أخطاء القرآن وأثرها في تحريف ترجماته -ترجمة النرويجي بيرغ نموذجا- الجزء السادس: تحريف أخطاء الالتفات -10-

عبدالإلاه خالي
2020 / 12 / 18

ثالثا: تحريف الالتفات الزمني:
التحول من زمن إلى زمن التفاتٌ شاعَ في القرآن لدرجة اضطر معه نحاة العربية إلى الاختباء خلف قاعدة بديهية في جميع اللغات، وهي القاعدة التي تفيد أن الزمن الحقيقي للفعل يتحدد بالسياق، وليس بالزمن الصَّرْفِيِّ الظاهر في بنية الفعل.

🔅 البقرة 87:
﴿..أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾
تتضمن الآية التفاتا في زمن فِعْلٍ لنفس الفاعل، فبينما كانت بِنيتُه ماضيةً ( استكبرتُم، كذَّبتُم )، إذا بها تتحول فجأة إلى المضارع ( تَقْتُلُونَ )؛ وهو تحوُّل ليس له من سبب سوى المحافظة على السجع واعتماد فاصلة[1] تُمَاثِلُ باقي الفواصل الموجودة بالنص ( تَشْهَدون، تَعْمَلون، يُنْصَرون، يُؤْمِنون ). [2]
واستقبح المترجم اهتمام القرآن بالشكل على حساب المضمون، فتدخَّلَ بالتحريف لتقويم الاعوجاج، إذ وَحَّد زمنَ الفعل وجعله مضارعًا في كل المواضع.
تأمل:
﴾ ..Er det ikke slik at hver gang et sendebud kommer til dere med noe dere ikke liker, så opptrer dere hovmodig, beskylder noen av dem for løgn og dreper andre? ﴿
أي:
( ..أَفي كُلِّ مَرَّةٍ يَجيئُكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ، تَسْتَكْبِرونَ، فَفَرِيقًا تُكَذِّبونَ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ؟ )

🔅 النمل 87:
﴿ وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ﴾
ينتقل الفعل في هذه الآية من المستقبل ( وَيَوْمَ يُنفَخُ ) إلى الماضي ( فَفَزِعَ، أَتَوْهُ ) مع أن سياق الكلام واحدٌ[3]! والصواب أن يقول: ( يَفْزَعُ، يَأْتِيهِ ).
وقد صوب المترجم هذا العيب إذ وَحَّدَ الزمن وجعله مستقبَلًا في كل مواقع النص.
فتأمل:
﴾ Den dag det støtes i basunen, vil alle som er i himlene og på jord bli slått av skrekk, unntatt den som Gud bestemmer. Alle trer frem for Ham i underkastelse. ﴿
أي:
( يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ، سَيَفْزَعُ كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ، إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ. كُلٌّ يَأْتِيهِ مُذْعِنا. )

🔅 فصلت 47:
﴿ .. وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَآئِي قَالُوۤاْ آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ﴾
تتحدث هذه الآية عن يوم مستقبلي وهو يوم القيامة، لكن ما يلفت الانتباه هو ذلك التحوّل في زمن الفعل، إذ انتقل الكلام بغتة من صيغة المستقبل ( يَوْمَ يُنَادِيهِمْ ) إلى صيغة الماضي ( قالوا )! والصواب: ( يقولون ).
وبالتحريف طمس بيرغ هذا الالتفات، فتأمّل:
﴾ .. På den dag da Han roper til dem: «Hvor er Mine medguder?» Da vil de svare: «Vi forsikrer Deg, ingen av oss kan bevitne det!» ﴿
أي:
( .. يَوْمَ يُنَادِيهِمْ: ‹‹ أَيْنَ شُرَكَآئِي؟ ›› سَيَقُولُونَ: ‹‹ نُعاهِدُكَ، مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ! ›› )

🔅 المائدة 95:
﴿ .. عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ ﴾
هذه آية أخرى وقع فيها التفات زمني، فبعد أن استعمل الماضي بقوله: ( عَادَ ) انتقل للمضارع فقال: ( يَنْتَقِمُ )! والصواب أن يقول: ( يَعُدْ ).
للتعمية على الخطإ لجأ بيرغ إلى التحريف بتوحيد زمن الأفعال، جاعلا إياه على المضارعة.
تأمل:
﴾ ..Gud stryker over det som før er gjort, men den som heretter går over grensen, ham vil Guds hevn ramme. Gud er mektig, og Han innehar hevnen! ﴿
أي:
( .. يَعْفُو ٱللَّهُ عَمَّا سَلَف، وَمَنْ يَعُدْ بَعْدَ الْآنَ، سَوْفَ يَنْتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ. وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقَامٍ! )

🔅 البقرة 91:
﴿ .. قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾
هذه آية التُفِتَ فيها من المضارع ( تَقْتُلُونَ ) إلى الماضي ( مِنْ قَبْلُ )! والصواب: ( قَتَلْتُمْ ).
وبالصواب تشبّث بيرغ، فتأمل:
﴾ .. Si: « Hvorfor drepte dere i tidligere tider Guds profeter hvis det er så at dere er troende? » ﴿
أي:
( .. قُلْ: ‹‹ فَلِمَ قَتَلْتُمْ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ؟ ›› )

الهوامش:
[1] الفاصلة في عرف فقهاء الإسلام تعني المقطع الصوتي الذي تختم به الآية.
[2] عَدَّ شرعيو الإسلام هذا الالتفات بلاغة مدّعين أن مجيء قوله ( تَقْتُلُونَ ) على المضارعة للتأكيد على أن قتل الأنبياء فعلٌ مُستمِرّ ومتأصِّل في بني إسرائيل.
[3] لتبرير الالتفات قال فقهاء الإسلام أن الماضي قد يرد أحيانا للدلالة على المستقبل، وفائدة الماضي قطعية التحقق. ادعى ابن الأثير [ أنَّ الفعل الماضي إذا أخبر به عن الفعل المستقبل الذي لم يوجد بعدُ كان ذلك أبلغَ وأوكَدَ في تحقيق الفعل وإيجاده، لأن الفعل الماضي يُعطى من المعنى أنه قد كان ووُجِدَ، وإنما يُفْعل ذلك إذا كان الفعلُ المستقبلُ من الأشياء العظيمة التي يُسْتَعْظم وجودها ]. ( ابن الأثير ضياء الدين. المثل السائر. دار نهضة مصر. الطبعة الثانية. ج 2. ص 185 ).
وتبريرا لخطإ الآية قال الزمخشري في الكشاف: [ فإن قلت لم قيل { فَفَزِعَ } دون فيفزع؟ قلت لنكتة وهي الإشعار بتحقق الفزع وثبوته وأنه كائن لا محالة، واقع على أهل السموات والأرض لأنّ الفعل الماضي يدل على وجود الفعل وكونه مقطوعاً به ]. وهنا يثار السؤال: أيهما أولى بتدليل الوقوع القطعي، الفزع أم النفخ في الصور؟!

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي