موقف حزب العمال الشيوعى المصرى من قضية القومية العربية

سعيد العليمى
2020 / 12 / 17

صدر هذا الكراس الذى نقدمه للقارئ فى مجلة الشيوعى المصرى ، العدد الثانى ، نوفمبر/ تشرين الثانى عام 1975 داخل مصرتحت عنوان : القضية القومية العربية – جزء من الرد على ط .ث شاكر . ثم أعيد اصداره فى نشرة نصف علنية تحت عنوان كراسات (الطريق ) غير دورية : القومية العربية مناظرة موجزة مع ط.ث. شاكر وآخرين
بقلم صالح محمد صالح ، العدد الثالث ديسمبر 1980. وقد اعتمدت على هذه الأخيرة فى نشر هذا الكراس نظرا لعدم وجود اعداد مجلة الشيوعى المصرى التى نشرت فيها اصلا سواء المطبوعة داخل مصر او فى الخارج . ويعيبها انها خلت من الهوامش التى تشير الى مقتبسات داخل النص الى مصادر لم تعد متوفرة ومع ذلك حاولت تفادى هذا النقص بقدر الامكان بايراد ثبت اجمالى بالمصادر فى آخر الكراس .
لقد حظت مسألة القومية العربية لدى حزبنا باهتمام خاص منذ سنى نشأته الاولى لترابط نضال الشعوب العربية وقد نالت اهتمام رفيقين على وجه الخصوص داخل اللجنة المركزية بسبب تعمقهما فى كل مايتعلق بها هما الرفيقين الراحلين صلاح العمروسى وخليل كلفت ( سمير محمد كامل ، وصالح محمد صالح). واذا كان الاخير هو الذى بلور موقف حزبنا فى هذه المسألة كتابة فان الكثير من الافكار الواردة تعود الى نقاشات وجدالات معمقة بين هذين الرفيقين تحديدا . قد يبدو النص حاد اللغة فى بعض المواضع والحقيقة اننا لم نكن فى كثير من الاحيان نميز بين انواع ومستويات من الجدالات وهو امر نتحمل مسؤوليته جميعا ككادر قيادى . اننا نعيد نشر نص هام لم يفقد راهنيته فيما يتعلق بالمسألة التى يتناولها . وسيظل الكثير الكثير مما كتب رفيقنا ص م ص زادا للثوريين رغم الاخطاء السياسية والتنظيمية التى قد يكون قد ارتكبها من وجهة نظر بعض الرفاق سواء اثناء عمله الحزبى او قبل رحيله بقليل .

القضية القومية العربية
عندما ينتقل ط.ث.شاكر الى المسألة القومية العربية وحركة التحرر الوطني العربى ، يتأكد الاعتقاد بأن المرء أمام استمارة برنامجية يملأ الرفيق ( خاناتها) ويجبر قلمه على استكمالها ، فأول ما يمكن أن نلاحظة على هذا القسم من عمله ( وهو ما ينطبق على معالجته للقضية الفلسطينية وللوضع الدولي فيما بعد) أن لا يفعل أكثر من تجنب القضايا النظرية والسياسية التى تطرحها المسألة القومية والتى لا يمكن لاحد أن يتعرض لهذه الأخيرة الا ليناقش تلك القضايا . ولكن إرغامه لنفسه على القيام بواجب لا يتحمس له أو يدرك أبعاده . بالاضافة الى المنهج الذي حاولنا في الفصول السابقة توضيج أبرز ملامحه ، يؤدي به ذلك الى مناقشة فاترة تركز على التحايل لتجنب القضايا ، دون أن يجدي أي تحايل في أن تتجنب هذه المناقشة الأخطاء الفادحة من كل الأنواع . أي أننا لن نلاحظ فقط كيف يتجنب المناقشة بل من حظنا غير السعيد ، بلا شك أن نتتبع أخطاء مناقشة مفتعلة فاترة ، فى قضية شديدة التعقيد والصعوبة ، كما يعرف الجميع .
ولان هذه المناقشة الفاترة تتجنب أية مناقشة حية ، وتكتفي بالادانة والشجب والتصدي والاقرار الخ ... على أسس غير جاهزة مهما يظن شاكر ، فانها لا تقدم مناقشة حقيقية لهذه القضية الحيوية من قضايا نضالنا الثوري فى المنطقة العربية كلها ، وبالتالي فأننا سوف نضطر الى اللجوء الى مناقشة أخطاء الرفيق ، وما يتجنبة أيضا ، عند الرفاق السوريين فى حدود المناقشة الضيقة المضغوطة التى نجربها هنا مع هذا الخط ، نعنى خط الرفيق شاكر. ولكن لخطورة وحيوية هذه القضية سوف يجعلنا نعود اليها كثيرا ، بل كثيرا جدا ، من خلال مناظرة واسعة النطاق مع الاتجاهات اليمينية داخل الحركة الشيوعية العربية ، ومع الاتجاهات الفكرية القومية البرجوازية .
لقد قلنا أنها قضية بالغة التعقيد والصعوبة ، ولقد حطم ( الشيوعيون) العرب أسنانهم على صخرتها دون جدوي . بل أن كل ما خرجوا به منها أنهم أشتهروا - ظلما - بالتطرف في معاداة العروبة والوحدة العربية والأمة العربية الخ الخ ... ولقد بلغت ردود الفعل لدى ( الشيوعيين) اليمنيين أنفسهم الى حد التخلي دفعه واحدة عن كل التعاليم الماركسية الثورية فى فهم ومعالجة هذه القضية ليظهروا أنهم ليسوا أقل عروبة من أحد . ان هذا على سبيل المثال شأن اتجاه داخل الحزب الشيوعي السوري ، حتى أن المراجعين السوفييت أنفسهم يلاحظون على قادة هذا الاتجاه نوعا من منافسة القوميين البرجوازيين ، كالبعث فى ميدانهم الخاص ، أي في ميدان المبالغة في النزعة القومية براجوازية الطراز .أما الاتجاه البكداشي فأنه لم يفتح الله عليه في مواجهة الاتجاه الآخر الا بالتخلي أيضا عن تعاليم الماركسية . ليثبت عكس ما يقولون ، أو ليقوم بدور قسم النسخ لما يقوله الرفاق السوفييت ، الذين لا يمكنهم أن يكونوا مرجعنا فى فهم القضية التى لن يتاح لاحد فهمها مثلنا . بالاضافة الى أن النزعات اليمينية لدى هؤلاء الرفاق لا يمكن أن تقف على الحياد عند مناقشتهم لأي قضية ، فلا يمكنهم الا أن يكونوا ناطقين بلسان المراجعة السوفييتية .
والواقع ، أن الجهل وحده لا يمكنه تفسير المواقف التي اتخذتها الاحزاب الشيوعية العربية في هذه القضية . ان تلك الاخطاء القاتلة التي تمثل سلسلة متصلة الحلقات ، والتي مثلتها تلك المواقف ، لا يمكن فصلها عن توغل تلك الاحزاب فى طريق المراجعة اليمينية . فالمراجعة أيضا لا تتجزأ . أنها برغم انتهازيتها ، وبرغم انتقالها ، بطريقة غير مبدئية ، من مواقف الى أخري مغايرة أو معاكسة ، وبرغم انتقالها المفاجئ ، عديم المبدئية ، من التأييد الى الشجب والادانة ، وبالعكس ، برغم ذلك جميعا ، فان المراجعة ايضا لا تتجزأ ، طالما أنها بكل نظراتها وميولها الانتهازية وراء كل تلك المواقف . ان الجرائم الفكرية والسياسية التى ارتكبتها الحركة الشيوعية العربية في مجال المسألة القومية العربية ، انما هى امتداد ( طبيعي) ومنطقي لجرائمها الفكرية والسياسية في كل المجالات الاخرى . فلم تكن الحركة من الطبقية بحيث نسيت ( العروبة) ، بل لقد كانت من قلة الطبقية بحيث أهدرت المصلحة البروليتارية . سواء فى البلد العربي الواحد ، أم في النضال المشترك على المستوي العربي كله . أي أن السطحية المتعالمة ، مع ذلك ، والجهل المتبجح المتعالى ، والغباء المتذاكي الخ.. ما نقابله من الشيوعيين المزعومين فى معالجاتهم لهذه القضية ، ليست هذه الاشياء نتاج قلة الذكاء فى المحل الاول ، مهما يبدو الغباء فظا في تلك المعالجات . وانما هي الأشكال الخصوصية التي ترتديها المراجعة في ميدان نوعي بالغ التعقيد ، وبالغ الحساسية أيضا . وبما أنها ليست مراجعة بليخانوف أو كاوتسكي أو حتى برنشتاين ، فمن الطبيعي أن يستحق هزالها أن يعد ثروة قومية في ميدان التهريج ، القومي أيضا .
وسوف نرى أن الرفيق شاكر يتقدم على المهرجين القوميين من ( الشيوعيين العرب) بعض الخطي في بعض الاحيان . الا أن ميكانيكيته وهزاله النظري وجهله بالقضية التى يعالجها ، لا يمكن أن تدعه يمثل نفيا حاسما لهؤلاء ، بل لا يملك لهذه الأسباب بالذات الا أن يكون نوعا من التبنى المتردد غير الواثق للنتائج النهائية التى ينتهون اليها . ذلك أن النفي الحاسم للموقف المراجع اليميني فى هذه القضية ، لا يمكن أن يكون ثمرة لأي شئ أخر، سوي الماركسية اللينينية التى لا تتفق مع السطحية والجهل ، ولا تتفق مع الموقف العاجز الذي يقفه الرفيق طه شاكر بتحايلاته المضحكة ، من أجل تجنب القضايا التى تجب مناقشتها ، وباخطائه الصغيرة والكبيرة والقاتله أيضا . فلا يمكن لهذا الخط أن يتفادي الاخطاء ، حتي الكبيرة والقاتلة .
بعض مشاكل التعريف
ومن آيات الهزال وفقر الدم لدى (الشيوعيين) العرب ، أن أخطاءهم لا تقف بهم عند حدود أتخاذ مواقف مراجعة ، أو عند حدود الوقوف حائرين على أبواب لغز أبى الهول الذي يتمثل عندهم فى خصوصية هذه القضية ، بل أنها تمتد الى أبسط الاشياء . انهم يستعرضون فى كل ما يكتبون الوانا من الجهل بألفباء الماركسية ، بأبسط تعاليمها وأفكارها وآرائها . واذا كان يمكننا وصف عدم فهم خصوصية القضية بالعجز الفكري ، فأننا لا نملك الا أن نصف العجز عن تذكر أبسط ما يعرفه تلاميذ المدارس ، منذ زمان بعيد ، بأنه عجز ذهنى لا يرتفع الى مستوى العجز الفكري . ومن المؤسف أن طه شاكر يقع في هذا النوع من العجز الذهنى . فبرغم اعلانه نفسه ماركسيا لينينيا ، الا أنه ينسي أبسط تعاليمها .
يقول الرفيق طه شاكر :
(حركة ( القومية العربية) اذن ، من حيث النشأة والصعود ، منذ القرن الماضي ، هي حركة وطنية وثورية فى الأساس، تجسد ارادة النضال العربي ووحدة كفاح الشعوب العربية ضد الاستعمار والامبريالية ، من أجل التحرر الوطني والاستقلال . وهي تستمد جذورها ، أيضا ، وفى نفس الوقت ، من واقع تاريخي وحضاري . فقد توفرت لها ، منذ البداية ، معظم المقومات الاساسية لنشأة الامم ووحدتها فى العصر الحديث ، وهى وحدة اللغة والارض والتاريخ والتراث وتشابه فى التكوين النفسي الذي يتمثل في الثقافة المشتركة . ومع ذلك فقد كان ينقصها عامل حاسم فى التشكيل القومي فى مرحلة الثورة البرجوازية وهو ( الاقتصاد المشترك) ( قضايا التحرر الوطني والثورة الاشتراكية في مصر، دارالفارابي، بيروت ، ص 233 من الكتاب والتشديد من عنده ).

قلما يوجد فى الادب نص ، بنفس الحجم الصغير يمتلئ بهذا القدر من الاخطاء . ولكننا لن نتعرض الان لكل الاخطاء التي يحفل بها هذا النص ، فسوف نركز هنا على الاخطاء المتعلقة بالتعريف ، لنعود الى الكنوز الاخري فى أجزاء تالية .
لقد تكلم الرفيق ستالين في كراسه المشهور عن الامة ، باعتبارها واقعا اجتماعيا مستقرا ، تكون بصورة تاريخية ، حيث تتشابك مقومات مشتركة من اللغة ، والارض ، والحياة الاقتصادية ، والتكوين السيكولوجي المعبر عنه فى ثقافة مشتركة . وهذه العناصر والمقومات المشتركة لابد أن تجتمع جميعا لكي تكون ازاء امة ، بحيث يكون غياب احدي هذه الخصائص المميزة معناه غياب الامة .
وليس هنا مجال المناقشة التفصيلية لتعريف ستالين فما اوردنا عناصره الا لكي نلاحظ أن الرفيق طه شاكر يقع فى نفس الاخطاء الشائعة عند من يتبنون هذا التعريف القيم ، فلم يتحث ستالين عن وحده تاريخ ، وانما تحدث عن ان كل هذا الواقع الاجتماعي ، بجميع عناصره المكونة من لغة وارض وحياة اقتصادية وتكوين سيكولوجي تعبر عنه ثقافة مشتركة ، قد تكون تاريخيا أي بصورة تاريخية ، أي بشكل تاريخي . ومثلما تحولت الحياة الاقتصادية بسهولة ، عند بعضهم ، الى تكامل اقتصادي ، فقد تحول الطابع التاريخي لتكوين الامة ( باعتبارها واقعا تاريخيا ومقولة تاريخية ) عند هؤلاء الى ( وحدة تاريخ ) ،. فلا مانع ايضا من وحدة التراث وما شابه ذلك . ولعل من المفيد ان نلاحظ هنا ، أنه يندر أن يوجد ( شيوعي ) عربي يزهد في لذة الوقوع في هذا الخطأ الفظ ، برغم أنه من الواضح أن وحدة التاريخ عبارة جوفاء ، بينما تاكيد الطابع التاريخي لتكوين الأمم أهميته الحاسمة ، لان هذا الشكل العريض من الاجتماع البشري الذي نسمية بالأمة ، ليس مجرد وضع عارض أو طارئ أو مؤقت ، لأنه أيضا كأي ظاهرة اجتماعية يجب ربطه بنطاق تاريخي محدد ، ولانه ، كأي ظاهرة تاريخية وكأي واقع تاريخي ، ليس ازليا أو أبديا ، بل له بدايته ونهايته .ان مثل هذا الخطأ ، لا يمكن أن يكون نتاج ضعف الهمة ، عندما يفضل بعضهم أن يتفلسف باسم الماركسية ، لينسب الحماقات الى مفكريها ، بدلا من الرجوع الى مصادرها والقاء نظرة على الأقل فى ما تقوله تلك المصادر .
وليس معنى هذا أننا سوف نشغل أنفسنا بنبع الأخطاء الجزئية ، والانعدام شبه الكامل للدقة ، فقد أردنا فقط الوقوف عند عينة من الأخطاء . ومن المؤكد أن هذا الخطأ ، بخصوص الطابع التاريخي لتكوين الامم ، ليس قليل الأهمية وليس مجرد ضياع تصور علمى لحساب عبارة حمقاء . ذلك أن هذا التصور العلمي حاسم فى مناقشات لا تنتهى بشأن القوميات والأمم . وعلى سبيل المثال ، المناقشات حول ما اذا كان يهود اسرائيل يشكلون أمة ، أم أمة في طور التكوين !
ولا يكتفي الرفيق طه شاكر باختراعاته لوحدة التاريخ ووحدة التراث وتشابه التكوين النفسي ، ففي الفقرة السالفة العامرة بالأخطاء الفادحة ، نعلم أيضا أن حركة ( القومية العربية ) قد ( توفرت لها منذ البداية معظم المقومات الأساسية لنشأة الأمم ووحدتها في العصر الحديث) ... ( ومع ذلك فقد كان ينقصها عامل حاسم في التشكيل القومي فى مرحلة الثورة البرجوازية وهو الاقتصاد المشترك).
فلأ أحد يعلم ما المقصود بمرحلة الثورة البرجوازية ، طالما ان المؤلف يتحدث عن بداية حركة (( القومية العربية)) التى يعود بها الى القرن الماضي . وهل مجرد وجود نظام اقطاعي أو سابق على الرأسمالية يعنى أننا في مرحلة الثورة البرجوازية ، أم لابد لكى نقول ذلك أن نكون ازاء ثورة فعلية أو تراكم برجوازي فعلي .
ثم لماذا يتصور الرفيق المؤلف أن ( معظم المقومات الاساسية لنشأة الأمم ) قد توفرت ( منذ البداية) ؟ ليس لذلك معنى أخر سوى أن رفيقنا يجهل الوقائع الأساسية فى نشأة الأمم ووحدتها في العصر الحديث . وأي فظاظة أن يتصور مؤلفنا أن قوميات متعددة كالتي نحن ازاءها فى أوآخر القرن الماضي وفى هذا القرن أيضا ، كان ( الاقتصاد المشترك ) كافيا لتوحيدها وتشكيلها فى أمة ! وسوف نعود الى هذه النقطة لنرى أن الرفيق شاكر يطبق ، بصورة ميكانيكية ، قوانين حول قومية واحدة معينة ، الى أمة واحدة ذات دولة قومية واحدة ، على تحول قوميات متعددة الى أمم متعددة ، حيث يضعه غياب الاقتصاد المشترك أمام لغز خطير . وهذا ما يدل على الجهل المطبق لدى صاحبنا لكل ماضي ومستقبل ، لكل نشأة وصيرورة ، القضية القومية العربية .
ويتفذلك الرفيق المؤلف فذلكة مثيرة ، فى هامش صفحة 230 ( من كتاب قضايا التحرر الوطنى والثورة الاشتراكية فى مصر ) حول مشاكل التعريف ، فى هذه القضية ، مؤكدا ضرورة التمييز بين مصطلح سياسي مستخدم ، ومصطلح علمي سليم . فتعبير ( القومية العربية ) تعبير سياسي لا يراعي خصوصية ما يجمع بين الشعوب العربية وحركة التحرر الوطنية العربية عامة ، وما تعنيه القومية كمصطلح علمي له دلالته وقسماته المحددة كما يقول . ويشير المؤلف الى ان بعض الاتجاهات القومية البرجوازية ينكر أو يهمل الخصائص المميزة لكل قومية عربية على حدة . وهنا يتضح أن الرفيق المؤلف ( لا يراعي ) ما يميز بين القوميات والامم من ( قسمات محددة) فيخلط هذه بتلك قائلا : (.... كالقومية المصرية والقومية السورية والعراقية الخ ... أى الامم العربية المختلفة ) فبدلا من أن يتحدث عن الامة المصرية والامة السورية الخ ... باعتبارها امما عربية متعددة ، تحدث عنها باعتبارها قوميات ، وهو من ناحية أخرى يضع علامة التساوي بين القومية والامة . بل أنه عندما يضع تمييزاته العلمية الحاسمة بتعاليم ، لا يستطيع سوى الوقوع في أخطاء جديدة بدلا من الاكتفاء بالاخطاء السابقة . فهو يفرق بين الشعب من ناحية ، والأمة أو القومية من ناحية أخرى . أما الشعب ( ترجمة لكلمة people) فأن مؤلفنا ينسي المفهوم الماركسي العلمي له ( أي الشعب ) كما كان يستخدمه مؤسسو الماركسية ، ويجعله مطابقا للسكان . ثم ان هذا التمييز غريب فظيع ولا معنى له . فما مغزي التفريق بين الشعب والامة ( والقومية ) ، هنا. وهل كان المصريون ( أو الشعب المصري ) لا يشكلون قومية منذ الفراعنة أيها الرفيق شاكر ؟ ولنلاحظ أن منهج رفيقنا يستحق عن جدارة أن نسميه بالمنهج الهدروليكي ( أو الهيدرولوجي كما يقول عن خطأ لغوي صارخ ) طالما أن المؤلف ينوي ( حشر ) الهيدروليكا فى كل شئ ، وطالما أنه يرى هنا أيضا أن عناصر الترابط ( لدى الشعب المصري منذ الفراعنة ) كفلها ( نظام الري) وكأن نظام الري الملعون هذا كان وراء كل شئ ، بما فى ذلك اللغة وكل عناصر الثقافة ووو الخ الخ الخ ....
أما الامة والقومية فالمؤلف يترجم بها كلمة NATION وتعنى الامة . أما القومية فهى الترجمة السليمة الكلمة NATIONALTTY . وما نجده أمامنا الان ليس سوى العجز الذهنى ، أي عجز ذهن مؤلفنا عن استيعاب أبسط تعاليم الماركسية ، طالما أن هذه الاخيرة قد ميزت بين القومية والامة باعتبارهما واقعين تاريخيين متمايزين ، ومقولتين تاريخيتين متمازيتين، حيث تتلازم القومية دائما مع ما قبل الرأسمالية ، وحيث تتلازم الأمة دائما مع الرأسمالية . ولنقرأ هذه الفقرات من كتاب شعبي ليس قليل الشهرة لمؤلفة السوفييتى أفانا سييف:
(( للمجتمع المعاصر ، الى جانب الطبقات ، جماعات قومية من الناس ، والأمم . وقد ظهرت الامم متاخرة كثيرا عن الطبقات . وبينما تشكلت الطبقات فى مجرى ظهور المجتمع العبودى ، فان الامم هى نتاج تطور الرأسمالية .
وقد كانت الامم مسبوقة فى التاريخ بجماعات من الناس مثل العشيرة ، والقبيلة ، والقومية . والعشيرة مجموعة من الناس تترابط بروابط الدم وبروابط اقتصادية . وقد شكلت الملكية والاستخدام الجماعيين لوسائل الانتاج أساس العشيرة . واتحدث عشائر متعددة فى قبيلة . فالقبيلة والعشيرة وجدتا فى المجتمع المشاعي البدائي .
ووجد طراز جديد من الرابطة بين الناس وهو القومية فى المجتمعات العبودية والاقطاعية . فالقومية بعكس العشيرة ، لم تتأسس على روابط الدم ، بل الارض واللغة والثقافة المشتركة .
ولم تكن القومية جماعة من الناس مستقرة بما فيه الكفاية ، حيث أن العبودية والاقطاع لم يكونا ليتمكنا من انتاج رابطة اقتصادية تشمل كل البلاد ، فبدون هذا الشرط لا يمكن أن توجد علاقات وثيقة ومستقرة بين الناس . انه من الصحيح أنه وجدت الأسواق وتبادل البضائع في المجتمع العبودي وفي ظل الاقطاع ، غير أنها كانت ذات أهمية محدودة ومحلية ، ولم يكن في استطاعتها أن تزيل التجزئة الاقتصادية والسياسية ).
ومع تطور الرأسمالية فقد زالت التجزئة الاقتصادية بصورة تدريجية ، وظهر سوق واحد ، كنتيجة لتحول القوميات الى أمم . كتب لينين ( الأمم نتاج لا يمكن تفاديه . وشكل لا يمكن تفاديه للعهد البرجوازي من التطور الاجتماعي .(1) ومثل القومية . فان الأمة تملك خصائص كالارض واللغة والثقافة المشتركة غير أن الامة بعكس القومية ، جماعة مستقرة من الناس . وقد أوضح لينين أن العوامل الاقتصادية العميقة (2) اعطتها الاستقرار ) ، ويضيف أفانا سييف :
ولذلك فان الحياة الاقتصادية المشتركة ملمح رئيسي من ملامح الأمة . ان الاقتصاد ( الروابط الاقتصادية ) هو الذي يربط الناس الذين يعيشون على أرض واحدة . ويملكون لغة مشتركة فى كل واحد . فى أمة .
وفى مجرى التطور الاقتصادي والسياسي . تتشكل السيكولوجيا المشتركة التى يعبر عنها فى تقاليد تاريخية للامة . وفى الملامح النوعية لثقافتها وطريقتها في الحياة .).
ومن النص السابق يمكن للرفيق طه شاكر أن يتعلم انه يخطئ اذ يطابق القومية والامة بدلا من محاولة فهم ما هو مشترك بينهما . وبدلا من محاولة ادراك واقع تحول قومية بعينها الى الأمة . وتحول القوميات الى أمم فى عهد الرأسمالية .
وقبل أن ننتقل الى الحديث عن الخصائص النوعية للقضية القومية العربية . نود أن نقول بضع كلمات بصدد مشاكل التعريف ، تسهل علينا مناقشة تلك القضية .
فالأمة شكل أعرض للاجتماع البشري ، أعرض من الطبقة ، فهواطار للوجود ونضال الطبقات المتعددة . والأمة تتاج العهد البرجوازي ، حيث يوفر هذا العهد لاول مرة فى التاريخ امكانيات تحول القوميات الى الأمم . فقد حلت القومية محل العشائرية والقبائل ، حيث كانت القومية كالدولة والعائلة ، نتاجا تاريخيا للملكية الخاصة التى اعادت تشكيل البشرية على أسس جديدة ، أسس طبقية . ولذلك فان القومية لا تسبق الطبقات الاجتماعية ، ولا تسبقها هذه ، فقد ولدت جميعا من نفس المصدر الواحد فى عملية تاريخية مترابطة . وتجمع القومية فى اطارها الاوسع طبقات اجتماعية ، وفى المحل الاول طبقتين رئيسيتين متناقضتين . ويجب أن يكون واضحا أن القومية واقع جدلي ، ومفهوم جدلي ، يعكس هذا الواقع . فللقومية أطوار نموها المختلفة . فقد عرفت الميلاد والطفولة واليفاع الخ... تلك الأطوار حيث تحولها الى أمة ، الطور الاخير من أطوار حياتها . وقد ارتبطت الاوضاع الخاصة التى يتأخر فيها ظهور القوميات بتأخر ظهور الطبقات ، كما أن تداخل القوميات مع ابنية سوسيولوجية سابقة كان يرتبط بدوره بتعقيد أوضاع الطبقات والنظام والاجتماعي الذي تشكله ، حيث تستمر بقايا متفاوتة التماسك والقوة من الابنية السابقة .
ويمكن أن نلاحظ هنا أن من الخطأ الفادح القول بوجود القوميات قبل الطبقات . كما يذهب القوميون المتطرفون الذين يخلطون أيضا بصفة دائمة القوميات بالامم ، ويتحدثون عنها باعتبارها نفس الشئ . فالارض واللغة والطابع القومي ، لا يمكن القول بوجودها في فترة سابقة على ظهور الملكية الخاصة والطبقات الاجتماعية والدولة ، وأرض مصر على سبيل المثال كانت ( مسرحا) لوجود القبائل واتحادات القبائل والثقافات المتعددة ولم تكن أرضا مشتركة لها . ولم يحل الوطن محل الأسس التى تشكل عليها ورسختها القبائل الا في مستوي معين من التطور على أساس الملكية الخاصة ( الخاصة بطبقة مالكة سواء كملكية فردية أم كملكية دولة تسيطر عليها تلك الطبقة ). ومن الواضح أن الوطن أحد عناصر القومية ، طالما أنه يمثل الأرض بكل المشاعر والمفاهيم المتعلقة بها . أما الطابع القومي المنعكس فى ثقافة مشتركة . فلا يمكن الحديث عن انه موجود منذ بداية الوجود البشرى فى أرض عرفت ثقافات شتي ، وعندما كانت الاديان تحتل مكان الصدارة فى الثقافة القومية . فان مصر لم تعرف ثقافة واحدة مشتركة هبطت جاهزة من السماء ، ولم تعرف أيضا دينا مشتركا هبط جاهزا من السماء ، بل لقد تكونت الثقافة المشتركة وتكون الدين المشترك فى مجرى تطور تاريخي طويل حافل .
وفيما يتعلق بالقومية المصرية ( وهي سابقة بالطبع على الأمة المصرية القائمة الآن والتى تعد أمة مصرية عربية ) فقد تطورت خصائصها جميعا بصورة تاريخية ، فلم تبق الارض ولا اللغة ولا الطابع القومي والثقافة القومية هى نفس الاوضاع . بل لقد عرفت سلسلة طويله من التحولات التاريخية شملت تبدلات شاملة فيما يتعلق ببعض خصائصها . بل لقد جرى غسيل دم شامل للقومية المصرية بعد الفتح العربي ، دون أن تكف عن كونها كذلك برغم أن غسيل الدم الشامل هذا لم يترك شيئا على حاله خصوصا اللغة والثقافة . بل لقد كان من النتائج بعيدة المدي للفتح العربي لمصر أن القومية المصرية قد تحولت منذ ذلك الزمن الى قومية مصرية عربية : وبالتالي فان تحول هذة القومية الى امة فى العصر الحديث البرجوازي قد أدى الى تكوين الامة المصرية العربية الحالية . ولقد كان للقوميات والامم دائما وجهها السياسي ووجهتها السياسية ، فقد تكونت الطبقات فى اطار قومي معين حيث تسيطر الطبقة المالكة من بنيتها على سلطة الدولة . أى الدولة القومية الشاملة للأرض القومية ( الوطن القومي) ولابناء القومية الواحدة . ومع صعود البرجوازية وقيادتها للحركة القومية كانت هذه الحركة لا تتجه فقط الى خلق الأمة الواحدة بل كانت تعمل أيضا على توحيدها فى دولة قومية واحدة تحل محل دويلات التجزئة السابقة . وتتعدد نماذج علاقات القوميات والامم من ناحية والدول القومية من ناحية أخرى ، فقد عرفت القوميات المتعددة فى دولة واحدة والقومية الواحدة تتقاسمها دول متعددة . والقومية الواحدة فى دولتها القومية الواحدة والقومية المتحررة من اضطهاد قومية أخرى أو الخاضعة لمثل هذا الاضطهاد بمختلف أشكال ودرجات الاضطهاد والاستغلال والقهر الاجنبي أي من خارج هذه القومية . وفى مختلف فترات التاريخ الطبقي للبشرية ، أى منذ انقسام المجتمع البشري الى طبقات ، عرفت القوميات المضطهدة والقوميات ، كما عرف العصر البرجوازي والامبريالي والامم المضطهدة . ولم يعرف الانقسام الى قوميات وأمم مضطهدة أو مضطهدة ، الثبات ، فقد عرفت القوميات والامم تحولات تاريخية .
ونود الاشارة هنا الى أحد الاخطاء الشائعة الفادحة ، فالامة ترتبط بالاقتصاد المشترك والرابطة الاقتصادية ، والحياة الاقتصادية المشتركة ، والسوق الداخلية المترابطة دائما. أما القومية فتبدو عند بعضهم خالية من أي واقع اقتصادي . ولهذا فاننا نجد أنفسنا فى كثير من الاحيان ازاء المفاهيم التبسيطية التى تتحدث عن ثلاثة عوامل يكملها عامل رابع ( الاقتصاد المشترك ) لتصبح الامة أمة . والواقع أن القومية ( بل الابنية السابقة للقومية نفسها ) لها روابطها الاقتصادية . ولكن هناك فروقا جوهرية بين الروابط الاقتصادية في الابنية السابقة على الامة والروابط الاقتصادية المتحققة فى الامة نفسها . والواقع أن مناقشة أفانا سييف التى أوردناها فى موضع سابق تظل غير كافية لاستيعاب هذه المسألة فى تعقيدها . فقد عرف تاريخ البشرية طرازا من المجتمعات الطبقية ، تملك فيها الطبقة المسيطرة بصورة جماعية وتوحد البلاد فى كل واحد . فى قومية وليس فى أمة . فمصر مثال صارخ على الوحدة الوطيدة التى دامت الآف السنين . فى مقابل التجزئة والتفتت فى مجتمعات أخرى . غير أن القومية المصرية التى لم تعرف التجزئة الا فى فترات معينة من التاريخ الفرعونى ، لا يمكن رفعها الى مستوى الامة ، ذلك أن اقتصاد تلك القومية لم يكن الا توحيدا بيروقراطيا علويا يربط كل الاطراف من أقاليم وقرى الخ الخ ... بالعاصمة المركزية ، ويفصل تلك الأطراف عن بعضها الآخر . وهذه الوحدة تختلف بطبيعة الحال عن الوحدة التى صنعتها القوة العفوية للسوق فى العهد البرجوازي . ولا يتسع المجال هنا لاكثر من الاشارة الى أهمية مناقشة هذه المشكلة في ارتباطها بالطبقات الاجتماعية ، وخصائصها . وعلاقات الانتاج الاجتماعية ، وطابع قوى الانتاج ، وكذلك من زاوية أوضاع ووسائل الديكتاتورية والديمقراطية . فلا شك أن وحدة الاقتصاد التي يوفرها ما يسمي بأسلوب الانتاج الأسيوي القديم بتخلفه الشديد ، وبدكتاتوريته الاستثنائية ، وبمختلف خصائصه التاريخية ، تختلف جوهريا عن تلك التى تتحقق فى الأمة البرجوازية الحديثة للنظام الاجتماعي الاقتصادي للرأسمالية .
ان تلك المفاهيم التبسيطية عن ثلاثة عوامل يكملها عامل رابع ( الاقتصاد المشترك ) لتصبح الأمة أمة ، تفهم كل العوامل والملامح والخصائص والمقومات بصورة فقيرة. ذلك أن هذه المفاهيم التبسيطية ، تتجاهل ، بل تجهل ، واقع أن تحول القومية الى أمة لا يبقى خصائص القومية على حالها بحيث لا يكون هناك جديد سوي اضافة ( عامل رابع) ، بل أن التحول يعتري كل تلك الخصائص لتخلق معا واقعا تاريخيا جديدا ، الامة . أليس من السهل علينا أن نفهم على سبيل المثال ، أن الأمة الالمانية التى انتهت اليها الحركة القومية الالمانية ، لا تتميز عن القومية الالمانية المجزأة السابقة بالحياة الاقتصادية المشتركة فقط. بل أن جميع الخصائض الاخرى من أرض مشتركة، ولغة مشتركة ، وتكوين نفسي تعبر عنه ثقافة مشتركة . لا يمكن الا أن تتأثر ، الى أبعد الحدود ، بتحول تلك القومية الى تلك الامة ، بقدر ما تتأثر هذه الخصائص جميعا بصعود البرجوازية بما تملك من طاقات ومقدرات هائلة على تطوير وتغيير وتبديل مختلف خصائص المجتمع السابق على الرأسمالية .
الخصائص التاريخية للقضية القومية العربية
لن يكتفي الرفيق طه شاكر بأنواع الخلط السابقة ، بل سوف نقف على أشكال وألوان جديدة من الخلط الشنيع والخطأ البشع ، وسوف نرى هنا الرفاق السوريين لا يكادون يكملون سطرا واحدا فى حديثهم عن هذه القضية دون أن يتحفونا ببعض الخطأ . والواقع أن اهتمامنا سوف ينصب على الأخطاء التى لها أهميتها فى ما يتعلق بالمواقف النظرية والعلمية من هذه القضية الحاسمة من قضايانا الثورية .
ولم يحطم ( الشيوعيون) العرب أسنانهم فقط على صخرة هذه القضية بالغة التعقيد ، بل لقد حطموا أيضا سمعتهم السياسية . فقد اشتهروا كما أسلفنا الاشارة بأنهم اعداء العروبة واعداء الوطنية واعداء قضايانا الخ الخ ...وقد اشتهروا بذلك ظلما ، ولكنهم استحقوا هذا الظلم الذي يستحقه العاجز الذي لا يعترف بعجزه ، بل يملأ الدنيا صياحا حول علميته وجدليته ... الخ ما يستعيره هؤلاء المتعالمون من قاموس الماركسية الثورية التى لم يعرفوا من تعاليمها ومفاهيمها العلمية غير نطق تلك المصطلحات . ولهذا لم يكونوا ، ولم يكن من شأنهم ولا فى استطاعتهم أن يكونوا ، الممثلين للنفي الحاسم للفكر القومي العربي بما يحفل به من فظائع فكرية وأساطير (مستوردة) ، اذا سمحنا لانفسنا باستخدام هذه الكلمة الحبيبة الى نفوس أبواق الدعاية البرجوازية ومفكريها القوميين على السواء.
ويكمن لغز ابي الهول فى سوء تفاهم من نوع غريب فالمفكرون القوميون البرجوازيون ، وبالاحري غالبيتهم ، يرون أن الأمم أقدم من الطبقات ، وأن القوميات أقدم من الطبقات ، وأن انقسام البشرية الى أمم وقوميات أبعد غورا، وأقدم عهدا من انقسامها الى طبقات ، وان الخلية الاولى للبشرية وللاجتماع البشري ليست الطبقة بل الأمة والقومية . وأن الامة العربية الواحدة حقيقة واقعة لا تنقصها سوي أشياء بسيطة كالتكامل الاقتصادي او الوحدة او الدولة الواحدة ، بل انها كانت موجودة بلا نقصان ذات يوم ، ثم جاء الاجنبي وأعمل فيها يديه تفتتانها وتقسمانها وتجزئانها الى أن صارت الى ما هى عليه اليوم من تجزئة مفتعلة ، فلا علاج ولا مستقبل بغير القضاء على هذه التجزئة المصطنعة ، اقامة الوحدة من المحيط الى الخليج ، فلا تقدم أذن دون ان نرد الى الأمة الواحدة وحدتها .
وينشأ سوء التفاهم الذي اشرنا اليه من ان الشيوعيين المزعومين لم يستطيعوا أن يحددوا ويبلوروا خلافاتهم مع الفكر القومي البرجوازي بصورة علمية دقيقة .فلم يصبوا اهتمامهم على توضيح أن الماركسيين يميزون تمييزا قاطع التحديد بين الامة والقومية ، وان الامة نتاج للبرجوازية ونطاقها التاريخي ، وأنها بالتالى أحدث من الطبقات ، وأنها بالتالي أيضا لا يمكن ان تكون قد وجدت بأي حال من قبل ، وان الامه العربية الواحدة القديمة بالتالي ما هى الا اسطورة . فما يجدر بالمناقشة : هل وجدت قومية عربية واحدة قديمة تجزأت فى اطوار لاحقة ؟ ( وليس وجود أمة عربية واحدة قديمة ، طالما أننا نعنى بالامة تكوينا سيوسيولوجيا ينتمي الى العهد الرأسمالي في نطاقه التاريخي المحدد ، وهذا بدوره ليس قديما بحال من الاحوال ). فاذا ما نوقشت هذه القضية نجد أنفسنا ازاء القضايا النظرية التى يطرحها علينا الواقع العربي المعاصر : هل توجد الأن أمة عربية واحدة مجزأة ، لا ينقصها سوى الاقتصاد المشترك ( أو التكامل الاقتصاد الذي يتحدث عنه المفكرون البرجوازيون ) ولا ينقصها كذلك الا أن تتحد في دولة واحدة ؟
ولو فعل الشيوعيون العرب ذلك لاأزالوا سوء التفاهم ، ولاأزالو بالتالي ما لا يقل عن جريمة فكرية سياسية فى حق الثورة العربية . فالماركسيون الثوريون يحرضون على الفهم الثورى العلمي الدقيق ، وامميتهم البروليتارية لا يمكن ان تتناقض مع الجانب الديمقراطي التقدمي ، الثورى ، من قضايا القومية . حقا ان قوميتهم لا يمكن ان تتفق مع النزعة القومية البرجوازية او مع أي شكل من أشكال التعصب القومي الاناني ضيق الافق ، والشوفينية والتطرف القومي . ولكن هذه الاممية تطبق فى اطار معين بحيث أن خط البروليتاريا ، فى قضية قومية أو وطنية تعيشها هذه البروليتاريا فى أي وطن ، لا يمكن أن يكون سليما الا بمقدار ما يكون تطبيقا عمليا للاممية . أن اعداء الشيوعية لا يمكن أن يكفوا عن حملات التضليل والافتراء والكذب ضد الشيوعيين الثوريين ، ولكنهم وجدوا فى المواقف الغربية المتناقضة ، التى اتخذتها الحركة الشيوعية العربية ، كعب أخيل الذي يهاجمونها منه ، متخيلين أنه ناشئ عن قلة او انعدام الروح القومية أو العربية لدى تلك الحركة ، بينما الواقع أنه كان ناشئا عن أنعدام الروح الطبقية أو البروليتارية لديها بحيث كانت حافلة بالثغرات والأخطاء القاتلة التى يجدر أن تسمي غربال أخيل !
أن ما يشهده الحزب الشيوعي السوري من خلافات ، يدل على أن ابتعاد الحركة الشيوعية المراجعة عن الفهم الثورى العلمى للقضية القومية العربية ، قد أدي الى عجزه عن مناظرة الفكر القومي البرجوازي والحاق الهزيمة به، وعلى أن ذلك الابتعاد وذلك العجز جميعا قد أديا الى أن ينقلب الامر شر منقلب على المراجعين أنفسهم . فهاهما فريقان من المراجعين ، يشتد الخلاف بينهما ، لتصل أبسط تعاليم الماركسية في مناقشاتهما الى حد من الخلط لا يقل عن فوضي ضاربة أطنابها كما يقال . ولا يتسع المجال هنا للمناقشة المستفيضة لما يقال عن الامة العربية الواحدة القديمة أو القومية العربية الواحدة القديمة ، وأن كان علينا أن نلاحظ شاعرين ببعض الاسف ، أن بعض الماركسيين السوريين قد انضموا بكل حماس الى القائلين بذلك . وكأنهم يتنافسون ، كما قال لهم رفاقهم السوفييت ، مع القوميين فى ميدانهم الخاص .
وقبل ان نستأنف مناقشتنا للرفيق شاكر وللرفاق السوريين ، نود أن نشير بسرعة الى بعض جوانب خصوصية القضية القومية عندنا .
لقد وضح نقاشنا السابق لمشاكل التعريف ، أن الامة لا يمكن الا ان تكون نتاج التطور التاريخي البرجوازي ، ولا يمكن لهذا الا أن ينتجها . وبالتالى فلا يمكن الحديث عنها كواقع تاريخي فى عهود ما قبل الرأسمالية ففى تلك العهود وجدت العشائر والقبائل والقوميات . وعندما نتحدث عن عهود العبودية والاقطاع ، فمن الواجب ان نتحدث عن القوميات التى كانت تمثل نفيا جدليا للعشائر والقبائل بعد أن استبقت بعض جوانبها كاللغة والثقافة والدين وطورتها ، واستبعدت الكثير من خصائصها وأسسها ، لتحل محلها عناصر وخصائص وأسس ومقومات جديدة بالتمام . ومن المنطقي ان يكون مدى عمق نفي القوميات للعشائر والقبائل وثيق الارتباط بمدى تبلور الطبقات الاجتماعية ونظامها الاقتصادي والاجتماعي السياسي.

ومن هنا فاننا لا نقف كثيرا عند زعم الزاعمين أن أمة عربية واحدة قد وجدت منذ قرون متعددة ، أو لما يزيد على الالف عام ، وأن ما نشهده اليوم ليس سوى تجزئة مصطنعة لتلك الامة الواحدة . ونحن نشير الى سوء التفاهم الكامن في الواقع ان ما نعنية بالامة يختلف عما يعنية كثيرون بهذه الكلمة – المصطلح . وطالما أننا أوضحنا ما نعنية على وجه التحديد ، فلا يمكن أن يقلل ، نفي وجود أمة عربية قائمة منذ القرون المتعددة ، من عروبتنا التي نعتز بها ، دون ان نعزلها عن نزعتنا الاممية .
وبما أن القومية NATIONALITY هى الشكل الاعرق المشتمل على طبقات ضمن اطاره ، فى عهود ما قبل الرأسمالية ، فلا شك في أنها ضالة المفكرين القوميين البرجوازيين ، ومن يرغب في اقتفاء اثرهم من ماركسيين مزعوميين ، فهم يريدون أذن قومية عربية واحدة وجدت منذ الفتح العربي . ومن جديد نجد أنفسنا أمام ضرورة ان تكون صرامة نزعتنا العلمية اقوي من أي عروبة تصدر عن هوي وعن عاطفة جامحة ، طالما أن العروبة التى نريدها نزعم أنها قائمة بالفعل ويمكن الحديث عنها بصورة علمية محددة ، بدلا من اقامتها على الاوهام الباطلة وتشييدها على العواطف الجامحة ان مؤرخا يقول ، على سبيل المثال ، أن مصر لم تكن عربية فى عهد الدولة القديمة لا يحق لنا أن نرتاب فى عروبته . فلا بد أن نعترف له بها عندما يقر بعروبة مصر فى عهود ما بعد الفتح العربي . وكذلك فان اعتراف المؤلف بعروبة مصر فى تلك العهود ، وحتى اللحظة الحاضرة ، لا يمكن أن يعني أن يقدم هذا المؤرخ تحية الرذيلة الى الفضيلة كما يقال عن النفاق ، فلا يحق له أن يضحي بنظرته العلمية على مدبح الجاهلية المتعصبة التى تفرض على عروبه مصرمفاهيمها غير العلمية .
لقد وحد الفتح العربي البلدان العربية التى وصل اليها فى دولة واحدة فى ظل الخلفاء الراشدين ثم الامويين ، والخلافة العباسية . ولكنه لم يوحدها فقط فى دولة واحدة ليظل كل بلد فى سابق عهده من زاوية خصائصه القومية بل جرى فى ظل العهود التالية للفتح العربي الاسلامي . مايشبه غسيل الدم كما أسلفنا القول ، ولم يكد يفلت بلد من هذه البلدان من أبعد الاثار التي ظلت قائمة الى اليوم . لقد تحولت مصر البيزنطية الى مصر العربية ، وذلك ما جرى لبقية البلدان التى اعتراها نفس التحول العميق من لغة وثقافة سابقتين ، الى لغة وثقافة جديدتين مشتركتين بينها جميعا ، مهما تتعدد الاشكال الخصوصية التى ترتديها اللغة العربية هنا أو هناك ، ومهما يعظم شأن العناصر الباقية المستمرة المتغيرة مع ذلك من عناصر الثقافة القومية السابقة .
تلك وقائع تاريخية لا سبيل أمام أحد الى انكارها ، ولكن القضية هي أن تقييم هذه الوقائع التاريخية تقييما علميا ، لا يمكن أن يقوم على انكار وقائع تاريخية أخرى أيضا . وفى رأينا أن تقييما علميا لهذه الوقائع ، لا بد أن ينتهي الى نتيجة مؤداها أن الآثار بعيدة المدي للفتح العربي الاسلامي كانت قد خلقت روابط قومية متينة تشمل البلدان التى نعرفها بالبلدان العربية ، حتى ان اى قومية سابقة على الفتح العربي قد تحولت الى قومية ذات خصائص عربية عظيمة الرسوخ . فالقومية المصرية قد صارت قومية مصرية عربية ، من خلال عمليات الصيرورة التاريخية ، تلك التى استغرقت قرونا متعددة . غير أن تلك الاثار بعيدة المدى للفتح العربي الاسلامى ، لم تصل الى حد انصهار كل تلك القوميات فى قومية واحدة عربية . ولا ريب فى أن الفتح العربي الاسلامي قد اضعف طبقات اقطاعية قومية كانت قائمة فى تلك البلدان ، وربما حطم بعضها من الناحية الاساسية ، ولا ريب فى أنه اقام مراكز جديدة ( هى مراكز الخلافة ) على انقاض بعضها ، بما ترتبط به تلك المراكز من طبقات اقطاعية متعاقبة ، تزدهر على ثمار الفتح وعائداته السخية ، وتترعرع على حساب الطبقات الاقطاعية السابقة على ذلك الفتح والتى استمرت أو نشأت بعده أيضا . ومن المفهوم أن الطبقات الاقطاعية التي تعاقبت على دول الخلافة المتعاقبة تلك ، لم تكن الا طبقة الدولة لسيطرة ، لا طبقة واحدة مسيطرة فى جميع البلدان ، كانت طبقة الدولة الفاتحة او التى ورثت ثمار الفتح ولم تكن طبقة الفاتحين والبلاد المفتوحة في نفس الوقت . وهكذا لم تبلغ نتائج الفتح العربي الاسلامي الى حد خلق طبقة استغلالية رئيسية واحدة ، تقابلها طبقة مستغلة رئيسية واحدة ، بحيث تشملان كل البلدان التابعه لعمر أو معاوية أو الخلافة العباسية . وفي ما يتعلق ببلادنا ، فقد تعاقبت عليها طبقات اقطاعية تلعب الدولة دورا رئيسيا فى تكوينها ، أو الاطاحة بها ، في اطار النطاق التاريخي للاقطاع ، وكانت ترتدي دائما أشكالا قومية ( محلية ) تنأي بها عن الامتزاج فى طبقة استغلالية عربية أوسع نطاقا. وهذا ينطبق على الاخشيديين والطولونيين كما ينطبق على الفاطميين والايوبيين والمماليك ، وفي كل هذه الفترات التاريخية ، لا نجد أنفسنا ازاء قومية عربية واحدة ، شاملة لكل البلدان العربية ، تجمع فى اطارها طبقة اقطاعية واحدة ، مع أننا شهدنا تحولات وتبدلات عظيمة الاثر أدت الى غسيل دم شامل بالنسبة للقوميات القائمة التى اصبحت جميعا بعد ذلك مطبوعة بالطابع العربي ولا نقول مصبوغة بالدم العربي فما ذلك الا اسطورة عرقية مرفوضة ، مهما يكن تاريخ القبائل وهجراتها وانسابها ومصاهراتها الخ الخ.. أولا ، لان القومية المصرية العربية على سبيل المثال أوسع كثيرا من تاريخ القبائل ، ذلك فيما يتعلق بالبشر الذين كانوا يكونونها فى تلك القرون البعيدة . ثانيا ، لان التغيرات بالغة الاهمية لم تنقطع ، بل استمرت عند ذلك الزمان فى هذا المضمار . ثالثا ، لان العناصر المترابطة لهذه القومية لا تقوم على أسس عرقية ، بل تنفيها وتتجاوزها الى أسس من نوع تاريخي مختلف يرتبط بتكوين سوسيولوجي يفصل اللغة الى جاءت بها تلك القبائل عن دمائها ، ويربطها بعناصر اخرى من الثقافة المشتركة ، والارض المشتركة ، وهى البيئة المادية الاصطناعية التى صنعها المصريون على مدى آلاف السنين ، والتى يعيدون خلقها من جديد بطبيعة الحال فى مخنلف العهود التاريخية التى تنطوى على أوضاع اقتصادية جديدة ، أوضاع طبقية اجتماعية جديدة ، ومستوى مختلف للقوي الانتاجية الخ الخ ...
واذا كان ذلك يعني ان الفتح قد فتح الباب أمام خلق الروابط القومية العربية التى تعبر عن عروبة تلك القوميات المتعددة ، أي جانبها العربي ، أي واقع أنها جميعا عربية ، فانه يعنى أيضا أن ذلك الفتح قد عجز عن أن يخلق من تلك القوميات واحدة عربية تتصدر فيها جميعا وتتحد فى أطارها الطبقات الاستغلالية فى طبقة استغلالية اقطاعية واحدة وتتحد فى نفس الاطار الطبقات المستغلة ( بفتح الغين ) فى طبقة مستغلة ( بفتح الغين ) واحدة .
ومنذ ذلك الزمان البعيد ، فقد تطورت هذه البلدان بمقوماتها المتعددة ، وبطبقاتها المستغلة والمستغلة فى أطر قومية منفصلة ، برغم الروابط القومية المشتركة بينهما . وأي قراءة سريعة أو متأنية للتاريخ العربي سوف تؤكد هذا الواقع ، واقع التطور المنفصل برغم الروابط القومية المشتركة لهذه المجتمعات العربية المتعددة . ويكفي أن نشير الى نشأة الدول وانهيارها أو الاطاحة بها وقيام الطبقات وانهيارها في مختلف البلدان فى كل تلك العهود بما يؤكد أننا لسنا ازاء قومية واحدة مجزأة ، بل بين قوميات متعددة ، برغم الصفة العربية المشتركة بينها جميعا التى تزيد قوة ومتانة وتعاظم تلك الروابط القومية المشتركة .
ويكتسب هذا الجانب من أوضاع القوميات العربية أهمية مضاعفة فى العهود الحديثة والمعاصرة حيث تنشأ البرجوازية وكذلك الطبقة العاملة في هذه البلدان العربية بصورة منفصلة ، فى أطر قومية منفصلة ، مهما تتعاظم الروابط القومية . فلا يمكن القول اننا ازاء بروليتاريا واحدة طالما أن هذه لا توجد الا فى أوضاع قومية خصوصية ،بل لا تنظم ديكتاتوريتها ودولتها الا فى أطار قومي محدد لا يمكن أن يفصلة سور صيني عظيم عن نزعتها الاممية التى تبتعد بهذا الاطار القومي عن العزلة والانانية والتعصب فى أي اطار قومي برجوازي ، ولا يمكن القول أيضا أننا ازاء برجوازية عربية واحدة ، فنحن ازاء برجوازيات عربية وطبقات عاملة عربية ، فمن العبث الحديث عن قومية عربية واحدة فى الماضي جمعت طبقات اقطاعية وطبقات من الفلاحين والاقنان وطبقات وفئات من التجار والحرفيين الخ الخ .. كما أن من العبث أن نتحدث اليوم عن أمة عربية واحدة تجمع في اطارها كل هذه البرجوازيات وكل هذه الطبقات العاملة وكل هذه الطبقات الفلاحية وكل الطبقات والفئات الطبقية الاخرى .
وكما سوف يتضح من أقسام اخري من هذا الفصل ، ن حرصنا على الحديث العلمي والتوجه الثورى لا يمكن أن يجعلنا ندفع الهواء فى اشرعة الانفصاليين والانعزاليين من كل قبيل ، بل أننا نؤكد على جانبين أساسيين ، ففيما يتعلق بالواقع الراهن فاننا نؤكد على الروابط القومية بين هذه الامم العربية المتعددة ( وهناك أيضا أمم عربية فى سبيل التكوين ويمكن تسميتها قوميات طالما أن القومية فى طور من أطوار حياتها تتجه الى التحول الى أمة ) . وهذه الروابط القومية ليست روابط عادية بل أنها تبلغ حد ( .....) على الصفة العربية لكل هذه الامم العربية المتعددة .أما الجانب الثاني فيتعلق بالمستقبل كما سوف نرى ، حيث لا نقف عند حد الحديث عن وحدة عربية توحد هذه الامم العربية المتعددة فى دولة واحدة بل نذهب الى ضرورة التركيز على انصهار هذه الامم المتعددة فى أمة عربية واحدة اشتراكية ، لها دولتها القومية الواحدة . وان أساس هذا الانصهار التاريخي بعيد المدي هو النضال المشترك للشعوب العربية فى مواجهة الاعداء المشتركين ، المتمثلين فى الامبريالية العالمية بقيادة الاستعمار الامريكى ، واسرائيل والرجعية العربية ، والبرجوازيات العربية التى تستسلم الآن نهائيا لتفتح البلدان العربية أمام الامبريالية .
لا يمكن الا لاحمق أن يظن أن أفضل طريقة لاثبات حسن نواياه تجاه قضايانا القومية العربية ، هى الزعم مع الزاعمين أن هناك قومية عربية جامعة لكل العرب قد عاشت طوال القرون التالية للفتح العربي ، أو الزعم مع الزاعمين أن أمة عربية واحدة تجمع كل العرب فى يومنا هذا ، فما كل ذلك الا نفاقا يورط أصحابه فى اقتفاء أثر الفكر القومي البرجوازي .
اننا لا نرضي لانفسنا ولا نحب لاحد مثل هذا التورط في النفاق ، ومثل هذا التردي في المستنقعات القومية التي تقف عقبة فى سبيل أي تحقيق ديمقراطي ثوري لقضايانا القومية والوطنية العادلة ، ولاهدافنا القومية العربية بعيدة المدي .
وقبل أن ننتقل الى مناقشة طه شاكر والرفاق السوريين والرفاق السوفييت ، نود ابراز بعض النقاط من أجل مزيد من توضيح الخصوصية التاريخية للقضية العربية .
ان الفتح العربى الاسلامى لم يصهر القوميات السابقة ، التى كانت قائمة قبل ذلك الفتح فى البلدان العربية الحالية ، فى قومية عربية واحدة ، ولكنه لم يترك تلك القوميات المتعددة على حالها ، بل أجري عليها ما يشبه غسيل الدم الذي شمل خصائصها ومقوماتها جميعا . وكان أبرز ما نتج عن تلك العملية التاريخية أن هذه القوميات، برغم أنها ظلت متعددة تكون اطارات متعددة للنضالات الطبقية ولقيام وازدهار وانصهار مختلف الدول ، أصبحت جميعا مشتركة في صفة العروبة التى لا يستغرقها النطق واحدة . بل تمتد الى الثقافة بمختلف عناصرها والى غير ذلك من الاشتراك فى الوجود على أرض واحدة .أي أنها صارت منذ زمن قوميات عربية ( القوميات المصرية العربية على سبيل المثال).
ولقد جرى التطور التاريخي اللاحق فى اطار قوميات متعددة ( برغم عروبتها وعربيتها) ولم ينجح هذا التطور فى العصر الحديث فى ادماج هذه القوميات فى قومية عربية واحدة. وقد جرى التطور البرجوازي فى اطارات قومية منفصلة ، الامر الذى أدى الى تحول النظم الاقطاعية والسابقة للرأسمالية ، الى الرأسمالية بصورة منفصلة متعددة وهذا ما أدى الى تحول القوميات الى امم (القوميات العربية الى امم عربية ) بصورة متعددة منفصلة أيضا.
ونتج عن العهد البرجوازي للتطور الاجتماعي التاريخي فى منطقتنا . أمم متبلورة وأخرى فى طور التبلور والتكوين ، متعددة برغم أنها جميعا عربية ، وفى سياق تبلور هذه الظاهرة التاريخية نشأت الحركة القومية العربية .
وحيث أن الظاهرة التاريخية التى كانت فى سبيل التبلور لم تكن تفترض اندماج وانصهار ووحدة اقاليم ومقاطعات ودويلات اقطاعية أو سابقة على الرأسمالية فى أمة برجوازية واحدة لها دولة قومية برجوازية واحدة ، بل كانت وما تزال القضية المطروحة انصهار قوميات وأمم فى امه واحدة ، فأن هذا الواقع الاساسي ميز دائما هذه الحركة القومية العربية عن النماذج الاساسية للحركات القومية الاخرى فى اطوار تاريخية مختلفة .
ولقد تعددت القوى الاجتماعية التى انخرطت فى الحركة القومية العربية ، وتنوعت بالتالى اتجاهات وأهدافها فى مختلف الاطوار والفترات التى مرت بها حتى الآن . ومن الطبيعي أن تكون القضيتان اللتان دارت حولهما هذه الحركة منذ بدايتهما أولا : الانفصال عن نظام الاضطهاد الاجنبي سواء أكان كولونياليا أم امبرياليا ، عثمانيا أم غربيا ، أوروبيا أم أمريكيا . ثانيا : الوحدة العربية . حقا لقد تعددت وتنوعت الاتجاهات السياسية التى تمثل المصالح الطبقية المتعددة ، وأختلفت وتفاوت تركيزها على هذا الجانب أو ذاك ، واختلفت فى طريقة الربط بين القضيتين ، وكان من الطبيعي أيضا أن تصل قوي اجتماعية معينة الى حد خيانة الاستقلال الوطنى والقومي والى حد الانانية ( القطرية) الضيقة ، والى حد استخدام شعارات القومية فى معاداة الشيوعية فى المحل الاول .ان الخارطة المعقدة التى يرسمها تعدد وتنوع واختلاف وتفاوت وتناقض المواقف والاتجاهات والسياسات الفعلية وتلك المعلنة ، لهى من الصعوبة بحيث تحتاج الى المجلدات .
غير ان ما يهمنا هنا فى هذه العجالة أن نضيف بعض الامور ذات الاهمية البالغة بالنسبة لهذه القضية :
لقد حدث تحول بالغ الاهمية فى الحركة القومية العربية ، فاذا كانت قد ارتبطت فى اطوارها السابقة على ما يمكن للبرجوازيات القومية العربية تحقيقه من اهداف هذه الحركة ، فقد حققت هذه البرجوازيات فى بلدان عربية متعددة الانفصال السياسي وفقا للقانون الدولى عن النظام الاستعماري العالمي . ونجحت ايضا فى تصفية الاحتلال العسكري والقواعد العسكرية فى بلدانها ، برغم القواعد العسكرية الامبريالية فى بعض البلدان العربية الاخري . وليس هذا الاستقلال النسبي (وكذلك الاستقلال الاقتصادي النسبي ) فى عدد من البلدان العربية ، حيث تبلورت البرجوازية ولعبت دورا قوميا حقق مثل ذلك الاستقلال النسبي ، لم يغلق الباب فى هذه البلدان أمام تطورات جديدة ، بسبب طبيعة البرجوازية نفسها التى لابد ان تقيم فى النهاية علاقات لتحقيق ترابطها مع الرأسمالية العالمية المترابطة . وتتجه التطورات الجديدة الى التطور فى عدد من البلدان العربية ، وفى مقدمتها مصر ، بحيث أصبح الاستقلال النسبي الذي تحقق به اخطار التصفية وحيث ان النضال الثوري لا يمكن أن يجعل تركيزه الاساس منصبا على اوضاع يحددها القانون الدولى للاستقلال الوطني ، بل ينصب اهتمامه بصورة كاملة على تحقيق الاستقلال الوطنى الجذري ، فان الحركة القومية العربية تشهد فترة التحول فى تطورها من محور البرجوازية القومية الى محور البروليتاريا الثورية .
ولقد حققت برجوازيات عربية متعددة الاستقلال النسبي ، دون أن يرتبط ذلك بأشكال ثابتة من الوحدة العربية فى الحدود التاريخية لاى وحدة قومية برجوازية ، ولم تستمر الوحدة المصرية السورية الا ما يزيد قليلا على الثلاثة أعوام ونصف العام . ولم تعرف المشاريع الوحدوية البرجوازية بعد ذلك سوى اشكال من الوحدات الكونفدرالية ، ولم تكن الوحدة المصرية السورية على اى حال وحدة ديمقراطية ، بل لقد كانت (مهما تكن المطامح الوحدوية الديمقراطية لدى الشعبين المصري والسوري) مجرد دولة وحدة لسوريا ومصر ، تتخذ موقفا ضاريا فى معاداة الديمقراطية والشيوعية امتدادا لموقف البرجوازيتين المتعاديتين ، وامتدادا للنظام الناصري وخصائصه ، برغم الموقف القومي المعادى للامبريالية العالمية بقيادة الاستعمار الامريكي ، الذى قامت تلك الوحدة ( السورية المصرية) فى غمار معاركة التاريخية .
ولكن القضية كما رأينا لا تقف عند حدود الانفصال بين الاستقلال القومي النسبي ، وأقامة أشكال ثابته من الوحدة بين بعض الدول العربية ، لدى البرجوازية ، بل تمتمد فى المحل الاول الى واقع أن هذا الاستقلال القومي النسبي نفسه لا تنجح البرجوازية فى صيانته والحفاظ عليه فضلا عن تطويره ، حيث تستهدفه الآن اعتى الأعاصير الامبريالية بقيادة الاحتكارات الامبريالية الامريكية .
أي أن الحركة الثورية لا يمكن ان تعتمد على ما تستطيع البرجوازية ان تحققه من مشاريع وحدوية ، ليس فقط لهزالها ، وعدم ثباتها ، وطابعها الطارئ المؤقت وفقا للمصالح الانانية المتغيرة لهذه البرجوازية أو تلك ، بل فى المحل الأول لان هذه المشاريع الوحدوية أصبحت أولا : لا تمثل عملا في مواجهة الامبريالية . فلا قيمة لها من زاوية الاستقلال الوطني الجذري ، أو حتى السير فى طريق الاستقلال الوطنى ولا يمكن لأي مشاريع مقبلة للوحدة بين البرجوازيات العربية أن تكون طبعة جديدة من الوحدة المصرية السورية ( فبراير 1958 – سبتمبر 1961 ) فى معاداتها نسبية التماسك للامبريالية العالمية . ثانيا : لان تلك المشاريع الوحدوية تركز على قمع الثورة الشعبية ، أي اتحاد البرجوازيات واتحاد البرجوازيات واتحاد الانظمة الرجعية من أجل تحطيم قوي الثورة الحقيقية . ولقد تجلى هذان الجانبان بأوضح صورة فى اتحاد الجمهوريات العربية بين الانظمة البرجوازية فى مصر وسوريا وليبيا .
وبالاضافة الى ماسبق ، فان التحولات الكبري فى طبيعة الثورة المقبلة فى الجانب الاعظم من البلدان العربية . تؤدي الى القول ان الاهداف الاستراتيجية للثورة العربية قد تركت وراءها أهداف الثورة البرجوازية الديمقراطية . فهى اشتراكية تستكمل فى سياقها مهام الثورة البرجوازية الديمقراطية . وهذا يعني من ناحية ، أن الاشتراكية أصبحت على علاقة وثيقة لا يمكن فصم عراها مع الاهداف القومية والوحدوية العربية ، كما يعني بالتالي ، من ناحية اخرى ، أن القوى البرجوازية والرجعية التى تعادي خط البروليتاريا العربية فى الاستقلال الوطني الجذري وفى ربطه بقضايا الوحدة العربية سوف تزداد ضراوة فى معاداتها للنضال الثوري على أساس هذا الخط ، حيث تبرز الاشتراكية باعتبارها الهدف الاكبر الذي تربط البروليتاريا العربية به كل قضاياها ، ومن بينها قضية الاستقلال الوطني الجذري فى كل بلد عربي وفى كل البلدان العربية وأيضا قضية الوحدة العربية .
أي أن الحركة القومية العربية سوف تدور ليس فقط حول قضية الاستقلال الوطني أو التحرر الوطني وقضية الوحدة العربية فى ترابطهما ، بل لابد لها أيضا من ادماجها فى قضية الثورة الاشتراكية . ان هذا يمثل خط البروليتاريا العربية فى هذه الحركة ، فمن المنطقى ان تتجاوز هذه الحركة كل ما عرفته من قبل من شعارات وأهداف وقضايا ، لتكوين حركة عربية جماهيرية شعبية من أجل الاشتراكية والتحرر الوطني الجذرى والوحدة . ومثل هذه الحركة لا يمكن فهمها الا باعتبارها النضال المشترك للشعوب العربية ، بقيادة الطبقة العاملة العربية ، من أجل تحقيق الاهداف المشتركة فى مواجهة الاعداء المشتركين ، اى أنها لا يمكن ان تظل أسيرة أطارها القديم كحركة قومية تنشد التحرر الوطني وتربطه بالوحدة العربية .
واذا كانت الطبقة العاملة تركز على هذا النضال المشترك بأهدافه البعيدة والقربية ، فأنها لا يمكن ان تتجاهل أن الحركة القومية العربية تنطوي على روافد وركائز وقوى اجتماعية لا تتطلع معها الى الاهداف البعيدة على وجه الخصوص ، ولا تعد مشبعة بخط البروليتاريا فى التحرر الوطني او فى قضايا الوحدة العربية . ويشكل الفلاحون والبرجوازية الصغيرة بمختلف فئاتها وقطاعاتها ، قوي اجتماعية واسعة لا يمكن للطبقة العاملة ان تتجاهلها او تتجاهل نظراتها ومواقفها . فلا بد لها ان تركز على المصلحة المشتركة مع هذه القوي الاجتماعية ، والتى يمكن ، بل يجب ، الوصول على أساسها الى ضرورة النضال المشترك من اجل تحقيق الاهداف المشتركة التى تجمع هؤلاء الحلفاء الطبيعيين للطبقة العاملة معها .
تكتسب القضية القومية العربية خصوصيتها التاريخية ، اذن ، من انها تضع أمامنا وقائع جديدة تختلف عن وقائع قضايا قومية اخرى تعد نموذجية . وعندما ميز لينين في موضوعاته بعنوان ( الثورة الاشتراكية وحق الامم فى تقرير مصيرها) عام 1916 ثلاثة نماذج من البلدان من حيث حق الامم فى تقرير مصيرها ) ، حيث تمثل البلدان الرأسمالية المتقدمة في أوروبا الغربية والولايات المتحدة النموذج الاول ، وحيث تمثل روسيا والنمسا والبلقان وشرق اوروبا عموما النموذج الثانى ، وحيث تمثل البلدان المستعمرة ( وشبه المستعمرة كالصين وايران وتركيا ) النموذج الثالث (4) فقد كان أساس التمييز هو الموقف من حق الامم فى تقرير مصيرها بغض النظر عن ارتباط ذلك بالوحدة القومية بالنسبة لامة أو قومية بالذات.
ولكن تلك الموضوعات لم تكن تناقش ما يتعلق بالوحدة القومية الداخلية لاي بلد من البلدان ، فاذا نظرنا من هذه الزاوية ، فاننا نجد تمايزا من نوع آخر داخل هذا النموذج الواحد . وبغض النظر عن الحدود التاريخية لشعار حق الامم في تقرير مصيرها فلقد برهن هذا الشعار على مرونته الشديدة ، باتساعه لاستيعاب مضامين اخرى ما تزال قائمة ، بل ستظل كذلك طوال حياة الرأسمالية على ظهر كوكبنا . ونلاحظ هنا ان هذه القضية قد عرفت أشكالا متنوعة بالنسبة للنموذج الثالث من النماذج الثلاثة التى عددها لينين ، وليس ما يهمنا هنا هو حصر تلك الاشكال ، أشكال النموذج الثالث من زاوية الوحدة القومية الداخلية فى كل بلد ، بل يهمنا فقط أن نشير بايجاز الى اختلاف القضية القومية العربية من هذه الزاوية عن تجارب أخرى .
فاذا عقدنا بعض المقارنات الموجزة من اجل توضيح الخصوصية التاريخية لاوضاع هذه القضية ، نجد ان الوحدة الالمانية ، على سبيل المثال، كانت توحد دويلات وأقاليم ومقاطعات اقطاعية بالغة حدا متدهورا من التمزق والتفتت والتجزئة . وكذلك كان شأن الوحدة الايطالية فى نفس الفترة التاريخية . وهاتان الوحدتان الالمانية (1870) والايطالية (1871) تختلفان عن قضية الوحدة العربية فى ان كل واحدة منهما كانت توحد أجزاء قومية واحدة فى امة واحدة برجوازية بينما القضية القومية العربية تطرح امكانات انصهار امم وقوميات متعددة برغم انها عربية فى امة واحدة اشتراكية ( بعد أن انتهت الظروف التاريخية لانصهارها فى امة برجوازية عربية واحدة). هذا عن النموذج الاول . ولكن ما يجب ان نلاحظ هنا أننا نورد المقارنة للتوضيح برغم ان ما يماثل الوحدة الالمانية لدينا عبارة عن عمليات تاريخية فى ظروف مختلفة داخل كل بلد من البلدان العربية الحالية . واذا كانت بلادنا ( مصر) في ظل ما يسمي بالاقطاع الشرقي لم تشهد التجزئة التى عرفتها القومية الالمانية ، على سبيل المثال ، فقد تبلورت الامة فيها تدريجيا مع التطور التدريجي للبرجوازية فى مواجهة التجزئة الاكثر تمويها التى لابد أن ينطوي عليها أي نظام سابق للرأسمالية ، كما تبلورت أيضا فى مواجهة أمبريالية بريطانيا العظمي على رأس الامبريالية العالمية .
أما بالنسبة للنموذج الثانى ، فان روسيا القيصرية على سبيل المثال ، بقهرها واضطهادها لعدد من القوميات والامم السائرة في طريق التبلور والتكوين ، كانت توحد تلك القوميات قسريا في دولة واحدة متعددة القوميات ، فما كان لذلك ان يعنى أنها تشكل قومية واحدة أو امة واحدة . وهذا النموذج مختلف تماما عما تقدمه أوضاع القضية القومية العربية فى مختلف اطوارها . ففى ظل العثمانيين والاستعمار الغربي ، كانت الروابط القومية العربية تبتعد بالعالم العربي عن النموذج الروسي القيصري ، الذي كان يوحد قوميات متعددة فى مواجهة عدو مشترك ، فى حين أن البلدان العربية ، بالاضافة الى العدو المشترك او الاعداء المشتركين كانت دائما تملك روابط قومية عربية . واذا كانت قوميات النموذج الروسي القيصرى قد اتحدت بعد انهيار القيصرية ، مكونة عن اختيار وحرية اتحاد الجمهوريات السوفيتية ، فقد فعلت ذلك بفضل النضال المشترك للطبقة العاملة وحلفائها فيها جميعا فى مواجهة العدو المشترك ، وليس لروابط قومية أو لخصائص قومية كانت لدي القوميات المختلفة . أما بالنسبة لنا فان العدو المشترك ( أو الاعداء المشتركين) لم يكن السبب الوحيد الذي يربط الامم والقوميات العربية ، ذلك أنها جميعا عربية ، وبالتالي فمن الطبيعي أن تكون امكانات العلاقات الوثيقة المقبلة اكبر . غير ان ما يجب ابرازه ، ان تلك العلاقات لن تقف عند الاتحاد او الوحدة فى الدولة ، بل أنها تتجه بصورة منطقية وطبقية الى الارتفاع الى مستوى جديد ، هو انصهار الامم والقوميات العربية الحالية فى أمة عربية واحدة . وسوف تختلف هذه النتيجة التى يستهدفها نضالنا الثورى عن التجربة السوفيتية اختلاف الدولة السوفيتية الواحدة التى تجمع عن اختيار طوعى عددا متعددا من الامم الاشتراكية المتمايزة فى خصائصها القومية ، عن الامة الاشتراكية الواحدة التى تندمج وتنصهر لتكونها الامم والقوميات العربية الحالية عن اختيار طوعى ايضا ، والتى سوف يكون لها ايضا دولتها الاشتراكية ، باعتبارها دولة امة واحدة وليست دولة متعددة الامم والقوميات كما هو شأن التجربة السوفيتية العظيمة من هذه الزاوية .
فاذا انتقلنا الى النموذج الثالث الذي يتحدث عنه لينين ، نجد أن قضية انفصال امة او قومية معينة عن النظام الاستعماري لها علاقاتها الوثيقة بتبلور تلك الامة او تحول تلك القومية الى أمة ، طالما ان سرعة او تدريجية او مدى نضج عمليات النضال التحرري الوطني ، لابد ان تكون لها آثارها على القضية الاخرى . غير ان التبلور القومي هنا يناقش داخل الامة الواحدة او القومية الواحدة . فما يناقش هنا على سبيل المثال هو تبلور أو عدم تبلور الامة الصينية من خلال نضالها فى سبيل التحرر الوطني والاشتراكية . بينما تجابهنا أوضاع القضية العربية بقضية من نوع جديد ، هى انصهار امم وقوميات متعددة فى امة واحدة من خلال مثل هذا النضال . ولقد تمت العملية الاولى ، عملية تحول القومية الى أمة فى كل بلد على حدة فى البلدان العربية التى مرت بمثل هذا التحول . أما الشئ الجديد فهو مطروح بكامله أمام المستقبل . هذا الشئ الجديد هو قضية الامة العربية الواحدة . وهذه القضية مختلفة عن أبرز أشكال هذا النموذج الثالث ، فالصين ، على سبيل المثال ، قدمت تبلور امة الهان من خلال نضالها فى سبيل التحرر الوطنى والاشتراكية . اما الهند فقد قدمت نموذج دولة واحدة تجمع قوميات متعددة ، بعد أن شهد الاستقلال انفصال الهند الاصلية الى دولتى الهند وباكستان . التى تجمع كل منهما عددا من القوميات التى لا يمكن تشبيهها بالقوميات العربية ، طالما ان الاخيرة مشتركة فى صفتها العربية التى تتمثل فى خصائص قومية عربية هوية متعاظمة القوة لدى هذه القوميات العربية جميعا . ولقد أدت الحرب الهندية الباكستانية الى نشأة دولة بنجلاديش . التى تتكون فى الاساس من أساس قومي واحد ، أي ( الامة) البنغالية التى تضم دولة الهند قسما هاما منها . بينما ظلت دولة الباكستان ( الغربية ) تضم عددا من القوميات والامم المختلفة المتنوعة برغم انفصال (الامة) البنغالية التي يبدو أنها تشهد أطوار التحول من قومية الى أمة مع سيرها في طريق التطورالبرجوازي . وتتسع امكانات المقارنة وتتشعب وتتفرع الامثلة ، حيث تحتل امريكا اللاتينية وضعا خاصا. ففيما عدا الامة البرازيلية الكبيرة التى تنفرد بين تلك الامم والقوميات بلغتها البرتغالية ، فأنها جميعا تشترك فى عدد من الخصائص والروابط القومية من لغة اسبانية وثقافة لها عناصرها الاسبانية أيضا وغير ذلك ، وهى جميعا تتعرض لاضطهاد وقهر واستغلال امبريالية الولايات المتحدة الامريكية ، وتناضل قواها الثورية جميعا ضد هذا العدو الواحد المشترك . وهذه الصفة الاسبانية ، اللاتينية لدى تلك الامم والقوميات تختلط بالتأكيد بخصائص سابقة على الفتوحات الاسبانية ، لكن هذه الامم والقوميات ، برغم اشتراكها فى خصائص قومية معينة شأنها شأن الامم والقوميات العربية ، وبرغم تبلورها المنفصل وتحول قومياتها الى امم برجوازية متعددة كما حدث في عالمنا العربي ، الا انها تختلف من زوايا بالغة الاهمية عن أوضاع الامم والقوميات العربية .. حقا أن امكانيات المقارنة تتسع وتتشعب وتنفرع ، الا أننا سوف نكتفى بهذا القدر الذي نود أن نكون قد ابرز بعض عناصر الخصوصية التاريخية للقضية القومية العربية .
فأذا انتقلنا الى مناقشة الرفيق طه شاكر فلابد من العودة الى الكنوزالتى يحتويها ذلك النص الصغير الحافل بالاخطاء الكبيرة . ففى ذلك النص وجدنا المؤلف يفترض توفر معظم المقومات الاساسية لنشأة الامم ووحدتها فى العصر الحديث ، وهى كما يضعها الرفيق شاكر ( وحدة اللغة والارض والتاريخ والتراث وتشابه فى التكوين النفسي الذي يتمثل فى الثقافة المشتركة .، ولكنه يضيف أنه ( كان ينقصها عامل حاسم فى التشكيل القومي فى مرحلة الثورة البرجوازية وهو الاقتصاد المشترك) . ولقد ابدينا من قبل ملاحظاتنا على مقومات القومية والامة كما يضعها الرفيق المؤلف وابدينا ملاحظاتنا ايضا على نظرية العوامل الثلاثة التى ينقصها عامل رابع ، والتى تنتهى الى ان أمة واحدة كانت ستتكون ما لم يقف فى الطريق (العامل الاقتصادي) دائم المشاكسة . ان الاقتصاد المشترك هو أيضا الدواء السحري لدى أساطين طب الامم والقوميات ، ولدي أساطين كهانة الامة العربية . فهم يقترحون ( ايجاده) حتى تكتمل للامة الواحدة مقوماتها ، بل قد يذهبون الى أن الأمة الوحدة قائمة ، لاينقصها شئ ، المطلوب فقط تدعيمها وتعزيزها بالاقتصاد المشترك الذي يمكن ان يستحيل عند بعضهم الى تكامل اقتصادي أو عامل اقتصادي . والواقع أن هذه التصورات المرتبطة بالاقتصاد المشترك ، لا يمكن أن ننظر اليها باعتبارها اخطاء تتعلق بهذا الجانب الاقتصادي فقط ، طالما أنها تقدم معا منطقا فى النظر الى القضية القومية بأسرها . فالقومية الواحدة تتحول الى أمة محددة بفضل احتياجات التطور البرجوازي ( برجوازية هذه القومية المحددة ) ، هذا التطور الذي يخلق فى مجراه الاقتصاد المشترك والسوق الداخلية المترابطة والحياة الاقتصادية الواحدة . هذا صحيح تمام بالنسبة للقومية الواحدة فى تحولها الى أمة تستبقي الخصائص القومية وتضيف اليها. ولكنه لا يصح أبدًا عندما يكون الحديث عن قوميات متعددة يفترض تطورها الى امة واحدة . فلا يمكن أن (تجصل)هذه القوميات المتعددة (العربية فى حالتنا) على اقتصاد مشترك دون أن يكون ذلك جزءا من عملية برجوازية مترابطة ، تنصهرفيها طبقة برجوازية كبيرة واحدة ليكون الاقتصاد المشترك ممكنا فهذا الاقتصاد المشترك لا يمكن اختزاله الى تكامل اقتصادى بين برجوازيات كبيرة متعددة . والواقع ان الرفيق طه شاكر يرتكب خطأ فادحا بظنه ان معظم المقومات الاساسية لنشأة الامم فى العصر الحديث كانت متوفرة منذ البداية أو حتى فى أي وقت من الاوقات ، بالنسبة لحركة ( القومية العربية) كما يسميها فما توفر بالفعل في مجرى التطور فى المائة عاما الاخيرة ، على سبيل المثال كان مقومات تحول القوميات المتعددة الى أمم متعددة وهذا ما تم بالفعل .، فقد تحولت القوميات العربية السابقة الى الامم العربية الحالية . وكانت كل أمة تملك الاقتصاد المشترك والسوق الداخلية المترابطة والحياة الاقتصادية الواحدة ، بل لقد ارتبط تبلور كل أمة بتبلور هذه الاشياء، بتبلور هذا ( العامل) الاقتصادي فى كل بلد وبالنسبة لكل قومية آخذة فى ذلك التحول التاريخي . اما ما لم يتوفر بالفعل فهو (انصهار) تلك القوميات العربية المتعددة فى أمة عربية واحدة ، فذلك الانصهارلم يكن ليعتمد على اقتصاد مشترك يهبط جاهزا من السماء ، بل لا يمكن لهذا الاقتصاد المشترك الا ان يكون ثمرة ناضجة لتطور عميق بعيد المدى ، تندمج فيه عملية رأسمالية واحدة في كل العالم العربي ، يعكس التطور التاريخي الذي جرى في أطر قومية ( عربية) متعددة فى كل بلد على حدة .
ولعل من المفيد أن نلاحظ أن تناول مقومات وخصائص القومية والامة في انفصال بعضها عن بعضها الآخر ، لا يمكن الا أن ينطوي على افقار شديد لنظرتنا الى هذه القضية . فالواقع أن تحول القومية الى أمة لا يترك الخصائص القومية فى أوضاعها السابقة . وفيما يتعلق بالأرض فلا يمكن الحديث عن ارض مشتركة باعتبارها رابطة قومية لمجرد الامتداد الجغرافي للارض بين قوميتين او امتين ، وعلى سبيل المثال ، فان الامتداد الجغرافى للأرض العربية ليس من شأنه ان يكون رابطة قومية ، تشهد تحولا عميقا بعد تحقيق الانصهار بين الامم والقوميات العربية ، لتكتسب صفة لم تكتسبها حتى الآن حيث أنها تختلف عن الوطن المشترك بكل ما يتعلق به ، وتختلف ايضا عن البنية المادية الاصطناعية التى تعبر عن تكوين نفسي مشترك أو طابع قومي مشترك . فحتى اللغة تتأثر أشد التأثر بالتطور الهائل لمستوي قوى الانتاج فى العهد البرجوازي للتطور التاريخي ، الذي يعرف وحده التحول من قوميات الى أمم ، وتختلف أوضاع اللغة بالنسبة لأمة أو قومية واحدة تنطلق بها ، عن أوضاع امم وقوميات متعددة تنطق بها جميعا ، لان الحياة الواحدة للأمة الواحدة بعناصر تلك الحياة المادية ( الاقتصاد المشترك والارض المشتركة ) والروحية ( التكوين النفسي المعبر عنه فى ثقافة مشتركة ) لا يمكن الا أن تحيط اللغة بظروف وأوضاع خصوصية من حيث عزلة أو انتشار ، ومن حيث تطور وازدهار وحركة بعض خصائصها . كما أن التكوين النفسي ومختلف عناصر الثقافة المشتركة التى تعبر عنه أو الطابع القومي ، لا يمكن أن توفر لها القومية بخصائصها السابقة للرأسمالية كل ما يمكن للامة البرجوازية أن توفره لها . ولعل هذه المسألة من الوضوح بما لا يبرر الاستمرار فى منا قشتها التى نضطر اليها لضرورات قاهرة تنبع من الغموض الذي يحيط لدى بعضهم بأكثر الامور بساطة ووضوحا .
فلنستمر مع الرفيق طه شاكر ، الذي يقول فى الفقرة التالية :
( وقد افضي فقدان هذا العامل الهام في التكوين القومي والحواجز الجغرافية والاستعمارية – تقسيمها بين مختلف القوى الاستعمارية كوحدات منفصلة – أفضي ذلك الى بروز خصوصية وتمايز ، من الضرورى أن يعطي لها كل اعتبار . فلا شك أن واقع التجزئة التاريخية فى العالم العربي أدي الى نشأة برجوازيات محلية ونموها بدرجات متفاوتة فى كل بلد عربى ، كما أدى الى اكتساب هذه البرجوازيات المحلية الذاتية خاصة ( واستقلال) داخل اطار سوقها المحلى ، كان بعدها عن مفهوم (القومية العربية) الواحدة وعن الحركة القومية التوحيدية ، وهو ما ينعكس بوضوح فى موقف البرجوازية المصرية التاريخي من هذه القضية ) ( قضايا التحرر الوطنى والثورة الاشتراكية في مصر . دار الفارابي ، بيروت ، صفحة 234).
يفترض المؤلف هنا أن فقدان ( العامل الاقتصادي ) هو الذي أدي الى كل هذه الكوارث ، ومنها نشأة برجوازيات متعددة بدلا من برجوازية عربية واحدة تقوم بالتوحيد القومي . وكان الاجدر بالمؤلف أن يلاحظ أن غياب الاقتصاد المشترك ثمرة طبيعية ونتيجة منطقية لنشأة وتطور برجوازيات متعددة فى أطر قومية متعددة أصلا . فقد تقوم برجوازيات متقدمة فى أحد أقسام قومية معينة بدور حاسم في توحيد تلك القومية . أما بالنسبة لنا فالقضية ليست تحول مقاطعات ودويلات وأقاليم اقطاعية تكون قومية الى أمة برجوازية . ذلك أن الامر أصلا هو تعدد القوميات ( العربية مع ذلك) وليس مجرد التجزئة الاقطاعية وذلك بالاضافة الى مختلف الاوضاع التاريخية التى أحاطت بهذه العملية التاريخية .
أما التجزئة التاريخية فى العالم العربي فهى ليست تجزئة لوحدة سابقة .
حقا لقد كانت هناك دولة عربية اسلامية زمن الخلفاء الراشدين وزمن الامويين والعباسيين تجمع معظم المنطقة العربية الحالية ، ولكن الدولة الواحدة تختلف عن القومية الواحدة ، ما دامت دولة قائمة على الفتوحات دون ان تكون شكلا سياسيا تتخذه قومية واحدة . وقد أحسن المؤلف صنعا عندما رفض على طريقته الخاصة دعاوى ( القومية العربية ) الثابتة منذ القدم ( ذات الرسالة الخالدة ) كما رفض المفاهيم العرقية . ولكن المؤلف فعل كل ذلك على طريقته أي بالسطحية التى تلازمه كظله .
ولكن ما هو أكثر طرافة من كل ذلك ، هوهذه المعادلة الغربية العجيبة التى يكررها المؤلف هنا بعد أن ( اكتشفها) لأول مرة في صفحة سابقة . أنها معادلة التناسب العكسي بين قوة البرجوازية المعينة واهتمامها بالحركة القومية العربية ( التوحيدية) . فعندما تبلغ برجوازية ما مستوي معينا من القوة والازدهار ، فأنها تبتعد عن هذه القضية ، وهذا ما يراه في البرجوازية المصرية وموقفها التاريخي من هذه القضية ، المعادلة لا تقوم على أساس ولكن ما يدهش أكثر أن المؤلف لا يهتم بذلك ، لا يهتم بتوضيح الأسس التي يقيم عليها معادلتة بنفس الطريقة التي تجعله دائما ، فى كل كتابه ، يهمل قضية لماذا وكيف ومتى الخ .. هذه الاسئلة التي لا مناص من مناقشتها . ولقد وفق الرفيق المؤلف في صفحة سابقة من كتابه الى اكتشاف أن مصر ، لانها أقوي نسبيا ولان شعبها موحد على امتداد التاريخ ، ولان لها تراثها الوطني المحلي وتمرسها في مواجهة الاستعمار الغربي ، ( لم تستشعر الضعف بنفس القدر ) كما شعرت به البرجوازية الفلسطينية والسورية والعراقية واللبنانية ، ولذلك فقد اعتمدت مصر على مواردها الذاتية وقواها المحلية و ( لم تتبين وتستوعب المفهوم ( القومي العربي الشامل ) . وظل صداه بين صفوف البرجوازية المصرية ضعيفا باهتا ) ( المصدر السابق : قضايا التحرر الوطني والثورة الاشتراكية فى مصر . دار الفارابي ، بيروت ، صفحة 233) .
حقا أنه لابد من درجة كافية من ( اللامعقول) حتي يتبين المرء منطقا فى الكلام . فلا يمكن الاعتماد على أن يسبق مفكرون قوميون من الشام غيرهم الى الاسهام فى الفكر القومي العربي البرجوازي الاستنتاج أن البرجوازية عندما تكون أقوى تكون أقل اهتماما بهذه القضية . حقا ان البرجوازية الاضعف قد تكون بحاجة أشد الى مساعدة والى حلفاء والى من يتضامن معها ، ولكن الا يجدر بنا أيضا أن نلاحظ أن البرجوازية الاقوي قد تكون أكثر اهتماما من زاوية أخرى ، هى زاوية أن قوتها الاكثر يمكن أن تلهب نزوعها الى السيطرة على مجال محدد؟ ألم تكن البرجوازية المصرية هى الاكثر قوة فى الخمسينات والستينات ؟ فهل منعها ذلك من أن تكون الاكثر اهتماما أو الاكثر تصديا لزعامة حركة القومية العربية طوال العقدين السابقين ؟ وهل يجوز فهم الموقف الذى وقفته البرجوازية بما يقوله المؤلف عن ابتعادها التقليدي عن هذه القضية بسبب قوتها الاكبر ؟ ام يجوز لماركسي أن يفهم ذلك الموقف باعتبار انه بدافع التضامن العربي والمساندة والدعم المتبادل بفضل بركات ( ثورة ) 23 يوليو 1952 ، كما يذهب المؤلف فى صفحة 233 ، من كتابه المذكور ، فى فقرة خالية من أى ذكر لاي مصالح وأهداف طبقية في اتخاذ هذا الموقف. ثم ماذا كانت البرجوازية المصرية قد صنعت بقوتها الاكبر ، بحيث تقل حاجتها الى المساعدة ؟ وهل كانت الا برجوازية مقهورة في بلد مستعمر خاضع لامبريالية بريطانيا العظمي ! ولماذا لم يفكر الرفيق المؤلف فى أسباب أخرى لتفسير ظهور الفكر القومي البرجوازي في الشام أولا ؟ وهل يجوز مثلا تجاهل واقع تأخر نشأة البرجوازية المصرية وبالتالي تأخر الفكر الذي يمثلها ، حيث كانت الضربات القاصمه المتكررة تضعف أو تسحق دائما خلال القرن التاسع عشر أي تراكم رأسمالي حتى نشأت البرجوازية القومية متأخرة ، ليس امتدادا لتراكم رأسمالي سابق ، بل من أصول وجذور مختلفة تنتمي الى كبار ملاك الارض ، بينما لم تواجه البرجوازية الناشئة فى الشام نفس هذه الاوضاع ؟ وكيف يمكن تفسير سبق الشام الى أشكال أخرى من النهضة فيما عدا اليقظة ( القومية ) ؟ وهل يرجع ذلك الى ضعف برجوازية الشام وقوة البرجوازية المصرية أيضا؟ وكيف يمكن تجاهل أن البرجوازية المصرية قد تحصنت وراء جدران سميكة من ( مصريتها) فى زمان ضعفها الاكثر ، ونظر زعيمها سعد زغلول الى البلدان العربية الاخرى باعتبارها مجموعة أصفار ، عندما كانت هذه البرجوازية تناضل بطريقتها التدريجية من أجل السلطة والسوق داخل مصر أي داخل مجالها المحلى الطبيعي ، وأن هذه البرجوازية ، عندما أخذت قوتها تتعاظم ، وبالاخص منذ استقلالها بالسلطة وانفرادها بالسوق ، قد طرحت بكل الحاح قضية القومية العربية ، ونازعت الاستعمار العالمي على مجالات سيطرته فى المنطقة العربية ، ونظرت الى هذه المنطقة باعتبارها المجال الطبيعي لنموها ولحياتها الاقتصادية ، باعتبارها بالأخص البرجوازية الاكثر قوة ؟
تلك أسئلة يتجاهلها ويتجاهل غيرها مؤلفنا الذي يفقد الاتزان عندما يسرع الى وضع معادلات وصيغ وتركيبات وموازين غريبة ، بسبب أى ظاهرة جزئية يسئ تفسيرها ، بدلا من محاولة تفسيرها على وجهها . ولكننا أبقينا متعمدين حتى الآن ، الفاكهة التي يقدمها الرفيق المؤلف ، ولكن يبدو أن القارئ لن يجد لها طعما لأن مؤلفنا أفسدها بتكرار تقديمها فيما يستحق وما لا يستحق . انها الهيدروليكا أيضا يارفاق ! فالمؤلف لا يهون عليه اغماط الهيدروليكا حقها فى أي ظاهرة . فكما فعل فى ما مضي مع البرجوازية البيروقراطية ، وأساسها الهيدروليكي ، فانه يرجع وحده شعب مصر ( على امتداد التاريخ) الى ( حكم أساليب الانتاج الهيدروليكي والوضع الجغرافي )، وهو كما يري القارئ لا ينسي حتى خطأه اللغوي الخاص عندما يقول ، الهيدرولوجي)) بدلا من (الهيدروليكي) كما يفعل خلق الله ، الا أن تكون الاخطاء ، حتى اللغوية منها ، قد أصبحت من ( لوازم) التعالم فى هذا الزمان الحافل .
ولعل من المنطقي ألا نجد مادة جديرة بالمناقشة فى ما يتعلق بالخصوصية التاريخية للقضية القومية العربية لدى الرفيق طه شاكر ، ما دامت جهوده تنصب فى المحل الاول على تجنب أى مناقشة حقيقية . فلنمر مر الكرام على الرفاق السوريين لنقف على حقيقة خلافاتهم فيما يتعلق بهذه القضية ، وان نبادر الى القول أنه برغم تقدم الاتجاه الذي يمثله الطويل – فيصل – عبد الصمد الخ .. بعض الشئ ، وفى بعض النقاط ، على الاتجاه البكداشي ، فان الاتجاهين لا يتخليان عن الجذور والمواقف المشتركة فى أغلب الاحوال وفى أخطر القضايا . وفى ما يتعلق بالقضية التى نناقشها هنا فان الاتجاه البكداشي لا يكاد يقدم سوي تكرار ما يقوله الرفاق السوفييت ، وهو يرتكب الاخطاء الفادحة تلو الاخطاء الفادحة ، خوفا مما يصمه الرفاق السوفييت باعتباره اندفاعا وراء النزعة القومية البرجوازية ، وتنافسا مع القوميين البرجوازيين فى ميدانهم الخاص . بينما الاتجاه الآخر لا يخشي من ذلك الاندفاع ، بل يقبل على المزيد والمزيد من الاندفاع حتى أنه ليكاد يعتمد فى المحل الاول على الفكر القومي العربي البرجوازي . والواقع أن الاتجاهين يتخليان بصورة مزرية عن تعاليم الماركسية اللينينية فى هذا المجال . فلا يمكن للمرء أن يؤيد مواقف أحداهما فى مواجهة الآخر ، ما دامت مواقف الاتجاهين ، جذيرة بأن نتصدى لمواجهتها . ومهما يكن التعاطف الذي يمكن أن تثيره بعض أوضاع ومواقف الاتجاه اللابكداشي فى مواجهة الاتجاه البكداشي ، فلا يمكن الا أن نلاحظ أنها أوضاع ومواقف محددة ضامرة وهزيلة ، ولا تنأي به عن كونه ، مثل الاتجاه الذي يتصدي لمواجهته ، اتجاها مراجعا يمينيا عاجزا عن طرح أسس ماركسية ثورية لتجاوز المراجعة اليمينية السائدة فى الحركة الشيوعية العربية والمسيطرة داخل الحزب الشيوعي السوري .
نقرأ فى مشروع برنامج الحزب الشيوعي السوري ، ذلك المشروع الشهير الذي علق عليه الرفاق السوفييت وغيرهم :
( تتوفر لدى العرب كل مقومات الامة الواحدة ومع ذلك فأنهم يعيشون موزعين فى بضعة عشر بلدا تشغل مساحات واسعة من شمال افريقيا وغرب آسيا ) (4) يا للخسارة ! الناحية الجغرافية سليمة تماما . أما الناحية الحسابية فمن الواضح أنها خطأ حيث أن العرب موزعون فى عشرين بلدا بالتمام والكمال . أما الناحية الخاصة بالامة الواحدة الموزعة فانها تملأ العين بالدموع . فيا للحقيقة المؤلمة ، حقيقة أن البرامج ، برامج الاحزاب الشيوعية ، أصبح من حقها أن تهذى بما تشاء من لغو باطل ، فأين مقومات الامة الواحدة ؟ يجيب مشروع البرنامج نفسه على هذا السؤال بقوله :
( ان وحدة اللغة والتاريخ والارض والتكوين النفسي المشترك الذي يجد تعبيرا له فى الثقافة المشتركة وتوفر امكانيات التكامل الاقتصادي ، كل ذلك يجعل من العرب أمة واحدة الخ)....(5) .
لقد وضعنا خط التشديد تحت كلمة ( التاريخ ) لنلاحظ أن مشروع البرنامج لم يزهد فى لذه الوقوع فى خطأ الحديث عن ( التاريخ) باعتباره احدى خصائص وملامح الامة أو القومية ، هذه اللذة التي لاحظنا من قبل أنه يندر أن يوجد ( شيوعي) عربي من القناعة بحيث يفكر فى حرمان نفسه من الوقوع فيها ! أما عبارة ( توفر امكانيات التكامل الاقتصادي) فقد وضعنا تحتها خطأ لنلاحظ أن هذا الفريق المتشدد في اندفاعه القومي لا يحتاج الى توفر (( اقتصاد مشترك )) لكي نكون ازاء أمة تكتمل بتوفير هذا ( العامل)) دائم المشاكسة ، بل يكفى فقط ( توفر الامكانيات ) لمجرد ( التكامل الاقتصادي ) حتى نجد العملاق المنشود ( أي الامة العربية الواحدة ) ماثلا أمامنا . أي أننا قد تقدمنا كثيرا على العهود التي كان لخاتم سليمان فيها قيمة ، فلكى نحصل على الامة العربية الواحدة لا يلزمنا شئ ، لا يلزمنا حتى خاتم سليمان . ان (امكانيات التكامل) تكفي ! مهما تكن امكانيات غير كافية ومهما يكن التكامل بعيدا عن الاقتصاد المشترك والحياة الاقتصادية المشتركة ، توجد أمة عربية ! وهذه هي المصادر الاساسية للمعرفة ، فلا حاجة لبرهان . ومهما يكن من شئ فان البرهان أسهل من السهولة ، ما دامت امكانيات التكامل متوفرة .
لا حاجة بنا اذن للحياة الاقتصادية المشتركة أو الاقتصاد المشترك أو السوق الداخلية المترابطة كما كان الامر أيام ستالين ، وحتى لا حاجة بنا الى التكامل الاقتصادي كما يؤكد المفكرون البرجوازيون ، ما دامت ( الحياة ) قد برهنت على عنادها بأن قدمت هذا الفريق المندفع فى نزعته القومية ، والذي لا يخفي على أحد انقطاع صلات الرحم بينه وبين الماركسية – اللينينية ، ليصيح بأعلى صوته ان مجرد ( توفر امكانيات التكامل الاقتصادي) يكفى لنقول اننا ازاء أمة عربية واحدة ، بقدرة قادر مقتدر .
من أين تعلم الرفاق السوريون كل ذلك ؟ ربما من (الحياة) التى تملأ فم المراجعه الجديدة ، ربما من الوقائع الجديدة التى اعتمدت كل مراجعة مهما يكن زمانها على فهمها بصورة خاطئة ، لادعاء أنها تدعو الى تبنى أفكار جديدة لا تمت بصلة الى تعاليم الماركسية ، التى لا يقولون أنها شاخت ، ما داموا يتحدثون باسمها ، بل يكتفون بوصف أفكارها الجوهرية بأنها هى التى شاخت .
ولكي يبرهن مشروع البرنامج على وفرة حكمته ، فانه لا يقف عند اللحظة الراهنة للقضية القومية العربية ، بل يعود يتتبع عناصرها الى الجذور التاريخية الضاربة فى الماضي البعيد ، ويقول مشروع البرنامج ( أن سيطرة الاستعمار جعلت تطور العلاقات الرأسمالية فى البلدان العربية ونشوء برجوازيات عربية فى كل قطر عربي يجري ببطء ، الامر الذي حال دون نشوء برجوازيات قوية قادرة على أخضاع البرجوازيات العربية الأخرى واقامة دولة عربية واحدة على أساس برجوازي ) (6).
لم تنشأ برجوازية عربية قادرة على اخضاع البرجوازيات العربية الاخرى ، فلم تنشأ بالتالي دولة عربية واحدة : هذا كل ما يعرفه مشروع البرنامج عن الخصوصية التاريخية للقضية القومية العربية . انه يكتفى بالتحسر على الفارس البرجوازي الذي لم يأت موفور الفتوة لكي يخضع الفرسان البورجوازايين الآخرين باعتباره الشئ الوحيد الجدير بالملاحظة ، ويدور الحديث حول دولة عربية برجوازية ، ليس حول أمة واحدة كان يمكن أن تتحول اليها القوميات المتعددة السابقة فى ظروف مختلقة أشد الاختلاف . ولكن الاهم من كل ذلك هنا أن مشروع البرنامج قد حل محل ذلك الفارس البرجوازي الغائب ، فبرغم أنه لم تظهر برجوازية قادرة على اخضاع البرجوازيات الاخري فى دولة واحدة الا أن مشروع البرنامج لم يكتف بتوحيدها جميعا ، بل صهرها فى أمة واحدة بفضل ( امكانيات التكامل ) . ولم يدر مشروع البرنامج أن ما حققه هو ، أي الامة الواحدة ، أصعب منالا بكثير جدا مما يحلو له أن يتصور ان البرجوازية القادرة ( باعتبارها الاحتمال الوحيد والامكانية الوحيدة فى الماضي) كانت كفيلة وحدها بتحقيقه ، أي الدولة الواحدة . أن ما يجب أن يعرفه هذا الفريق المندفع فى نزعته القومية . من أجل المستقبل لا من أجل ماض أجهض حلمه بالنيابة عنه ، هو أن انصهار الامم والقوميات العربية المتعددة فى أمة واحدة ، أمر كان وسيظل أكثر تعقيدا وصعوبه ، من ظهور دولة واحدة تشمل بسيطرتها كل البلدان العربية .
ويظهر الرفاق السوفييت جهلهم الشديد بخصوصية الاوضاع التى يستفتون فيها فيفتون ، وهم يحاولون كبح الجماح القومي لدى الفريق المندفع قوميا ، كجزء من محاولتهم لكبح جماح ذلك الفريق فيما يتعلق ببعض مواقفه المشرفة ( من الصهيونية على سبيل المثال حيث يحاول الرفاق السوفييت عبثا أن يعلموه كيف تكون أصول التعايش مع أسرائيل الصهيونية بدلا من التصدى لمواجهتها) .
ويقول القادة السياسيون السوفييت عن علم غزير
( كل دولة تكونت خلال قرون ، وليس ذلك ذنب أحد ، بل ان سيادة العثمانيين خلال قرون، ثم سيطرة الاستعمار ، كل ذلك أدي الى عيش كل شعب في بلد ، فى دولة (7).
وبعيدا عن حديث الذنوب ، فان العثمانيين والمستعمرين الغربيين قد اسهموا فى استمرار وتعميق ( تجزئة) سابقة عليهم جميعا ، وما أعمق تأكيد الرفاق السوفييت أن كل شعب عاش فى بلد ، فى دولة ، بينما يدور الحديث عن عملية سوسيولوجية تاريخية تتعلق بتعدد القوميات والامم وباندماجها أو عدم اندماجها .
ويرى القادة السياسيون السوفييت أن ( الدولة العربية الموحدة) أبعد من الهدف الاستراتيجى : الاشتراكي ، ( فهى وحدها التي تخلق الاسس لدولة عربية موحدة ) ان ذلك لغريب ! فالدولة العربية الواحدة ممكنة تماما مع وليس بعد تحقيق الاشتراكية (8). أما الهدف الجدير حقا بالنظر اليه فى المدى الابعد ، فهو انصهار الامم الحالية فى أمة عربية واحدة اشتراكية . فلا شك أن المدى الذي يتم فيه هذا الانصهار لابد أن يكون كافيا ، لابد أن يكون طويلا بحيث يتسع لهذه العملية التاريخية السوسيولوجية بالغة التعقيد والتشابك والحساسية .
ويذهب الرفاق السوفييت ( القادة السياسيون) الى ( أن التطور خلال عشرات السنين ، فى ظلال الاشتراكية هو الذي يمهد الطريق لمثل هذه الدولة ) (9). ان هذا غريب وفظيع ، فقد كانت ثورة اكتوبر العظمي كافية لاقامة اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية دون انتظار ( التطور خلال عشرات السنين، فى ظلال الاشتراكية ، بين قوميات وأمم متعددة لا تربطها روابط وخصائص قومية مشتركة ، كما هو الشأن مع الامم والقوميات المتعددة ولكن العربية مع ذلك . فلماذا نكون ، نحن العرب ، فى حاجة من أجل قيام دولة مشابهة ، لعشرات السنين من التطور اللاحق بعد تحقيق الثورة الاشتراكية ؟ برغم أن ما يربط الشعوب والامم والقوميات العربية من حيث الروابط القومية فى صالحها من هذه الزاوية عند عقد أي مقارنة مع القوميات والامم التى كانت توحدها القيصرية الروسية باعتبارها عدوا مشتركا لتلك القوميات والامم لم تكن تجمعها ببعضها الآخر أي روابط قومية . ويسوق القادة السياسيون على نفس الصفحة أغرب اجابة قائلين :
( مثلا الدول الاشتراكية ، حتى بعد عشرات السنين لا تضع حتى الآن هدفا استراتيجيا حول توحيد البلدان الاشتراكية فى دولة موحدة . ربما الجيل المقبل سيضع أمامه هذه المهمة الاستراتيجية ) (10).
حقا ان هذا الكلام لا معنى له ، بل هو لغو فارغ . فما دخل الدولة الاشتراكية بالمسألة ؟! فما يناقشه الرفاق السوفييت هنا يتعلق بدولة تجمع بلدان اشتراكية تختلف اختلافا كاملا فى جذورها وأوضاعها القومية ، بينما الواقع العربي يطرح قضية مختلفة تتعلق بأمم تربط بينها أوثق الروابط القومية ، فهى جميعا عربية ، والقضية هى تقارب واندماج هذه الأمم المتحدة ليس فقط فى دولة بل أمة اشتراكية على أساس واقعها القومي المتشابك من الأساس فما دخل الدولة الاشتراكية بهذا ؟
فاذا انتقلنا من الرفاق السوفييت الى الرفيق خالد بكداش ، فاننا لن نشعر بأي انتقال ، أو بأي اختلاف ، بل سوف نرى أنه ينسخ كلام السوفييت وينقل عباراتهم . يقول بكداش:
( الوحدة العربية هى نتيجة موضوعية لوجود شعب واحد هو الشعب العربي ، فى دول متعددة ، وبالتالي فهى الطريق لاستكمال الشعب العربي تكوينه كأمة واحدة ) (11).
ما معنى أن الوحدة العربية نتيجة موضوعية لوجود شعب واحد؟ وهل معنى ذلك أن تلك الوحدة موجودة وقائمة بالفعل ، ما دام الشعب الواحد موجودا؟ أم يعنى أنها هدف يجب النضال من أجله ما دام الشعب واحدا . ما دام ينظر الى الوحدة كطريق فهى اذن هدف للنضال أمام الشعوب العربية .
ان ما يلفت النظر ان عبارة ( الشعب الواحد ) تتظاهر هنا بأنها تحل لغزا وتقدم حلا وسطا مؤداه أن العرب شعب واحد طالما أن العلم السوفييتى لن يتسع صدره لاعتبارهم قومية أو أمة واحدة . ولكن الحل الوسط فى العلم لا يحل شيئا ، بل لا يمكنه أن يكون الا ثمرة نزعة معادية للعلم مهما تتعالم وتتظاهر بالتقيد بالاصول والقوانين والتعابير العلمية وفوق العلمية ، قد يقال ( الشعب الواحد) من قبيل التساهل أو البساطة أو ابراز الاشتراك فى نفس المصلحة الواحدة ، ولكن يجب أن تتضمن طريقة تقديم هذه العبارة ما يضفى عليها صفة ( التوحيد فى شعب ) ان امتنع ( التوحيد فى أمة ) لاسباب عملية . فاذا كانت الامة تجمع كل طبقات المجتمع ، فان الشعب يجمع فقط عددا من هذه الطبقات وهى تلك التى نسميها بالطبقات الشعبية . فالشعب لا يتسع للطبقات الاستغلالية التي تتسع لها مفاهيم الأمة والقومية والسكان ولا يمكن لسبب أن يكون واحدا على المستوى العربي ، طالما أن الطبقات الشعبية أو أي طبقة منها ، كالطبقة العاملة ذاتها ، لا يمكن أن تكون واحدة على نفس المستوى العربي الواسع . فاذا قلنا الطبقة العاملة العربية ، فلا يمكن أن يعني ذلك سوي الطبقات العاملة العربية . كما أن قولنا الطبقة العاملة العالمية ، لا يمكن أن يعنى سوي الطبقات العاملة فى كل البلدان ، لان المصلحة الأممية للبروليتاريا والمستقبل بعيد المدى المتجاوز لانقسام المجتمع الانساني الى أمم باعتبار ذلك هدفا عظيما للبروليتاريا الاممية لا يمكن لهذه الأشياء بالغة الاهمية أن تنفي واقع وجود كل طبقة عاملة فى اطار قومي محدد ، أو واقع أن ديكتاتورية البروليتاريا فى بلد معين لا تقفز على أوضاعها القومية النوعية ، بل تعنى تنظيم الطبقة العاملة لنفسها كأمة ، كأمة اشتراكية بطبيعة الحال . كل ذلك لا يترك لمبادرات بكداش المعانى العلمية التى تحاول الايحاء بها . فهى ليست سوى تلاعب بالالفاظ ، ما دام الشعب لا يمكن أن يكون واحدا الا فى أمة واحدة ، ويقول بكداش:
( ثمة عمليتان موضوعيتان تسيران معا : عملية تقارب بين البلدان العربية ، وعملية تطور لخصائص كل بلد . أي أن التقارب لا يمحو الفروق بين البلدان العربية بل هذه أيضا تتطور) (12)، هاتان ( العمليتان الموضوعيتان) لا صلة لهما بالطبع بالتحليل الطبقى شأن كل ( العمليات الموضوعية ) التى يتاح للرفيق بكداش أن يلاحظها . فهو لا يقول شيئا عن الطبقات التى تقود هذه العلميات ، ولا الى أين تتجه ، والا لكان من الواجب أن يوضح لنا هل ( التقارب بين البلدان العربية) هو تقارب بين الشعوب العريبة أم تقارب بين الدول العربية ، وهل هذا التقارب هو التقاء نضالات شعبية ثورية أم التقاء سياسات الطبقات والدول والانظمة الحاكمة ، وبالتالى هل الطبقة العاملة هى التى تقود هذه ( العملية الموضوعية ) أم البرجوازية والرجعية العربية ، وما مغزي هذا التقارب ، وهل يصهر الشعوب على أساس النضال المشترك ، أم يتجه بالطبقات الحاكمة نحو اتحاد رجعى ضد الشعوب العربية ولمصلحة لامبريالية ؟ أما العملية الاخرى ، أي تطور خصائص كل بلد ، فما اتجاه هذا التطور ، وهل هو اتجاه ( انعزالى) ( ينغلق) على خصائص كل بلد وينمى ( ما يفصل ) هذه البلدان بعضها عن بعضها الآخر ، أم العكس ؟ وما علاقة ذلك بمحتوى العملية الاولى ، بمحتوى التقارب بين البلدان ؟ وكيف يتم التقارب وتنمو الفروق فى الوقت ذاته الا ان كان الخلط المقصود والغموض المقصود لا يوضحان أطراف التقارب والاطراف التي تنمى الفروق ، ليس هذا سوى عبث بكداشي .
ولكن هذه الشراك ( الموضوعية) الخادعة ، لا ينصبها بكداش عبثا ، فعندما نسمع مثل هذا الكلام فمن الواجب أن نعمل بقول اكثم بن صيفى من أن حسن الظن ورطة وسوء الظن عصمة ، ولابد من أن نفهم أن صاحبنا قد تأبط شرا ، ولن ننتظر كثيرا فسرعان ما يظهر هذا الشر وهاك ما يقوله بكداش :
( هناك اذن نظرة قومية تعلق تحقيق كل شئ على تحقيق الوحدة . مع أن الحياة نفسها تبرهن عمليا أنه من الممكن فى بلد عربي صغير واحد ليس التحرر من الاستعمار فحسب ، بل كذلك السير فى طريق التقدم الاجتماعى وبناء القاعدة المادية للاشتراكية ، بناء المقومات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للانتقال الى الاشتراكية كما هى الحال الآن فى سوريا وذلك دون وحدة وقبل قيامها . وهذا الذي يجري في سوريا اليوم هو الاساس ، هو الهدف الرئيسي بالنسبة لنا نحن الشيوعيين ولا يمكن أبدا وضع الوحدة فوق الاعتبارات جميعها والا لخرجنا عن الموقف الطبقى ، عن الموقف الاممى ، وانزلقنا الى مواقع القومية البرجوازية أو البرجوازية الصغيرة الضيفة .) ، (13)
اذا كان ( هذا الذى يجرى فى سوريا اليوم ) ( هو الهدف الرئيسي بالنسبة لنا نحن الشيوعيين ) فقد برهنت الحياة اذن ( عمليا) ان خالد بكداش قد فقد مبرر وجوده . فما قدر (شيوعية) ترى مثل هذا الرأي ، وتنطلق من مثل هذا المنطلق؟ يجب أن تذوب مثل هذه ( الشيوعية ) فى الديكتاتورية البرجوازية التى تتقنع بألف قناع فى سوريا وتجيد استخدام المراجعين اليمينيين فى (جبهات) ليست فى الواقع سوى امتدادا لهذه الديكتاتورية ، البرجوازية البعثية ، يجب أن تذوب فيها ان لم تكن قد ذابت فيها بالفعل . فى الواقع لا يجب أن نخطئ القول أن هذه ( الشيوعية) المزعومة قد ذابت بالفعل فى الديكتاتورية البورجوازية التى أجادت استخدامها . فما مبرر وجود الشيوعية عندما تقوم البرجوازية الكبيرة بتحقيق برنامجها ، وعندما يكون ( هدفها الرئيسي) هو ( ما يجرى) ببساطة (بأمر) هذه البرجوازية ؟ لقد برهنت الحياة ( اياها) ، تلك الحياة التى يقرأ فى وجهها المراجعون من كل الانواع ما لا نقرأ ، على أن خروج بكداش ومن تبعه باحسان أو باساءة الى يوم الدين ( عن الموقف الطبقى ، عن الموقف الاممى ) ينزلق به وبهم الى معارضة ( مواقع القومية البرجوازية ) بالبرهنة على أن البرجوازية الكبيرة قد صارت اشتراكية وأنها تحقق الهدف الرئيسي للشيوعيين!!
ان الخروج ( عن الموقف الطبقى ، الاممي ) هو الذى (... ) ، بكداش وأمثاله عن حقيقة ما يجرى فى سوريا ، وبالتالي يذهب هذا الخروج ببكداش الى الظن الذي يبدو له يقينا ، أن الاشتراكية ( تجرى ) فى سوريا ( على أيدي البرجوازية الكبيرة التى لا يراها كذلك بطبيعة حاله) ، فمن المنطقى بعد ذلك أن يعتمد بكداش على ما لم تجر البرهنة عليه ، على ما يحتاج الى برهان ، على اشتراكية قائمة في ( في بلد عربي صغير) فى البرهنة على أن بلدا عربيا صغيرا يمكنه تحقيق الاشتراكية بلا وحدة وقبل قيامها ). أيها السيد بكداش : ماذا تريد أن تقول ، ماذا تريد بالتاكيد المستمر على أمكانية تحقيق الاستقلال والاشتراكية فى بلد صغير كسوريا بلا وحدة بدون قيامها الخ ؟
السيد بكداش ضد النزعة القومية البرجوازية ، وبالتالي فانه يريد أن يعارضها . ولكنه لايملك القدرة العلمية المنسجمة ، وبالتالي فانه يهذى . هذا موجز القصة والا لعرف بكداش خطورة هذه التأكيدات المستمرة . فبالاضافة الى أن النظام الحاكم فى سوريا يخون الاستقلال النسبي فى فترة تاريخية سابقة ، ويفرط فيه ويعرضه لأفدح الأخطار ، وبالاضافة الى عدائه المميت للاشتراكية وقمعه للقوى الثورية الحقيقية الوطنية الديمقراطية والشيوعية والفلسطينية ، بالاضافة الى كل ذلك وغير ذلك ، فان تأكيدات بكداش شديدة الخطورة ، لان التركيز على امكانية تحقيق الاستقلال والاشتراكية فى بلد صغير في ظروف محددة هى التى نعيشها الآن في عالمنا العربي ليس سوي موقف شديد الضرر . ويحاول بكداش أن يؤكد ذلك بأن يلجأ الى ميثاق كوبا الذي يضربة كمصداق لامكانية تحقيق الاشتراكية بدون الوحدة فى بلد صغير ، وذلك فى الواقع فصل غير جدلى بين هذين الهدفين ، فما كان أسعد حظ كوبا وحظ شعوب امريكا اللاتينية أيضا ، لو دار نضال مشترك تشنه تلك الشعوب جميعا ، بما فيها الشعب الكوبي ، اذن لدار النضال فى اطار أوسع مهما يتفاوت حظه من النجاح ومهما يختلف وقت هذا النجاح فى هذا البلد أو ذاك . فى الواقع ان بكداش يعارض صياغات أخرى خاطئة بمعارضات ومقابلات جزئية وخاطئة بدورها . لانه لا يملك احلال صياغات علمية محلها .ان القضية هي أن الشعب السوري فى نضاله من أجل الاشتراكية ( وهى بالطبع ليست الاشتراكية البكداشية أو البعثية ) لا يمكن أن يهمل نضاله المشترك مع الشعوب العربية الاخرى فى مواجهة الامبريالية والصهيونية والرجعية العربية والطبقات الاستغلالية حليفة الامبريالية فى كل بلد ، وهو لن يفصل قضاياه الداخلية عن نضاله المشترك هذا مع الشعوب العربية ، وهو لن يعبأ بالنصائح الرديئة التى يسمعها من الرفاق السوفييت أو الرفيق خالد بكداش ومن على شاكلته .
ان تأكيد أن سوريا على سبيل المثال تستطيع وحدها تحقيق الاستقلال والاشتراكية ، بدلا من التركيز على ضرورة النضال المشترك للشعوب العربية جميعا من أجل الاستقلال والاشتراكية لكل البلدان العربية ، وعلى أن الوحدة العربية لن تكون سوى ثمرة من ثمار هذا النضال المشترك . وعلى أن انصهار الامم والقوميات ( العربية) فى أمة اشتراكية واحدة لن يكون سوى ثمرة عظيمة من ثمار هذا النضال المشترك ، ليس سوى موقف شنيع يقفه ، بكداش وراء الرفاق السوفييت ولا يخفى علينا الجوهرالاقتصادى ، لهذا الموقف ما دام يركز على البرنامج المطلبي المهني الاقتصادي للعمال والفلاحين باعتباره كل شئ بالنسبة للشعب السوري . ونريد أن يكون من الواضح اننا لا نعترض هنا على وصول الشعب السوري (أو غيره من الشعوب العربية) الى الاشتراكية قبل غيره من الشعوب العربية ، ودون أن تجمعه بالضرورة دولة وحدة مع غيره من الشعوب العربية الشقيقة ، ولكن ما نركز عليه هنا هو أن النضال المشترك الذي يجمع كل هذه الشعوب العربية هو جوهر القضية ، ما نركز عليه هو ان تنخرط كل هذه الشعوب فى نضال مشترك ، من أجل القضايا الحيوية القومية والوطنية والديمقراطية والاشتراكية ضد نفس الاعداء ( الامبريالية والصهيونية والرجعية والبرجوازية ) ومن المنطقى بعد ذلك أن يؤدي هذا النضال الثوري العربي المشترك نفسه الى وصول شعب من الشعوب العربية ( أو بلد من البلدان العربية) قبل غيره الى الاستقلال الجذري والى التحرر الوطني الجذري والى الاشتراكية ، وسوف يقع على عاتق الشعب الذي يصل أولا الى الاشتراكية أن يناضل من أجل الشعوب الشقيقة الاخري الى نفس هذا الهدف العظيم ، بل ان وصول الطبقة العاملة فى أي بلد عربى الى الاشتراكية أولا سوف يقرب الطبقة العاملة وحلفاءها فى كل البلدان العربية الاخرى من الاشتراكية ، وفى نفس الوقت من الوحدة العربية الشاملة لهذه الشعوب الشقيقة ، ويؤكد بكداش ان البلد الصديق يمكن ان يبنى الاستقلال والاشتراكية بدون وحدة بفضل معونة الاتحاد السوفييتى . والواقع ان هذا الفهم لدور المعونة السوفيتية بضعه بديلا عن النضال المشترك بين الشعوب العربية بدلا من أن يكون مدعما ومساندا له . فالنضال الشعبي المشترك على المستوى العربي فى أمس الحاجة الى المساندة الاممية والتدعيم الاممي والى معونة الاتحاد السوفييتى وبقية البلدان والقوي الاشتراكية الحقيقية . ولكن كل هذه الاشياء الهامة لا يمكن أن تلعب دور البديل عن هذا النضال الثوري المشترك نفسه . ولكي يثبت بكداش ولاءه للمراجعة السوفيتية فانه يجهد نفسه فى اختراع النظريات عندما يتحدث عن الوقائع الجديدة بعد ثورة اكتوبر العظمي وبعد قيام المعسكر الاشتراكي ، هذه الوقائع الجديدة التى تؤدي الى أن التبعثر الموروث من القرون الوسطي لن يلعب نفس دوره السابق كعائق أمام التطور الرأسمالي الذي يمكنه بناء المقومات المادية للاشتراكية ما دامت مرحلة الرأسمالية يمكن تجنبها بالكامل ، كما تنبأ لينين . والواقع أن هذا الكلام ليس سوى مجموعة من المغالطات . فالماركسيون الثوريون حقيقة لا يعملون ولا يمكنهم أن يعملوا من أجل ( المرور بالدولة الرأسمالية الكبري المتمركزة لبناء المقدمات الضرورية للاشتراكية ) (14) على المستوى العربي لسبب بسيط وهو انهم لا يناضلون من أجل الامة البرجوازية العربية الواحدة ، لان قيام الامم البرجوازية العربية المتعددة ( بالمصالح المتناقضة لبرجوازياتها ) قد جرى بالفعل فهم يناضلون من أجل الامة الاشتراكية العربية الواحدة باعتبارها ثمرة انصهار الامم العربية من خلال النضال المشترك الثورى من أجل الاستقلال والتحرر الوطني والاشتراكية ، أى فى مواجهة الاستعمار والرجعية والبرجوازية . فليست القضية أنه ( ليس من الضرورى المرور بالدولة الرأسمالية الكبري ) كما يقول بكداش ، طالما ان الضرورة فى تحول النظم السابقة للرأسمالية بقومياتها العربية الى نظم رأسمالية بأممها البرجوازية العربية قد تحقفت فى رأسماليات عربية متعددة ، غير مندمجة ، وطالما أن المصالح الانانية لهذه الرأسماليات تقف عقبة كأداء دون تحقيق اي وحدة عربية حقيقية وبالأخص فى ارتياطها بأي أهداف وطنية - ديمقراطية سبب المصلحة المشتركة لهذه الرسماليات العربية مع الامبريالية والرجعية . فاذا انتقلنا الى الاتجاه الآخر ، المندفع قوميا ، ينهار ذلك الحذر الذي نجده لدى بكداش ازاء القضية القومية العربية مسايرة وولاء للمراجعة السوفيتية . أن ذلك الحذر جعل مجهود بكداش ينصب على التحايل قدر الامكان للخروج بلا خدوش من حديثه فى مسألة يراها شائكة ، وبرغم كل حذره وربما بسببه وبسبب كل موقفه الطبقى وموقفه الاممي . أما الاتجاه الآخر فلا حذر عنده وهو مستعد للذهاب الى الجحيم وراء الامة العربية الواحدة .
ويري الرفيق ظهير عبد الصمد أن الاقتصاد المشترك غير متوفر الآن ، ولكن يري أن الامة العربية موجودة ، وأن كان توفر الاقتصاد المشترك سوف يعزز وجودها ويؤكده فى الواقع (15) . أي أن الامة ليست فى حاجة لتوجد الى الاقتصاد المشترك ، أي ليست فى حاجة الى التطور البرجوازي التاريخي القادر وحده على أنتاج الامة ، وانتاج الاقتصاد المشترك الذي يميزها عن القومية . ويقول الرفيق عبد الصمد ( لاشك ان التجزئة القائمة فى البلدان العربية عرقلت توفر هذا العامل ( الاقتصاد المشترك) .
( والتجزئة القائمة ) لم تعرقل كما رأينا من قبل توفر هذا ( الاقتصاد المشترك) داخل عدد من البلدان العربية التى عرف كل منها تحول القومية الى أمة ، ولكن ( الاقتصاد المشترك) الشامل لكل البلدان العربية لم يتحقق ، لان تحول القوميات المتعددة كان الى أمم متعددة ، ولم يكن انصهارا لهذه القوميات فى أمة برجوازية واحدة تجمع كل العرب، الا ان التجزئة وعدم توفر الاقتصاد المشترك لا يمكنهما ان يعرقلا ، عند الرفيق ظهير عبد الصمد وجود الامة العربية الواحدة ، والوحدة فقط سوف تعزز هذا الوجود والاقتصاد المشترك سوف يعزز هذا الوجود ، فالوحدة والاقتصاد المشترك فى نظره لن يوجد أمة غير موجودة ، بل سوف يدعمان ويعززان ويقويان أمة عربية واحدة موجودة مسبقا . وهذا منتهي الاندفاع بعيدا عن تعاليم الماركسية اللينينية الواضحة قاطعة التحدد فيما يتعلق بالامم والقوميات وقضاياها المتعددة .
ثم يتضح أكثر أن الرفيق ظهير عبد الصمد لا يفهم المقصود بالاقتصاد المشترك ، فهو يتفذلك فذلكة تاريخية تبرهن على جهله بهذا المصطلح ، وهو يتحدث عن الروابط الاقتصادية التى كانت ( قوية نسبيا) فى مرحلة الاقطاع وما قبل الاقطاع ) بين البلدان العربية وكان هناك ( بعض التكامل الاقتصادي ، تكامل نسبي بين هذه البلدان ) . ثم يتحدث عن العلاقات الاقتصادية بين سوريا وبلدان عربية أخرى ... وأيضا كانت السلطنة العثمانية تخضع لها بلدان عربية مترابطة باعتبارها حكومة مركزية واحدة ، حيث أنه لم تكن هناك حكومات عربية مستقلة ، ومع احتلال الدول الرأسمالية الاوروبية لبلدان عربية مختلفة وضعف السلطنة العثمانية كدولة مركزية ،أخذت بلدان عربية مختلفة تنفصل لترتبط بالدول الامبريالية الاوروبية ، ثم استمرت عمليات البعثرة والتفتيت لاضعاف الأمة العربية كما خططت الامبريالية (16) . والرفيق ظهير عبد الصمد على يقين من وجود تلك الامة فى ذلك الوقت لأن ( مذكرات الصهيانة والانجليز تتحدث عن ( وجود أمة من الخليج الى المحيط متوفرة لها كل امكانيات الامة والقوة ) فلم تنقصها سوي ( الدولة ، والا لكانت " عملاقا " يقف فى وجه الامبريالية ) (17) ، فالتجزئة اذن مفروضة من الاستعمار بصورة مصطنعة (18) .
يتضح مما سبق أن رفيقنا هذا لا يعرف ما الاقتصاد المشترك ، لانه يتصور أن الروابط والعلاقات الاقتصادية السابقة على الرأسمالية يمكن أن تصنع ما تسميه الماركسية بالاقتصاد المشترك فى هذا المضمار . ومما يضحك أن الرفيق عبد الصمد يظن أن السلطة العثمانية باعتبارها دولة مركزية بالنسبة للدول العربية التى كانت تسيطر عليها ، كان يمكنها توحيد مختلف البلدان العربية فى أمة واحدة . حقا أن هذا مبك ولكنه ينطوى على جانب كوميدي لا يسمح بالامتناع عن الضحك ، فهذا الرفيق (مصمم) على موضوع ( الامة الواحدة) وبالتالي فانه يمكن أن يبرهن على ذلك بأي شئ يخطر على باله فى أي لحظة ، حتى وان كان البرهان لا معقولا . لقد كان ما يربط العرب فى ذلك الوقت الروابط القومية المتينة التى تجمعهم ، بينما الدولة المركزية التى تمثلها السلطنة العثمانية لم تكن توحدهم بقدر ما كانت تفرقهم . وعدم وجود حكومات عربية مستقلة منفصلة لا يبرهن على شئ مما يذهب اليه الرفيق . وبغض النظر عن أن المسألة كانت أعقد الا ان عدم انفصال الحكومات العربية لم يكن لحساب اندماجها ، ولم تكن السلطنة العثمانية تدمج البلدان العربية ببعضها ، تدمجها فى دولتها المركزية بقدر ما كانت تفرقها عن بعضها وتعمق تجزئتها الأصلية الموروثة من الاف السنين ، ذلك لان الفتح العربي الاسلامي كان قد وحد هذه البلدان فى دولة دون أن يصهرها ويدمجها فى قومية واحدة . لم تفعل السلطنة العثمانية شيئا من ذلك فلم توحد العرب فى أمة أو فى قومية ، كما ان امبريالية بريطانيا العظمى لم توحد ولم يكن من شأنها ان توحد الهند ومصر ومختلف البلدان التى كانت تحتلها فى أمة أو فى قومية ، كما ان روسيا العظمي لم توحد ولم يكن من شأنها ان توحد القوميات المختلفة التى كانت تقهرها فى قومية واحدة أو فى امة واحدة . ومن المدهش ان رفيقنا عندما علم ان الامة الواحدة اما ان تكون لها دولة قومية مركزية واحدة وأما ان تنزع الى ذلك ، أصبح كلما رأي دولة مركزية استنتج وجود أمة دون أن يهتم بالنطاق التاريخي لتلك الدولة المركزية ، بل ، وهذا أفظع ، دون أن يعرف أهى دولة الامة او القومية او الامم او القوميات المتقاربة ، أم هى دولة أجنبية تسيطر على هذه الامة او القومية او الامم او القوميات المترابطة بروابط قومية . لقد كانت السلطنة العثمانية دولة اجنبية تسيطر على العرب ولم تكن دولتهم ، اليس كذلك ايها الرفيق ظهير ؟ اما التجزئة مع الاستعمار الغربي والعثمانيين الخ الخ .. بمعني اضعاف الروابط القومية العربية فذلك ما لا شك فيه ، ولكن لا يربط هذا الواقع الموضوعي رابط بالادعاء ان هذه التجزئة كانت تقطيعا لاوصال امة واحدة او قومية واحدة ، فلا معنى اذن لصفات ( المصطنعة) و(المفتعلة ) وما شابه ذلك ايها الرفيق عبد الصمد .
ولكن الرفيق ظهير عبد الصمد لا يقف عند حد ، بل يتجاوز الاخطاء التي لا يحتكرها وحدها الى اللامعقول ( الخصوصي ) . ففى سياق اصراره العنيد على حكاية وجود الامة العربية الواحدة ولكن المجزأة بصورة مفتعلة يصل به الامر الى حد الاعتراض ( على أسلوب الصيغ والتعاريف فى قضية الامة ) ، برغم انه لا يتجاهل ( التعاريف كمحصلة عامة الخ ....) ،. فكيف نفهم هذا الاعتراض على هذه الاساليب العلمية الضرورية ، كيف نفهم اعتراضه على الصيغ والتعاريف التي لا نراه يرفض الزائف أو غير العلمي او الفقير منها ، وفى قضية بالذات دون غيرها من القضايا . فى الواقع لا يمكن فهم هذا الا بضيق الافق والتعصب القوميين البرجوازيين الذين يجعلانه يسمو بقضية الامة فوق القضايا وفوق التعاريف والصيغ وفوق كل شئ ، ليضع الامة فى سماء عالية لا صلة لها بالارض وما عليها .
ويضرب الرفيق ظهير عبد الصمد أمثلة بفيتنام وكوريا والمانيا ليدلل على أن التجزئة التي يفرضها الاستعمار او التخلف او الرجعية ، والتى تؤدي الى ( عدم تكامل المصالح الاقتصادية ) ، لا تنفي وجود الامة . فهل هذا كلام ؟! فهذه التى يذكرها انما هى أمم وقوميات ( فى الاصل) ثم قسمت وجزأت كما تعلم فى التاريخ الحديث والمعاصر ، وهذا التقسيم مختلف عن التطور التاريخي المنفصل عبر القرون بالنسبة للبلدان العربية المختلفة . فما وجه الشبه ؟ وهل يجوز ( اقتناص) اوجه شبه يمكن ان تكشف عنها فقط مقارنات خارجية لا تتعمق فى دراسة ظاهرة تاريخية بصورة علمية ؟ هل يجوز ذلك لماركسي من اتباع المذهب المعروف ( بالتحليل الملموس للواقع المحدد)؟
ان مما يؤلمنا من الناحية العاطفية ان هذه التاكيدات العلمية التى نصر عليها سوف تصدم مشاعر الرفيق ظهير عبد الصمد ، وتجرح عواطفه وأحاسيسه المرهفة ( قومية) المحتوي بكل تاكيد ، ولكن ماذا نملك للرفيق ولكل هذا الاتجاه المندفع قوميا ؟ وسوف نقتبس هذه السطور ( بالرغم من طولها ) من كلمة الرفيق عبد الصمد ، حتى يقف القارئ على صورة شديدة الوضوح للنزعة القومية التى يخفق لها قلبه بكل هذا العنف :
( ان قضية الامة العربية ووجودها او عدم وجودها ، لا يجوز النظر اليها بهذا الشكل . ان الامة العربية ، ككل امة ، تتعرض فى تاريخها لعوامل الاتصال او الانفصال ، ولاشتداد او تراخى الروابط الاقتصادية بفعل ظروف طارئة ومؤقتة او ظروف قاهرة ، ولكن ذلك كله على أهميته لا يغير ولا يمكن أن يغير بصورة أساسية من حقيقة ان الامة لا تزال قائمة ، وأن العوامل الغريبة التى تدفع بالامة بطريق الشتات والتبعثر السياسي والاقتصادي والفكري لا مستقبل لها ، وأن المصالح العميقة والحاجات الموضوعية لهذه الامة تدفعها للالتحام بهذا الشكل أو ذاك وللخلاص من العوائق والموانع التى تحول دون تكاملها ووحدتها .
ان قضية الامة وتكونها عملية تاريخية ، وهى دائما بحالة صيرورة وتجدد واذا لم يكتمل عامل من العوامل فيها لسبب من الاسباب ، فينبغى أن لا نتسرع بنفي وجود هذه الامة وانما ينبغي العمل لازالة مختلف الاسباب التي تحول دون تكون هذا العامل ، وكذلك لا يجوز وضع استنتاجات سياسية من ذلك لتأكيد فكرة التجزئة وايجاد التبريرات النظرية لها ، ان ذلك ضار وخاطئ من الناحية النظرية والسياسية ،(19) . ( التشديد من عندنا ).
أما الناحية النظرية فلا يظهر أن الرفيق يعطيها درجة كافية من الاهتمام او الاحترام ، أما الناحية السياسية فمن الواضح تماما أن مخاوف الرفيق السياسية هى التى تورطه كل هذا التورط .ان النص السابق يصور بصورة عبقرية مشكلة الرفيق ومشكلة أمثاله ، فهو يخشي من ان يقع فى الخطأ الذي كان دائما كعب أخيل الحركة الشيوعية العربية ، خطأ الظهور بمظهر أعداء العروبة والوحدة العربية . ولكن رفيقنا لا يدرك أن الحركة الشيوعية العربية وقعت فى هذا الخطأ كجزء لا يتجزأ من اخطائها وانحرافاتها السياسية والفكرية ، ولذلك فانه لا يستطيع أن ينتقل الى موقف ماركسي من القضية القومية العربية لمجرد (خوفه من الوقوع فى الخطأ) ما دام لا يستطيع تجاوز كل أسس المراجعة اليمينية لدى الحركة الشيوعية العربية بل يدور داخل دائرتها الشريرة . ومن الطبيعي أن ينتج عن كل هذا موقف العجز الفكري ، فيظل الجانب العربي لدى الرفيق متخلفا ، غير مرتبط بموقف أممي واضح ، غير منسجم مع الاسس الفكرية للماركسية الثورية . هكذا ينتقم تخلف الرفيق ، فى صورة هذه اليقظة العنيفة لاكثر المشاعر القومية تخلفا وغموضا أشكال لا معقولة ومتجاوزة لاي حدود ، لدرجة الضيق حتى بالاساليب العلمية التى يقرها فى الميادين والقضايا الاخرى .
يخشي الرفيق بصورة واضحة لكل من يقرأ كلامه أو كلمته بعناية ، أن يكون الفشل المتكرر الذي باءت به السياسة العربية لدى الحركة الشيوعية العربية ، ناتجا من هذه ( العمليات الغريبة ) التى تؤدي الى القول بضرورة ( الاقتصاد المشترك ) من أجل القول بوجود أمة عربية وبالتالي الى انكار وجود مثل هذه الامة . يخشي أن تكون المواقف السياسية الخاطئة عبارة عن ( استنتاجات سياسية ) مستخلصة من نظرية شريرة أو تطبيق شرير لنظرية . ولذلك فان كلمته تضعنا مباشرة فى ( جو المؤامرة) ، فهناك من يبحث عن ( التبريرات النظرية ) التى يؤكد بها فكرة التجزئة ، بدلا من ان يكون طيبا وخيرا مثل الرفيق عبد الصمد ليبحث عن وسائل ازالة آثار غياب ذلك العامل دائم المشاكسة ، أي الاقتصاد المشترك الذي يحلو له الغياب ، فالواجب فى نظر الرفيق هو خلق أو ايجاد الاقتصاد المشترك وازالة كل العوائق والموانع التى تحول دون وحدة وتكامل ( الامة ) العربية ، وبدلا من الحديث عن غياب الامة الواحدة يجب التركيز على وجودها طالما ان جهودنا تعمل فى اتجاه استكمال اسباب وجودها .
نحن اذن امام ( الخير) فى نضاله الابدي ضد ( الشر) ، ولكن يجب ان نلاحظ ان رفيقنا تخيفه الاشباح الشريرة التى يخلقها خياله فلماذا يظن ان القول بأنه لا توجد امة عربية واحدة تقلل من عروبه أحد . وما دام المناضل الثوري يضع هدف ( الامة العربية الاشتراكية الواحدة ) نصب عينيه مستندا فى ذلك الى الروابط العربية القومية متعاظمة القوة والى النضال المشترك ضد نفس الاعداء ، فلا يمكن التقليل من عروبته لمجرد أنه يقيمها على أسس علمية وثورية وأممية . بل أن المناضل الثوري الذي يضع هذا الهدف أمامه ، هو اكثر امانة وصدقا واخلاصا وعملا ملموسا لتحقيقه ، من كل المهرجين الذين يحرقون البخور أمام صنم الامة العربية . اليس هذا واضحا ايها الرفيق عبد الصمد ؟ فلم الخشية ، والفوبيا القومية لا يمكن الا ان تنتج هذه ( التبريرات النظرية ) التى لا يمكن اتهام الرفيق ( بتركيبها) ما دامت حمى القومية تظهر اعراضها بكل هذا الوضوح . فى سبيل ( الامة العربية ) نجد الرفيق مستعدا لخرق كل تعاليم الماركسية الثورية . فمهما تقل هذه أن الامة نتاج العهد البرجوازي من التطور التاريخي ، لا يصغي الرفيق ( ويصر) على الامة العربية الخالدة او الموجودة منذ القرون المتعددة على أقل تقدير . وهو يخشي أن يقول أحد انها مزقت وانتهت ، مع ان اي عاقل وماركسي في الوقت نفسه لن يقر بأنها وجدت ذات يوم ، (فيصر ) على أنها ( ماتزال قائمة). وهو يري ان ( عوامل التبعثر) لا مستقبل لها وأن ( المصالح والحاجات) تدفع الى القضاء على تلك ( العوامل) . مع أنه يمكن أن يؤكد على ذلك بصورة علمية ، فمن الواجب بالفعل أن نقضي على كل ( العوامل) التي تقف عقبة فى وجه النضال الثوري المشترك على المستوي العربي الواسع ، معتبرين أن هذا النضال المشترك هو جوهر القضية وهو أساس الانصهار فى المستقبل أي أساس القضاء على تلك ( العوامل) البغيضة لدى الرفيق .
ولم يكن الرفيق فى حاجة الى تشييد ( عروبته) على الاوهام ، الا بقدر ما يخونه التوفيق فى فهم القضية على أسس ماركسية ، مادامت هذه ( العروبة) يمكن ويجب أن نقيمها على أسس علمية ثورية اممية . ولكن الرفيق ظهير يتوريط بصورة مؤلمة . فمن الصحيح أن كل الظروف الطارئة والمؤقتة لن تؤدي الى التفتيت النهائي لأمة مستقرة ، ومن الصحيح أن الروابط الاقتصادية قد تتراخى وتشتد دون أن تؤدي بالضرورة الى قفزات كيفية غير منطقية ، ولكن كل ذلك صحيح عند مناقشة أمة محددة قائمة وليس عند مناقشة قوميات متعددة بينها روابط قومية مشتركة لما يزيد على الالف عام ، فالصحيح أن هذه الروابط العربية ( ما تزال قائمة) برغم كل الظروف الطارئة والموقتة والقاهرة ( بل الظروف الاكثر أساسية)، وبرغم ( العوامل الغريبة) ، وبرغم التراخي والاشتداد ، وبرغم كل ما حدث فى التاريخ . واستمرار هذه الروابط القومية العربية يعني قوتها ومتانتها وعمقها فى تكوين هذه القوميات جميعا ، واستمرار هذه الروابط القومية العربية ذو مغزي عميق بالنسبة لنا نحن الشيوعيين الثوريين لانه يقدم لنا وضعا تاريخيا يوسع نطاق نضالنا ليشمل عالما عربيا واسعا وجماهير عربية واسعة .
ولكن لا شئ يبرر أن ينزلق الرفيق عبد الصمد ، أو غيره ممن يتحدثون باسم الماركسية ، الى هجران الماركسية اللينينية بكل بساطه ويسر ، ثم يستمر الحديث باسم الماركسية ( وكأن شيئا لم يكن) كما يقول الشاعر السوري المعروف . ( لا ينبغي التسرع بنفي وجود الامة عندما لا يكتمل عامل من العوامل لسبب من الاسباب) بهذا يصيح بل يصرخ رفيقنا ظهير . ولكن ستالين لم يكن قد أكد عبثا على فكرة أساسية تؤكد على ( نفي) وجود الامة عندما ينتفى وجود واحدة من الخصائص المميزة الاساسية التى حددها في كراسة الشهير. فالرفيق ستالين لم يتحدث عن ألف ( عامل) بل تحدث عن خصائص مميزة أساسية والاقتصاد المشترك ليس شيئا يمكن ارجاع غيابه الى أسباب طارئة وعرضية ووو الخ الخ ...... فالاقتصاد المشترك لا يمكن أن يتحقق الا فى نطاق تاريخي معين أي فى نطاق الرأسمالية . فهل يمكن أن يكون غياب الاقتصاد المشترك بالمفهوم العلمي المحدد لدي الهنود الحمر ( بكل ما يربط بينهم من خصائص ) لا يعني غياب الامة ؟ لا يعني نفي أنهم كانوا يكونون أمة ؟ ولكن ، مهما يحرق الرفيق ظهير عبد الصمد وأمثاله ، أطنانا من البخور فى محراب الامة ( الخالدة المقدسة) ، فلا يخف علينا العجز عن طرح أي افكار تساعد على ( تحقيقها) من خلال تحديد طريق النضال المشترك وحل المشاكل النظرية والعلمية التى لابد أن يواجهها ليحلها هذا النضال الثوري المشترك لكل الشعوب العربية بقيادة الطبقة العاملة العربية .
وسوف نعود فى مواضع أخرى الى الرفيق ظهير ، لنقف على صور أخرى من فشله فى طرح أي شئ يفيد ( بشكل حقيقي) النضال العربي الذي يملأ الدنيا ضجيجا حول بعض أهدافه . لننتقل الآن الى مناقشة سريعة أيضا ، لآراء رفاق آخرين من ممثلي هذا الاتجاه المندفع شديد الاندفاع قوميا . لكن قبل المرور بكلمة ( أو مداخلة) الرفيق بدر الطويل فى المجلس الوطني العام للحزب الشيوعي السوري ، نود الاشارة الى أن الاتجاهين اللذين نناقش أفكارهما هنا فى قضية محددة ، يبالغان فى مواقفها بطريقة تدعو للدهشة الشديدة . فقد رأينا من قبل الرفيق ظهير يجعل من ( الامة) العربية شيئا متجاوزا لكل الوقائع والمقولات التاريخية ، ليفرد لها سماء عاليه خصوصية ، ويحرم مناقشتها بصورة علمية كما يفعل غلاة المتطرفين من رجال الدين بالنسبة لقضيتهم الاولى . نفس الشئ نجده عند الاتجاه البكداشي ، ولكن نعرف أن فى السويداء رجالا ، فقد جاء منها الى المجلس الوطني العام من يقول باسمها ( المطلق هو نسبي) وأن الماركسية لا تعرف شيئا ( مطلقا) ، ويا للجهل بماركس وانجلس ولينين والماركسية ! ففي غمرة الحماس لفكرة جزئية معينة يحلو لممثل السويداء أن ينسى ألفباء الماركسية ، وللاسف باسم الماركسية أيضا ، ولكي يميز بين القومية والامة فقد أدعي أن القومية هى ( العوامل) والمشاعر النفسية بالانتماء الى قوم ، (20) . ثم يشير الى تعريف ستالين للامة . وهذه الدقة العلمية فى تعريف القومية لا تحتاج الى تعليق ، فلسنا نتحدث فى مدرسة ابتدائية لكبار القادة والزعماء ، واذا كان ( المطلق هو نسبي) فلماذا لا تكون القومية ما تكون ، ولماذا لا تكون الامة ما تكون وما لا تكون أيضا ؟
ربما تكون السطور السابقة نافعة ، ونحن ندخل على ( مداخلة) نسجت من المبالغات المحقونة كما يقال . فالرفيق بدر الطويل تكتنفه نفس المشاعر القومية الغامضة ويلفه ما يلف الرفيق ظهير عبد الصمد من اندفاع قومي ومزاج ومبالغة . وبالتالي فهو يشعر بدوره بالحاجة الى سلاح ما ، الى اختراع ما . يواجه به الأشرار أصحاب ( الافكار المستورده ) وان ظهر كل ذلك لدى الرفيق ظهير بمظهر ديني يرتفع بالامة فوق كل شئ وفوق كل مناقشة ، فانه يرتدي لدي الرفيق بدر الطويل مظهر العلم الراسخ الذي يخرس الالسنة الجاحدة . فمن الطبيعي أن تكون البداية مع ظاهرة سقوط حجر على الارض ثم تكرار هذه الظاهرة أو هذا السقوط حتى يستقر فى رؤوسنا جميعا شئ أسمه قانون الجاذبية ، ثم حكاية أخرى تنقل ذلك الى الطبقات والاقرار بوجودها ، ثم الحكاية الثالثة التى تبرهن بصورة نهائية على وجود الامة العربية ( وألف حصوة فى عينك يا اللى ما تصلي على النبي ).
ما هى الحكاية الاخيرة ؟
( والسؤال المطروح الآن هو : هل تعبر حركة الوحدة العربية التى تجلت بتكرار المحاولات الوحدوية فى الوطن العربي ، عن وجود قانون موضوعي توحيدي يحكم – الى جانب القوانين الرئيسية والثانوية الاخرى – مسار العملية الثورية ) (21) .
وتأتى الاجابة الفورية :
( أجل فالمحاولات التوحيدية من مختلف القوى الاجتماعية فى الوطن العربي قد تكررت بصورة خاصة فى بعض البلدان . ويمكن تقديم عدد لا يحصي من الشواهد . وأن هذه الظاهرة ستتكرر وفى مختلف التشكيلات الاقتصادية والاجتماعية الموجودة والتى يمكن أن توجد فى الوطن العربي ، وستبقي تتكررالى أن تهيأ لها ظروف بقائها ورسوخها . ان تكرار هذه الظاهرة الوحدوية يدل على وجود قانون موضوعي ، على وجود حتمية تاريخية ) (22) .
ما الذي يفعله الرفيق بهذه الوثيقة العلمية أو المتعالمة ؟ كل ما فعله هو العجز عن شرح وتوضيح الظروف الموضوعية المحيطة بالقضية القومية العربية ، وكيف ينبغي للقوي الثورية أن تعالج هذه القضية بفهم علمي وبمنطق ثوري . لقد وضع خشبة ( القانون الموضوعي ) فى جميع العيون واثبت أنه لا يقل عن نظريات قديمة عرفتها قرون غابرة تنقل ( القانون الطبيعي بصورة ميكانيكية) غير تاريخية لحقل الحياة الاجتماعية . وماذا يفعل ( القانون الموضوعى ) هنا ، انه شئ يتعلق فيه الغريق فى بحار الامة والقومية ، أو تعويذة تكفى التمتمة بها : حقا ان الحياة الاجتماعية تحكمها القوانين الموضوعية ولكن مجرد الاشارة الى هذا الذي يعرفه الجميع ، بدلا من اكتشاف قوانين موضوعية محددة وتحققها فى واقع اجتماعي تاريخي محدد ، لا يقدمنا خطوة بهذا التعالم الذى يعتمد فقط على التلميح بوجود قانون موضوعي ما أو حتمية تاريخية ما . ولكي نوضح قصور وهزال تفاهة هذه الطريقة نشير الى ما يقوله الرفيق فيما اقتبسناه أعلاه ، فماذا يقول ؟ انه يتحدث عن ( المحاولات التوحيدية من مختلف القوى الاجتماعية ) وعن أن هذه الظاهرة سوف تتكرر ( فى مختلف التشكيلات الاقتصادية والاجتماعية الموجودة والتى يمكن أن توجد ، وسوف تظل تتكرر حتى تستقر وتترسخ . ثم يضيف ان هذا ( قانون موضوعي) و( حتمية تاريخية ). وهكذا يؤدي ( العلم الراسخ) وتؤدي ( الموضوعية الصارمة ) الى ادعاء غريب عن كل علم وكل موضوعية الى ادعاء بأن الوحدة العربية سوف تتحقق ولا تملك الا أن تتحقق ، مهما تكن القوي الاجتماعية الحاكمة والنظم الاجتماعية القائمة ، بدليل أن المحاولات التوحيدية قد تكررت على أيدي ( مختلف القوي الاجتماعية) . مثل هذا العلم ( والعياذ بالله منه ومن كهنته) لا يمكن ان يؤدي سوى الى أن يسلم الرفيق أمر ( أمته) العربية الى مختلف القوي الاجتماعية مهما تكن رجعية ، وماذا ينفعه أن يؤكد أن الاستعمار لن يوحد العالم العربي ، أو أن الحتمية التاريخية لا تتحقق تلقائيا بل بتدخل الانسان وتدخل الطبقات والشعوب ، ما دام التأكيدان يستتبعان بعضهما . ولنا أن نسأل الرفيق : لماذا تأخرت الوحدة العربية اذن حتى الآن ما دام من شأنها أن تتحقق على أيدى ( مختلف القوي الاجتماعية ) ؟ ولنا أيضا أن نعلق قائلين : بينما يؤكد الماركسيون الثوريون أن الطبقات البرجوازية والرجعية الحاكمة تقف بالفعل عقبة كأداء فى طريق النضال الثوري العربي المشترك وتحقيق انصهار الامة العربية الواحدة ( التى يجب النضال من أجلها ) فى بوتقه هذا النضال المشترك ، وأن هذه الاهداف العظيمة لن تتحقق أعظم التحقيق ، بل لن تتحقق الا من خلال القضاء على هذه الطبقات الاستغلالية بمصالحها الانانية الضيقة التى لا تفرق ولا توحد ، والتى اثبتت فى المحاولات المتعددة السابقة والحاضرة أنها هى الهدف من أي وحدة تقيمها هذه الطبقات ، وأنها السبب الرئيسي فى الانهيار الحتمي الذي لقيته وسوف تلقاه أشكال الوحدة والاتحاد التى تقيمها هذه الطبقات الاستغلالية التى لا تعرف الا لغة مصالحها الانانية الضيقة . ويقول أنه بينما يؤكد الماركسيون الثوريون ذلك يأتى من يتحدث باسم الماركسية الثورية أيضا ليقول أن الوحدة العربية حتمية تاريخية تتحقق فى كل الاوضاع الاجتماعية وفي ظل حكم مختلف القوي الاجتماعية وتحت مختلف التشكيلات الاجتماعية ، معتمدا على ( القانون الموضوعى ) وما شابه ذلك . فهل سألت نفسك أيها الرفيق الطويل عن وظيفة تأكيداتك هذه ، وعما اذا كنت تغني نفس الاغنية البرجوازية التى تدعى دائما أنها سوف تقيم الوحدة وأنها الآن تقيم الوحدة ؟ ان الانسانية تناضل من أجل أن تكون عائلة واحدة وقد تكررت المحاولات ولكن لا يمكن القول أن ( العائلة الانسانية الواحدة ) واقع قائم ، كما لا يمكن القول أن هذه العائلة يمكن أن توجد فى ظل مختلف القوي الاجتماعية والانظمة الاجتماعية ، وكذلك ( الامة العربية الاشتراكية الواحدة ) التى يناضل من أجلها الثوريون . فمن الواجب أن يفهم هؤلاء الثوريون ليس فقط هدفهم بل الظروف التى تحيط بهذا الهدف . يجب أن يفهموا لماذا لم تقم حتى الان ( أمة عربية برجوازية واحدة ). وما هي الاسباب الرئيسية وراء ذلك ، ولماذا وقفت الطبقات الاستغلالية الحاكمة عقبة تحول دون تحقيق الامة الواحدة برغم أنها لا تعدو أن تكون برجوازية فى حالة تحقيقها ، ولماذا يستحيل أيضا تحقيق هذا الهدف فى المستقبل بالاعتماد على هذه الطبقات ، وكيف أن هذا الهدف لابد أن يرتبط على المدي الاستراتيجي بالاطاحة بهذه الطبقات ؟ يجب أن يفهم المناضلون الثوريون كل ذلك وان يفهموا أيضا كيف يقيمون المحاولات التوحيدية المتكررة على وجهها ، وأن يفهموا كيف يقيمون الفتح العربي أو حروب محمد على على السلطنة العثمانية أو الوحدة المصرية السورية ، من زاوية الطبقات التى قامت بهذه الاعمال وأهدافها والاسباب الاعمق التي ابتعدت بتلك الاعمال عن خلق القومية الواحدة ، فى ما قبل الرأسمالية ، وعن خلق الامة الواحدة فى عهد الرأسمالية .
هناك قانون انفصال المستعمرات العربية عن بلدان المتروبول ، وكان هذا هو الطور الاول . ويأتي الدور الآن على الطور الثاني من المسألة القومية العربية ، وهو طور قانون التوحيد على أساس النضال ضد الامبريالية والرأسمالية . وهكذا يضع الرفيق بدر الطويل المسألة . ومهما يكن من أمر غزارة ووفرة القوانين الموضوعية ، فالامر الذي لا شك فيه والذي سوف تكون له ، كما سوف نرى آثارة السياسية بالغة الاهمية والخطورة ، هو أن هذه الطريقة ( العلمية الموضوعية ) تبتعد بالرفيق صاحب ( المداخلة ) عن الحديث الاكثر جدية عن القوى الثورية الحقيقية التى تحقق هذه الاهداف القومية العربية ،ومن خلال أية مواقف ثورية مترابطة . وكل ما يفعله الرفيق وأمثاله هو تزيين الاوهام عن ( الديمقراطيين الثوريين ) المزعومين ( ونضالهم ) من فوق العروش من أجل ( الاشتراكية) و( الحرية) و( الوحدة ) بحيث لا يدري المرء مبررا لاستمرار امثال هؤلاء الرفاق طالما ان العروش البرجوازية فى مصر وما شابه من نظم ،كفيلة بتحقيق كل الاحلام ، ومادام الامر يمكن تلخيصه بكلمات الرفيق خالد بكداش ( وهذا الذي يجري فى سوريا اليوم هو الاساس ، هو الهدف الرئيسي بالنسبة لنا نحن الشيوعيين ) فرحم الله الشيوعية والشيوعيين من هذا النوع المراجع التافه الهزيل .
وبعد قانون الانفصال وقانون التوحيد ، ينتقل الطويل الى شروط الوحدة ، هذه التى سوف ينكرها بعد صفحات كما سوف نرى فى موضع آخر . وهو يتحدث هنا عن الشروط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للوحدة بين أي بلدين عربيين ، حيث يأتى بالعجب والعجيب العاجب ، ولكننا نترك هذه النقطة لموضع آخر .
وتحدث الرفيق عمر قشاش فى كلمته أمام المجلس الوطنى العام عن أمة عربية واحدة موجودة جزأها الاستعمار التركي فالغربي ، وأن ذلك أضعف ( العامل الاقتصادي المشترك) . وهو يؤكد أن ( صيغ) السوق العربية المشتركة والتكامل الاقتصادي ستترك مكانها لصيغة ( الاقتصاد المشترك عند قيام دولة الوحدة ) . ( كل ذلك يجعل من العرب أمة واحدة موجودة وأن النضال من أجل توحيد الامة العربية أو الشعب العربي المجزأ فى دولة مركزية كبيرة موحدة أو اتحادية هو نضال تقدمي ... وهو واجب استكمال تمليه العملية الثورية لحركة التحررالعربية ، ونحن لا نناضل من أجل استكمال تكوين أمة عربية ، بل من أجل توحيد الامة العربية المجزأة لكي تسهم هذه الدولة فى تطوير القوي المنتجة وتحقيق العملية الثورية لدولة الوحدة ) (23) . ولا حاجة بنا الى مناقشة هذه الافكار التى سبقت مناقشتها بما يكفي ولنلاحظ فقط أن الرفيق عمر قشاش يناضل من أجل ( دولة مركزية كبيرة موحدة أو اتحادية ) متصورا أن نضاله هذا ( هو نضال تقدمي) والواقع أنه ليس تقدميا ولاشئ من ذلك . ففى الوقت الذي يركز الثوريون الحقيقيون على النضال الثوري المشترك على المستوى العربي وعلى الامة العربية ( الاشتراكية ) الواحدة ، فأن النضال من أجل مجرد ( دولة مركزية كبيرة موحدة أو اتحادية ، لا يمكن أن يكون شيئا تقدميا ، بل جذبا للحركة الثورية العربية الى الوراء . والواقع أن أبرز ممثلي هذا الاتجاه المندفع قوميا ، مصابون جميعا بهذه الحمي القومية التى تنسيهم الماركسية ، فيخرجون عنها بلا حياء ويخالفونها مخالفة صريحة . ومن ذلك تأكيد التقرير السياسي للحزب الشيوعي السوري بأسم الشيوعية والشيوعيين عندما يقول :
( اننا معشر الشيوعيين لا نعتقد أن الامة وما يرتبط بمفهومها من وطن وقومية ( بمعنى الانتماء القومي) ، قد بدأت مع الرأسمالية فهى بالتالي ستزول بزوالها .كلا ! الامة ليست وليدة الرأسمالية ولا من صنع البرجوازية . الامة وما يرتبط بها من مفاهيم وأصناف هى وليدة تطورطويل بدأ قبل الرأسمالية وسيبقي بعدها والجماهير هى التي لعبت دائما الدور الاساسي فى هذا التطور فى جميع مراحله . ولهذا فأن عدم وجود دولة مركزية اتحادية أو موحدة لا ينفي وجود الامة ) (24) .
أولا : لقد اقتبسنا من قبل ضمن كلام أفانا سييف قول الرفيق لينين ( الامم نتاج لا يمكن تفاديه . وشكل لا يمكن تفادية للعهد البرجوازي من التطور الاجتماعي ،. ويمكننا أن نري كيف أن الحزب الشيوعي السوري بظل معتقدا أن من حقه الحديث باسم ( معشر الشيوعيين) برغم أنه يقول ما يناقض الماركسية والشيوعية العلمية . حقا ان الامة ( وليدة تطور طويل بدأ قبل الرأسمالية ، ولكن هذه (الولاده ) ، لايمكن أن تتم الا فى عهد الراسمالية وكنتيجة لتحول القوميات القديمة الى أمم برجوازية فى هذا العهد . وحقا أن الامة لا تزول بزوال البرجوازية فهناك الامة الاشتراكية ولكن ما معنى تأكيد أن الامة لا تزول بزوال البرجوازية ثم السكوت بعد ذلك ؟! ما معنى تأكيد ذلك الا أن يكون ضيق الافق القومي قد أعمي قيادة الحزب عن ضرورة توضيح الطابع التاريخي للامم والقوميات . وهل (كلا) هذه موجهة لحساب ( أمة خالدة) ؟ أم يجب على الماركسي أن يلتزم بالماركسية التى ترى نهاية الامم مع نهاية الطبقات ، التى ترى أن أنقسام البشرية الى أمم سوف يجد نفس مصير انقسامها الى طبقات عندما تعرف هذه طريقها الى الزوال . وهل لم يسمع قادة الحزب عن ( العائلة الانسانية الواحدة) التى تحدث عنها الرفيق لينين أم أنهم لا يعبأون بمخالفة لينين ومؤسسي الماركسية لحساب الجنون القومي .
ثانيا : لا معنى هنا لتأكيد التقرير ان ( عدم وجود دولة مركزية اتحادية أو موحده لا ينفي الامة) ، بل يكشف هذا التأكيد عن مدي هبوط مستوي المناقشة ( النظرية) التى يخوضها ( بكل جرأة) ( نظرية )! فالامة الواحدة (القومية الواحدة أيضا) قد تتقاسمها دول مختلفة ، وقد تحتل دول مختلفة أقساما مختلفة منها ، وقد تتوزع على دول مختلفة ، وقد تكون كلها ملحقة بدول أجنبية لا تتركها ومصيرها ، وكل هذا لا ينفي وجود الامة الواحدة . أما بالنسبة لزعمه عن ( الامة العربية الواحدة القائمة ) فلا يقدمنا هذا التأكيد الفارغ خطوة فى سبيل البرهنة على قيامها ، فالامر لا يتصل فى المحل الاول أو الثاني أو الثالث أو العاشر بالدولة المركزية الاتحادية أو الموحدة بل ببنية اجتماعية تاريخية سوسيولوجية محددة كما ناقشنا الامر من قبل بشئ من التفصيل .
ويمكن القول باختصار أن الرفاق السوريين من الاتجاهين ، لم يثبتوا بكلماتهم ومداخلاتهم سوي أمر واحد : الجهل المطبق بالخصوصية التاريخية للقضية التي يقدسونها كل هذا التقديس ويرفعونها الى أعلى عليين كما هو شأن الاتجاه المندفع قوميا ، ونفس الجهل المطبق نجده لدى الاتجاه البكداشي الذي يدعى مسايرة للمراجعة السوفيتية ، ربط القضية القومية العربية بالموقف الأممي . ومن المؤكد أن الرفيق طه ث. شاكر بكل ما نقلناه عنه وناقشناه لا يمكن أن يمثل نفيا لهؤلاء بسبب جهله ، أيضا،ب خصوصية القضية التى يناقشها وبسبب اهتمامه الاشد بالحيل التي تساعد على تجنب أي مناقشة حقيقية للقضية التى يثيرها بكل ذلك الفتور .
جوهر القضية القومية العربية
لا ينطلق الموقف الثوري من هذه القضية من الرغبة فى أن يضع الثوري نفسه أداة فى خدمة مبادئ سوسيولوجية مبهمة تتعلق بالقوميات والامم ، ولا يمكنه أن يكون وليد الشعار القومي أو مختلف أشكال التشنجات والانفعالات القومية الحادة ، ولا يمكنه أن يكون وليد مختلف النظريات المثالية التى ترتدي الماركسية اللينينية . أن الماركسيين الثوريين لا يمكنهم أن يعزلوا موقفهم من القضية القومية العربية عن بقية مواقفهم الاساسيه الاستراتيجية والتكتيكية ، لا يمكنهم ان يعزلوه عن موقفهم البروليتاري الحاسم فى قضايا حركة التحرر الوطني العربية والاشتراكية ، وهم لا يقدسون ولا يمكنهم أن يقدسوا وحدة عربية ( في حد ذاتها ) منفصلة عن بقية الاهداف الثورية الاساسية ، ولا يمكنهم أن يتخلوا عن المعايير الدقيقة الحاسمة التى يعتمدون عليها عند تحديد موقف من أي حدث جديد في هذا الميدان .
ان الفهم الثوري لهذه القضية لابد أن يؤدي الى أن جوهرها ليس رغبة حارقه أو شوقا ملتهبا الى استكمال بنية سوسيولوجية يعز علينا الا تكتمل ، بل يقع جوهر هذه القضية فى ضرورة النضال المشترك للشعوب العربية بقيادة البروليتاريا . وتنبع هذه الضروره من مصلحه هذه الشعوب ومصلحة الطبقة العاملة العربية فى الاطاحة الثورية بالانظمة والطبقات الاستغلالية السائدة فى المنطقة العربية كلها ، والاطاحة الثورية بالعلاقات التى فرضتها وتفرضها هذه الانظمة والطبقات على بلداننا العربية مع الامبريالية العالمية بقيادة امبريالية الولايات المتحدة الامريكية . وتحقيق هذه الضرورة من خلال ارتباطها بالروابط القومية العربية المشتركة . ومن الطبيعي أن يؤدي هذا النضال المشترك طويل المدي ، بحكم أهدافه طويله المدي ، الى انصهار هذه الامم والقوميات المتعددة فى أمة عربية واحدة .
وهذا النضال المشترك الذي لابد أن يرتدي أشكالا متعددة ومتنوعة ولكن متصاعدة مع تصاعد النضال المشترك نفسه ، ولا يمكنه الا أن يكون ضد العزلة القومية وضد تقديس الثقافة القومية والانغلاق القومي أمام الاممية وضد معارضة الشيوعية بالقومية العربية .
فما هى العلاقات بين الجانب الاممي والجانب العربي فى هذا النضال المشترك وفى أهدافه البعيدة والقربية . والواقع أن بعض أدعياء الماركسية والثورية يزيفون جوهر القضية القومية العربية بالهبوط بهذه القضية الى : هل نبارك أولا نبارك اتحادات وأشكال من الوحدة قد تقيمها القوى الاجتماعية البرجوازية والرجعية : فمن الواضح أن الموقف من مختلف أشكال الاتحاد والوحدة يتحدد ( بفوائدها وأضرارها) بالنسبة لاهداف الثورة العربية ، ومن هنا تنبع الشروط الثورية الوطنية والديمقراطية والاشتراكية لتأييد أو معارضة أى وحدة أو اتحاد . فاذا وضعنا القضية وضعها الصحيح بأعتبارها قضية النضال المشترك للجماهير العاملة والشعبية العربية ، هذا النضال الذي يؤدي الى انصهار هذه الجماهير – الموجودة فى أمم وقوميات مختلفة برغم روابطها المشتركة – فى أمة واحدة ، أمة اشتراكية عربية واحدة ، تتكون تدريجيا بطبيعة الحال لان الامم والقوميات العربية الحالية لا يمكن أن تصل جميعا الى الاشتراكية فى نفس اللحظة ، بل في أوقات مختلفة قد تفصل بينها الاعوام والعقود .... اذا وضعنا القضية على هذا النحو فبامكاننا أن نناقش الجانب الاممي العربي فى هذا النضال المشترك .
والواقع أن هذا النضال المشترك لكي يكون بروليتاريا وثوريا لا يمكنه الا أن يكون تطبيقا عمليا للاممية البروليتارية . فتحقيق مصالح البروليتاريا فى بلد واحد أو فى مجموعة من البلدان لا يمكن أن يتنافي مع المصالح الاممية للبروليتاريا التى لا يمكنها أن تتحقق فى عالم منقسم الى أمم وقوميات خارج الاطر القومية . فحتى البروليتاريا التى تظفر بسلطتها ، بديكتاتوريتها الثورية ، انما تنظم نفسها فى اطار قومي محدد ، مراعية بدقة الخصائص والشروط القومية التى تحيط بنضالها وبديكتاتوريتها وبكل قضايا ثورتها الاشتراكية .
لا يمكن أن يكون أمرا متناقضا مع الاممية البروليتارية أن يهتم الماركسيون الثوريون العرب بالقضية القومية العربية . بتحقيق الاشتراكية والتحرر الوطني على المستوي العربي كله ، بتحقيق الوحدة فى النضال وفى ثمار النضال بين البروليتاريا فى كل البلدان العربية . بل لا شك من هذه الزاوية فى أن التركيز على القضية البروليتارية فى هذا النطاق الاوسع اكثر تحقيقا للاممية من التركيز على بلد عربي واحد . ان النضال العربي المشترك وبالتالي الوحدة النابعة منه والناتجة عنه ، انما يعني فى المحل الاول ربط المصالح البروليتارية الاممية بواقع نوعى هو وجود هذه الروابط القومية المشتركة بين هذه الشعوب العربية التى تناضل معا ضد نفس الاعداء ، ولا يمكن لهذا الربط الا أن يكون أكثر اخلاصا وولاء للأممية التى لا يجري تحقيقها بالقفز خارج الشروط الموضوعية النوعية أو بالقفز خارج شروط المكان والزمان التى تشدد الماركسية اللينينية على مراعاتها بكل دقة .
يقول الرفيق لينين :
( أن الرأسمال قوة أممية. ولقهره لابد من وحدة العمال واخائهم الاممي، (25) ويؤكد لينين كذلك على أن سياسة البروليتاريا فى المسألة القومية ، تقوم على أساس تحقيق منهجى وفعلى للتقارب والانصهار بين العمال والفلاحين من جميع الأمم فى نضالهم الثورى من أجل الاطاحة بالبرجوازية ) (26) .
ويحدد لينين الاساس الذي تقوم عليه سياسة الحزب الشيوعي الروسي فى المسألة القومية بأنه ( تحقيق التقارب والوحدة الكاملة بين البروليتاريا وبين الجماهير الكادحة من جميع الأمم فى نضالهم الثوري من أجل الاطاحة بالبرجوازية ) (27) .
ان الجانب الاممى في النضال الثوري المشترك بين الشعوب العربية يتحدد اذن بوضعه فى المحل الاول ، من تركيزه كهدف أساسي وكمقياس مصالح البروليتاريا العربية فى الاشتراكية والتحرر الوطنى والوحدة العربية على أساس هذه الأهداف ، وهى الاطاحة الثورية بالبرجوازية والرجعية . ومن الطبيعي والمنطقي ألا يتردد الماركسي الثوري في تحديد الاولوية دانما للاشتراكية والأهداف الثورية التى تؤدي وتحسن شروط النضال من بها .
وترتبط الملامح الاممية العظيمة للنضال الثوري العربي المشترك بملامحة العربية النوعية ، بجانبه العربي . فاذا كنا نناضل من أجل الامة العربية الاشتراكية الواحدة التى تنتج عن انصهار الامم والقوميات العربية المتعددة الحالية فى بوتقة النضال المشترك ، فهل هذا الانصهارمطلوب بسبب الروابط القومية العربية القائمة ، أم أنه نتيجة طبيعية للنضال المشترك بغض النظر عن هذه الروابط العربية القائمة . فى الواقع ، يجب أن نفهم العلاقات بين الروابط العربية والانصهار فى أمة واحدة والنضال المشترك ضد نفس الأعداء بصورة جدلية تحسن الربط بينها على الوجه الصحيح ان تقارب واندماج وانصهار الشعوب والطبقات العاملة والجماهير الكادحة العربية من خلال النضال المشترك فى سبيل تحقيق المصالح المشتركة ضد نفس الأعداء ومنهم الطبقات الاستغلالية الحاكمة ، لا يمكن الا أن تؤدي الى الامة الواحدة عندما يحقق هذا النضال هدفه فى الاطاحة بالطبقات الاستغلالية والامبريالية والرجعية التي تقف جميعا عقبة كأداء تحول دون الوحدة ودون الامة الواحدة . ولا يمكن لهذه الامة الا أن تكون اشتراكية لانها تقوم على أساس الاطاحة بالبرجوازية ، ولا يمكن لهذا النضال أن يجرى فى معزل عن الروابط المشتركة فهو ، على العكس من ذلك ، يستفيد منها ويعتمد عليها .
ولمزيد من توضيح هذا الجانب نعود الى لينين لنقف على منهجه فى النظر الى مقومات القوميات والامم . فكيف نظر لينين الى اللغة على سبيل المثال . لقد نظر اليها من حيث دورها ووظائفها فى التقريب بين الناطقين بها . وفى ( مخطط العرض حول المسألة القومية يسجل لينين بعض ملاحظاته التى يربط فيها اللغة بالأسس الاقتصادية للحركات القومية فى عصر الثورات الديمقراطية البرجوازية ، حيث ينظر الى اللغة من زاوية هذه القضية باعتبارها ( الاداة الرئيسية للعلاقات التجارية بين البشر (حيث) السوق هي مركز العلاقات التجارية ، وحيث ( الرأسمالية بحاجة الى سوق داخلية متراصة )(28) . فهذه النظرة اللينينية الى احدى الخصائص المميزة للقوميات والامم لا تتفق مع أي انحراف سوسيولوجي يضع الاعتبارات السوسيولوجية محل ( يركز عليها على حساب ) القضية الثورية السياسية . فلا يمكن اذن ( غض النظر) عن الروابط القومية العربية ولا عن الاوضاع الطبقية المحددة ( الاجنبية الاستعمارية والعربية البرجوازية والرجعية ) التى تحيط بهذا النضال المشترك وتقدم له أهم الدوافع وأكثر الظروف لاتساع نطاقة. أن النضال الثورى الذي يمكن أن يدور فى النطاق العربي الواسع لا يجوز أن تفرض عليه أشكال من التضييق والانغلاق فى بعض أقطاره ، ولذلك فأن هذا النضال الثوري العربي لابد أن يتصدي لمقاومة كل النزعات الاقليمية والقطرية الضيقة . ولكن ليس كما يفعل المتشبعون بالنزعة القومية العربية البرجوازية ، المصابون بالسعار القومي والحمي العربية ، مهما يتسربلوا بأردية الماركسية والثورية .
ويجب أن يكون واضحا أن النضال الثوري على أساس الماركسية اللينينية لا يمكن أن ينظر الى الأمة العربية الاشتراكية الواحدة باعتبارها نهاية المطاف ، مادام انقسام البشرية الى أمم وقوميات سوف يعرف طريقه الى متحف التاريخ جنبا الى جنب مع انقسام هذه البشرية الى طبقات . فزوال الاستغلال الطبقى سوف يقترن بزوال الامم التي سوف تفسح المجال للعائلة الانسانية الواحدة التى تحدث الرفيق لينين عنها ، ويقول لينين :
( ان العمال يبدعون على صعيد العالم بأسره ثقافتهم الخاصة بهم ، ثقافة أممية مهد الطريق لها منذ أقدم الازمان أبطال الحرية وأعداء الاضطهاد. ويعارض العمال العالم القديم ، عالم الاضطهاد القومي والمشاحنات القومية والنزعة الخصوصية الانعزالية القومية ، بعالم جديد ، عالم وحدة شغيلة جميع الامم الذي لا يمكن أن يكون فيه مكان لاي امتياز ولاي اضطهاد للانسان من قبل الانسان ) (29) ويقول الرفيق لينين أيضا :
(هناك بعض الشبه بين الطريقة التى ينبغي أن تتوصل بها الانسانية الى الغاء الطبقات وبين الطريقة التى ينبغى أن تتوصل بها الى انصهار الامم مستقبلا . أعني أن الطريق المقضي الى الغاء الطبقات يمر بالضرورة بالمرحلة الوسطية المتمثلة بدكتاتورية الطبقة المضطهدة . فالطريق الوحيد المفضي الى انصهار الامم وتحرر تلك التى هى مسترقة منها ، والغاء الاضطهاد القومي الغاء حقيقيا ، وهو الالغاء الذي لا يمكن أن يعد حقيقة واقعية من وجهة النظر السياسية الا اذا انطوى على الحق فى الانفصال . وهذا الحق هو الوسيلة السياسية الفضلى والوحيدة التى تفسح المجال لمعارضة ذلك النظام الغبي . نظام الدول الصغيرة والعزلة القومية الذي هو فى سبيله ، لحسن حظ الانسانية ، الى أن يتقوض لا محالة بحكم كل تطور الرأسمالية .) (30).
ولا يمكن أن يكون انصهار الامم والقوميات العربية فى أمة عربية واحدة ، اشتراكية ، عقبة فى سبيل العائلة الانسانية الواحدة أو عالم وحدة شغيلة جميع الامم أوانصهار الامم جميعا . فالاساس الذي يجرى عليه الانصهار العربي ليس سوى مرحلة فى طريق الانصهار الاشمل . لانه انصهار تخلقة نفس الطبقة التى سوف تصنع الانصهار الاشمل ، الطبقة العاملة الاممية .
ان جوهر القضية القومية العربية اذن يقع فى النضال المشترك بين الشعوب العربية من أجل الاطاحة بالعلاقات الامبريالية والبرجوازية واقامة الاشتراكية . ويقدم هذا النضال المشترك مقياسا دقيقا لاتخاذ المواقف من قضايا وأحداث هذا الميدان من زاوية تحقيقها لافضل الشروط والظروف التى تحيط به ، كما يثير هذا النضال قضايا متجددة ، نظرية وسياسية ، لابد من التصدي لمناقشتها والدخول فى مناظرة واسعة النطاق حولها مع الفكر البرجوازي القومي ، ومع المراجعة اليمينية لدى الحركة الشيوعية العربية التي تهمل جانبها الشيوعي لحساب ازدهار جانبها العربي ضيق الافق ، والتي تتتلمذ ( بلا عقد ولا حساسيات ولا مركبات نقص ) على أشد اشكال الفكر القومي البرجوازي عفونة .
ان الموقف الماركسي الثوري هو القادر وحده على تطوير النضال المشترك بين الشعوب العربية الشقيقة وعلى تحقيق أهداف ذلك النضال ، من أمة عربية واحدة اشتراكية الى استقلال جذري عن الامبريالية والصهيونية الخ الخ ... من خلال الانفتاح على الاممية البروليتارية . ويدرك أصحاب هذا الموقف أن الاتجاهات الرجعية التي تفتري على الشيوعيين قد استفادت من أخطاء الحركة الشيوعية العربية المراجعة فى حملات الافتراء والتضليل ، وهم يدركون أيضا أن أي مقارنة بين الشيوعيين وأصحاب الاتجاهات الرجعية تجعل كفة هؤلاء الاخيرين هى الخاسرة من الزاوية التي يدعون أنها زاوية تفوقهم . فمن الواجب أن نوضح لشعوبنا واقع وحقيقة أن المصالح الانانية الضيقة للبرجوازيات العربية الحاكمة هي التى وقفت وسوف تقف حتى نهايتها المحتومة عقبة كأداء فى سبيل الاستقلال الوطنى الجذري ، وأن هذه الاهداف العظيمة لا يمكن تحقيقها الا على أيدي البروليتاريا الثورية وتحت قيادتها، وأن الشيوعية العلمية هي السلاح الفكري الطبيعي الذي تتسلح به هذه الطبقة فى نضالاتها التى لا يمكن أن تتناقض مع أهدافنا القومية والوطنية العادلة بل تحقق وحدها هذه الاهداف الكبري . ويقول الدكتور عبد العزيز الدوري أن ( الصراع) في الاساس بين المفاهيم المتغلغلة فى صميم الامة العربية ( وبين أراء وافدة لا جذور لها فى التربة . والشيوعية لذلك تتنكر فى بلادنا للتراث ، وتنكر دور العرب فى التاريخ ، ولا تعترف لهم برسالة حضارية ، وتريد التلاعب بالتاريخ لتزعزع مفهوم الامة وتؤكد على صراع الطبقات . والشيوعية تنكر رسالة القومية العربية والتحرر والاصلاح اذ تتخذ من نظرتها الطبقية سبيلا لاعتبار القومية حركة البرجوازية الرجعية . وبهذه النظرة تنقل الكفاح من صعيد تحرري شامل الى صراع طبقي داخلى . وتقف فى وجه التضامن العربي وترى أسس الروابط طبقية مصلحية وليست قومية . وهى لذلك تريد التعاون مع المعسكر الاشتراكي وحده ، كأن التحرر هو الخروج من دائرة لدخول أخرى ) (31) ( التشديد من عندنا ) .
والواقع أن مثل هذا الافتراء لن يجرؤ على أن يري النور اذا أبرز الموقف الماركسي اللينيني الثوري وجهة بكل وضوح فى مواجهة المراجعة اليمينية التى أساءت الى هذا الموقف أيما أساءة ، مرة بالمواقف الطبقية الانتهازية ، ومرة بالسعار القومي العربي ، وفى كل المرات بالجهل المطبق بالقضية القومية العربية . ان هذا الخادم للطبقات البرجوازية الذي يخشي النضال الطبقي ضد الطبقات الاستغلالية ، هذا الذي لا يريد التعاون مع المعسكر الاشتراكي وحده يفتري بكل وقاحة على الشيوعية والشيوعيين ، ولكن كل ما يفعله أمثاله لن بقرب لحظة واحدة ساعة الوحدة العربية التى سوف يحققها الشيوعيون والثوريون والديمقراطيون الحقيقيون .
وأنه على أساس النضال الثوري العربي المشترك وحده ، وعلى أساس مقتضياته واحتياجاته ومتطلباته ، يمكن تقييم التجارب والمشروعات الوحدوية والاتحادية السابقة والحالية ، وتلك التى سوف يأتى بها المستقبل . ولا يمكن بطبيعة الحال أن نفهم هذه التجارب والمشروعات الوحدوية والاتحادية الا بربطها بالسياق التاريخى المحدد الذي جرت وتجري فيه ، والطبقات والانظمة التى طرحتها وتطرحها ، والاهداف التى سعت اليها من ورائها .
وهنا نشدد على أهمية مناقشة محتوى التحولات التى جرت فى منطقتنا فى الخمسينات والستينات والسبعينات ، فمن الواجب أن نفهم اتجاه هذه التحولات ، وهل هي الى الأمام أم الى الخلف ، والى أي مدي . ومن المؤكد أن الجانب الاعظم من الخلافات حول القضية القومية العربية والمواقف المتخذه من احداثها واجراءاتها أنما يعود الى الخلافات حول تقييم التحولات السابقة والحالية وقد انهارت الحركة الشيوعية العربية المراجعة وافلست على صخرة تقييم هذه التحولات.
أن هذه التحولات السابقة والحالية تقدم قضية أساسية . فلابد من طرح هذه التحولات للمناقشة ، ذلك أن المبالغات البلهاء والاوهام المتجددة حول هذه التحولات أدت وتؤدي كل يوم الى اضعاف النضال المعادي للاشكال والصور الجديدة للتبعية الاستعمارية ، واضعاف النضال ضد الرأسمالية الكبيرة المحلية وعلاقاتها الجديدة مع الامبريالية .
وسوف نرى أن الذين يتحدثون عن الوحدة غير المشروطة ، انما يتحدثون عن وحدة الرجعية والرأسمالية الكبيرة بأقسامها التقليدية والجديدة ، وليس عن وحدة الطبقة العاملة وحلفائها فى كل البلدان العربية ، وهذه الوحدة ( وهي وحدها الحقيقة التى تهم الجماهير العربية العاملة ) تقف الطبقات الاستغلالية عقبة كأداء فى سبيل تحقيقها وفى سبيل ارتباطها بالتحرر الوطني والاستقلال الجذري عن الامبريالية ، وفى سبيل ارتباطها أيضا بالاشتراكية .
والآن . ما موقف الرفيق طه ث. شاكر والرفاق السوريين من هذه القضايا الحيوية . يتحدث الرفيق طه .ث. شاكر عن ( ضرورة انتقال الثورة العربية الى مرحلة جديدة يتعمق فيها المضمون الوطني الديمقراطي والمحتوي الاجتماعي للقومية . وتعميق هذا المضمون هو الكفيل بتخطي عوامل التفتت والتجزئة والتغلب على عوائق السوق والمصالح الانانية للبرجوازية ، وهزيمة التيارات العرقية الشوفينية التى تعرقل الوحدة وتجهض الحركة ( القومية العربية ) وتعوق تطورها للتحول الى أمة واحدة بكل مقوماتها . ولن يتحقق ذلك الا بتغير في قيادتها ، بأن تتولى العاملة الدور القيادي فى حركة التحرر الوطني العربية ، ( ص 237 – 238 من كتاب قضايا التحرر والثورة الاشتراكية فى مصر ، والتشديد من عندنا ) ويشدد الرفيق طه شاكر ، على طريقته الخاصة ( القائمة على الشجب والاقرار والتصدي والادانة الخ ...) على ربط قضية الوحدة العربية بقضايا التحرر الوطني والديمقراطية والتقدم الاجتماعي ، وعلى رفض كل أشكال المصالحة والتعاون مع القوى والانظمة الرجعية العميلة بدعوى ( وحدة الصف ) الخ ... وعلى ربط كل ذلك بالاشتراكية . ويشدد الرفيق طه شاكر على ( ان حركة القومية العربية ) والوحدة هي حركة طبقات اجتماعية . وتقدم هذه الحركة وانتصارها رهن بتقدم الحركة الثورية فى كل بلد عربي وعلى النطاق العربي كله واكتساب ( القومية العربية ) لمضمونها ومحتواها الاجتماعي . ان الاشتراكية هى المناخ الامثل لتطور هذه الحركة وانتصارها . ولكن ذلك لايعني تأجيل الوحدة أو التخلى عن النضال من أجلها ومن أجل دعم ( القومية العربية) كحركة توحيدية نضالية ثورية ، حتى تتحقق الثورة الاشتراكية ، بل يعني أن كل أشكال التضامن العربي والوحدة ينبغى أن تستند الى مبادئ الثورة الوطنية الديمقراطية وتعتمد على الجماهير الشعبية الكادحة وتستهدف استكمال مهام الثورة الوطنية الديمقراطية والانتقال الى الاشتراكية ، (ص 239 من المرجع السابق والتشديد من عندنا). ويشدد أيضا على ( اقامة جبهات وطنية حقيقية واطلاق الحريات للجماهير الشعبية والنضال دون هوادة ضد اتجاهات البرجوازية للانفراد بالسلطة والفكر . ، ( ص 238 من الكتاب والتشديد من عندنا ) . لقد قدمنا فى الفصل السابع ما يمكننا الاعتماد عليه فى مواجهة الصياغات الشاكرية حول ( استكمال مهام الثورة الوطنية الديمقراطية والانتقال الى الاشتراكية ). وفى مواجهة مواقف هذا الخط من قضايا طبيعة الثورة والحلف الطبقي ، وهذا بغنينا عن مناقشة ما يقدمه هنا من أفكار فى هذا المضمار ، كما أوضحنا فى أقسام سابقة فى هذا الفصل الثامن اضطراب أفكار ومفاهيم الرفيق طه شاكر حول الامة والقومية والمقومات الخ الخ ..ولكن ما يهمنا هنا هو ابراز تأكيد الرفيق طه شاكر للمضمون الطبقي لقضية الوحدة العربية ، وربطه هذه القضية بقضايا التحرر الوطنى والديمقراطية والاشتراكية ، واعتماده على تطور النضال الثورى كأساس للوحدة ، وتركيزه على الدور القيادي للطبقة العاملة . وهو يسجل بهذه المواقف تقدما واضحا بالقياس الى عبده هيكل الامة العربية الخالدة ، ولكن مواقفه هذه حافلة بالاضطراب وانعدام الدقة وأيضا الفقر المدقع نظريا وسياسيا . فنحن نجده هنا على سبيل المثال يتحدث عن ( اتجاهات البرجوازية للانفراد بالسلطة الخ ، وكأن هذه السلطة لا تنفرد بها ، وكأن القوى الثورية والجبهات الوطنية الحقيقية التي يتحدث عنها يمكن أن تقيم نضالها على أوهام أن البرجوازية لم تنفرد بالسلطة بعد وبالتالي محاولة قطع الطريق عليها أو محاولة التحالف معها والاشتراك معها فى السلطة ، وهذا أمر مختلف تماما عن قضية اضعاف السلطة التى هي سلطة البرجوازية وحلفائها الاستغلاليين ، وكسر هيمنتها المطلقة ، وتحقيق المكاسب الديمقراطية على حسابها ، واجبارها على تقديم التنازلات فى مجال أشكال الحكم وأوضاع الديمقراطية ، وفى مجال القضية الوطنية . وهل هذا خطأ عارض لدي الرفيق طه شاكر ؟ كلا ! فكما لاحظنا من قبل نجد أن خصائص منهج الرفيق وموقفه تؤدي به الى التبني الخجول للمواقف المراجعة فى عدد من القضايا ومنها هذه القضية القومية العربية . ولقد تتبعنا من قبل المصادر ( الاصلية ) لهذه الاخطاء ، وينبغى أن نبرز هنا أن صياغات الرفيق تصل الى أشد أنواع الاضطراب والتشويش والتردد والتخاذل ، الى أن تصل في النهاية الى ما لاحظناه من قبل من تبنى كل المواقف اليميني المراجع .
(فالجبهة الوطنية الحقيقية ) التى يتحدث عنها الرفيق طه شاكر ، لا تستبعد أقسام البرجوازية الوطنية التقدمية ،(ص223 من المرجع السابق) أي أنه يغنى نفس الاغنية المراجعة اليمينية التى أصبحت تؤذي الآذان بأصواتها القبيحة المنكرة . والغريب أن الرفيق ( يطمع) فى أن تقود الطبقة العاملة والاحزاب الشيوعية هذه الجبهات التى تضم ( البرجوازيات المتمسكة بالسلطة ، . والتى يتوهم بعد كل هذه التجارب الطويلة المريرة امكانية أن تنفتح هذه البرجوازيات على اليسار . وأن تتخلي عن سياسة معاداة الشيوعية ( ص222 أيضا من الكتاب ) . ولا ينسي الرفيق طه شاكر أن يحدد ، مهام ، هذه الجبهات الوطنية الحقيقية التى تقودها البروليتاريا والاحزاب الشيوعية . فهى وطنية دون أن تتناقض مع التحالف مع قوى الخيانة الوطنية التى تتربع فى الواقع على السلطة . وهى ديمقراطية اعتمادا على ( انفتاح) هذه القوى الخائنة المستسلمة على اليسار وعلى ( تخليها) عن سياسة معاداة الشيوعية . وهى جبهات لا تستهدف الاطاحة الثورية بالبرجوازية الحاكمة بل تستهدف ( هزيمة الاجنحة اليمينية والمحافظة ، فقط وتعرية سياستها الاستسلامية والمعادية للديمقراطية ، (ص224 من المرجع السابق ، قضايا التحررالوطني والثورة الاشتراكية فى مصر. دار الفارابى ، بيروت). ان ( قيادة الطبقة العاملة ) لا تتقدم هنا لتحل محل البرجوازية بعد الاطاحة بها ، بل هى فقط ( الضمان ضد سياسة التهادن والتحالف مع النظم الرجعية العميلة ،(ص224 أيضا من الكتاب) . فلتبشر الرجعية بطول السلامة مادامت الطبقة العاملة لن تكون ، وفقا لهذا المنطق ، الا طبقة متخاذلة ، ينصب كل جهدها على الا تترك البرجوازية الحاكمة تتهادن مع الرجعية ، بدلا من النضال المشترك على المستوي العربي الواسع من أجل الاطاحة بالرجعية والاطاحة بالعلاقات الامبريالية والصهيونية الاسرائيلية ، وبدلا من العمل على انصهار الجماهير العاملة العربية من خلال هذا النضال المشترك فى أمة عربية اشتراكية واحدة .
ومن المفارقات غير المدهشة بل المنسجمة مع هذا المنطق ، أن يجمع الرفيق طه شاكر ، مع هذه المواقف ، وبكل سهولة ويسر وهدوء ، موقفا يتقدم به على الكثير من الاتجاهات المراجعة اذ يري أن ، هذه الانظمة فى مأزقها الراهن يتهددها نفس المصير الذي انتهت اليه من قبل الانظمة الوطنية فى اندونيسيا وغانا وكمبوديا التي سقطت تحت سياسات وأخطاء مشابهة وهي اذا كانت قد قادت النضال الوطني العربي فى السنوات الماضية ، معظمها يقف اليوم على مفترق الطرق ، وبين شقي رحي طاحنة الخ... ( ص222 من المرجع السابق والتشديد من عندنا) . فبرغم المصير الاسود الذي يتوقعة للانظمة البرجوازية هذا المصير الذي يتحقق الآن أمام أعيننا ، الا أن الرفيق طه شاكر ( يركب ) هذه التوقعات السليمة مع توقعات مناقضة ترهن النضال الثورى العربي بتخلي هذه الانظمة عن سياساتها الاساسية النابعة من مصالحها الطبقية ، سياساتها فى معاداة الديمقراطية ، سياساتها فى تصفية القضية الوطنية وخيانتها ، والاستسلام أمام الامبريالية . كيف يحدث هذا التناقض ولماذا يتكرر كثيرا لدى الرفيق طه شاكر. ذلك مرجعه الوحيد الى أن الرفيق بمنهجه الميكانيكي الميتافيزيقى ( يركب ) المواقف على أساس فهم ( سطحي) لما يجري في المنطقة من تحولات فى الوقت الحالى ، ومن المؤكد أن الكلام السابق يدل على أن الرفيق المؤلف يفهم ( ولكن بأشد الاشكال سطحية ) ، ما يجري ، بالمقارنة مع الاتجاهين البكداشي واللابكداشي لا مع الماركسية والشيوعية العلمية التى لا يمكن لسواها ان تقود المواقف الثورية الصحيحة ، وهكذا يضطر الرفيق شاكر الى دفع ضريبة السطحية فى كل القضايا التى يتعرض لمناقشتها ، لهذا النوع الفاتر من المناقشة الميتة ، لهذا النوع من تجنب المناقشة الحقيقية والضريبة التي يدفعها دائما هى الابتعاد بصورة منهجية عن اتخاذ مواقف متماسكه فى أي قضية ثورية .
وتنبع سطحية فهم الرفيق للتحولات الجارية ولمستقبلها ، من سطحية فهمه للتحولات السابقة التى جرت فى منطقتنا العربية في ظل قيادة البرجوازية الكبيرة لحركة التحرر الوطني . لقد تحدث وأطال الحديث عن ( الناصرية بمواقفها الفكرية والعملية المتطورة ، وانتزاعها القيادة لتجسد ( تيارا وطنيا تقدميا على النطاق العربي ، وأن تصبح بفكرها وممارستها هى التعبير المركز عن هذه المرحلة ، مرحلة ثورة التحرر الوطني العربية ، ( ص217 ، المرجع السابق ). وأطال الحديث عن انجازات الناصرية ذات الطبيعة الاستغلالية ، ولكنة يشير الى ( المواقف الفكرية ) للناصرية دون أن يقوم بمناقشتها وتقديم مختلف عناصرها ، وهو لا يوضح الاسباب والدوافع الطبقية الاعمق وراء المواقف ( العلمية والفكرية ) للناصرية ، بل يشتد خلطه عندما يعتبر التحالف الانتهازي التاكتيكي للناصرية مع الاتحاد السوفييتي ، والقائم على تاكتيك اللعب على حبال التناقض بين المعسكرين الاستعماري والاشتراكي فى أوضاع اضطرابه ، عندما يعتبر ذلك تحقيقا لـ ( انفتاح ثورات التحرر الوطني على قوي الثورة العالمية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي (ص218 من الكتاب نفسه) فأى انفتاح على الاتحاد السوفييتي يتفق وينسجم ، الى حد الانفتاح مع سياسه معاداة الشيوعية ومعاداة الديمقراطية والوطنية المتماسكة المستقلة للطبقة العاملة والطبقات الشعبية ؟ وبدلا من تقويم موقف الناصرية من الثورة العربية ، التى يجب أن لا ننسي أبدا أن الحركة الشيوعية العربية كانت بعض فصائلها ( وكذلك بعض الحركات الثورية التى تتجاوز الناصرية )، وبدلا من رد هذا الموقف الى الاسس الطبقية البرجوازية للناصرية ، يحلو للرفيق طه شاكر أن يقول : ( حققت الناصرية انفتاح الثورة المصرية على الثورة العربية فى شمولها ، وحققت قدرا من التلاحم بين قوي الثورة العربية كما انعشت وقوت من تطلعات الوحدة العربية والقومية العربية ، التى سبقتها فى الدعوة اليها الاحزاب ( القومية ) العربية الاخري .، ( ص218 من المرجع نفسه والتشديد من عندنا ).
ما الذي يورط الرفيق طه شاكر فى كل هذا ؟ انه المنطق الاساسي الذي يقوم عليه هذا الخط ، والذي يعتمد على المنهج الميتافيزيقى الذي ينسي هنا ما يشدد عليه هناك بدلا من ربط هذه الاشياء بصورة جدلية بعضها ببعضها الآخر فقد يتحدث عن انتهاج سياسات معاداة الشيوعية ومعاداة الديمقراطية فى مكان ، ولكنه ينسي ذلك معلنا ( انفتاح ) ( الثورة المصرية ) على ( الثورة العربية فى شمولها ) وعلى ( البلدان الاشتراكية ) ، الخ الخ ... فى مكان آخر. وقد يتحدث عن العداء للحركة الجماهيرية فى مكان ، لينسي ذلك ويتحدث فى مكان آخر عن ( الخشية منها ) فقط لدى الناصرية ... بل قد يتورط استمرار هذا الخط ( بعد الكتاب ) فى نسيان كل ما قبل عن ( سلبيات ) الناصرية ، ليجعل عهد عبد الناصر المقياس النموذجى للوطنية ولكل شئ حسن .
وفى كل هذا ينطلق الرفيق طه ث. شاكر من تجاهله لنظرة البرجوازية المصرية الكبيرة الى القضية القومية العربية بالتركيز على المنطقة العربية باعتبارها المجال الطبيعي لنمو وحياة اقتصادها الذي لا يمكنه أن يظل حبيس الحدود المصرية ، ومن تجاهلة أن المصالح الطبقية الرأسمالية النوعية هى التى تعطى الناصرية أهدافها وموافقها وحدودها . فلا يفتح الله على الرفيق طه ث. شاكر ألا بالحديث عن مجرد ( بروز دور التضامن العربي) والمساندة والدعم المتبادل ) بعد ( ثورة ) يوليو 1952 . ولماذا لا يتحدث عن ذلك بعيدا عن التحليل الطبقي طالما أنه يمكن أن ينسي بسهولة ضرورة التزام الماركسي بمنهج التحليل الطبقي ، لكي يظل ماركسيا .
تبقي نقطتان : شروط الوحدة العربية والتجارب المحددة للوحدة العربية ، وهذه الشروط هى بطبيعة الحال أسس تقويم التجارب السابقة والحالية وتلك التى فى رحم الغيب ، كما أن هاتين النقطتين مترابطتين فى حلقات متماسكة مع السياق التاريخي للتحولات السياسية السابقة والحالية والقادمة فى المنطقة العربية . فلا غرو اذن أن يكون لأي موقف من هذه الامور ، منطقة الداخلى الذي يربط بينها بالتأكيد أو الرفض بما يعكس انسجام عناصر الموقف منها جميعا . وسوف نرى لدى الرفيق طه شاكر ولدى الرفاق السوريين العلاقات الوثيقة التى تربط الموقف من اي عنصر بالموقف من بقية العناصر .
وانسجاما مع درجة محددة من فهم ورفض بعض جوانب التحولات السابقة والحالية ، برغم أنه لا يفهمها جميعا على وجهها ولا يرفضها بالتالي جميعها بصورة جذرية حاسمة ، فان الرفيق طه شاكر يربط كل تجارب الوحدة السابقة والحالية بالمصالح الطبقية التى عبرت عنها . وهو يشير الى مشروعات الهلال الخصيب والاتحاد الهاشمي والمملكة العربية المتحدة التى طرحها الملك حسين واتحاد الامارات العربية فى الخليج ويقول انها جميعا ( أشكال من الوحدة يقف وراءها المستعمرون والطبقات الرجعية العميلة الاقطاعية والرأسمالية المرتبطة بالاستعمار ) ( ص229 من المرجع السابق) ، ويشير أيضا الى واقع أن ( دعاوي الوحدة الاسلامية تنطلق من أبواق الاستعمار والطبقات الرجعية العميلة الاقطاعية والرأسمالية المرتبطة بالامبريالية وملوك البترول وتعادي الحركة الثورية ) ( ص 229 من الكتاب). وهو يشير أيضا الى أن واقع ( دعاوي الوحدة الاسلامية تنطلق من أبواق الاستعمار والطبقات الرجعية العميلة الاقطاعية والرأسمالية المرتبطة بالامبريالية وملوك البترول وتعادي الحركة الثورية ) (ص 229 من الكتاب) . وهو يشير أيضا الى أن ( أشكال الوحدة التى تطرحها ( القذافية ) والتى تستند الى الاسس الشوفينية والسلفية تهدف الى طمس معالم الصراع الاجتماعي الحاد على نطاق الوطن العربي وتقدم ( الوحدة القومية ) كبديل عن الوحدة والتلاحم الضرورى بين قوي الثورة العربية وقوى الاشتراكية العالمية ، (ص239 – 240 من الكتاب ).
وناقش الرفيق المؤلف الوحدة المصرية السورية 1958 – 1961 وكذلك اتحاد الجمهوريات العربية بين مصر وسوريا وليبيا منذ الان باعتبارهما نموذجين بارزين تاريخيين مختلفين . وهنا يتضح ، ما اتضح كثيرا جدا من قبل ، فهو بحكم منهجه غير قادر على التماسك ، على أي موقف متماسك . وهو يرجع انهيار الوحدة المصرية السورية الى أن البرجوازيات الحاكمة فى مصر وسوريا ( قدمت تناقضاتها ( الثانوية) مع الجماهير الشعبية ، وعلى رأسها الطبقة العاملة واحزابها ، على تناقضها الرئيسي مع الاستعمار والرجعية ، وجعلت من مطاردة القوي الوطنية والثورية على الصعيد العربي هدفها الاساسي ، وغلبت مصالحها الطبقية على مصلحة مجموع قوي حركة التحرر الوطني العربية ، فافتقدت الوحدة الاساس والمضمون الديمقراطي ، وأصبح من السهل ضربها ، ( ص 240 من المرجع السابق ). ومن الواضح أن هذا المنطق يقوم على الاسطورة التى رددتها الحركة الشيوعية المصرية والعربية المراجعة ، ما يربو على عقدين من الزمان ، من أن التناقض بين البرجوازية الحاكمة من ناحية ، والجماهير الشعبية والطبقة العاملة من ناحية اخرى ، انما هو تناقض ثانوي . فهذا الخط كما أسلفنا يظل فى النهاية اسيرا لكل الاسس الفكرية والتنظيمية لمراجعة الحركة الشيوعية المصرية السابقة . كيف يكون التناقض ( ثانويا) ثم تغلبه البرجوازية الكبيرة الحاكمة البيروقراطية ، التى جلت محل البرجوازية الكبيرة التقليدية ،على تناقضها الرئيسي مع الامبريالية ؟ والواقع ان هذا الذي لا يفهم أن التناقض بين البرجوازية المصرية والطبقة العاملة المصرية كان فى الفترة التاريخية التى يتحدث عنها تناقضا رئيسيا ، وانه الان كذلك ، وسيظل كذلك حتى يطاح بالبرجوازية ويقضي على مقاومتها ، رغم أن التناقض بين هذه البرجوازية والامبريالية كان تناقضا رئيسيا أيضا ، فأنه يضطرب الى ما لانهاية عندما لا يضع أساسا طبقيا مفهوما لواقع أن تجعل البرجوازيات الحاكمة ( من مطاردة القوي الوطنية والثورية على الصعيد العربي هدفها الاساسي الخ ... ). لقد تكونت الوحدة المصرية السورية في سياق تاريخي محدد شهد صعود الطبقة البرجوازية المصرية من خلال احتدام صراعاتها مع الامبريالية ، واعادة صياغتها لنفسها من خلال هذه الصراعات ، دون ان تثلم حدة نصلها الموجه بمعاداة استثنائية الى الجماهير الشعبية ومنطقها وقواها الديمقراطية الوطنية المتماسكة ، وبالاخص الحركة الشيوعية . وكان من المنطقي ان يبرز هذان الشقان الاساسيان للموقف الواحد للسلطة الناصرية البرجوازية في مصر ، شق معاداة الاستعمار فى الحدود التي تصل اليها برجوازية متخلفة لا تستطيع تحقيق استقلال جذري ولا تتجه بالتالي الى هدم الجسور ونبذ كل صور المهادنة والمساومة مع الاستعمار . وشق معاداة قوى الاشتراكية والديمقراطية الوطنية المستقلة عن هذه السلطة . ولقد كان من خصائص التناقض مع الاستعمار واحتدام الصراع معه وتناقض سيطرته التقليدية على المنطقة العربية مع نظرة البرجوازية المصرية الى العالم العربي كمجال طبيعي لنموها الاقتصادي ، ان تتجه السلطة البرجوازية الى منازعة الاستعمار فى هذا المجال وربط الاستقلال بقضية الوحدة العربية . وكان اتجاه البرجوازية المصرية الى منازعة الاستعمار فى المجال العربي يلتقي ويتناقض ، فى نفس الوقت ، مع اتجاه أي برجوازية عربية أخرى الى الاحتماء بها ، التنافس معها أو التحصن ضد سيطرتها . وهذا هو الواقع الذي يفسر التاريخ الحافل من التقارب والصراع المحتدم ، من الاتحاد والتقارب ( والحرب الباردة ) من الالتقاء والتنافس والتضارب والصدام والحملات المتبادلة ، بين البرجوازية المصرية والبرجوازيات العربية الاخري . وهكذا ينبغى فهم تجربة الوحدة المصرية السورية التى لم تقدر على الاستمرار أكثر من بضعة أعوام ، والتى لم تكن سوي ، وحدة دولة وليست وحدة ديمقراطية حقيقية ، برغم أن الجماهير الشعبية السورية والمصرية احاطت هذه القضية بمشاعرها وتطلعاتها الوحدوية العاصفة . ينبغي فهم تلك التجربة من خلال العناصر المتشابكة التى كونتها . باعتبارها وحدة جرت فى سياق معاداة الاستعمار وهذا هو جانبها التحرري الوطني . وباعتبارها وحدة علوية غير ديمقراطية ، بل اكثر من ذلك شديده المعاداة للديمقراطية ، طالما أنها كانت التقاء بين السلطة الناصرية البرجوازية شديدة المعاداة للشيوعية والديمقراطية وبين البرجوازية السورية التى جاءت تحتمي بالسلطة الناصرية من شبح الشيوعية والحركة الثورية فى سوريا ، وهذا هو جانبها الديكتاتورية الرجعى المضاد للثورة الحقيقية والملتقى مع أهداف الاستعمار الامريكي على رأس الامبريالية العالمية فى المنطقة ومع الرجعية العربية ومع كل أعداء الثورة الاشتراكية الحقيقية البروليتارية ، على المستوي العالمي والعربي والمصري والسوري .
ان فشل الوحدة المصرية السورية ( فبراير 1958 – مارس 1961) ملئ بالخبرات والدروس ، حيث أدت الى هذا الفشل أسباب مترابطة ، نبرز من بينها أن الجماهير الشعبية الوحدوية السورية وكذلك المصرية لم تكن تستطيع أن تحمي الوحدة ، بينما الديكتاتورية المفروضه عليها تقيد حركتها المستقلة . فمجرد دورانها حول الناصرية لا يمكن أن يرتفع الى مستوى حماية وحدة غير ديمقراطية وغير متماسكة حتى النهاية فى وطنيتها وبالتالي غير قادرة على تمكين أحد من حمايتها . كذلك فان انعدام الجذرية فى المواقف من الاستقلال الذي ظل نسبيا ، ادى بطبيعة الحال الى العجز عن خلق الاساس المتين بكل عناصره الاقتصادية والسياسية والجماهيرية لاستمرار الوحدة . ولابد أن نأخذ فى الاعتبار ان وحدة ديمقراطية حقا . وطنية حتى النهاية . كان من شأنها أن تتعزز على المستوى الدولى والعربي والمحلى . ومن الضروري ان نضع فى اعتبارنا عنصرا بالغ الاهمية ، وهو التناقض والتنافس بين البرجوازيتين المصرية والسورية فى موازين القوى المتغيرة . ولقد أدت هذه الاوضاع التى أحاطت فى تشابكها المعقد بالوحدة المصرية السورية ، الى أن يتمكن منها اعداؤها من خلال الاعتماد على المجموعات ( الانفصالية ) وتوجية الضربات القاتلة اليها . ولا يقف الرفيق المؤلف عند حدود اعتبار التناقض بين البرجوازية الكبيرة والطبقة العاملة تناقضا ثانويا ، فالواقع انه لا يمكن الوقوف عند ذلك ، لانه يؤدى الى تصور ان سلوك البرجوازية الحاكمة لا يجرى وفقا لخطها الاساسي النابع من مصالحها الاساسية بل ليس سوي اخطاء . وتتكرر هذه النغمة كثيرا جدا لدى الرفيق المؤلف ، وهو يقول :
وتتكرر نفس الاخطاء فى الوحدة الثلاثية ( يقصد الاتحاد الثلاثى ) واندماجية ( هكذا ) المصرية الليبية فمازالت البرجوازية – خاصة فى مصر وليبيا – تصر على الانفراد بالسلطة وعلى فرض نظام الحزب الواحد ورفض الاشكال الجبهوية ، بل تمارس الضغوط وتتآمر على سوريا لدفعها الى حل الجبهة والغاء الاحزاب ومطاردة القوي الثورية والتقدمية . وباسم الوحدة وجهت الضربات للقوي الوطنية اليسارية فى مصر ، فصفى الجناح اليساري الناصري فى السلطة وامتدت الاجراءات البوليسية الى جميع القوي الوطنية وانتعش اليمين بصورة لم تشهدها مصر منذ عام 1952 . وباسم الوحدة جرى التدخل فى السودان ، ليعلن السادات ان الاتحاد ( قد ولد وله أسنان حادة) . مثل هذه الوحدة لا تخدم حركة التحررالوطني العربية ، بل تؤدي الى تزايد نفوذ الاجنحة اليمينية والرجعية وبتهددها نفس مصير الوحدة المصرية السورية ،( ص 240 – 241 من المرجع السابق) .
أولا : يتحدث الرفيق عن الاخطاء وليس عن سياسات اساسية نابعة من مصالح وأهداف طبقية أساسية كما رأينا من قبل ثانيا : من الضروري ابراز اختلاف السياق الذي تتم فيه ( الاتحادات) الجديدة ، فاذا كانت الوحدة المصرية السورية الاولى قد افترنت بالصعود البرجوازي ووقوف البرجوازية على رأس الحركة الوطنية وبالتالي تناقضها مع الاستعمار والرجعية فانها اكتسبت من تلك الظروف جانبها الاستقلالى الوطني النسبي ، برغم الديكتاتورية البوليسية التي اضعفت هذا الجانب فى تلك التجربة . اذا كان الامر كذلك مع الوحدة المصرية السورية فى تلك الفترة وذلك السياق التاريخيين فان ( الاتحادات الجديدة ) تجرى فى سياق هبوط الطبقات البرجوازية القومية ، وتدهور استقلالها القومي ، واعادتها لروابط وثيقة مع الامبريالية واستسلامها أمامها ، أما الديكتاتورية البوليسية فباقية مستمرة . أي أن ( الاتحادات الجديدة ) ليس فيها جانب استقلالي او وطنى ، وليس فيها تقارب او اتحاد او ترابط او عمل مشترك على أساس التصدي للامبربالية او الصهيونية او للرجعية . وفى الوقت نفسه فان هذه ( الاتحادات ) العربية لا يمكن ان تقف عند هذا الجانب ( السلبي ) بل من المحتم أن تتصدي لمن يتصدون للامبريالية باسم الانفتاح والتوازن الدولى ، ولمن يتصدون للصهيونية باسم الواقعية ولمن يتصدون للرجعية العربية باسم العروبة ووحدة الصف والاخوة العربية . وهكذا نجد الاتحاد الثلاثي على سبيل المثال مخصيا أمام الاستعمار الامريكي واسرائيل ولكنه أمام الجماهير العربية ( قد ولد وله أسنان حادة ) كما يقول السادات . وهذا الاتحاد الثلاثي أسد على شعوبه فى كل بلد ، ونعامة كما يقال أمام الاعداء التاريخيين لشعبنا . فنجده يبطش قبل النميري وبعده بالشعب السودانى الشقيق ، ولكنه ( ينفتح) سياسيا واقتصاديا وعسكريا أمام امبريالية الولايات المتحدة الامريكية . اما لماذا يجرى الامر على هذا المنوال ، ذلك لان تناقض هذه البرجوازيات مع الامبريالية يتدهور وزنه وحجمه ، ويحل محل احتدام الصراعات على أساسه فى الفترة التاريخية السابقة التعاون والتقارب والصداقة والاتجاة الى التحالف ولهذا فان السياق التاريخي الجديد يجعل الاتحادات البرجوازية والرجعية لا تتم ضد الاستعمار بل في سياق الترابط معه . أما التناقض الرئيسي بين الجماهير العاملة والبرجوازية في كل بلد عربي ، فانه التناقض الحاسم فى الماضي كما فى المستقبل ، ولذلك فان العداء الطبقي باق ، ولذلك ايضا فأن الديكتاتورية البوليسية مستمرة وتتجه فى المستقبل الى ابعاد اكثر خطورة من كل ما سبق .
ثالثا: أما مجموعة على صبري – شعراوي جمعه ، كانت قوة وطنية يسارية ، فذلك ما يعرف الرفيق طه شاكر سره . يمكن الحديث عن هؤلاء باعتبارهم قمة الممثلين السياسيين فى البرجوازية البيروقراطية ويعدون يسار هذه الطبقة البرجوازية فهو يسار بالنسبة للاتجاه الاخر داخل هذه الطبقة وليس بأي معنى اخر . اما الحديث عن هذه المجموعة التى ورثت قيادة الاتجاه الذي كان على رأسه الرئيس الراحل عبد الناصر ، فقد ورثت ايضا بعد رحيله الموافقة على القرار 242 وعلى المبادرة الامريكية . ورثت كل أسس تصفية القضية الوطنية كما وضعها الزعيم الراحل ، فأين الوطنية اليسارية فى مواقف تلك المجموعة الاشتراكية البوليسية !
ويري الرفيق طه شاكر محقا ان الوحدة ليست ( هدفا فى ذاتها ) بل هى وسيلة الجماهير العربية لبلوغ هدفها الاساسي ، وهو المضي بثورتها ، ودفعها الى الامام وتقدمها فى طريق التحرر والاشتراكية ) ( ص241 من المرجع السابق ، قضايا التحرر الوطني والثورة الاشتراكية فى مصر . دار الفاربي بيروت ، والتشديد من عندنا ). وهو يؤكد على أن ثمة ( علاقة جدلية بين تحقيق الوحدة ( التقدمية ) بين البلدان العربية ، وتحقيق اهداف ثورة التحرر العربية . فالوحدة بين بلدين عربيين أو اكثر قد تخدم هذه الثورة وتخدم حركة القومية والوحدة أو تعيقها انطلاقا من الاسس التى تستند اليها والتى تتحدد على ضوء المرحلة الثورية التى تجتازها ثورة التحررالوطني العربية ومصالح الطبقات المحركة والمشاركة فيها (ص241 من نفس الكتاب والتشديد من عندنا ). ليس تعبير ( وسيلة) موفقا بما فيه الكفاية ، فالوحدة ليست مجرد وسيلة لانها تعنى التقارب والاندماج والانصهار بين الشعوب العربية الشقيقة من خلال النضال المشترك وهى تغني الاطار الذي يحيط بهذا النضال وبثماره ، فلا يمكن لكل ذلك أن يكون مجرد وسيلة . وبرغم أن الرفيق يبرز اهمية الشروط ، ويوضح انها هى اساس معرفة ما اذا كانت وحدة معينة مفيدة أو ضارة جديرة بالتأييد أم بالرفض ، فان حديثه الغامض عن المرحلة الثورية ومصالح الطبقات المحركة والمشاركة يطعن هذه الشروط فى الصميم ، لان هذا الحديث الغامض يجد تفسيره فى ما يقوله الرفيق المؤلف فى مواضع اخرى عن ( استكمال مهام الثورة الوطنية الديمقراطية للانتقال الى الاشتراكية )، وفى ما يبرزه الرفيق فى مواضع اخرى عن دور البرجوازية فى هذا الاستكمال . وفى ما ينص عليه من جبهات ( وطنية) تضم البرجوازية بشرط تخليها عن اتجاهها الخ الخ .. اللغو الذي سمعناه كثيرا والذي يجعل حديث الشروط الذي يتقدم به الرفيق شاكر على غيره من أمثال الرفاق السوريين ، حديثا يفقد معناه ، فالرفيق يبدد باليد اليسري ما يعطية باليمني ، كعادته فى التفكير وفقا لقوانين علم الميكانيك .
ويلخص الرفيق طه شاكر ( الشروط الضرورية للوحدة الثورية ) كما يراها . ( فهى وحدة معادية للاستعمار والاقطاع والرأسمالية العميلة وتهدف فى الاساس الى تدعيم الجبهة المعادية للاستعمار وكشف وعزل القوي الرجعية على النطاق العربي . انها الوحدة التى تقوم على الاسس الديمقراطية والاختيار الحر وتستند بالضرورة الى تحالف جبهوي ديمقراطي بين القوى الوطنية الثورية واحزابها . والحديث عن الوحدة فى ظل غيبة هذه الجبهات أو بفرض نظام الحزب الواحد ، لا يعني سوي التضليل وتكريس سيطرة الاقسام المحافظة واليمينية من البرجوازية ومن ثم اجهاض الحركة الثورية ) ( ص 241 – 242 من المرجع السابق والتشديد هذه المرة مناصفة وبالادق فالتشديد من عنده فيما عدا التشديد على عبارات ( الرأسمالية العميلة) و( تكريس سيطرة الاقسام المحافظة واليمينية من البرجوازية ) لابراز ان الرفيق طه شاكر يهدر قيمة اي شروط للوحدة ، لان كل الاشياء التى يرفضها بجلبة ، يعود فيتبناها فى صميم شروطه ، فهو يريد معاداة الرأسمالية العميلة ولا يريد معاداة الرأسمالية ككل ، كنظام ولهذا فانه ضد تكريس سيطرة الاقسام المحافظة واليمينية فقط من البرجوازية وليس ضد البرجوازية ككل ، كطبقة ، كنظام . وكذلك عبارة ، غيبة هذه الجبهات ) فالرفيق الذي يتحرق شوقا الى ( تحالف جبهوي ديمقراطي ) يريد أولا : اقامة جبهة وتحالف مع البرجوازية ( الكبيرة بطبيعة الحال) فيما عدا اقسامها العميلة والمحافظة واليمينية ، وهو يريد ثانيا ان تتجمل هذه البرجوازية بالديمقراطية ، بالطبع بعد تخيلها عن معاداة الشيوعية وعن معاداة الديمقراطية وعن كافة "الاخطاء" التى تكررها . وقد رأينا من قبل ، كيف أن الرفيق شاكر ينظر الى ( الجبهات) (اياها) فى سوريا او العراق كما ينظر اليتيم الفقير الى رغيف الخبز فى أيدي أولاد الاغنياء ولايدرك الرفيق ان تلك ( الجبهات) ليست نعمه نحسد عليها الحزبين ( الشيوعيين) هناك فالواقع انهما لا يحسدان عليها . وهذا لا ينفي ولا يتجاهل مغزي ضيق السلطة البرجوازية المصرية بالجبهات فالاحزاب الشيوعية فى نظرها تعد الد الاعداء حتى التى اصابها طاعون المراجعة. وكما أسلفنا القول فان ( الشروط ) يجب ربطها بالسياق العام لتطبيقها حيث البرجوازيات تتقارب وتتناقض بحكم مصالحها المشتركة ضد الثورة الشعبية ، ولكن المتعددة والمتناقضة والمتصادمة من جهة اخرى . ويجب فهم الشروط باعتبارها فى الاساس شروطا لتحديد اهداف النضال المشترك على نطاق الثورة العربية ، بهدف تطوير هذا النضال فى اتجاه ثوري يسير بها الى الامام . مع الحذر الشديد من خلق أوهام ان البرجوازيات العربية يمكن ان تحقق وحدة مستقرة او تصنع وحدة تقوم على قبول وتطبيق ايه اسس وشروط ثورية حقيقية من نوع مختلف . واذا كان الرفيق طه شاكر يقول فى نهاية الفصلين المتعلقين بحركة التحرر الوطني العربية والقومية العربية والوحدة العربية ان الوحدة الثورية بين البلدان العربية هى مطلب جماهيري وامل مشروع للجماهير العربية المناضلة ضد الاستعمار والصهيونية وفي سبيل التقدم الاجتماعي والثورة الاشتراكية . ومن هذا المنطلق يجب ان تستمد كل وحدة عربية أشكالها ومضمونها ( ص242 من المرجع السابق) فان الوحدة الثورية ، فى هذا القول تظل عبارة جوفاء لا معنى لها ان هي ارتبطت : بالشروط غير الثورية التى يضعها طه ث شاكر ، بدلا من القيام على أساس معادي بصورة جذرية للرأسمالية وللبرجوازية ، وليس فقط لأقسام معينة توصف بالعمالة واليمينية والمحافظة . وفى الحالة الاولى تظل ، الوحدة الثورية ، ترويجا للأوهام البرجوازية ، أما فى حالة بديلها الثوري الحاسم فان الوحدة الثورية لا يمكنها الا أن تتحقق فى اطار محور الثورة البروليتارية تحقيقا يعكس مقدار الضربات التى توجه الى البرجوازيات الحاكمة .
والآن : فاننا على أساس هذا الربط بين فهم السياق التاريخي المتغير كاطار للتجارب والمشروعات ( الوحدوية ) السابقة والراهنة واللاحقة ومن الشروط التي يمكن استنباطها وووالخ الخ نعمد الى مناقشة ما يطرحه بعض الرفاق السوريين بصورة مختصرة فيما يتعلق بهذه الامور المترابطة .
يقول مشروع البرنامج السياسي للحزب الشيوعي السوري ما يلى : ( يتميز العالم العربي اليوم بأن الاغلبية الكبري من بلدانه قد حققت استقلالها السياسي خاصة بعد الحرب العالمية الثانية . والمناطق التي لا تزال خاضعة للنير الاستعماري اصبحت محدودة . ويتميز ايضا بأن رقعة أنظمة الحكم الوطنية والتقدمية تتسع . وتتقلص بالمقابل رقعة البلدان الرجعية الممالئة للامبريالية – شأن السعودية وأمثالها . ومع أنها لم تعد فى مكان يتيح لها ان تعرقل بصورة عميقة ودائمة كالسابق تطور حركة التحرر العربية ، الا أنها تملك بسبب تنسيق مواقفها وتنوع صلاتها بالاوساط الامبريالية والرأسمالية العالمية العديد من الامكانات لان توجه فى ظروف داخلية وعربية ودولية خاصة ، ضربات مؤقتة ولكنها شديدة ، اذا لم تعد فى مكان يتيح لها عرقلة تطور حركة التحرر الوطني العربية كما كان فى الماضي .كما ويتميز العالم العربي بنهوض ثوري بالغ الاهمية بسبب اندماج مهمات النضال الوطنية المعادية للامبريالية بمهمات النضال الاجتماعي المعادي للرجعية والرأسمالية على السواء ، هذا الالتحام المترافق باقامة علاقات تتوطد وتتطور مع المعسكر الاشتراكي ، وخاصة مع الاتحاد السوفياتي ومع الحركة العمالية العالمية فى البلدان الرأسمالية . وان عددا متزايدا من بلدان العالم العربي اتجهت وتتجه نحو تحقيق تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة موجهة ضد بقايا الاقطاعية والرأسمالية الصناعية والتجارية الكبري وباتجاه الاشتراكية . فمن المعروف انه في هذه البلدان وغداة الاستقلال ثم تأميم جميع المؤسسات الاجنبية ( قناة السويس الكهرباء ، وسكك الحديد ، الريجي الخ ....) بالاضافة الى الاصلاح الزراعي ، اممت كذلك الملكية الرأسمالية الكبيرة فى المصارف وشركات التأمين وفى الصناعة والتجارة الخارجية وقسم من التجارة الداخلية ، وجرى ويجري تشكيل قطاع عام للدولة تسرع فى اتساعه وتعاظم نفوذه المشاريع الاقتصادية والصناعية الكبيرة التى تقيمها الدولة بمساعدة البلدان الاشتراكية . وبينما تسير الطبقات الرجعية ( الاقطاعية والرأسمالية الكبري) فى هذه البلدان نحو التصفية تحرز الطبقة العاملة وجماهير الفلاحين مكتسبات اقتصادية وحقوقية هامة بالاضافة الى أن دورها يتزايد باطراد من خلال حركتها النضالية ومنظماتها السياسية والنقابية .
وبسبب هذا الواقع الموضوعى المتطور يجري فى عدد من البلدان ، ولاول مرة ، تعاون ايجابي يقوم بين بعض الاحزاب الشيوعية العربية والاحزاب القومية التقدمية الموجودة منها فى الحكم او خارجة ، وهذه قضية مبدئية ومهمة كبري يجب النضال من اجل تطويرها وتعميقها بصورة دائمة . وهو تحالف ايجابى هام يساعد فى تعميق التطور الثوري فى التحولات الاقتصادية وفى فكر وممارسة فصائل حركة التحرر الوطني العربية ) ( 33) .
لقد اقتبسنا كل اللغو السابق لا لشئ الا لانه الخلفية السياسية وراء موقف الحزب الشيوعي السوري ، فبالاضافة الى فقر الدم النظرى فى فهم خصوصيات القضية القومية العربية ، وبالاضافة الى الجهل بالنظرية الماركسية اللينينية كما رأينا غير مرة ، فأن رفاقنا فى الحزب الشيوعي السوري يرتكبون افدح الاخطاء فى مجال فهم التحولات التى ( جرت وتجري ) فى المنطقة العربية . ان الذي يقرأ السطور التى اقتبسناها اعلاه لا يمكن الا ان يشعر انه يستمع الى شخص من كوكب اخر لا يعرف شيئا عما يجري فى منطقتنا العربية . ولكن أليس هذا هو الموقف ( الطبيعي) و ( المنطقي) لكل مراجعة يمينية ولكل انتهازية يمينية .
وليس هنا مجال المناقشة التفصيلية للنص السابق ، فلعل هذا ما فعلناه طوال الفصول السابقة وما سوف نفعله فى الفصول التالية ، ولهذا فاننا نبرز فقط بعض الامور .
فاذا كانت الاغلبية الكبري من بلدان العالم العربي قد حققت استقلالها السياسي، فمن الواجب ان نلاحظ ان مشروع البرنامج يرفع عقيرته بنشيد ( ليس فى الامكان ابدع مما كان ) لانه بهذا يقف عند حدود فهم القانون الدولى للاستقلال السياسي ويكتفى بوضع قانون دولي لهذا الاستقلال . بينما القضية التى تطرحها الحركة الثورية العربية بالحاح شديد هي الحفاظ على الاستقلال السياسي النسبي المتحقق ، وتطويره فى مواجهة الهجمة الامبريالية الصهيونية الرجعية ، وفى مواجهة الخيانة الوطنية لدى البرجوازيات الحاكمة ، التى حققت هذا الاستقلال النسبي الملئ بالثغرات ، والذي تفرط فيه البرجوازيات من خلال الاستسلام الوطني والردة الوطنية والانفتاح الشامل على الامبريالية بقيادة امبريالية ، الولايات المتحدة الامريكية. ومنذ هزيمة 1967 فان قضية القضايا أمام الشعوب العربية هى القضية الوطنية التى تتعرض للتصفية فى مصر وسوريا بالاحتلال الاسرائيلى وفى علاقاتها المتشابكة بالقضية الفلسطينية التى تحملها هذه الشعوب فى القلب والاحداق . وهذه القضية تتعرض للتصفية من جانب الاستعمار الامريكي واسرائيل والرجعية العربية والبرجوازايات العربية المتواطئة والشريكة فى عمليات تصفية الثورة الفلسطينية والمقاومة الفلسطينية . ولكن مشروع البرنامج لا يعرف الا أن استقلالا سياسيا قد تحقق ، بينما يطرح للجميع مسائل نسبيته ، وتفريط البرجوازيات الحاكمة فى مصر وسوريا الخ الخ ....فيه ، وضرورة حمايته وتطويره وربطه بالثورة الاشتراكية القادرة وحدها على تحقيق استقلال جذري .
ويصر مشروع برنامج الحزب الشيوعي السوري على أن ( رقعة انظمة الحكم الوطنية والتقدمية تتسع . وتتقلص بالمقابل رقعة البلدان الرجعية الممالئة للامبريالية – شأن السعودية وأمثالها ) أن هذا الكلام لا يقوله الا شخص لم يسمع عن هزيمه 1967 والتحولات الخطيرة التى تجرى بمعدلات خطيرة منذ ذلك الوقت . فأنظمة الحكم المسماة وطنية وتقدمية تستسلم وتتراجع وترتد وتتنازل . ولقد جرت حرب اكتوبر فى هذا السياق والدليل الدافع هو نتائجها المحددة التى لا يملك المماراة فيها أحد . أما البلدان الرجعية وعلى رأسها السعودية فأنها لا تتقلص بل تزداد وزنا ونفوذا وتزداد تأثيرا فى النظم المسماة وطنية وتقدمية ويزداد بروز دورها الحاسم فى الردة التي تشمل هذه الانظمة – وليس صحيحا اذن ان هذه البلدان الرجعية ( لم تعد فى مكان يتيح لها ان تعرقل الخ ....) بل ملخص القضية انها انتقلت الى ذلك المكان . ومن الغريب ان يتحدث بعضهم عن امكانات ان توجه هذه البلدان الرجعية ( فى ظروف داخلية وعربية ودولية خاصة ، ضربات مؤقتة ولكنها شديدة ) الى الانظمة المسماة وطنية وتقدمية بدلا من الاعتراف بأن هذه البلدان الرجعية اصبحت تتمتع بأوثق العلاقات واقوي النفوذ فى البلدان المسماة تحررية ووطنية الخ ... الاوصاف والاسماء التى تصل الى حد الاشتراكية والثورية . وان هذه البلدان الرجعية تعزز وتبارك وتشجع كل التحولات الجارية الى الخلف فى تلك البلدان المسماه بالوطنية . وعندما لا تتصادم البلدان الرجعية والاخري الوطنية المزعومة كما كان يحدث فى أوقات سابقة فلا يمكن أن يكون الاستنتاج الصحيح هو أن البلدان الرجعية اصبحت متقلصة او خائفة او مدركة ان ميزان القوي ليس لصاحها ، بل ان الاستنتاج الوحيد الصحيح هو أن اعمق اسباب ودوافع وضرورات الصدام هي التى تزول ليس فقط مع الرجعية العربية بل ايضا مع الامبريالية واسرائيل عندما تستسلم الانظمة البرجوازية امام هؤلاء الاعداء التاريخيين لشعوبنا العربية .
ان رفاقنا فى الحزب الشيوعي السوري لا يرون ( النهوض الثوري ) الا فيما تفعلة الانظمة والسلطات الطبقات والحكومات البرجوازية العربية . وهم لا يكتفون بوصف هذه الانظمة بالوطنية بل يعتقدون أن المهام الوطنية اندمجت مع المهام الاجتماعية ضد الرجعية والرأسمالية . ذلك لانهم لا يدركون أن الرأسمالية تتنوع اشكالها ومنها رأسمالية الدولة التى يسمونها اشتراكية او يصفونها بالاتجاه الى الاشتراكية طبقا لاحدث ( الوصفات) البريجينيفية، التى يعالجون بها مختلف القضايا . وعندما تطلق البرجوازيات سلاح تأميم المصالح الاستعمارية والمصالح الاقطاعية والرأسمالية المحلية . بل تطلق سلاح الحراسة او المصادرة الخ الخ ... يأتي الرفاق السوريون ليتحدثوا عن الاستقلال الذي يجري كالماء . فما يحدث الآن ايها الرفاق هو تصفية الاستقلال السياسي والاقتصادي النسبي . وهذه التصفية ( تلتحم ) بطبيعة الحال لا بتصفية الامبريالية بل بالانفتاح الشامل عليها سياسيا واقتصاديا وعسكريا . وهى لا تلتحم بالطبع مع تصفية الرأسمالية الكبيرة التقليدية ( رأسمالية القطاع الخاص ) بل يفتح الابواب أمامها وباحيائها . وهى لا تلتحم ابدا بتوجية الضربات الى الرجعية العربية بل تلتحم بتوثيق العلاقات معها وفتح البلاد أمام نفوذها . وهذه العمليات لا تلتحم كما تظنون ايها الرفاق ( باقامة علاقات تتوطد وتتطور مع المعسكر الاشتراكي ، وخاصة مع الاتحاد السوفياتي ، بل بالتصفية التدريجية لهذه العلاقات التى اقيمت فى فترات سابقة . وهى لا تلتحم ايضا باقامة العلاقات ( مع الحركة العمالية العالمية ) فما يجري الان هو اقامة الجسور مع الاتحاد الحر التابع للامبريالية . ان الرفاق السوريين شديدو الشبة بذلك الشخص الذي يتحدثون عنه فى الفولكور الروسي والذي يهنئ فى المآتم ويعزي فى الافراح . ففى زمن تصفية العلاقات مع البلدان الاشتراكية يتحدثون هم عن توطيد هذه العلاقات . وفى زمن تصفية القضية الوطنية والاستقلال النسبي يتحدثون هم عن تصفية الامبريالية . وفى زمن الانفتاح على الامبريالية والرأسمالية المحلية والرجعية العربية يتحدثون هم عن التحام ما هو اجتماعي ، وفى الزمن الذي تكشف تمام جوهر العلاقات الاستغلالية الرأسمالية ، التى أقامتها رأسماليات الدولة فى مصر وسوريا والعراق الخ ... بصورة واضحة ، يتحدثون عن اشتراكية هذه البلدان او اتجاهها الى الاشتراكية . فلماذا ايها الرفاق تقولون فى الاتراح ما يقال عن الافراح ، وتتحلقون حول الجنائر بأعذب أغاني الاعراس ، وتقولون عن النعوش فى المآتم أنها أجمل فساتين الزفاف ؟ بالطبع لا أحد يدعو الى اقامة مناحة لما يجري فى بلادكم وفى بلادنا وفى كل المنطقة العربية ، فنحن ندعو فقط الى النضال الثوري ضد هذا الذي يجري . وأن نفهم ان ما يجري ليس هو ( الهدف الرئيسي للشيوعيين ) كما يقول بعضكم بهذه الكلمات وكما يقول الباقى بكلمات اخري . ام ان من العبث ان يفكر احد فى ان يفيق بعضهم من أثر الخدر الطويل الذي تفرزه المراجعة اليمينية .
وعندما يزداد نفوذ الطبقات الرجعية ليس فى بلادها الاصلية فقط بل فى البلدان الاخرى التى كانت تقاطعها من قبل ، يتحدث الرفاق السوريون عن تصفية هذه الطبقات وعندما تكشر العلاقات الاستغلالية عن ( أسنانها الحادة ) فى البلدان مزعومة الاشتراكية يتحدثون عن الاشتراكية والاتجاه الى الاشتراكية فى هذه البلدان . وعندما يفرط الحكام العرب فى الاستقلال النسبي الذي تحقق فى الماضي يتحدثون هم عن الاستقلال الذي يجري كالماء الرائق . وعندما يخون هؤلاء الحكام قضية استقلال بلادهم ويخونون شعوبهم ويلقون رايات القضية الوطنية فى الاوحال يقول الرفاق السوريون أن ما يجري ( أي الخيانة الوطنية ) هو ( الهدف الرئيسي للشيوعيين ).. وفى الوقت الذي توجه الضربات القاصمة طوال ما يزيد على عقدين من الزمان فى مصر والعراق الخ الخ... الى الحركة المستقلة للطبقة العاملة وجماهير الفلاحين والى المنظمات السياسية والنقابية للعمال والفلاحين ، ويتحدث الرفاق الذين يحلو لهم أن ينافسوا بطل الفولكور الروسي عن المكاسب الهامة الاقتصادية والحقوقية التي تحرزها ( للطبقة العاملة وجماهير الفلاحين ) . وبرغم كل هذه الضربات القاصمة للحركة الشيوعية فى المنطقة العربية وللحركة العمالية المستقلة عن السلطات البرجوازية فى بلدانها ، لا يخجل الرفاق السوريون من الحديث عن الدور الذي ( يتزايد باضطراد ) للعمال والفلاحين .
كان من المنطقي اذن أن ( يلتحم) الرفاق السوريون مع السلطة البرجوازية فى بلادهم التى يدعون أنها برجوازية صغيرة وما هى بصغيرة ، والتى يدعون أنها ديمقراطية ثورية وما هي بديمقراطية أو ثورية بل تقف بشكل حاسم ضد الديمقراطية وتصفي الحركة الثورية المستقلة . ومن أشكال التصفية "التلاحم" ، مع الشيوعيين الذين يرون أن ما يجري فى بلادهم هو ، "الهدف الرئيسي للشيوعيين" ، . كان من المنطقي أن يتلاحم الرفاق مع السلطة الطبقية فى بلادهم وينهمكون معها فى ( تعاون ايجابي) وأن يجمعهم معا ، تحالف ايجابي، لتصفية القضية الوطنية فى بلادهم من خلال تطبيق قرار مجلس الامن 242 وقراريه 238 و 339 ومن خلال المبادرات الامريكية ومن خلال ما سمي بفك الاشتباك . انه حقا ( تحالف ايجابي ) و( تعاون ايجابي) من أجل تطبيق سياسات الخيانة الوطنية فى سوريا . والرفاق السوريون يرون فى هذا ( التحالف الايجابي ) وفى هذا ( التعاون الايجابي ) قضية مبدئية ومهمة كبري . أما انها مهمة كبري فذلك ما لاشك فيه لان نتائجها الكبيرة هي أن يري الشيوعيون المزعومون أن هدفهم الرئيسي هو ما يجري على أيدي البرجوازية الحاكمة ، أما انها قضية مبدئية فذلك مالا ينطلي على أحد الا ان تقف الامور على رؤسها فتتغلب الانتهازية واللامبدأية الى ما يسمونه بقضية مبدئية .
كيف تأتى كل ذلك وكيف تأتى للرفاق السوريين أن يقلبوا ويشوهوا ويزيفوا كل شئ الى حد تزييف الوقائع نفسها ؟ وقد يقال أن مشروع البرنامج سابق على الاوضاع الخطيرة الحالية ، التى لم تتبلور بهذه الصورة الا بعد حرب اكتوبر بنتائجها الخطيرة . ولكن الواقع أن كل ذي عينين كان فى استطاعته أن يري أن ما يجري فى المنطقة منذ هزيمة 1967 أمر شديد الخطورة على الاستقلال القومي النسبي ، بحيث يعرضة لافدح الاخطار التي نعيشها اليوم بكل قسوتها . وحيث اننا على يقين من أن الرفاق السوريين يملكون العيون وحيث أن الوقائع العنيدة تفقأ العيون ، فاننا لا نملك الا أن تردد ( أنها لا تعمي الابصار ولكن تعمي القلوب التي فى الصدور) .
ويثق الرفيق أحمد نصري الذي يردد أصداء الرفيق بكداش ، الذي يردد بدوره أصداء الرفاق السوفييت فى نفسه وفي ( علميته) الى درجة يظن معها أن التاريخ يسير وفق ، تصوراته العلمية ، كما يقول (34) ولكن ( علميته) العميقة الوافرة لا تصل الى أكثر من أن ( الطموح العاطفى ليس الرؤية العلمية ) هو المسؤول الوحيد عن الحدود التى تقف عندها الانظمة الحاكمة فى مصر وسوريا والجزائر والعراق فيما يتعلق بالقضية القومية العربية . ومن الطبيعي أن تقف ( علميته) أيضا عند الأسطورة القائلة أن القوي البرجوازية الحاكمة فى هذه البلدان ليست برجوازية صغيرة ، ولا حاجة بنا الى الوقوف عند هذه النقطة التي وقفنا عندها وقفات طويلة فى الفصول السابقة وبالاخص فى الفصل الثالث .
لقد رأينا من قبل أي قومي مندفع ، هو الرفيق ظهير عبد الصمد ، الى حد تجاوز حدود العقل ، فمن الطبيعي أن يقف هذا المتعبد فى معبد ( الامة العربية ) أغرب المواقف كأن يستاء من النظر العلمي في هذه القضية بالذات كما رأينا من قبل أيضا . وفيما يتعلق بالوحدة العربية نجده يرتفع بها أو يهبط لا فرق . فوق أو تحت ، الشروط والظروف والاوضاع والطبقات والقوي الاجتماعية . وهو يترنح حقا فى موضوع تأييد أو معارضة أو النضال من أجل الوحدة أو الاتحاد وهو يريد التأييد مع التطوير بدون شروط مسبقة ، ولا يفهم أن الاتحاد قد يكون رجعيا أي ضد الشعوب العربية فلا يمكن تأييده فى هذه الحال بل ينبغى العمل على القضاء عليه . وهنا يقدم الرفيق ظهير جوهرة من جواهره الفريدة فى النص التالي :
( بعض الرفاق تحدث عن الوحدة المشروطة ، وانه لا يقبل بها الا اذا كانت تقدمية ديمقراطية ، ومناوئة للامبريالية ، أنا أيضا أؤيد وحدة مثل هذه ولكنى أتساءل هل يمكن صنع الوحدة حسب الطلب ؟ اذا كان بالامكان تحقيق ذلك ، وتفصيل الوحدة حسب أمزجتنا وحسب مقاييس محددة ، كذلك لا اعتقد ذلك فى الحياة لا تتم الوحدات حسب الشروط والطلبات والامزجة ، وانما تتم من خلال الصراع والنضال الطبقي بين القوي التقدمية وبين الاستعمار والصهيونية ، ولا يجوز وضع شروط مسبقة ، وانما ينبغي النضال كي تكون الوحدة أو الاتحاد ضد الاستعمار والصهيونية والرجعية ) (35).
لقد رفض الرفيق عبد الصمد من قبل التعاريف والصيغ فى القضية القومية فلماذا لا يرفض أيضا أي شروط فى هذه القضية بالذات بينما يقبل التعاريف والصيغ والشروط أيضا فى كل قضية أخري وفى كل شئ أخر ؟ لقد تمكنت منه ( العروبة) حتى أنسته أن طرح الشروط والمطالب الثورية فى أي شئ لا يعني ما توحي به عبارات ( حسب الطلب) و(حسب الامزجة) و(حسب مقاييس محددة ) ، و(حسب الشروط والطلبات والأمزجة). ولم يفكر فيما اذا كان هو نفسه يقبل على المستوي النظري وحده ( أوول سايز ) أي تصلح لجميع الطبقات والقوي الاجتماعية الاستعمارية والرجعية والاستغلالية . ولكنه من ناحية موقفه المحدد ، العملي ، يؤيد الوحدة من نوع ال ( أوول سايز) . فبرغم حديثه عن أن الرجعية غير وحدوية ، فانه يؤيد اتحاد الامارات العربية ، ودون أن يبحث عن أي شئ ( ضد الاستعمار والصهيونية والرجعية ) فى اتحاد الجمهوريات العربية ، فانه لا مانع لديه فى الموافقة على اتحاد كهذا ، لا وظيفة له الا ذبح الشعب السوداني والحزب الشيوعي السوداني حيث شاء له حينه أن يبرز أسنانه الحادة . وبهذه الطريقة يتملص الرفيق ظهير عبد الصمد من المشاكل التى يثيرها بدلا من مناقشتها . ولكن المناقشة الحقيقية عمل علمي ، يبتعد عنه ويتحاشاه دائما من يفقدهم الاندفاع القومي بلا حدود أي صبر أو مثابرة .
فاذا كانت الشروط هنا تعني الشروط التى تستحق وحدة ما التأييد عند توفرها . وتتعلق بطبيعة وخصائص الوحدة التي تناضل من أجلها ، وهل هى ضد الاستعمار أم تهادنه أم تتحالف معه ، وهل تعطي الديمقراطية للشعب أم تمارس ضده أشنع ديكتاتورية ، اذا كان الامر كذلك فلماذا يقال عن شروط بهذا المعنى أنها تتعلق بوحده ( حسب الطلب ) و(حسب الامزجة ) الخ الخ ؟؟.. اما ما يتضمنه النص ، عن الوحدة أولا ثم النضال من داخلها لكي تكون ضد الاستعمار والصهيونية والرجعية ، فليس سوي لغو فارغ . فاذا كنا نحقق أي وحدة فى غمار النضال ضد هذه الاشياء ومن أجل الاستمرار بهذا النضال ضدها بعد تحقيق الوحدة أيضا ، فما معني أن الوحدة مهما تكن طبيعتها تصلح كأطار للنضال ؟ وكما أن المجتمع البرجوازي يناضل المناضلون ضده وفى ظله وفي كل مكان ، فان دولة وحدة تحققها قوي رجعية سرف يناضل المناضلون ضدها فى ظلها دون أن يتضمن ذلك تأييدها أيضا ، ودون أن يعمل المناضلون الثوريون على أن تتحقق الوحدة على أيدي الرجعية . ان الشروط من أجل ماذا نناضل لا تعنى الكف عن النضال . ان كان فى ظل سيادة وسيطرة البرجوازية أو الرجعية وأي شيطان آخر . وعندما تقدم دولة وحدة رجعية فان ما يركز الثوريون على النضال ضده هو طبيعة دور ووظائف هذه الوحدة وليس الوحدة فى حد ذاتها . فهل أعمت ( العروبة ) بصيرة الرفيق ظهير عبد الصمد الى حد أنه لم يعد يميز مصالحها وبالتالي لن ينجح فى خدمة هذه ( العروبة ) مهما يتقلب على جمرة الآم الذوبان الصوفي فيها ؟
وبسبب حالته الصوفية هذه لا يفهم الرفيق عبد الصمد حتى لغة الرفاق السوفييت عندما يؤكدون على أهمية محتوى الوحدة وعلى أنهم ليسوا مع أي وحدة كيفما تكون ، فبرغم صلة الأرحام التي تجمع المراجعين اليمينيين فى كل مكان وبرغم اللغة ( القومية ) المشتركة بينهم ، وبرغم ان الرفاق السوفييت والرفاق السوريين يتفقون على خرافات الديمقراطية الثورية والبرجوازية الصغيرة والوجهة الاشتراكية الخ الخ .... الا أن الرفيق ظهير ليس فى حالة تسمح له بالاصغاء حتى الى رفاق السلاح عندما يقولون قاعدة عامة سليمة برغم أنهم يطبقونها بصفة غير سليمة .
والواقع أن الرفاق السوريين جميعا يتفقون فى الاصرار على عدم فهم قضية الشروط الثورية لاي وحدة تؤيدها ونناضل من أجلها ، ويقول الرفيق عمر قشاش أنه لا يؤيد الوحدة مع الدول الرجعية . ولكنه بدلا من أن يخرج باستنتاجات محددة وشروط محددة من هذا الموقف الذي يقول أنه يتخذه ، وهى الشروط الوحيدة التي كانت تجذبه الى اتخاذ موقف سليم من اتحاد الجمهوريات العربية ، نجده يهلل للديمقراطيين الثوريين المزعومين الذين صنعوا هذا الاتحاد ، اتجاد الاسنان الحادة ، اتحاد سحق الحركة الشعبية في السودان ومصر وسوريا وليبيا مهما تتعدد الشعارات الزائفة ، ولمجرد ان دستور دولة اتحاد الجمهوريات العربية جاء فيه كلام زائف حول السير فى طريق الاشتراكية نجد الرفيق قشاش يتصور ان هذا الاتحاد الثلاثي يربط قضية بناء دولة الوحدة بقضية الاشتراكية . لقد كانت التحولات الخطيرة الجارية فى بلدان الاتحاد الثلاثي والتى ارتبطت بهذا الاتحاد واضحة الدلالة ، وتفقأ العيون ، ولكن ( القضية) كما أوضحنا من قبل ليست قضية الابصار بل قضية البصائر ، مهما يتبصر احد هؤلاء الناس نجد عنده عمى البصيرة فى أوضح صورة ، فسبحان الخلاق العظيم . ولن نتحدث هنا عن الاتحاد الثلاثي فبالاضافة الى ما قلناه فى مواضع سابقة . سوف يجد القارئ معالجة لهذا الاتحاد من وجهة نظرنا فى موقف اتخذناه فى منتصف عام 1971 أي فى ايام قيام ذلك الاتحاد . ولكن المرجع الذي نشير اليه فى الهامش وقع فيه خطأ مطبعي ربط ذلك الموقف بذكرى الاتحاد لا بقيام الاتحاد نفسه ساعه قيامه (36).
ويري الرفيق أحمد فائز الفواز ان صيغة ( عبر الاشتراكية نحو الوحدة – لا عبر الوحدة – نحو الاشتراكية ، هي صيغة وحيدة الجانب ويقدم هو فى مواجهة ، الصيغة السوفيتية ، السابقة الصياغة التالية :
، الواقع الحي يقدم صيغا مختلفة : عبر الوحدة نحو التقدم الاجتماعي كما جري فى وحدة 1958 ، وكما جري عندما توحدت السلطنات حول عدن فنشأت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية . وعبر التقدم الاجتماعي نحو الوحدة ، كما يجري فى اتحاد الجمهوريات العربية ... الحياة غنية بالاشكال والصيغ .. والوحدة هي حتمية تاريخية لبلادنا .. والاشتراكية هي حتمية تاريخية فى بلادنا وفى العالم ، هناك علاقة جدلية بين الحتميتين ، (37) :
اما ان هذا الكلام تجمعه بالبلاهة علاقات جدلية متشابكة فهذا ما لا شك فيه . ذلك ان هذا الخليط المعقد من اللغو الفارغ لا يمكن فصم علاقاته مع جوهر الموقف المراجع اليميني لدى الرفيق الفواز كما لدى كل رفاقه فى السلاح .
فأولا : ( التقدم الاجتماعي فى وحدة 1958 ) يفهمه الرفيق والرفاق باضفاء طابع اشتراكي وديمقراطي على التحولات التي قادتها الزعامة الناصرية في مصر وفي بعض البلدان العربية بينما ينبغي فهمه باعتبار ان ما حدث من تصفية لطبقات قديمة اقطاعية وشبه اقطاعية ورأسمالية كبيرة تقليدية ( ليبرالية ) لم يكن لحساب الديمقراطية والاشتراكية والطبقة العاملة والفلاحين بل لحساب البيروقراطية ورأسمالية الدولة أي لحساب أشكال نوعية جديدة من الرأسمالية . وفي هذا السياق تمت الاشكال النسبية من الاستقلال السياسي والاقتصادي والعسكري عن الامبريالية وتحددت أوضاع ومصائر ذلك الاستقلال النسبي بهذا السياق التاريخي المحدد حيث حققت أشكال جديدة من البرجوازية الكبيرة مستوي محددا من الاستقلال القومي لا يمكنه أن يرقي الى الاستقلال الجذري او بتطور فى اتجاهه، بل لقد برهنت العقود القليلة الماضية على ان البرجوازيات لا يمكنها ان تحافظ عليه بل تفرط فيه وتخون قضيته وتلقي رايات هذه القضية فى الاوحال .
ولعل من المفيد ان ننبه الرفيق الى أن ( الوحدة بما هى كذلك اي من حيث هي وحدة ) ، لم تكن هي التي ادت الى الانجازات القومية والضربات القاصمة التى وجهت الى الاستعمار والى الطبقات المحلية المرتبطة به تاريخيا والتى تمت على ايدي السلطة البرجوازية بل ان هذه الوحدة قد تحققت فى غمار المعارك الناشئة عن صدام بين هذه السلطة من ناحية والاستعمار والطبقات الحليفة والعميلة فى المنطقة العربية من ناحية اخري بحكم ارتباط هذه السلطة البرجوازية تجاوزه مع مصالح الاعداء التاريخيين للشعوب العربية فهو يلعب اذن بالالفاظ والعبارات عندما يقول ، "عبر الوحدة نحو التقدم الاجتماعي ".
وثانيا : لقد اوضحنا حدود هذا القانون الذي يسمونه ( بالتقدم الاجتماعي ) وعندما يقول الرفيق فائز ان اتحاد الجمهوريات العربية يعكس اتجاه ، عبر التقدم الاجتماعي نحو الوحدة ، كما يجري فى اتحاد الجمهوريات العربية ، فانه يهذي او يلعب بالالفاظ ، فما يجري على ايدي السادات وحافظ الاسد ليس الاستمرار بما هو ايجابي فيما تحقق فى الفترة التاريخية السابقة على أيدى الناصرية من استقلال نسبي ومن تدعيم أركانه ، بل انهما يهدمان ذلك على قدم وساق فى سياق الخط الاساسي الذي تنتهجه السلطة البرجوازية منذ هزيمة 1967 أى قبل وفاة عبد الناصر بسنوات فلم يحقق السادات والقذافى والاسد الاتحاد الثلاثي لتدعيم الاستقلال ، ولم يأت اتحادهم بجديد فى مواجهة الاستعمار الامريكي واسرائيل ، بل جاء فى سياق الاستسلام الوطني : فكيف يكون مثل هذا الاتحاد المتخصص فى توجيه الضربات الساحقة الى حركة الشعوب العربية – كما حدث فى السودان – كيف يكون مثل هذا الاتحاد مميزا عن ( التقدم الاجتماعي نحو الوحدة ) أيها الرفيق فائز الفواز ؟ ثالثا : عندما توحدت السلطنات حول عدن فنشأت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ) لم يكن ذلك أيضا ( عبر الوحدة نحو التقدم الاجتماعي ) فقد تحققت الوحدة اليمنية الجنوبية على أيدي قوي ثورية حقيقية وليس على أيدي السلاطين والمشايخ ورؤساء العشائر والقبائل بل ضدهم بصورة حاسمة بل على أساس الاطاحة الثورية العنيفة بالاستعمارالبريطاني والقوي المرتبطة به. فهذه الوحدة كان تحقيقها اذن عبر النضال الثوري من أجل الاستقلال الوطني الحقيقي بقيادة الجبهة القومية . ومن ناحية اخرى لا يفكر الرفيق الفواز فى أن اندماج السلطنات فى جمهورية اليمن الديمقراطية حافل بالدروس حول الشروط الثورية لاية وحدة ولاي اتحاد ، فمن الشروط التى لا جدال فيها ان قوي ثورية حقيقية ديمقراطية وطنية كالتى ناضلت من أجل الاستقلال الوطني فى جنوب اليمن هى وحدها الجديرة بصنع جمهورية كهذه تنتهج سياسات معادية للامبريالية وللرجعية ويمكنها الوقوف مع الحركة الثورية ويمكنها أن تكون خير سند لنضال شعب عمان الخ الخ ... فلماذا لا يريد الرفاق السوريون أن يفهموا ؟ (أم على قلوبهم اقفالها) .
أما أن الحياة غنية فذلك أيضا ما لاجدال فيه ، ما دامت من الغني بحيث ( طرحت) هذه الكوكبة من القادة والزعماء ( الشيوعيين ) السوريين حقا انها لغنية حتى أنها جاءت الينا برفاق لا يكتشفون عناصر غناها من أجل السير بها الى الأمام بل لا يفعلون غير أن يرددوا مرارا وتكرارا حكمه مملة حول غني الحياة وبرهنتها على أشياء معينة . هكذا يكتفي اليوم ابرز ممثلي المراجعة اليمينية فى كل مكان بوضع عبارات ( خصوبة الحياة) و ( غني الحياة )و(برهنت الحياة) بدلا من القيام بتطبيق سياسات ثورية تؤدي لثرائها واغنائها وتحويلها ثوريا وجعلها أفضل . لقد عرفوا أن أحد مؤسسي الماركسية العظام كان يقتبس من الشاعر الالماني العظيم فولفجانج فون جيته مقولته الشهيرة عن النظرية الرمادية وشجرة الحياة الخضراء فأخذوا يرددون عبارات بهذا المعني دون أن يدركوا أن ذلك الرجل العظيم أغني حياة الانسانية وجعلها أكثر جمالا وأشد خضرة بسبب خطه الفكري السياسي التنظيمي . فما معنى هذه الظاهرة ؟ معناها بالضبط أن المراجعين الذين يدعون دائما أن الوقائع الجديدة تؤدي الى ضرورة مراجعة وتنقيح النظرية الثورية العلمية الماركسية ، يفضلون بهدف اتخاذ مواقف متناقضة مع الماركسية اللينينية ، أن يركزوا على فكرة أن النظرية رمادية وأن الحياة خضراء غنية ، ونحن نعرف أن الحياة غنية وخصبة وحافلة وخضراء الخ الخ ... الاوصاف التي لا خلاف عليها . ولكننا نؤكد أن القضية هى كيف نجعلها أكثر جمالا وغني وخصوبة خضراء ، ونؤكد أن من يستطيع أن يفعل هذا هم الثوريون الذين يفهمون الحياة بوقائعها الجديدة بطريقه علمية ، وليس المراجعون اليمينيون الذين ليسوا جزء حيا من هذه الحياة ، بل هم اجزاؤها الميتة الطفيلية التى لا تفهم الحياة ولا تملك القدرة على تطويرها .
ولكن الرفيق احمد فائز الفواز خفيف الدم يقول :
( ليست الوحدة عملية زواج بين رجل وأمراة .... ونحن نجلس فى مكان قاضي الشرع ... نستطيع أن نرفض عقد القران او نستطيع ان نباركه ... الوحدة حتمية ...) (38).
والواقع ان الزواج وبالتالي العائلة حتمية وضرورة كما لابد ان يعرف الرفيق موقف فردريك انجلز وتلاميذه . ولكن مناقشة خصائص عائلية معينة ومزايا وعيوب زواج معين تظل لها مبرراتها . فالضرورة لا تنفي أهمية مناقشة أشكال تحقيقها ولماذا لا يفكر الرفيق فى انه هو الذي يضع نفسه فى موضع قاضي الشرع لانه فهم من قضية الوحدة العربية شيئا واحدا هو أن يبارك اية وحدة تقيمها أية قوى اجتماعية بلا شروط من جانبه بدلا من أن يركز على النضال الثوري من أجل الوحدة على أسس ثورية. وبهذا الموقف فان الرفيق فائز الفواز يفوز بلقب قاضي الشرع ولا يقلل من جدراته بذلك أن موقفه المسبق المعروف هو انه يبارك اي اتحاد او وحدة او زواج بلا شروط من اى نوع ،فيمكنه (اصلاح) الاتحاد اوالوحدة على أسس ثورية محددة وبدلا من أن يعترف بضرورة أن يربط أي شاب زواجه بأية فتاة بالحب الذي لا تعميه خصائصه المعروفة عن رؤية صفات هذه الفتاة ، فمن الافضل له بلاشك أن يقلع عن زواج أية فتاة مهما تكن صفاتها ومزاياها وعيوبها وأن يتزوج من يحبها لصفات لا يمكن أن تنفصل عن حبه اياها .
ونجد نفس العذرية والقناعة والزهد فى الشروط ( الثورية ) لدي الرفيق وأصل فيصل ، بل أنه يرتفع الى قمة من قمم ( النزاهة ) عندما يصرعلى عدم النظر الى موقف حكم معين من الحزب الشيوعي كمقياس وحيد لوحدة معينة بل يجب النظر فى رأية الى عملية التطور الاجتماعي والاقتصادي ككل وهل تسير هذه العملية لصالح العملية الثورية فى المنطقة أم ضدها . ويرفع عقيرته بالصياح وهو يعيد الى الاذهان صيحة ارشميدس ولكن بطريقه لا تخلو من مسخرة ( هذا هو المقياس الاساسي برأيي مع عدم التقليل من أهمية الموقف من الحزب الشيوعي كما ذكرت ) (29) فهذه العبارة المجنحة التى يقولها الرفيق واصل فيصل بدلا من أن يقول (وجدتها) شأنها شأن ما تتضمنه السطور السابقة تتجاهل أن الموقف من الحزب الشيوعي جزء لا يتجزأ من الموقف من العملية الثورية فى المنطقة . فهل نطمع فى أن يعود رفيقنا العزيز الى بعض المراجع المبسطة أشد التبسيط حتى يفك أمامه لغز هذا الكلام البسيط الذى نقوله ام ان الوقت قد تأخر كثيرا يارفيق واصل ويا أيها الرفاق السوريون ؟
ويتحدث الرفيق بدر الطويل فى مداخلته التى وقفنا على بعض قوانينها ( العلمية ) من قبل فى ما يتعلق بموضوع الشروط بطريقته ( العلمية ) التى عرفنا بعض خصائصها . وهو يري أن الشروط اقتصادية واجتماعية وسياسية . أما الاقتصادي فهي تعني لدية أنه ( تتوافر الشروط الاقتصادية بين بلدين أساسا عندما يكون أسلوب الانتاج فى البلدين واحدا وعندما يكون مستوي التطور الاقتصادي متقاربا . والرئيسي فى الشروط الاقتصادية هو تشابه علاقات الانتاج . فمن هذه الناحية لا يمكن القول أن الشروط الاقتصادية بين سورية والسعودية مثلا متساوية أو هى نفسها ، (40) ( التشديد من عنده ) . أما الشروط الاجتماعية فتعنى لديه ما يتعلق بأية طبقة هى التى تقود عمليات التقدم الاجتماعي و(أى نوع من العلاقات بين القوى الاجتماعية تقوم بين طبقات المجتمع فى البلدين ) (41) . أما الشروط السياسية فتتعلق بالسياسة الداخلية. ويري الرفيق فى النهاية انه بالنسبة لهذه الشروط فان ( العنصر الجوهري فيها هو الشرط الاقتصادي وتوافره بنفس الدرجة تقريبا بين البلدين أو أي بلدين مرشحين لعمليات التوحيد (42) ولا ندري ما هى الشروط التي تتعلق بأسلوب الانتاج وتتعلق بعلاقات الانتاج ( تحت عنوان الشروط الاقتصادية) وتختلف فى نفس الوقت عن الشروط الاجتماعية المتعلقة بالطبقة التى تقود العمليات الخ الخ . ثم ما الذي أدخل فى رأس الرفيق ( العلمي) الذي يحلو له أن يتحدث بلغة ( العمليات ) و( القوانين) الخ .... أن يفترض بين شروط اية وحدة أو اتحاد أسلوب انتاج واحد أو مستوي متقارب من التطور الاقتصادي بين البلدين المرشحين أو تشابة علاقات الانتاج ؟ لماذا يفترض هذه الاشياء بهذا الشكل ويطرحها للمناقشة بهذه الطريقة ؟
فى الواقع لا يتحدث الماركسيون عن شئ من هذا كشروط للوحدة . وبالنسبة لتفاوت وتباين نضج التطور الاجتماعي وأساليب الانتاج وعلاقات الانتاج فى البلدان العربية ، فمن المعروف أن مصالح الطبقات الاستغلالية هي التى تتباعد بها كما تباعدت بها فى الماضي عن الوحدة وعن انصهار القوميات القديمة فى أمة برجوازية عربية واحدة فى عهد الرأسمالية . وليست القضية أن بلدان أقل تطورا من بلدان . فيمكن للقوي الصاعدة فى بلدان متفاوتة ان تلتقي ووتتحد مهما يكن التفاوت جسيما فادحا . ولن تجد القوي الثورية عائقا لا يمكن تجاوزه فى هذا السبيل لالتقاء نضال الشعب المصري مع نضال الشعب العماني على سبيل المثال . فيجب أن نلاحظ النضال الثوري فى بلد أكثر تخلفا يمكن أن يتقدم على النضال الثوري فى بلد أكثر تقدما . وقد قدم التاريخ أمثلة عظيمة مثل ثورة أكتوبر العظمي والثورة العظيمة للشعب الصيني وبقية الثورات المتعددة التى كانت الثورة العظيمة لشعب فيتنام من أعظمها دلالة فى هذا المضمار .
والواقع أن هذا الطرح الغريب يختلف عن أية سمة من سمات الامة التى تتحدث عنها الماركسية ، فالحياة الاقتصادية المشتركة القائمة على سوق داخلية مترابطة ، انما يجري الحديث عنها باعتبارها من خصائص الامة البرجوازية الواحدة . فاذا كانت تقوم على أساس أسلوب الانتاج الرأسمالي فهى لا تتحقق الا ضمن الامة الواحدة ، ولا يمكن الحديث عن توفرها بحيث تجمع أمما متعددة مهما يشتد تقارب او تشابه اسلوب الانتاج او علاقات الانتاج او مستوي التطور الاقتصادي .
فهل يتحدث الرفيق عن العلاقات الاقتصادية بين بلدين عربيين او أكثر بهذه الطريقة الغامضة ؟ مهما يكن من شئ ، فان بعض الرفاق السوريين يقعون فى براثن نفس هذا الفكر البرجوازي كما وقعت وتقع أحزاب شيوعية عربية متعددة فى براثن نفس هذا الفكر ، عندما يهبطون بالاقتصاد المشترك كما تفهمه الماركسية الى التكامل الاقتصادي كما تقدمه المدارس الاقتصادية البرجوازية . فمن المعروف أن هذه المدارس البرجوازية لا تقصد ، بالتكامل الاقتصادى علاقات اقتصادية قائمة متكاملة ، بل مجرد توافر عناصر اقتصادية متعددة فى العالم العربي ككل ، توجد فى بعض أقطاره وأقاليمه بوفرة بينما تندر في بعض أقاليمه وأقطاره أو تقل ، وبينما حاجة هذه الاقطار والاقاليم متبادلة بالنسبة لهذه العناصر . وهذا المفهوم غير العلمي يمكن التوسع فى تطبيقه بحيث يفقد معناه ومغزاه فى هذا المجال لانه لا يربط هذه الوقائع الجغرافية الاقتصادية بالواقع الطبقي والسياسي والقومي فى العالم العربي . فبرغم كل ما تقوله الجغرافية الاقتصادية ظلت العلاقات الاقتصادية فى مجالات التجارة الخارجية والاستثمارات الخ .. بين البلدان العربية فيما بينها لا تمثل سوي نسبة تافهة من العلاقات الاقتصادية لهذه البلدان مع بقية بلدان العالم . ومهما يكن من شئ فان الاقتصاد المشترك شئ مختلف بالتمام عن العلاقات الاقتصادية المتبادلة بين الامم والقوميات وعن التكامل الاقتصادي كما تقهمة الجغرافيا الاقتصادية . ومن هنا فان المراجعين اليمينيين الذين يسيرون وراء الفكر البرجوازي ، ليؤكدوا أن ( الامة العربية المجزأة ) لا ينقصها سوي ( التكامل الاقتصادي) وهذا يمكن ( استكماله) ، انما يقولون كلاما فارغا لا أكثر ولا أقل . فالامة الوحدة لا تقوم على التكامل الاقتصادي بل على الاقتصاد المشترك ، وهذا الاقتصاد المشترك لا يمكن ان ( يستكمل ) بتطوير العلاقات الاقتصادية المتبادلة وتطوير ( السوق العربية المشتركة ) . لان الاقتصاد المشترك يعني حياة اقتصادية قائمة فى أمة واحدة على أساس طبقة استغلالية أساسية تشمل بسيطرتها وهيمنتها هذه الحياة فى مواجهة الطبقة العاملة وبقية الطبقات الشعبية المقهورة . ومن المؤكد أن القوي الثورية لا تناضل من أجل انصهار الطبقات الرأسمالية الاستغلالية العربية فى طبقة رأسمالية استغلالية عربية واحدة ، لخلق أمة برجوازية عربية واحدة ، بل تناضل من أجل انصهار الطبقات الشعبية العربية بقيادة البروليتاريا الثورية العربية فى شعب عربي واحد وأمة عربية واحدة اشتراكية ، أي تقوم على أساس الاطاحة الثورية العنيفة بالطبقات الاستغلالية الرأسمالية والاقطاعية ، ومن هنا تنبع مواقفنا الاستراتيجية ، وتلك المتعلقة بمختلف المراحل التاكتيكية .
وبرغم أن الرفيق يري أن هذه الشروط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التى يتحدث عنها من خلال التخبط الشديد المتعالم مع ذلك كما رأينا ، برغم أنه يري أن هذه الشروط ( ذات الطابع الموضوعي والذاتي ) كما يقول ( مترابطة ديالكتيكيا ) فانه يري أن ( العنصر الجوهرى فيها هو الشرط الاقتصادي وتوافره بنفس الدرجة تقريبا بين بلدين مرشحين لعمليات التوحيد )(43) وهذه الافكار الاخيرة لا معني لها سواء من ناحية ( توافر الشرط الاقتصادي فى البلدين أو بينهما بنفس الدرجة تقريبا ( فهذا ليس سوى هراء كما رأينا ، أم من ناحية أن الشروط الثلاثة ( مترابطة ديالكتيكيا) . فهل يمكن لهذه الحبال الغليظة التي تربط بها بين الاشياء ، أن تنجح فى خلق ترابط ديالكتيكي من أي نوع ايها الرفيق صاحب ( المداخلة) ؟ ومهما يكن من شئ فان الرفيق الذي اطال الحديث فى توضيح ما هى الشروط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ثم أفرد من بينها الشروط الاقتصادية وأدخل فيها أشيئا غريبة لم يسمع بها أحد كالتساوي ، ويعمد بكل عبث الى النص على أن الفروق الاقتصادية لا تشكل عائقا رئيسيا فى قضية التوحيد لانه ( يمكن النضال من أجل خلق التساوي بصورة ايجابية ) (44) فما أغرب أن يطالب شعب الجزيرة العربية ( السعودية) بأن يناضل من أجل ( التساوي ) مع سوريا البرجوازية ، مع أسلوب الانتاج الرأسمالى فيها ، مع علاقات الانتاج الرأسمالية فيها، ومع مستوي التطور الاقتصادي البرجوازي فيها ! ما اغرب وما اعجب أن يطلب من ذلك الشعب أن يفعل ذك بدلا من النضال الثوري من أجل الاستقلال الحقيقي الجذري ومن أجل الحريات والحقوق الديمقراطية ومن أجل الاشتراكية والشيوعية . وبدلا من أن يلتقى هذا النضال بكل أشكال الالتقاء والتحالف والتضامن والتنسيق مع النضال الثوري العربي من أجل كل هذه الاهداف العظيمة التى تتجاوز فيما نظن تساوى الدولة (السعودية) مع الدولة السورية فى مستوى التطور الرأسمالي والطبقي.
وربما يقترب الرفيق بدر الطويل بعض الشئ من جوهر موضوع الشروط عندما يذكر تحت عنوان الناحية السياسية عددا من المواقف ، والاسس والشروط المتعلقة بالديمقراطية والاستقلال الوطني ومقتضياته من زاوية المواقف المترابطة من الدول الامبريالية والدول الاشتراكية الخ ... ولكن الرفيق بدر الطويل قد اختار ( شرط التساوي الاقتصادي ) باعتباره العنصر الجوهري ، وهذا لا يعني اننا نركز على ما يسمي بالناحية السياسية . فمثل هذا الفصل بين أشياء مترابطة فى الواقع لا يوجد سوي فى ذهن الرفيق وأمثاله ، فالطبقة الاستغلالية لها سلطة دولة وسياسة محددة فى مختلف المجالات ولها ايضا اسلوب الانتاج الذي تنتمي اليه بما يرتبط به علاقات انتاج اجتماعية ومستوي محدد وطبيعة محددة لقوي الانتاج الاجتماعية الخ الخ ما هو معروف لتلاميذ المدارس .
ومن المنطقي الا تصل هذه الشروط التى لا تشترط شيئا بالرفيق الى نفس الشعار المشترك لدي ممثلي هذا الاتجاة المندفع قوميا ، شعار الوحدة . مهما تكن القوي الاجتماعية التى تقيمها ومهما تتنوع وتتناقض الاهداف ومهما نسمع من صرخات الغضب على هذه الصياغة لافكارهم من الرفاق ، فأنهم فى الواقع يتخذون هذا الموقف نظريا على طول الخط وعمليا كما يفعلون مع اتحاد الجمهوريات العربية .
والرفيق الطويل ليست عنده اعتراضات على أي وحدة مع أي أحد ، فكل ما ينتج عن تلك الشروط هو الاختلاف فى أشكال دولة الوحدة ( فدرالية ، كونفدرالية ، دولة مركزية ديمقراطية . الخ) (45) كما يقول الرفيق .
لقد سمع الرفاق السوريون ان من سمات عصرنا اننا نعيش فى عهد انهيار الرأسمالية وانتصار الاشتراكية ، فراحوا ينقلون هذه السمة الاساسية العميقة حقا لعصرنا بطريقة ميكانيكية الى عالمنا العربي ، ولم يربطوها بقوي الثورة الحقيقية اي البروليتايا وحلفائها ، بل لقد ربطوها بالقوى الاجتماعية الحاكمة التى لم يبخلوا عليها بأعذب الاوصاف الديمقراطية والثورية وبكل مالذ وطاب . ولكن الواقع يخرج لسانه لهؤلاء السادة الذين لا يعرفون الزمن الذي يعيشون فيه . ومن آيات هذا الجهل بالزمن الذي يعيشون فيه ذلك التساؤل الملئ مرارة وتعجبا وعجبا ودهشة والذي يضعه الرفيق بدر الطويل على النحو التالي:
(أما يعتقد الرفاق أن المرحلة 54-58 ، من وجهة نظر المصالح الجوهرية للطبقة العاملة هى أفضل من المرحلة التى تمر بها سورية ومصر وبعض البلدان العربية التقدمية الأن ؟ ) (46) .
لو فكر الرفيق قليلا في هذا الذي قاله ، لبحث عن ( أستيكة ) (ممحاة) لمحوه ، فمن العار حقا أن يجهل الرفيق الطويل فى أي زمن يعيش ، ومن العار الا يفهم أن مصر التى أممت قناة السويس فى عام 56 أي بين 54 – 58 هى التى لا تتخلي فقط وبأشكال دستورية عن سلاح التأميم بل تفتخ أبواب البلاد أمام الامبريالية والرجعية العربية . من العار الا يفهم هذا الرفيق الطويل أن تلك الفترة كانت فترة الصدام بين برجوازية قومية تريد الانفراد بالسوق والسلطة من ناحية والامبريالية العالمية من ناحية اخري . اما الفترة الجديدة فهى فترة الهبوط الطبقى للبرجوازية حيث تنتهج خط الاستسلام والردة كما تشهد بذلك كل احداث السنوات المتعددة المنصرمة والاحداث الجارية الان . ومن جهتنا ، لا دهشة ولا مفاجأة فقد عودتنا المراجعة اليمينية العربية كأي مراجعة يمينية فى كل وقت وكل مكان ، على كل مثل هذه المواقف ، وليست مواقفها هذه سوي نتيجة طبيعية لأعمق أسسها النظرية والسياسية والتنظيمية .
ولكي يزيد الطين بلة ، من زاوية أهمية أن يدرك المرء فى أي زمن يعيش ، يشير الرفيق الطويل الى موافقة الحزب الشيوعي السوري وموافقته بالطبع ، هذه الموافقة التى لا يسميها هنا تطبيقا لنظرية العلمية التى رأينا من قبل بعض خصائصها العلمية اللامعقولة .
يشير الى الموافقة على الاتحاد الثلاثي ويقول أن الموافقة قد تمت برغم قيام اتحاد الجمهوريات العربية المتحدة : ( غداة مجزرة وحشية دبرت ضد الحزب الشيوعي السوداني البطل ، ومن خلال حملة واسعة ضد الشيوعية والاتحاد السوفياتي ، (47).
فيالها من شروط ثورية عظيمة ، أو لعلها ( اللاشروط ) الثورية العظيمة ، التي تجعل كهنة العروبة هؤلاء الذين يطلقون الماركسية (بلا شروط) وجهارا نهارا ، تجعلهم لا يؤيدون فقط بل يناضلون من أجل نجاح الاتحاد الثلاثي الذي لم نسمع بدور وطني قام به اللهم الا تلك المجزرة الوحشية التى يبدو أنه يستحق عليها كل تقدير وبهجة ! كل ذلك بفضل الوصفات العلمية التى يكتبها هذا الرفيق الطويل والتى تعتمد على المعدلات العلمية الدقيقة التى تحل القانون الطبيعي محل المادية التاريخية . ( فالوحدة آتية بشروط وبغير شروط ) (48) ويتساءل الرفيق بدر عن الموقف من هذه الحتمية التاريخية ، ويرشد الرفيق بدر منذرا: ( أن الحزب الطليعي لا يمكنه أن يقف ضد الحتمية التاريخية لان هذا سيؤدي به الى العزلة والغربة )(49) ونحن لا نعتقد أن الرفيق كان بحاجة الى ابراز عضلاته العلمية التى لاجدال فى انها لا تجاوز حد التذكير بتفاحة نيوتن ، ولا تجاوز حد دفعنا الى الدفاع الغريزي ضد حجر يوشك على السقوط . فمن المؤكد ان المناضل الشيوعي العربي لكي يكون نذيرا للامبريالية وللطبقات الاستغلالية بالاطاحة الثورية العنيفة ويشيرا للشعوب العربية بالانصهار فى شعب واحد وامة واحدة عربية اشتراكية ، ليس فى حاجة الى كل هذه ( العلمية ) التى تقود الى افلاس لا مناص منه ، بل يجدر به أن يعلم هذه الشعوب كيف تتحد من خلال وفى سياق وعبر نضالها المشترك للأطاحة بهؤلاء الاعداء المشتركين.
وقفة عند بعض النقاط البرنامجية :
لقد كان علينا أن نزيل من طريقنا فى الصفحات السابقة بعض العوائق التى تراكمت منذ عشرات السنين ، وأفكار الرفيق طه شاكر والرفاق السوريين التى ناقشناها ، تلخص فى الواقع جميع الافكار الاساسية لدى المراجعة اليمينية السائدة داخل الحركة الشيوعية العربية طوال عشرات السنين السابقة حول هذه القضية كما أنها تتطفل على الفكر البرجوازى القومي وتتغذى على خرافاته واوهامه ، وتبتلع من مخدراته ما ينسيها تعاليم الماركسية اللينينية التى تلهج بذكر اسمها ،اسمها فقط ، فى كل سطر . وبالتالي فانها تلخص أيضا بعض الملامح والافكار والنظريات الاساسية لدى الفكر البرجوازي . كان علينا أن نبدأ بازالة بعض ما فى سبيلنا من عوائق الفكر البرجوازي والفكر المراجع اليميني لكي نضع حدا للتشويش بلا حدود فى هذه القضية ، لكي نتكلم فى النهاية بلغة عربية مبنية بدلا من عشرات اللغات التى قيل بها كل ذلك التشويش برغم أنها تستخدم اللفظ العربي وحقا تبقى أطنان الورق حول القضية القومية العربية ، تبقى لتذكرنا بالحاجة الماسة الى مناظرة واسعة النطاق ضد التهريج القومي فى اكثر صوره مدعاه للسخرية . ولكن الحاجة الى هذه المناظرة التى نعتبر هذا الفصل من الكتاب بدايتها من جانبنا لا يمكن أن تمنع الآن ان نقول بعض الكلمات البسيطة التى قصدنا أصلاً هذا الطريق الوعر اليها . ولكن هذا لا يمنع أيضا أن نشير عندما تدعو الضرورة الى بعض الأخطاء الاخري لدى الرفاق السوريين . ان الهدف الاستراتيجي العظيم للطبقة العاملة العربية وللشعوب العربية هو الثورة الاشتراكية التى تقوم بالاطاحة الثورية بالبرجوازية وبالرجعية وبالعلاقات التى تفرضانها على البلدان العربية مع الامبريالية العالمية بقيادة الاستعمارالامريكي (والسلام) الذى تفرضانه على هذه البلدان مع الصهيونية الاسرائيلية ، والتى تحقق الاستقلال الوطني الجذري ، والتى تبني الاشتراكية والشيوعية . وقد تتفاوت الظروف والشروط الموضوعية المتعلقة بأساليب وعلاقات وقوى الانتاج الاجتماعي فى مختلف البلدان العربية كما يتفاوت ويتنوع فيها مستوى نضج الحركة الثورية وكذلك المراحل النضالية التى تمر بها هذه الحركة فى البلدان العربية ولكن تبلور الرأسمالية مهما تكن متخلفة ، وتحقق الاهداف الاساسية للثورة البرجوازية مهما تختلف أشكال تحقيقها فى العدد الاكبر من هذه البلدان ، واستجابة بقايا الاقطاعية لاحتياجات النظام البرجوازي المتخلف بحيث لا تقوم البرجوازية بدور فى استنصال شأفتها بل انها تعتمد عليها بصورة منهجية لتكثيف الاستغلال ، هذه الظروف جميعا تضع البروليتاريا العربية وحلفاءها أمام ضرورة ربط متماسك لنضالهم المباشر في مختلف المراحل التاكتيكية بالثورة الاشتراكية القادمة فى المدي الاستراتيجي البعيد . ونرى أن من الخطأ الفادح فرض تصور شامل لكل بلد عربي ولكل دولة عربية ولكل امارة أو سلطنة عربية فيما يتعلق بطبيعة الثورة . فقد تحققت الثورة البرجوازية من فوق فى عدد من البلدان العربية متفادية الطابع الجماهيري الشعبي الثوري للثورات الاجتماعية وتتداخل فى بلدان عربية أخرى وتتشابك بصورة معقدة الثورتان البرجوازية الديمقراطية والاشتراكية فمن الخطأ القاتل اذن فرض نموذج ثوري واحد يشمل ببركته البلدان البرجوازية المتخلفة مثل مصر الخ ..... حيث تحققت وانتهت الثورة البرجوازية المعادية للديمقراطية بصورة استثنائية وحيث الثورة القادمة هى ثورة اشتراكية من حيث طبيعتها ، ومحتوى أهدافها والطبقات التى تقوم بها ، والطبقة التى يراد التطويح الثورى بها . لا يمكن لنموذج ثورى واحد أن يشمل ببركته مثل هذه البلدان مع ، بلدان متخلفة تتداخل وتتشابك فيها بصورة معقدة الهياكل الاقتصادية الاجتماعية وأساليب الانتاج وعلاقات الانتاج الاجتماعية . حيث تتشابك أشد التشابك الثورتان الاجتماعيتان : البرجوازية والاشتراكية .
ان الثورة الاشتراكية العربية التي تحيط بها هذه الظروف بالغة التعقيد سوف تحقق من خلال تحقيقها وفى سياق تحقيقها الاهداف (الوحدوية) ونود أن نكرر ما أكدناه من قبل من أننا لا نناضل من أجل انصهار وتقارب الطبقات البرجوازية والرجعية ولكن من أجل انصهار وتقارب واندماج ووحدة الشعوب العربية بطبقاتها العاملة والفلاحية والشعبية جميعا ، ونحن لا نناضل من أجل أمة عربية برجوازية واحدة فقد كان ذلك احتمالا تاريخيا واردا قضت عليه نهائيا الظروف التى أحاطت به فى المائة عام الاخيرة حيث لم يجرالتطور البرجوازي فى العالم العربي كعملية رأسمالية واحدة تندمج فيها الطبقات الرأسمالية العربية المتعددة والقوميات المتعددة القديمة فى أمة برجوازية عربية واحدة . ويؤدي ذلك بنا الى أننا كما أكدنا من قبل ، نناضل من أجل أمة عربية اشتراكية واحدة . وهذا يختلف بطبيعة الحال عن النضال من أجل دولة وحدة أو اتحاد . فشعارنا بعيد المدى فى هذا المجال يتجاوزمثل هذه الشعارات ضيقة الافق. أننا لا نناضل من أجل أن (نحشد) الشعوب العربية فى دولة واحدة ولكننا نعلم أن الامة العربية الاشتراكية الواحدة لا يمكن أن تستكمل مقومات وجودها الا فى دولة اشتراكية واحدة لا يمكن وضعها كهدف منفصل ولا يمكن بالاخص فصل جانب وحدة هذه الدولة عن جانب طبيعتها الطبقية أى اشتراكيتها . فاذا كنا نناضل من أجل انصهار الشعوب العربية من خلال نضالها المشترك ، فان تحقيق الاهداف الاستراتيجية لهذا النضال سوف ينقلنا الى أوضاع جديدة سمتها الجوهرية تحرير هذه الشعوب من القوى الطبقية الرأسمالية العالمية والمحلية التى تقف عقبة كأداء ، لابد من ازالتها أمام هذا الانصهار بالذات على أسس ثورية .
فليست القضية آذن هى النضال من أجل دولة عربية توحد دولا عربية قائمة تنقسم فيها أمة واحدة عربية مجزأة بصورة مفتعلة ، بل النضال من أجل أن تأتى هذه الأمة عربية واشتراكية واحدة بفضل الانصهار الكفاحى الطويل في عملية تاريخية بعيدة المدى . وبما أننا نرى أن ما يزرع العداء القاتل بين الامم هو نفسه ما يزرع بذور العداء الوحشي المميت بين أبناء الامة الواحدة ، أى أنقسام المجتمع البشري الى طبقات اجتماعية متعادية المصالح . فان وضع نهاية للمجتمع الطبقى سوف يفتح الطريق مباشرة الى العائلة الانسانية الواحدة وكما أن الانتقال من المجتمع الرأسمالى الى الشيوعية فى حاجة الى مرحلة وسيطة من الاشتراكية ، أى الطور الاول للشيوعية فان تحول الامم البرجوازية المتعادية الى عائلة انسانية واحدة سوف يمر أيضا بمرحلة وسيطة أى بالامم الاشتراكية . وبالنسبة لنا نحن العرب ، نحن الشعوب العربية ،فان وصولنا الى الاشتراكية من خلال نضال مشترك ننصهر فيه انصهارا سوف يكون خبر ضمان اكيد لتفادي تحول الامم البرجوازية العربية المتعددة الحالية الى أمم اشتراكية عربية متعددة، ولتحقيق هذا التحول من خلال الاندماج والامتزاج فى أمة اشتراكية عربية واحدة . وبالتالى فاننا لا نرى معنى للجدل الدائرة بلا طائل حول هل الامة العربية الواحدة القادمة حتمية تاريخية أم أنها مجرد احتمال تارخي بين احتمالات متعددة ، ذلك أن الحتمية التاريخية لا تستبعد الاحتمالات الرديئة ولاتستفيد بالاحتمالات المواتية بصورة مسبقة بل تواجه كل هذه المشاكل والقضايا والاحتمالات من خلال تحقيقها عمليا . ان جوهر القضية أن شعوبنا العربية سوف تحقق الاشتراكية والشيوعية , ونحن الماركسيين اللينينيين ننظر الى ذلك باعتباره حتمية تاريخية ونبرهن على ذلك بصورة علمية محددة وهذه الحتمية التاريخية التى تمثلها الثورة الاشتراكية العربية لا تتناقض ولا تتعادى ولا تتنافس كما يشاء لها بعضهم مع قضية الامة العربية الاشتراكية الواحدة ، ذلك أننا نريد للنضال الثوري الذي يحقق الاشتراكية فى العالم العربي لا أن يجري بصورة منفصلة ضيقة قطرية اقليمية كما يقال ، بل نريدة نضالا مشتركا تنخرط فيه هذه الشعوب العربية جميعا بصورة مشتركة . ونحن نرى أن النضال ضد نفس الاعداء ، وبالاستفادة من الروابط القومية العربية العميقة التى جعلت ألامم والقوميات المتعددة جميعا عربية بصورة لا يخطر معها على بال أحد أن يجادل فى ذلك ، نرى أن هذا النضال المشترك طويل المدى من شأنه أن يصهر ويوجد ويدمج هذه الشعوب فى أمة اشتراكية واحدة بعد ازالة العقبة العظمى التى يمثلها هؤلاء الاعداء .
ولذلك فاننا لا نملك سوى الابتسام عندما نسمع العلماء (ويالها من القاب مخيفة) السوفييت يجعجعون حول الوحدة وأشكالها ، اذ يقولون:
( ن الوحدة اذا تحققت ستكون فيدرالية ، يجب أن يقال: الحزب يدعم ويؤيد ويساعد مطامح البلدان الى التقارب الى حد اقامة اتحاد أو فدراسيم على اساس اختيارى طوعى وديمقراطي فى مصلحة النضال ضد الاستعمار وفى سبيل التقدم الاجتماعي .) (50).
او يقولون عن أشكال الوحدة العربية فى المستقبل البعيد فوق الاستراتيجي كما يقولونلا:
(حق تقرير المصير معناه حق تقرير أموره حتى الانفصال ، وبالمناسبة عند النضال في سبيل دولة عربية واحدة يجب ترك المجال لحق الانفصال ) (51)
فالاهداف العظيمة التى نضعها لنضالنا فى هذا المجال تحررنا من كل هذه الصور الضيقة من التفكير ، فنحن نقول ببساطة نريد أن نناضل من أجل الاستقلال الوطني الجذري ومن أجل الاشتراكية ونريد أن يكون هذا النضال الثورى على النطاق العربي الاشمل ، أى أن تقوم به معا وبصورة مشتركة الشعوب العربية جميعا بقيادة الطبقة العاملة ، ولا نريد أن يناضل كل شعب عربي على حده ، بالانفصال عن الشعوب الشقيقة ، صانعا سورا صينيا عظيما يحيط بقطرية نضاله ، واذا كانت الشعوب العربية سوف تتحد على هذا النحو في النضال الثوري نفسه فمن المحتم ومن الضرورى أن تتحد هذه الشعوب على ثمار هذا النضال ، وهذا يعنى ببساطة أيضا أن الشعوب العربية الشقيقة سوف يتجه نضالها بصورة منطقية وطبيعية الى الانصهار فى أمة اشتراكية واحدة وفى دولة اشتراكية واحدة بطبيعة الحال، فلا يمكن أن تتحد في النضال هذه الشعوب في جبهات النضال ثم تتفرق بعد ذلك فلا تخلق أمة اشتراكية واحدة في دولة اشتراكية واحدة ، ولا يمكن أن تتحد فى النضال ولا تتحد على ما ناضلت من أجلة ، ولا يجوزأن نظن ابدا ان هذه الشعوب الشقيقة سوف تناضل معا نضالا طويلا واحدا موحدا ثم تودع بعضها بمجرد تحقيق ما ناضلت من أجله بل أن التحول من الأمم الاشتراكية الى العائلة الانسانية الواحدة لا يمكن أن يعني شيئا شبيها بالانفصال والابتعاد والافتراق والوداع والطلاق بل سوف يعني نقيض كل ذلك على طول الخط . سوف يعني الامتزاج والانصهار والوحدة والاندماج فى عائلة انسانية واحدة تقوم على أساس تصفية نهائية للحساب مع كل ما كان يفرق الانسان عن أخية الانسان ، ويضعها فى وضع التعادي والاستغلال والقهر والتنابذ والحروب فى اطار الامة الواحدة وعلى مستوي الامم المتعددة .
ولا يمكن أن يفكر أحد فى فرض اتحاد ( أو فدراسيم) اجباري أو شئ كهذا ، فما نقوله هو أننا نريد أن نتحد وأننا ننظر الى الأمام والى المستقبل وليس الى الخلف والى الماضي ، وان حق الانفصال (وليس الانفصال بالطبع) الذي نؤيد اقراره فى أي وحدة (حتى عربية) بصورة عامة ، سوف يبدو من خلال العملية الاجتماعية التاريخية التى نتحدث عنها ، من خلال هذا النضال الثوري المشترك الطويل ، ليس أقل سخفا من الحديث عن حق قسم من أمة واحدة فى الانفصال فنحن لا نريد أن نكون تلاميذ بلداء لماركس وانجلس ولينين وستالين في هذه القضية بل ينبغي التركيز على فهم منطقهم الثوري العلمي مبتعدين عن كسل ترديد بعض الكلمات والمصطلحات ومبتعدين عن أي انحراف سوسيولوجي. وعلى سبيل المثال فقد رأينا كيف ينظر الرفيق لينين الى دور اللغة فى القضية القومية ويمكن أن نقتبس الآن من لينين أيضا ما يلقي (ضوءا) على نقطة هامة هى كيف ننظر الى الروابط القومية العربية وأي دور سوف تلعبه هذه الروابط العربية فى نضالنا الثوري الطويل يقول لينين :
( فالحركات القومية لم تبرز فى روسيا للمرة الاولى ، وهي ليست وقفا على هذه البلاد دون سواها ، فى العالم كله كان عهد انتصار الرأسمالية التام على الاقطاعية مقترنا بالحركات القومية . أن الأساس الاقتصادي لتلك الحركات يقوم على أن تفوق الانتاج البضاعي تفوقا تاما يتطلب استيلاء البرجوازية على السوق الداخلية وتوحيد الاراضي التى يتكلم سكانها لغة واحدة في دولة واحدة وازالة كل حاجز من شأنه أن يعيق تطور تلك اللغة ورسوخها فى الادب . ذلك أن اللغة وسيلة كبري لاتصال الناس بعضهم ببعض .
كما أن وحدة اللغة وحرية التطور هما من أهم الشروط لقيام مبادلات تجارية حرة شاملة حقا تتوافق مع الرأسمالية الحديثة ، ولتكتل الناس تكتلا حرا واسعا داخل كل طبقة من الطبقات ، وأخيرا لاقامة علاقة وثيقة بين السوق وبين كل رب عمل كبير أو صغير ، بين السوق وبين كل بائع ومشتري .
فالسعي الى أقامة دولة قومية تستجيب على الوجه الأكمل لمتطلبات الرأسمالية الحديثة هذه ، هو أمر ملازم لكل حركة قومية . وتدفع الى ذلك أعمق العوامل الاقتصادية . ومن هنا يبدو أن الميزة النموذجية والشئ الطبيعي فى المرحلة الرأسمالية هو قيام الدولة القومية فى أوربا الغربية كلها بل في العالم المتدن كله ).(52) ( والتشديد من لينين)
فى النص السابق للرفيق لينين عدد من العناصر المهمة من زاوية نقاشنا هذا نبرز منها : أولا: عندما يقول لينين أن الحركات القومية (ليست وقفا على هذه البلاد دون سواها ) فان هذا التأكيد لشئ معروف تماما لا يجد مبرره الافى وجود أشكال من التعصب القومي تصل الى حد رفع الامة (محل التعصب) الى عنان السماء ، والى حد (تنزيهها) عن أي مناقشة علمية تقيمها على الارض ، فلعل هذا التذكير يفيد رفاقنا السوريين المندفعين قوميا الى درجة أن أفكارهم لا تعدو أن تكون جزءا من الفكر البرجوازي القومي العربي جزءا يشقشق حقا باسم الماركسية وتتزاحم على فمه المصطلحات المستمدة من ماركس وانجلس ولينين وستالين دون أن يجدي كل ذلك فى أن تتحول الشقشقة التافهة الى تحليل ملموس لواقع محدد ، الى تطبيق خلاق للماركسية الثوربة على ظروف نوعية .
ثانيا: لينين هنا ، كما فى أي مكان آخر ، ينظر الى اللغة من حيث هي رابطة قومية لا من زاوية خصائص لغة معينة كالالمانية أو الايطالية أو الروسية أو العربية ، بل من زاوية الخاصة المشتركة بين كل اللغات باعتبارها أداة ووسيلة ، وبالتالى من زاوية الدور الذي تلعبه اللغة وأهمية هذا الدور وما تمثلة اللغة كظرف واطار ووسيلة وأداة الخ...... في الحركات القومية . وهذا يفتح مجال المناقشة العلمية لعناصر الروابط العربية المشتركة من ثقافة عربية ولغة عربية ، من زاوية أن علاقات هذه الروابط بالنضال الثوري ، من زاوية أثار ودور هذه الروابط على النضال الثوري ، من زاوية أهمية هذه الروابط فى تطور النضال الثوري العربي المشترك . فالثوريون العرب لابد أن ينظروا الى اللغة العربية باعتبارها خير ظروف ووسيلة وأداة الخ الخ...... بالنسبة لوجود هذا النضال المشترك وتطوره. أي أن وجود هذه الروابط يوسع نطاق هذا النضال ويضع كل امكانياتها الراهنة والكامنة وآثارها الشاملة على النضال المشترك على المستوي العربي الشامل. ويلاحظ الماركسيون الثوريون في هذا الصدد ضرورة أن نستفيد في نضالنا اليوم وفى المستقبل بدروس التاريخ .
وهذا درس عظيم أمامنا ليس فقط من زاوية كيف ينظر لينين الى اللغة بشكل مختلف عن كل الانحرافات الثقافية والسوسيوجية القومية ضيقة الافق ، ولكن أيضا من زاوية أن ذلك المعلم يوضح لنا أي دور لعبته اللغة في تاريخ الحركات القومية . فيجب على الثوريين أن يدركوا أهمية الدور الذي لعبته وتلعبه وسوف تلعبه لغتنا العربية في تطور نضالنا الثوري .
ثالثا: وكذلك ينظر لينين الى الدولة القومية باعتبارها أمرا ملازما لكل حركة قومية لان اقامتها عمل يستجيب لاعمق العوامل الاقتصادية أي متطلبات الرأسمالية الحديثة . ولهذا يرى (شيئا طبيعيا) في قيام الدولة القومية فى المرحلة الرأسمالية . ولعل هذا الكلام الموجز المفيد يفيد رفاقنا السوريين ورفاقنا السوفيت . فالنضال من أجل دولة واحدة لا يجب أبدا فصلها عن المحتوي الطبقي لهذه الدولة وعن وظيفتها الطبقية . فاذا كان هناك من يريد أن يناضل من أجل مجرد دولة عربية واحدة فلا يجوز الا نطالبه بتحديد محتواها الطبقي ووظيفتها الطبقية . كما أوضحنا فان نضالنا الثوري يضع نصب عينيه هدفا استراتيجيا عظيما لا يفصل الاشتراكية والاستقلال الوطني الجذري الذي تحققه هذه الاشتراكية عن قضية الوحدة التى نفهمها كانصهار لهذه الشعوب فى أمة عربية اشتراكية واحدة. وهذه الامة الاشتراكية لا تنفصل عن الدولة الاشتراكية باعتبارها دولة العمال والفلاحين، باعتبارها ديكتاتورية البروليتاريا العربية الثورية الاشتراكية . ذلك أننا كما أوضحنا من قبل نعتبر أن الدولة العربية الواحدة باعتبارها دولة البرجوازية التى تحقق احتياجات الرأسمالية ، وتلازم الحركة القومية البرجوازية ، وتدفع اليها اعمق العوامل الاقتصادية للرأسمالية والتى هى دولة الطبقة البرجوازية المسيطرة فى اطار الامة البرجوازية العربية الواحدة . اننا نعتبر ذلك جميعا احتمالا تاريخيا وأدته وقضت عليه الظروف التاريخية التى أحاطت بتطور الحركة القومية العربية طوال اكثر من قرن من الزمان .
ان الثورة الاشتراكية لا يمكن أن تتم في لحظة واحدة في العالم العربي كله ، فلا بد لها أن تتحقق فى هذا البلد أو ذاك ، بحكم أن هذه الثورة وان كانت تستهدف انصهار العرب في حياة واحدة ، الا أن النضال من أجلها لابد أن يجري فى ظل تعدد الاطر لكل ثورة ان ذلك يعني ان هناك تداخلا وتشابكا بين الثورة التى تتقدم فى هذا البلد العربي أو ذاك والثورة العربية الشاملة وبعبارة أخرى فهناك تشابك بالغ التعقيد بين النضال الثوري في هذا البلد أو ذاك والنضال الثوري المشترك على المستوى العربي . ويؤدي ذلك الى أن النضال الثوري العربي المشترك قد يحقق أهدافه فى هذا البلد ثم ذاك ثم ذاك ثم ثالثا ، ولا كل أهدافه الاستراتجية بالنسبة لكل البلدان العربية في وقت واحد .
أي أن تفاوت نضج النضال الثورى من أجل الاشتراكية والاستقلال الجذري ، يؤدي الى تفاوت الوصول الى الاشتراكية ، وهذا التفاوت لا تقيده بصورة ميكانيكية أيه أفكار عن وصول البلدان الاكثر تقدما من الناحية الاقتصادية الرأسمالية الى الاشتراكية أولا ، فالواقع ان التفاوت في الوصول اليها مرتبط قبل كل شئ بتفاوت نضج نضال الطبقات وبتفاوت نضج النضال الثوري فى مختلف البلدان . ويمكن القول بصورة عامة أن البلدان العربية سوف تشهد تحولات ثورية، ثورات اشتراكية فى أوقات متفاوتة ، قد تفصل بينها الاعوام وربما العقود . ولكن ظفر البروليتاريا فى أي بلد عربي بالسلطة الاشتراكية ، بالديكتاتورية الاشتراكية أولا سوف يكون خطوة هائلة الى الامام بالنسبة لبقية الشعوب العربية لبقية الطبقات العاملة العربية . فالبروليتاريا المظفرة بديكتاتوريتها سوف تلعب دورا عظيما فى تطور الحركة الثورية العربية والسير بها الى الامام بخطي واسعه . ويمكن القول بصورة عامة أيضا أن وصول الطبقات الشعبية بقيادة الطبقة العاملة الى السلطة فى اكثر من بلد عربي سوف يعني فتح الباب مباشرة أمام الوحدة أمام الاندماج في دولة اشتراكية واحدة تجمع بلدين أو أكثر دافعة العملية الثورية العربية الى الامام.
وهذا لا يحتم بالطبع ضرورة وصول بلدين في وقت واحد الى الاشتراكية ، دون اغلاق الباب أمام أي احتمالات كهذه ، فالمهم أن وصول الطبقة العاملة الى السلطة فى أى بلد عربي بعد أن تكون قد سبقتها طبقة عاملة عربية اخرى الى السلطة فى بلد عربي أخر سوف يطرح على المدي المباشر ضرورة الوحدة مهما تتنوع اشكال دولة الوحدة مع ابراز التحيز كمثال وكهدف نموذجي ، للاندماج الكامل فى دولة مركزية ديمقراطية . ومن المؤكد ان دولة اشتراكية عربية تتحقق فى بلد وحد أو تدمج بلدين عربيين سوف تقوم بدور توحيدي هائل على أسس ثورية بالنسبة للشعوب العربية الشقيقة جميعا ،. لن يكون التوحيد ابدا بالقسر والاجبار وعن طريق الغزوات والفتوحات بل لابد أن يكون بالضرورة ديمقراطيا أوسع ما تكون الديمقراطية .
فاذا ربطنا هذه الاستراتيجية الثورية بتكتيكات ثورية تتعلق بقضايا هذه الاستراتيجية وبتطبيقاتها فى المراحل التكتيكة المتعاقبة ، فمن الضروري أن يكون التركيز على النضال المشترك وعلى اهدافه الاستراتيجية والتاكتيكية وعلى أدواته واسلحته وأساليبه ووسائلة .
انها لضرورة حيوية أن تتفادي الحركة الثورية العربية الافلاس الذي لا مناص منه والذي لابد أن تنتهي اليه بصورة حتمية مناقشات الفكر القومي البرجوازي وكذلك المراجع اليميني الذيلي ، وقد رأينا أمثلة بارزة للجعجعة القومية بلا طحين ثوري ، تلك الامثلة التى لم نجد فيها أثرا لموقف ثوري من تطور الثورة العربية بل مجرد التمتمة بتعاويذ ( العروبة ) التى لا يخدمون قضيتها بحال ويقفون منها موقف العجز .
فاذا كانت القضية أننا نناضل من أجل دولة واحدة تندمج فيها الاسرتان المالكتان السعودية والهاشمية ، كمثال بارز صارخ على ما نريد قوله وليس كمثال وحيد ، بل نناضل من أجل وحدة الشعبين الشقيقين فى الجزيرة العربية (السعودية) والاردن ، فان ذلك يؤدى مباشرة وبلا لف ولادوران الى ان خير وحدة بين البلدين الشقيقين لابد ان تقوم على جثة الاسرتين المالكتين وكل من يرتبط بهما بعلاقات التحالف والعمالة . وفى هذا المثال يبرز سخف ان تدور حياتنا النضالية حول أى شروط تجعلنا نؤيد أو لانؤيد وحدة الدولتين المالكتين على أساسها ، بدلا من النضال الذي يستهدف الاطاحة بالسلطتين الرجعيتين معا باعتبارهما العدو الطبقى وباعتبارهما أيضا عقبة كأداء تقف فى طريق الوحدة .
ان قضية الوحدة لا يمكن طرحها بصورة مجردة ، فلا يجب أن يستغرقنا وضع مقدمات حول احتمالات مشاريع وحدة تقوم بها الطبقات الحاكمة ، ذلك أن ما هو أساسي هو ان هذه الطبقات الحاكمة بحكم تعدد مصالحها وأنانية سلوكها الطبقى ليست وحدوية مهما تتغن بأعذب الحان الوحدة ، فلا يمكن أن نناقش الى الابد قضية حسمتها هذه الطبقات فى المائة عام الاخيرة ، بل ان التحولات الخطيرة الجارية الآن فى المنطقة تحسم هذه القضية نهائيا من الزاوية البرجوازية . حيث ان عبور البرجوازية المصرية ومن على شاكلتها من البرجوازيات الحاكمة ، الى الضفة الاخري ، ضفة الاعداء التاريخيين لشعوبنا العربية ، يضعنا أمام ان هذه البرجوازية وغيرها لن تقوم حتى بتكرار بعض التجارب التى قدمتها هى نفسها فى مراحل صعودها كطبقات ، وبالاخص فان هذه الطبقات البرجوازية تتجه فى عهود هبوطها فى هذه الفترة التاريخية وفى المستقبل الى سياسات تربط جميع مشاريعها بالامبريالية بصورة لا تجعل هذه الطبقات نفي بأي شروط ثورية بالوحدة تستهدف توجيه الضربات الى الامبريالية وتقديم الديمقراطية بحرياتها العامة السياسية وحقوقها الاقتصادية والنقابية الى الجماهير الشعبية والى الطبقة العاملة .
ومع ذلك فان المرحلة التاريخية السابقة على تحقيق الامة الاشتراكية العربية الواحدة ، سوف تشهد تحولات وتطورات توجب على الثوريين بصفة دائمة أن يطرحوا الامسس والشروط الثورية للوحدة فى مدى برامج الحد الادنى بين البلدان العربية ، مع الدعاية الواسعة لشروط وأسس الحد الاقصي ليس زرعا للاوهام عن امكانات تحقيقها فى ظل قيادة البرجوازية ، بل من أجل السير فى هذا الاتجاه بنضال الجماهير العاملة الثورية . هذا النضال الذى سوف يحقق الوحدة الثورية التى تتنوع أشكالها وفقا لمختلف الظروف والاوضاع التى تحيط بلحظات تحقيقها .
ويجب أن نحذر هنا من الفهم الخاطئ لصيغ المطالبة لدى الكثير من الثوريين ، الذين يعتقدون أن المطالبة زرع للاوهام فى كل الاوقات لمجرد أن الطبقات الحاكمة رجعية واستغلالية أو لمجرد أنها لن تكون مستعدة للقيام بتحقيق ما تطالب به لانه ضد مصالحها ، فمن الواجب أن يفهم الثوريون صيغة المطالب والمطالبة الخ ...على الوجه السليم ، وأن يتذكروا ان الرفيق لينين يطالب البرجوازية ليس فقط بتقديم تنازلات معينة او بتحقيق مطلب من المطالب المادية فى برنامج الحد الادنى بل كان يطالب هذه الطبقات الاستغلالية والرجعية بأن تتخلى عن مكانها ولم يكن يقصد بذلك سوى الاطاحه الثورية بهذه الطبقات. أن مايميز مطالبة عن مطالبة هو التشهير والدعاية الذين ترتبط بهما وهل يعمقان ويزرعان الاوهام البرجوازية ام يطورن الوعى الثورى ضد البرجوازية. ان ما يميز مطالبة عن مطالبة هو الخط السياسي الفكرى التنظيمي الجماهيري الذى يجعل مطلبا قد تنطق بألفاظة قوي اجتماعية واتجاهات سياسية متعددة متناقضة مطلبا ثوريا بفضل ارتباطه بالخط الثوري أو مطلبا رجعيا بفضل ارتباطه بالخط الرجعي . فقد تلعب كلمة "الديمقراطية في مصر" على السنة الاتجاهات الرجعية العميلة ، وقد تناضل من أجلها أشد القوي الثورية تماسكا ، ولكن هذه الكلمة الواحدة (الديمقراطية ) تعنى فى هذه الحالة كما فى الكثير من الحالات أشياء متناقضة ، متعادية ، لا مجال للالتقاء بينها . فديمقراطية القوى الرجعية والعميلة التى تقابلها سلطة السادات فى مصر بالاذرع المفتوحة والعقول المفتوحة والقلوب المفتوحة الى آخر الاشياء التى تنفتح جميعا على الامبريالية والرجعية العربية والمصرية فيما يعرف بالانفتاح الشامل باعتباره سياسة وخطا وفلسفة كما تكرر أبواق دعاية السلطة الطبقية . هذه الديمقراطية الرجعية ، لا يمكنها ان تلتقى ، ولا يمكنها الا ان تتعادى عداءا مميتا مع الديمقراطية التى نريدها ، الديمقراطية التى تريدها الجماهير العاملة من أجل افساح الطريق أمام نضالها الثوري من أجل أهدافها الثورية البرنامجية البعيدة ، ولا يمكن أيضا خلط المعالجة الثورية لقضايا الديمقراطية فى بلادنا والتى تطرح المطالب ، لا لكى ننتظر ان تقدمها السلطة البرجوازية كعطايا ومنح عن طيب خاطر بل لكي نناضل من أجل تحقيقها ، لكي نناضل من أجل انتزاعها لا يمكن خلط هذه المعالجة الثورية بألوان المراجعة اليمينية في بلادنا التى تزرع الاوهام البرجوازية فى كل مكان عندما تفتح أفواهها بالمطالبة بالديمقراطية منتظرة تأشيرة السلطة واصدارها لفرمان يحقق هذه المطالب .
ومهما يكن من شئ فان التحولات والتطورات القادمة فى منطقتنا العربية فى المرحلة التاريخية السابقة على الامة الاشتراكية العربية الواحدة ، هذه التحولات والتطورات التى سوف تجري في سياق حافل بالتعقيد والتشابك حيث يجرى النضال من أجل الاشتراكية في كل هذه البلدان ولكن باعتبارها ، باعتبار الاشتراكية ، هى القضية المطروحة للمعالجة على المدى الاستراتيجي القادم في الثورة القادمة بالنسبة لبعض البلدان العربية مثل مصر . وانما في سياق النضال من أجل الثورة الاشتراكية القادمة وفي سياق تحقيقها وفي سياق بناء الاشتراكية والشيوعية سوف يجرى استكمال مهام الثورة البرجوازية الديمقراطية باعتبارها الثورة التى انتهت ، أي تحققت وانجزت مع المعاداة القاتلة للديمقراطية . وبالنسبة لبلدان أخرى سوف يجري النضال من أجل االاشتراكية من أجل الثورة الاشتراكية من خلال وعبر وبالتداخل والتشابك مع ثورة برجوازية ديقراطية لم تتم ، أو لم تتم نهائيا . وفي هذا السياق التاريخي المحدد لابد كما سبق القول من أن نطرح بصفة دائمة الاسس الثورية والشروط الثورية ،التى تضع هذه الظروف التاريخية المعقدة موضع الاعتبار والمراعاة الدقيقين ، لأى وحدة أو اتحاد في مدى برنامج الحد الادني ، أي قبل الوصول الى الاشتراكية ، بين البلدان العربية جميعا وبين أى عدد من هذه البلدان العربية .
والقيمة الكبرى لهذه الشروط الثورية والاسس الثورية ، لا يراد بها فقط أن تبرز عند أي فرصة لوحدة تفرضها القوي الثورية على الطبقات الحاكمة، بل فى المحل الاول للنضال من أجل مثل هذه الوحدة التى لابد ان تطرح للحل العملى المباشر في لحظات تحقيقها الاطاحة بالطبقات الاستغلالية الحاكمة .
ولايمكن ان يتوقف واجب ابرازنا لهذه الاسس والشروط الثورية لأي وحدة على استعداد أي برجوازية عربية لذلك ، بل يأخذ الثوريون القائمون بالنضال من أجل ابراز وتحقيق هذه الاسس والشروط الثورية ، واقع أن الوحدة تتناقض مع مصالح البرجوازيات المتعددة فهذه المصالح لم تنصهر في مصلحة واحدة برغم ترابط مصالح البرجوازية . واذا كانت هذه البرجوازيات العربية الحاكمة قد حكمت مشاريعها وتجاربها (الوحدوية) السابقة عناصر النزوع الى السيطرة من جانب بعضها ، وكذلك بميل بعض هذه البرجوازيات أو حاجتها ، في بعض الاحيان الى الاحتماء ببرجوازية اخرى اكثر قوة سواء فى معالجتها للتناقض مع الامبريالية ام فى مواجهة الثورة الشعبية وشبح الشيوعية . اذا كان ذلك ما تم في الماضي فان نفس هذه العناصر ما تزال قائمة ، ولكن في سياق تاريخي محدد ، هو أن البرجوازية الاكثر قوة والتى تنزع الى السيطرة لن تفعل ذلك من خلال الصدام مع الامبريالية بل الترابط معها بعلاقات الصداقة والتقارب والتحالف ، وبالتالي في سياق معاداة الحركة الجماهيرية الشعبية ، وفى مواجهة الحركة الشيوعية العربية ، والحركة المستقلة للطبقة العاملة العربية . ولكن أى أعمال وحدوية في هذا السياق لايمكن أن ترتفع الى مستوى الوحدة الحقيقية وبالاخص فانها سوف تكون أعمالا رجعية شريرة لا تستحق التأييد بل تجدر بالمقاومة والمعارضة والعمل على الحاق الهزيمة بها . ان الاتحاد ضد الثورة الشعبية وبالتحالف مع الامبريالية والرجعية لا يمكن الا أن يكون الاتحادالا شد ضررا ليس فقط بقضية الاستقلال الوطني وبقضية الاشتراكية بل أيضا بقضية الوحدة الحقيقية أو الاتحاد الحقيقي . ولن يكون مثل هذا الاتحاد ببساطة تعاونا (على البر والتقوي) بل تعاونا (على الاثم والعدوان) اذا استعرنا هذا التمييز بين نوعين من التعاون لتوضيح الاختلاف بين نوعين من الوحدة والاتحاد . حتى يفهم الرفاق السوريون وغيرهم أنه لا يمكن تأييد أي شئ بلا شروط ثورية الا ان يكون (الشرب) جديرا والتصفيق والتحبيذ دون الاهتمام بالمادة المشروبة وهل هى ماء عذب رائق ام سم زعاف قاتل .
لقد ربطت البرجوازية ابان صعودها قضية الاستقلال القومي النسبي بالمجال العربي نزوعا للسيطرة أو احتماءا من خطر محدق أو محتمل ، أو اتجاها الى خلق شركات مساهمة للاستغلال المشترك ، أو تصديا في لحظة تاكتيكية لمواجهة الاستعمار في المنطقة . وتتميز طريقة الطبقة العاملة في معالجة القضية القومية العربية عن كل ذلك بأن نضالها من أجل الاستقلال الوطنى الجذري والاشتراكية فى ارتباطهما بالوحدة ، يضع دائما الضمانات الاكيدة لئلا تخبو جذوة ميلها الاكثر عمقا الى السير بقضية الوحدة الى الامام .ذلك أن استقلالها الجذري يختلف عن الاستقلال النسبي للبرجوازية فهو اضافة الى ثغراته فى كل لحظاته لا يستمر الا فترة تاريخية محدودة قد تستغرق عشرات السنين ولكنها لا يمكن أن تستمر كوضع مستقر ثابت . أما الاستقلال الجذري كما تفهمة البروليتاريا الثورية فانه وضع مستقر مبدئي راسخ لا يمكن ان يهدد بما هدد به انحسار موجات الاستقلال النسبي البرجوازي من انحسار فى قضية الوحدة كما تطرحها البرجوازية . ولايمكن أن يهدد به أ
اتجاه البرجوازية العربية الى صور جديدة لتبعية تتناسب مع ما حققته من تطور برجوازي يبتعد بها عن صور التبعية القديمة . فمع التبعية الجديدة تتراجع الى الوراء كل الظروف التى أحاطت بالمشروعات والاعمال الوحدوية التى صاحبت فترات الصعود البرجوازي والصدام (البرجوازي) مع الامبريالية ، وتنفتح الابواب أمام عهد جديد من الاعمال المشتركة بين الطبقات العربية الحاكمة فى تنسيق وارتباط وتحالف مع الامبريالية ، وسلام دائم مع الصهيونية الاسرائيلية . أما البروليتاريا العربية فلا يهدد خطها شئ من ذلك ، ويعنى هذا أنها تستمر بقضية النضال الثوري العربي المشترك على طول الخط ، أى أنها لا تطرح ذلك لفترة تاكتيكية محدودة ثم تتراجع عن الوحدة العربية كما فعلت البرجوازية ، بل سوف تربط دائما النضال الثورى من أجل الاستقلال الوطنى الجذري والاشتراكى فى أى بلد عربي بالنضال فى كل وأي بلد عربي آخر من أجل هذه الاهداف العظيمة نفسها . وهذا يعنى أيضا أن البروليتاريا العربية لا تنظر الى النضال المشترك باعتباره مؤامرة أو خدعة أو حيلة من أجل تحقيق الوحدة بل ان هذا النضال المشترك من أجل الاستقلال الجذري والاشتراكية سوف يؤدى بالضرورة الى تحقيق الوحدة كما أكدنا غير مرة من قبل .
ولابد من أن يكون قيام أى وحدة فى هذا السياق على أسس ثورية معادية جذريا للامبريالية والبرجوازية والرجعية معناه الاستناد الى ما يتناقض مع هذا الهدف الثوري أي الاطاحة بالطبقات الاستغلالية الحاكمة .
على أي شئ يتحد النضال الثوري وتقوم الوحدة الثورية ؟ ما هو برنامج هذا النضال وهذه الوحدة ؟ ...قد تتعدد الاسئلة التى تتفق فى هذا المعني ، ويمكن أن نجيب جميعا بأن برنامج النضال المشترك على نطاق الشعوب العربية لا يمكن أن يكون شيئا أخرغير ما ناضلت وتناضل من أجله الشعوب العربية والقوى الثورية الحقيقية . والخطوط العريضة لهذا النضال ليس شيئا أخر سوى الاشتراكية والاستقلال الوطنى الجذرى والديمقراطية ( بحرياتها السياسية والنقابية وبحقوقها الاقتصادية) التى تقدم أفضل الشروط لهذا النضال . والامة العربية الاشتراكية الواحدة التى تحرر قضية الوحدة العربية من صيغها الضيقة ، المحدودة البرجوازية الصغيرة ، وتربطها بأنبل قضايا الثورة العربية . وكما أوضحنا غير مرة من قبل فأن النضال المشترك معناه الا يناضل أى شعب من الشعوب الشقيقة وحيدا منفردا من أجل استقلاله الجذري واشتراكيته بالانفصال عن الشعوب الشقيقة، فليس من مصلحة أي شعب أن يقع فى هذا الفخ الانفصالى القطرى ضيق الافق ، بل من مصلحته ان يربط قضاياه بكل القضايا العربية ، كما هى مترابطة فى الواقع . معنى النضال المشترك أن تناضل الشعوب العربية جميعا بقيادة الطبقات العاملة من أجل المصير الذى نريده لهذه الشعوب جميعا مع ربطه بالظروف التاكتيكية المتعاقبة ،مع ربطه أيضا بالظروف الخاصة النوعية في كل بلد عربي . ويبتعد بنا هذا عن أي نزعة اقتصادية تحبس الطبقة العاملة السورية – على سبيل المثال- فى قفص حديدي من النضال الاقتصادي داخل سوريا ، وتنأى بها عن القتال فى خندق واحد مع الشعب الفلسطينى ضد الصهيونيه الاسرائيلية أو عن النضال ضد عدوان الاستعمار الخ....على بلد عربي أخر . ولا يعنى هذا ابدا أن يعلق أى شعب من الشعوب العربية قضاياه ومطالبه النوعية والخصوصية الاقتصادية والسياسية والديمقراطية فى بلده ، وأن يهجرها الى قضايا الشعوب الاخرى ، فليس ذلك سوى فقدان الاتجاه بصورة مدمرة حقا بل يعنى ان الشعوب العربية لابد ان يجمعها منطق ثورى واحد ولابد أن يجمعها دور قيادي حاسم للبروليتاريا ، حيث يجري تطبيق هذا المنطق الثوري فى أى بلد ،بالتضامن والتنسيق والمساعدة المتبادلة وكل أشكال التعاون والتقارب والتحالف مع بقية شعوب البلدان العربية الاخري . ويتضح ذلك اكثر بأن نضيف أن أي طبقة عاملة لابد أن تجمع الى نضالها فى بلدها من الناحية الاساسية من أجل قضايا الاممية البروليتاريا التى تجمعها ببروليتاريا شعوب العالم كله ومن أجل قضايا البروليتاريا العربية وحلفائها . وعلى سبيل المثال فان نضال الشعب المصري من أجل القضية الفلسطينية لا يكون بتطوع هذا الشعب كله للانضمام الى الثورة الفلسطينية فلا يمكن حتى أن نحلم بأن يذهب الكثير من ابناءه للقنال فى خندق واحد مع الشعب الفلسطينى الشقيق وانما بأن نناضل هنا فى مصر ، لابراز الاسس الثورية لمعالجة القضية الفلسطينية ، ولابراز المواقف العملية مع هذه القضية فى كل لحظة تاكتيكية وكل يوم ، دون أن يعنى ذلك أن هذه القضية أصبحت القضية الوحيدة بالنسبة لشعبنا . فالمطلوب هو أن تكون هذه القضية وغيرها من قضايا الشعوب الشقيقة قضايا من الطرازالاول فى حيويتها وأهميتها بالنسبة لشعبنا المصرى فيناضل من أجلها دون أن يهجر قضاياه هنا فى مصر .
ومعنى ذلك ايضا ان واجب أي قوة ثورية في اي بلد عربي ان تسهم فى تطوير الثورة العربية وتطوير النضال الثوري العربي ، بالمعالجة الثورية لقضايا هذا البلد ، وبالتضامن والتحالف مع القوي الثورية فى البلدان العربية الاخري ، والتعاون الثوري المثمر والتنسيق المتعاظم معها ، ومد يد المساعدة اليها بكل حزم وثبات ورسوخ . ويؤدي ذلك الى أن واجب البروليتاريا الثورية فى أي بلد عربي أن تساعد شقيقاتها وحلفاءها من الطبقات الشعبية بقيادة البروليتاريا فى البلدان العربية الاخرى على توجيه الضربات النهائية الى الطبقات الاستغلالية المسيطرة فيها وكذلك فى مقاومة هذه الطبقات والنضال الطبقى ضدها فى مختلف المراحل التاكتيكية .
والآن : ما الموقف من الاعمال المشتركة التى يقوم بها بلدان عربيان اى تقوم بها بلدان عربية متعددة بصورة مشتركة فى المجالات الثقافية والاقتصادية والعسكرية والسياسية الخ الخ ..... لقد أشرنا الى المقاييس الثورية الاساسية من قبل ، فالشئ الاساسي هو الا نزرع الاوهام حول امكانات قيام الطبقات الرجعية والبرجوازية الحاكمة بأعمال تجدر بالتأييد فى هذه المجالات ، وبالتالى فان الشئ الاساسي الذى نركز عليه بالمقابل هو الاعمال والاشكال الشعبية المشتركة والنضال من أجل فرض هذه الاشكال . وهذا لا ينفصل عن ضرورة النضال من أجل الديمقراطية لتحقيق كل ما يمكن انتزاعه فى مجال الحريات الديمقراطية ، فهذا شرط ضروري لاتساع نطاق العمل الثورى المشترك ، ولاتساع امكانات انخراط الشعوب العربية فى النضال المشترك . ويرتبط بذلك انه من الملائم تمام أن نعمل أيضا من اجل فرض أي مواقف على المستويات الرسمية بقدر ما تحاط هذه المواقف بالمشاركة وبالرقابة الجماهريتين كما يحدث فى مجال المطالبة بسحب الموافقة على الأسس الامبريالية الاستسلامية ولاتفاقيات الخيانة فى مصر وسوريا فى الوقت الحالى على سبيل المثال.
ونقتبس هنا كلاما ثمينا شهيرا للينين في هذا المجال نعتقد ان قراءته بامعان النظر مع ربطه بما سبق من صفحات فى ما يتعلق بالموقف من المشاريع والاعمال الوحدوية فيما قبل الامة الاشتراكية العربية الواحدة .
أن مثل هذه القراءة سوف تساعد على سلوك اقرب واوضح طريق الاسترشاد الحقيقي بالمنهج الماركسي اللينيني :
( والحال أن بارا بيلوم ( الاسم المستعار لكارل راديك) ينبذ بازدراء ، باسم الثورة الاشتراكية ، كل برنامج ثوري متماسك فى الميدان الديمقراطي . وهذا غلط . فالبروليتاريا لا تستطيع ان تنتصر الا عن طريق الديمقراطية . اى عن طريق تحقيق الديمقراطية كاملة غير منقوصة وربط كل مرحلة من مراحل نضالها بمطالب ديمقراطية مصاغة احزم الصياغة .
ومن اللغو الباطل أن نقيم تعارضا بين الثورة الاشتراكية والنضال الثورى ضد الرأسمالية وبين أحد المطالب الديمقراطية كالمطلب القومي على سبيل المثال . بل علينا أن نربط النضال الثوري ضد الرأسمالية ببرنامج وتاكتيك ثوريين فيما يتعلق بجملة المطالب الديمقراطية : الجمهورية والميليشيا وانتخاب الموظفين من قبل الشعب والمساواة فى الحقوق المدنية للنساء وحق الامم فى تقرير مصيرها الخ . وما بقيت الرأسمالية قائمة ، فمن غير الممكن تحقيق هذه المطالب جميعها الا بصفة استثنائية ، وبصورة مشوهة وناقصة علاوة على ذلك . ونحن ، اذ نستند الى المنجزات الديمقراطية المكتسبة ونفضح فى الوقت نفسه طابعها الناقص فى ظل الرأسمالية ، نطالب بالاطاحة بالرأسمالية وبمصادرة ملكية البرجوازية باعتبار ذلك تدبيرا لا بد منه للقضاء على بؤس الجماهير ولتحقيق جميع الاصلاحات الديمقراطية تحقيقا كاملا شاملا. وسيتم الشروع ببعض هذه الاصلاحات قبل الاطاحة بالبرجوازية ، والشروع ببعضها الاخر اثناء هذه الاطاحة ، وببعضها الاخير بعدها . ان الثورة الاجتماعية ليست معركة وحيدة ، وانما هى عصر سلسلة من المعارك من اجل اصلاحات اقتصادية وديمقراطية فى جميع الميادين ، معارك لا يمكن ان تنتهى الا بمصادرة ملكية البرجوازية . وانما باسم هذا الهدف النهائي على وجه الدقة يتوجب علينا ان نصوغ صياغة ثورية حازمة كل مطلب من مطالب الديمقراطية . ومن الممكن كل الامكان أن نتصور ان يطيح شغيلة هذا القطر أو ذاك بالبرجوازية قبل ان يتم تحقيق اى اصلاح من الاصلاحات الديمقراطية الاساسية تحقيقا كاملا . ولكننا لا نستطيع ان نتصور ان البروليتاريا ، بوصفها طبقة تاريخية ، قادرة على قهر البرجوازية اذا لم تهيئها لذلك التربية بروح الديمقراطية المتماسكة كل التماسك والثورية كل الثورية ، (53) والتشديد من لينين.
فلعل التذكير بهذه السطور المعروفة من لينين تضع المهرجين من كل تدرجات الوان الطيف من ادعياء الماركسية والثورية واليسار امام واقع انهم يبتعدون كل الابتعاد عندما يتفادون برشاقة لا يحسدون عليها ، ضرورة ربط القضية القومية العربية الثورة الاشتراكية والاطاحة بالبرجوازية والاطاحة بالعلاقات الاستعمارية من أجل الاستقلال الوطني الجذري .
واذا كان الرفيق لينين يتحدث هنا بما يمكن تحقيقه فى نطاق الرأسمالية فأننا نعتقد أن ضآلة ما يمكن تحقيقة فى مجال الوحدة العربية بحكم تعدد البرجوازيات العربية وتعدد وتضارب وتناقض مصالحها الطبقية الانانية الضيقة وبالاخص استحالة تحقيق أي وحدة او اتحاد بشروط ثورية بدون الاطاحة بالطبقات الاستغلالية المسيطرة ، نعتقد ان ذلك لا ينفي ولا يتناقض مع ضرورة ادراك ان النضال من اجل الامة العربية الاشتراكية الواحدة يجري فى أوضاع سيطرة البرجوازية ، وفى اطار نظمها الديكتاتورية .
وهذا يعنى ان النضال الثوري في هذا المجال لا يمكن أن يتجاهل قضايا الديمقراطية فى مختلف البلدان العربية . فكيف يناضل على سبيل المثال الشعب المصرى المحروم من ابسط الحريات الديمقراطية من اجل القضية الفلسطينية وكيف يتضامن معها ويساعدها ويقويها ؟ ويعنى ذلك .فيما يعني ان النضال من أجل وحدة ثورية بين الشعوب العربية وفى مواجهة الامبريالية والصهيونية الاسرائيلية والرجعية العربية لا يمكن الا ان يكون نضالا حازما لا يلين ضد البرجوازية الحاكمة وحلفائها فى كل بلد حول اكثرالقضايا . ولا يمكن لهذا النضال ان يتجاهل مواجهة ومقاومة والحاق الهزيمة بضيق الافق (القطري) لدى كل البرجوازيات العربية التى تشن الحملات الشوفينية .....ضد بعضها فى لحظات اصطدام المصالح ، وضد الحركة الشعبية والشوعيين فى البلدان العربية الاخري بصفة دائمة .
ولابد من اشارة هنا الى وضع الاقليات القومية فى العالم العربي فنحن نؤمن بحقها فى الانفصال دون أن يعنى ذلك اننا مع انفصالها . أي أننا مع اتحادها الطوعي الاختياري وعلى أسس ديمقراطية الان كما فى المستقبل . ونحن نعتقد ان الديكتاتورية البرجوازية التى تريد اشكالا استثنائية بوليسية ارهابية فى البلدان العربية والتى تؤدى بصفة دائمة الى اجبار أبناء البلد الواحد والشعب الواحد الى ان يهجروا البلاد أو ان يعيشوا حياتهم فى السجون والمعتقلات هى نفسها التى تطرح بالحاح بالنسبة لبعض الاقليات القومية قضايا الاتحاد والانفصال مع البلد المعين كما يحدث مع الاقلية الكردية فى العراق . وفى هذه الاحوال فاننا مع حق الانفصال ولكننا لسنا مع الانفصال بالضرورة بل مع الاتحاد الديمقراطي الاختياري الطوعي وهو لا يتفق مع أي قسر أو أجبار أو اكراه . ولكننا اذ نقف مع القوى الديمقراطية والثورية من أبناء هذه الاقليات ومع الاقليات من حيث هى كتل جماهيرية شعبية واسعة فاننا نقف بكل حزم ضد الاتجاهات العميلة والرجعية التى لا يعني الانفصال تحت قيادتها سوى انفراد رجعية عميلة باضطهاد واستغلال شعب استغلته واضطهدته الدولة العربية البرجوازية المعينة ودفعته دفعا الى السير وراء الانفصالية العميلة الرجعية التى يجب الا نخلطها بالاستقلال الوطنى والقومي الذاتى الذي لا يتعارض مع الاتحاد بل يساوي الاتحاد الديمقراطي لانه يمكن ان يتحقق فى اطاره ، ولنستمع الى لينين :
(اننا مع الاستقلال الذاتى لجميع الاطراف ، ومع الحق فى الانفصال (لا مع انفصال الجميع ) . ان الاستقلال الذاتى هو خطتنا نحن لتنظيم دولة ديمقراطية . والانفصال ليس البته خطتنا . أننا لا ندعو البتة الى الانفصال . وفى الاجمال نحن ضد الانفصال . ولكننا مع الحق فى الانفصال) (54) التشديد من لينين.
وقد أكد لينين:
(ان العمال الواعين لا يدعون الى الانفصال . فهم يعرفون مزايا الدول الكبيرة واتحاد الجماهير الواسعة من العمل . ولكن الدول الكبيرة لا يمكن ان تكون ديمقراطية ما لم تتمتع جميع الامم بالمساواة المطلقة فى الحقوق ، ومثل هذه المساواة تشتمل ايضا على الحق فى الانفصال ) (55).
ونحن اذ نعترف " نعلن بكل وضوح حق كل الاقليات القومية غير العربية فى كل البلدان العربية فى تقرير مصيرها أي حقها فى الانفصال السياسي ، فاننا لا يمكن ان نكون مع انفصالها ، وهذا لا يعني اننا نأخذ باليد اليسري ما نقدمه باليمني بل نطالب بأوسع الحريات والحقوق الديمقراطية ليس فقط للطبقات الشعبية فى كل بلد ، بل لكل الاقليات القومية بما فى ذلك الاستقلال الذاتى التى تطالب به شعوب هذه الاقليات القومية ، فهذا هو الاطار الوحيد الديمقراطية للاتحاد والوحدة وعدم الانفصال . ونحن عندما نتحدث عن مزايا الدول الكبيرة نعيد الى الاذهان قول لينين :
((ومن المؤكد بالنسبة الى الماركسي ان الدول الكبيرة أفضل دوما من الصغيرة في حال تساوي جميع الشروط الاخرى . ولكن من المضحك ومن الرجعية القبول ولوبفكرة وجود مساواة بين الشروط فى ظل الملكية القيصرية وبين شروط جميع الدول الاوروبية وغالبية الدول الاسيوية (56) التشديد من لينين.
فان ذلك لا يعني أن نزين لاي اقلية البقاء فى دولة معينة لانها كبيرة بل ما هو جوهري في الموقف الجدلي الذي يتخذه لينين هو أن نطالب بأوسع ديمقراطية لهذه الاقلية وبشكل محدد ان نطالب لها بالمساواة المطلقة مع أمة الغالبية وشعب الغالبية داخل هذه الدولة . وعندما يؤيد الماركسيون الثوريون نضال الامم والشعوب ضد أي اضطهاد واستغلال يقع عليها من الامم المعتدية الاخري فانما يقفون بكل حزم ضد ميول واتجاهات هذه الامم الى اضطهاد الآخرين .
وقد تتعقد القضية بوجود اقليات كالكردية موزعة على عدد من الدول الديكتاتورية الرجعية والبرجوازية ، ولكن التأييد الحاسم لاي وحدة ثورية بين الاكراد جميعا لا يمكن ان يتناقض مع ضرورة ادراك ان الاكراد جميعا سوف يرحبوا بالوحدة او الاتحاد على أسس ديمقراطية ، اي مع الدولة التى توفر لهم ديمقراطية اكثر وتساويهم بالشعوب والامم التى يتحدون معها بصورة مطلقة سواء أكان اسم هذه الدولة العراق ام ايران ام تركيا ام سوريا ام غير جيرانها هؤلاء جميعا . حقا ان الاشتراكية وحدها تقدم المعالجة الحقيقية النهائية الاكثر تماسكا وانسجاما لقضايا الاقليات القومية ، وأي تسويات في اطار الرأسمالية تظل ناقصة مشوهة ومؤقتة . ولكن النضال من أجل الديمقراطية المنسجمة فى ظل الرأسمالية وضدها شرط ضروري لتحقيق الاشتراكية ذاتها .
وفيما يتعلق بالبلد الواحد والشعب الواحدة والامة الواحدة فاننا نرفض أي أسس طائفية كانت أم عرقية ، ونرى كنس الطائفية الدينية والعرقية ، وأي طائفية شرطا ضروريا لاي دولة ديمقراطية علمانية ، تستحق ان تسمي عنصرية .
وبالتالي فأننا نرفض كل القيود والقوانين واللوائح المعلنة وغير المعلنة المكبلة للأقليات والطوائف فى أى بلد عربي كما فى أي بلد فى العالم سواء أكانت الاقلية القبطية التى تعد بالملايين فى مصر أم الاقلية الشيعية فى (السعودية) وهكذا ، بل أن اقتلاع الطائفية من جذورها وكنسها والعصف بكل العصابات والمجموعات والقوي الاجتماعية المرتبطة بها فى بلاد كلبنان شرط أساسي لتطور الثورة الشعبية وشرط أساسي لتفادي الويلات والآلام التى لا تنقطع في لبنان ولتفادي الاخطار والكوارث المحدقة بكيان لبنان ....أي مؤامرة تقسيم لبنان . وباختصار فاننا نقف بحزم ضد أي وكل اضطهاد أو قيد أو فتنة تستهدف طوائف الاقليات الدينية أو العرقية المقهورة أو طوائف الاغلبيات المقهورة على أسس طائفية، ومع العصف بكل الاسس الطبقية الفعلية والدستورية التى تستند اليها وصمة الطائفية ، ومع رفع كل القيود الدستورية وغير الدستورية ومنها دين الاغلبية الكيان الرسمي للدولة كدين رسمي أو كأساس لاي نظام الدولة فى كافة المجالات.
تبقى نقطة أخيرة تتعلق بأدوات وأسلحة هذا النضال الثوري العربي المشترك، ومن البديهي ان الادوات والاسلحة والاشكال تتنوع لتشمل الصور الاساسية للنضال : السياسي والاقتصادي والنظري من خلال كافة الادوات الحزبية والنقابية وكافة أنواع التنظيمات السياسية والجماهيرية .
فمن الطبيعي أن تنشأ وتتطور هذه الادوات فى كل بلد عربى على حدة بحكم الظروف التى أحاطت بتحول القوميات الى أمم عربية وبحكم الظروف التى أحاطت بنضال الطبقات داخل كل امة وقومية . ويؤدى تشابك عناصر هذا النضال المشترك الى ضرورة ادراك ان هناك تشابكا بين وجود هذه الادوات والاسلحة فى كل بلد وبين التقائها من خلال النضال المشترك وخلقها لاشكال من التعاون والتنسيق والتحالف والتنظيمات الجبهوية . ولا تناقض بين هذين الجانبين فبينهما علاقات جدلية تجعل تطور جبهة متحدة بين الطبقات الشعبية بقيادة الطبقة العاملة فى أحد البلدان دافعا وشرطا لتطور جبهة متحدة بين الجبهات على النطاق العربي، كما تجعل أي نواة لهذه الجبهة المتحدة على المستوى العربي بعيدة عن انتظار استكمال وفود من كل البلدان كشرط لبداية نشاطها بل ان هذا النشاط يمكن ويجب أن يكون بعضة موجها لمد يد العون والمساعدة الى الحركة الثورية في هذا البلد العربي أو ذاك . ولا يمكن لاي جبهة متحدة ثورية على المستوى العربي أن تتعلق على (عروبة) انعزالية أو على اشكال من التعصب القومي بل لابد لها أن تنفتح أمميا وانسانيا على الثورة الاشتراكية والتحررية الوطنية ونضالات الطبقات الثورية فى كل مكان وتتعدد أشكال التحالف والجبهة على المستوي العربي وتتطور وتزداد نضجا بطبيعة الحال فى مختلف النضال وفى جميع الحقول والميادين ، وهنا ترتدي النقابات العمالية والفلاحية والطلابية والمهنية أهمية بالغة ،حيث يجري النضال من أجل تحويل هذه الاشكال المشتركة من اتحادات عمالية متعددة المستويات الى اتحاد كتاب عرب الى اتحاد محامين عرب ،الى كل الاتحادات القائمة وتلك التى نناضل من أجل قيامها ، نقول حيث يجري النضال من أجل تحويل هذه الاشكال المشتركة جميعا الى قلاع للثورة العربية والى مجالات هامة من مجالات تحقيق التحالف والجبهة .
ومن البديهي ان شروط الالتقاء والتقارب والتحالف هى اهداف الثورة العربية البعيدة والقريبة. ولكن تطبيق هذه الشروط فى مختلف المراحل التاكتيكية ، يؤدي الى ابراز أن من الخطأ القاتل ان تقوم الجبهات النضالية الثورية فى الوقت الحالي سواء على المستوي العربي الاشمل ام على مستوي البلد العربي الواحد على أسس تتجاوز الشروط المحددة وتقفز عليها . فالطبقة العاملة فى نضالها من أجل الثورة الاشتراكية على المستوي العربي ككل وعلى مستوي البلد العربي الواحد لا يمكن الا أن تفكر فى حلفائها فى هذه الثورة ، واضعة في اعتبارها ضرورة التمييز بين النواة الاساسية التى تضم الفلاحين وبين الفئات الطبقية الاخرى التى تتسع وتضيق الجبهة بمواقف هذه الفئات الطبقية منها فى مختلف المراحل . حقا أن الطبقة العاملة لن تتحد مع واحدة مع البرجوازيات الحاكمة والرجعية وكل القوى المعادية للثورة الشعبية بل تستبعد هذه الطبقات منذ اللحظة الاولى من الجبهة (المحلية او العربية) بل ان هذه الجبهة تتجه على المدى الاستراتيجي الى الاطاحة بهذه الطبقات ونظمها الاستغلالية .
ولكن هذا يعنى فقط ان هذه الجبهة لها اهدافها الاستراتيجية المتعادية تعاديا تناحريا مع البرجوازية والتى تتحقق من خلال ربطها بمختلف اللحظات التاكتيكية. ودون أن يعنى ان اي لحظة تاكتيكية يمكن ان تقفز خارج الشروط المحددة التى تحيط بها . ففى نضال الطبقة العاملة فى مواجهة الامبريالية والرجعية واسرائيل وفى مواجهة استسلام البرجوازية وردتها وتحالفها مع الامبريالية ، وايضا فى نضالها من اجل تحقيق الحريات والحقوق الديمقراطية يمكن ان تجد الطبقة العاملة حلفاءها الذين لن يكونوا جميعا مستعدين للسير معها حتى النهاية حتى تحقيق الاشتراكية والشيوعية ، وبعض هؤلاء الحلفاء كالفلاحين سوف تجذبهم الطبقة العاملة اليها فى هذه الجبهة باعتبارها أداة استراتيجية لتحقيق الثورة الاشتراكية ، ولكن الفلاحين لن يكونوا مؤهلين بصورة مسبقة لذلك منذ اللحظة الاولى ولن يؤدى هذا بالطبقة العاملة وحزبها الشيوعي، الى وضع شروط تؤدى الى حظر الكفاح فى هذه المرحلة على من لا يؤمنون بالاشتراكية الان . ان الطبقة العاملة على النقيض من ذلك ترحب بكل من يناضلون معها ولكن على أساس خطها فى الاوضاع والقضايا الحاضرة . وهى تدرك ان بعض القوى غير اشتراكية حاليا ولكنها صاحبة مصلحة فى الاشتراكية . لابد ان تعمل هى على طبعها بالطابع البروليتاري وتقربها من الاشتراكية . ومن المحتم ان تنجح فى ذلك كما نجحت كل الثورات الاشتراكية فى ذلك من قبل . ولكن هذه الجبهات تتكون على أساس الالتقاء حول الخط الذي تطرحه الطبقة العاملة فى القضية الوطنية وفى قضايا الديمقراطية . ذلك أن الاستقطاب الذي سوف يحتد ويزداد حدة بين خط البرجوازية وخط البروليتاريا لا يترك مجالا لقوة ثورية حقيقية للتأرجح بعيدا عن خط البروليتاريا ، الا أن تقترب من خط البرجوازية المتحالفة مع الامبريالية والرجعية غير ان الالتقاء حول خط البروليتاريا فى هذه القضايا لا يمكن ان يعني التقاءا مسبقا في كل النقاط منذ اللحظة الاولى ففى مجرى النضال الثوري يناضل الحزب الشيوعي من أجل اقناع مختلف قوي الجبهة الثورية بخط البروليتاريا .
وبما ان هذه الجبهة تنشأ فى ظروف محددة من النضال الثوري على المحور البروليتاريا المعادى للرأسمالية فان من الضرورى ان تتضمن حتى فى لحظاتها الجنينية عناصر حاسمة من النضال فى مواجهة هذه الرأسمالية وتحقيق المكاسب فى مختلف المجالات على حساب هيمنتها وديكتاتوريتها واستغلالها .
وهذا يعنى ايضا ضرورة ان ينأي الثوريون عن أن يرتضوا لانفسهم ان يدوروا فى فلك هذا المحور العربي البرجوازي الحاكم او ذاك . وان يبتعدوا عن اللجوء الى اساليب خاطئة فى الاستفادة من التناقضات بين الانظمة البرجوازية فهذه الاستفادة لكي تكون فى اتجاهها الثوري الصحيح لابد ان تعتمد على النضال الثوري المعادى لهذه البرجوازيات الحاكمة جميعا.
وهنا تبرز قضية الحزب الشيوعي العربي الواحد او الموحد ، ونبادر الى القول أن من ينادون بأمة عربية اشتراكية واحدة لا يمكن ان يقفوا ضد الحزب الشيوعي العربي الواحد ولاضد الدولة الاشتراكية العربية الواحدة ولا ضد اتحاد النقابات العمالية الواحد ولا ضد اتحاد الكتاب الواحد بل يؤيدون هذه الشعارات جميعا ، ولكنهم يميزون بين هذه الاشكال ولا يخلطون بينها ، وكذلك يفكرون فى المدى الذي يمكن ان تتحقق فيه اشكال أو اخرى .
ولقد دار النضال الطبقى فى العالم العربي فى الاطار القومي لكل بلد على حدة برغم التقاء هذا النضال حول قضايا متعددة وقيادات متفاوتة ومتنوعة فى طبيعتها الطبقية وقد نشأ هذا الاطار بشكل تارخي منفصل بحيث نجد ان النضالات الطبقية كانت تدور داخل البلد الواحد وداخل الامة الواحدة من الناحية الاساسية فى مصر أو سوريا او العراق الخ... ويعود كل ذلك الى ان عهد الرأسمالية لم يقترن بتحول القوميات العربية القديمة الى امة برجوازية عربية واحدة بل لقد تحولت تلك القوميات المتعددة الى أمم عربية متعددة . وهذا هو السبب العريض لعدم وجود حزب شيوعي واحد او موحد.
وينتج عن ذلك أيضا الطابع التاريخي المعقد لتحقيق مثل هذا الشعار من خلال التقاء النضالات الطبقية فى مختلف البلدان العربية والتضامن والتنسيق والتعاون والتحالف بينها وبصفة خاصة التقاء الاحزاب الشيوعية الثورية التى تتصدي لقيادتها بما يسير بها فى اتجاه الاندماج فى حزب واحد . وهذا الهدف بطبيعته بعيد ، وليس وضعه كمهمة مباشرة سوى حماس ينقصة الوعي ويؤدي الى فقدان الاتجاه ولكن طابعه الاستراتيجي البعيد لا يتناقض بل يتطلب الى كل خطوة تقوم بها هذه الاحزاب الشيوعية التى لا يمكنها الا أن تنشأ وتتطور متعددة فى سبيل التضامن والتنسيق والتقارب ووحدة العمل والنضال المشترك والتحالف ، فبدون هذا العمل المشترك المتواصل لا يمكن الوصول الى الهدف البعيد .
وبطرح هذا العمال المتواصل لابد ان يطرح على بساط البحث امكانات واحتمالات ان يتخذ أشكالا خصوصية مثل قيادة مشتركة عربية (كومنترن عربي) لا تصدر قرارات ملزمة للحركة الشيوعية العربية بل تكون شكلا لتفاعل وتضامن وترابط الاحزاب الشيوعية العربية الثورية فالدور القيادي المشترك لهذه الاحزاب الشيوعية فى حاجة دائمة الى اشكال أرقى من العمل المشترك فى أطار محدد.
ان انصهار نضال البروليتاريا العربي ، انصهار نضال الشعوب العربية بقيادة البروليتاريا الثورية واحزابها الشيوعية الحقيقية ، يفسح المجال على المدى البعيد لانصهار هذه الاحزاب ولاندماجها فى حزب شيوعي واحد ، فلا يمكن ان تتحقق أمة اشتراكية واحدة الا باندماج وانصهار هذه الاحزاب الشيوعية من خلال النضال الطويل القادم ، ولكن هذا الاتجاه الاستراتيجي سوف يتحقق من خلال أوضاع معقدة ، فقد يندمج حزبان أولا ، أو يندمج اكثر من حزب وفقا لظروف النضال الثوري المشترك الذى قد يؤدي الى وصول شعب قبل غيره الى الاشتراكية والذي قد يلحق به شعب اخر أو اكثر لتتحد فى دولة وتشكل مستوي من انصهار واندماج اقسام من امة اشتراكية واحدة قادمة .
ولا يمكن تصور أن الكومنترن العربي سوف ينتقل تدريجيا الى حزب شيوعي عربي واحد ، فالكومنترن عمل مشترك وقيادة مشتركة لاحزاب متعددة لا يملك اصدار قرارات ملزمة لها ، اما اشكال الاندماج والاتجاة والوحدة بي حزبين او أكثر وبين الاحزاب فى المدي الابعد باعتبارها اعمالا وموقف واجراءات تنظيمية تستجيب لمستوى معين من انصهار نضال الطبقات العاملة التى تمثلها هذه الاحزاب الشيوعية المتعددة ، هى التى تؤدي فقط الى القرارات الملزمة لحزب شيوعي واحد.
ويجب ان يكون واضحا ان الاحزاب الشيوعية العربية التى نقصدها ليست احزابا شيوعية او جاهزة الصنع ، فالمراجعة اليمينية لم تضع احزابا شيوعية عربية يجدر بها هذا الاسم ، الامر الذى يخرج عن موضوع هذا الفصل من الكتاب ، ويحتاج الى مناقشة مستقلة قدمنا من قبل اشكالا منها فيما يتعلق بالحركة الشيوعية المصرية المنتحرة ، وقدمنا فى هذه العجالة نموذجا لخط يشدة الى الاعماق السحيقة ميل النكروفيلي فى نبش قبور الموتى ليقبع مقيدا الى جوار جثة تلك الحركة ، غير قادر على تجاوز أسسها الفكرية والسياسية والتنظيمية ونعنى بذلك خط الرفيق طه شاكر ، وفى هذا الفصل فقط تعرضنا لعينة من مواقف الحزب الشيوعي السوري باتجاهية البكداشي واللابكداشي ، ولابد فى الواقع من مناظرة واسعة النطاق ضد المراجعة اليمينية التى انتحرت فى بلادنا وضد المراجعة اليمينية المسيطرة داخل الحركة الشيوعية العربية فلا يمكن لحركة شيوعية ماركسية لينينية ثورية ان تأتى الا على ارض التجاوز الجذري لكل أسس الحركة الشيوعية العربية القديمة الجديدة ، المراجعة اليمينية . كما أن الخط الصينى ، الذي ايقظ العناصر الشييوعية الجديدة ذات يوم على واقع وحقيقة المراجعة السوفيتية والاتجاهات اليمينية العربية الدائرة فى فلكها ، قد انتهى منذ زمن الى نتائج شديدة الضرر والخطورة على تطور الحركة الثورية على اسس جديدة لان ذلك الخط اصبح يضلل هذه الحركة بدلا من ارشادها بالتورط فى مواقف غير ثورية بتغليب اشكال واساليب انتهازية يسارية بدلا من الصراع المبدئى فى مجال مقاومة المراجعة السوفيتية .
وفيما يتعلق بالقضية القومية العربية نستطيع ان نقول الان باختصار أن كهنة القومية العربية والامة العربية ، سواء أكان هؤلاء الكهنة من ادعياء الشيوعية العلمية ام من سدنة الفكر البرجوازي القومي ، كانوا قد وضعوا الامة العربية فى سماء بعيدة عن النقاش العلمى فاقمناها نحن على الارض وادمجناها فى القضايا الحيوية للثورة العربية ، وعندما يتعاملون معها تعاملهم مع فردوس مفقود جزأة الشياطين بصورة مفتعلة فاننا نجعل هذا الفردوس قضية المستقبل ونناضل من أجل هذه القضية العظيمة .
هوامش
بعض المصادر الواردة فى المتن هى : 1 – قضايا الخلاف فى الحزب الشيوعى السورى – دار ابن خلدون بيروت – الطبعة الاولى 1972 . 2 – لينين ، نصوص حول المسألة القومية ، ترجمة جورج طرابيشى ، دار الطليعة – بيروت ، الطبعة الاولى 1972. 3 – لينين ، حق الشعوب فى تقرير المصير – ملاحطات انتقادية على المسألة القومية – ترجمة رابطة الكتاب التقدميين ، منشورات دار النهضة الحديثة ، بيروت ، بدون تاريخ . 4 – ستالين ، الماركسية والمسألة الوطنية 1913 . اعتمد الكاتب على طبعة انجليزية . 5 – ف . افانسييف ، اسس الفلسفة الماركسية ، دار الفارابى بيروت 6 – عبد العزيز الدورى ، الجذور التاريخية للشعوبية ، دار الطليعة ، بيروت 7 50 عاما على تأسيس ح ع ش م الوثائق التأسيسية المجلد الاول ، ابراهيم فتحى ، دار المرايا ، القاهرة ، 2020 .

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي