفككها غورباتشوف .فالحقبة السوفياتية شهدت عصورا ذهبية في تحقيق توازن قوى الصراع العالمي . هذا عوضا عن ان الاستقطاب المجتمعي لروسيا وتبنّيها( البروليتارليا) التي انهزمت في اعقاب التفكك مقابل الاستقطاب الفردي لأمريكا (الرأسمالية) جعل العالم ينوء بمشاكلهم ,فكيف نحقق للفرد ذاتيته المستقلة وللمجتمع ازدهاره وتقدمه بدون تغول لكلاهما على الآخر .
أما فرنسا الصغيرة بحدودها -ذات الستين مليون من البشر المستقلين والرفاهية الباريسية , فهؤلاء لا يمكن لهم تدليع سكان الكرة الأرضية, فيما لو حكموا العالم ,فالتجربة الفرنسية التي تتشدق بحقوق الانسان وحرية التعبير اصدرت مرسوم يعاقب من يتعرض للرئيس بالسجن !
فأين حقوق الإنسان عنها ,وهذا مثال عن التناقض بين ما تشيعه الصحف عن بلاد الباستيل التي تحررت ولم تتحرر فعليا .ولا اعتقد ان مجرد اعلان حقوق الإنسان على اشهر ابراجها يحولها لدولة تقود البشرية .ولكن يعجبني اصرارها أن تظل دولة لها كلمتها ونفوذها في المحافل الدولية .
أما بريطانيا المثخنة بملحقات الملكية و التاج البريطاني والشمس التي لا تغرب عن مستعمراتها و احلام مستعمراتها البائدة في ذلك الزمان بالتحرر جميعهم اصبحوا دولا انفتحت وعاصرت وخاضت تجارب التغيير والثورات ضد الاستعمار , ولن يقبل أي منهم ان يعود الى حظيرة الانكليز الفارغة من الاحصنة والجياد العريقة التي كانت تبهر الأعين ,فالملكية التي يحبونها الآن في طريقها للتقهقر .وستكون بعد مائة عام من الآن من الروايات الخيالية التي تروى للصغار قبل النوم . وحتى العالم جميعه لن ينسى كرهه لتلك الجزيرة القصية والمغرورة التي تربعت لمئات السنين واحتلت نصف الأرض وسرقت ثرواتها .

اما باقي الدول فأما صغيرة أو محايدة أو ضعيفة أو فاشلة واذا ما فكرنا باستراليا كقارة محتملة نظرا لوحدة اراضيها ومساحتها الشبيه بامريكا , قد يكون لها مستقبل بعد 300 سنة وخاصة اذا ما اعتمدت عناصر القوة الجالبة للقيادة مثل الاقتصاد القوي وامتلاك السلاح الذري والنووي, فقط عندها يمكن أن تنافس بامتلاك القوة والزعامة ,ولكنها حاليا ليست حتى بوضع المقارنة فهي مازالت قارة بعيدة وقصيّة وتتسول المهاجرين لتملأ ارضها الفارغة, وتستعين بالكنغر لزيارة بلادها كسياحة .
اما امريكا الجنوبية, فاختلاط سكانها واختلاف لغاتها وتحكم وخنقها من القوى العظمى لسنوات بالفقر والتهميش والحروب , ومنع كل اسباب قوتها ووحدتها ,سيجعلها قارة ترفد الإنسانية بالفنون والآداب على ما يبدو .
سوف تكون قارة البهجة و الثقافة والمباريات ورقصات التانغو الارجنتينية وروايات كولومبيا واشعار تشيلي والمكسيك .
وبذلك نجد أن هذا العالم لم يتبقى لقيادته - بعد اندحار امريكا الحتمي الا بسطوع شمس الصين التي ستفرد جناحي التنين على كامل الكرة الأرضية .
الصين التي تخطى عدد سكانها المليار وبضع ملايين من سبع مليارات هم عدد سكان الأرض, يجعلها الأكثر احتمالية لقيادة العالم خلال الخمسين سنة القادمة اذا بقيت على نفس هذا النمو السريع لها ,
هذه الدولة ليست سور الصين العظيم ولا معقل للفلسفة الكونفوشيوسية فقط بل هي اكبر قوة اقتصادية في العالم وتمتلك خزانة الزر النووي مؤهلة للترشح بقوة رغم ان ملايين من سكانها لا زالوا يجهلون اسماء القرى التي فيها بلادهم واغلبهم مزارعي ذرة فقراء , حتى الصيني الذي فاز بنوبل" مو يان "اسماء رواياته ؛الضفدع ,الذرة الرفيعة الحمراء ,جمهورية النبيذ اغنيات الثوم وخطة فول الصويا وكلها خطط وهي اصبحت لروايات لم تخرج من المزرعة ,والقرية التي يعيشها الصينيون .
فالصين دولة قروية ومنعزلة رغم امتلاكها للقوة الذرية والاقتصادية ولكن ذلك المليار صيني الذين لا يعرفون عن العالم الخارجي الا ما يعرفه القروي عن قريته ,فاللغة الصينية غير مشهورة ولا توجد من يروج لها ولا توجد ترجمة لأدبياتها و لا توجد صناعة سينمائية منتشرة لها , وهذا يفقرها ويجعلها قصيّة وبعيدة مع العزوف عن ترويج لغتها في العالم ,وأن كان هذا له معنى آخر بعيدا عن الاحتكارية المعرفية والثقافية ,فسنجد ان الصين قد ترغب في ايجاد اسواق استهلاكية لمنتجاتها اكثر من أن تقوم بدور الشرطي الأوحد للعالم ,
وهل ستصبح الزعامة العالمية ذات قوة ناعمة لا دخل لها بالحقوق البشرية ولا بالنزاعات القائمة ولا حل الخلافات بين الدول, فلا شرطي للعالم في الحقبة التنينية, وهذا له جانبان الكل يعرفهم , ولكن ما أود ختامه ,ان الصين لم تخرج عن عباءة الرعي و الزراعة لتدخل العولمة من باب اطلاق زيارات القمر والقنابل الذرية والنووية وحروب الفضاء بدون الدخول في سلسلة الحاضر من حيث الاندماج و الانصهار مع الشعوب العالمية ,في حين راينا كيف كان الأمريكي نزع قبعة الامبريالية الإستحواذية لبعض لوقت لكي يقايض الآخرين بمصالحه ,مقابل شحنات من القمح يوزعها على الدول الفقيرة .ليحصل على ولائها,

ولكن الصين وحتى وقتنا هذا لم تروج لثقافتها ولم تفرض لغتها ولم توزع أرزها ولم نرى لها مسلسلات قوية ولا افلام عالمية تستطيع أن تستحوذ على احلام الشباب ولا يوجد الآلآف يصطفون على سفاراتها لتقديم طلب الهجرة اليها !!
ومع ذلك , لابد ان زمن التنين سيكون مبهرا حيث تغطي السماء سحب الغبار ,وربما سيكون باردا نوعا ما, فلن تحدث في عهده حروب, فالتنين الصيني لن ينفث نارا في المواسم الجديدة من افلام هاري بوتر.

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي