فيرا وفرجينيا ونور النساء : ثلاث نساء ساعدن الانكليز على الانتصار على النازية

سمير حنا خمورو
2020 / 12 / 16

يروي فيلم "نداء للتجسس : حرية"Liberté : A Call to Spy قصة مثيرة لنساء خاطرن بأرواحهم وتدربن للعمل مع قوات الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية. لقد تم إرسالهن إلى شمال فرنسا لعرقلة تقدم القوات الألمانية. فعندما شعرت بريطانيا أن الخطر أصبح قريبا منها وان هتلر يخطط لعبور بحر المانش، خصوصاً بعد ان سقطت دول اوروبية الواحدة بعد الأخرى بيد الجيش النازي في اب/ اغسطس عام 1941. الفيلم مبني على قصص حقيقية لثلاث نساء من خلفيات مختلفة، جازفن بالتطوع للاتصال بالمقاومة الفرنسية ومساعدتها بتوفير والمال والسلاح، ونقل رسائل سرية عن أماكن وجود مخازن الأسلحة والانخراط في أعمال تفسد خطط العدو.

انتجت الشركات السينمائية المئات من أفلام التجسس عن الحرب العالمية الثانية. وهنا نتساءل لماذا لم يتم انتاج واخراج أفلام كافية عن النساء اللواتي عملن في التجسس؟ هناك أفلام معدودة أبرزها فيلم "نحتت اسمها بكل فخر" Carve Her Name with Pride اخراج البريطاني لويس جيلبرت، تمثيل فرجينيا ماكينا التي قامت بدور فيوليت زابو، الجاسوسة الفرنسية التي عملت لصالح المكتب التنفيذي للعمليات الخاصة. وهو فيلم عرض عام 1958. وتخبرنا الوثائق عن وجود عدد كبير من النساء لعبن دورا مهما في خسارة النازيين للحرب، ورغم ان قصص هؤلاء النساء موثقة جيدا بعد الحرب من قبل "فيرا أتكينز "، ضابطة المخابرات البريطانية، التي ساعدت في اختيارهن وتدريبهن، وقامت شخصيا بالتحقيق في مصير ثلث الجاسوسات اللواتي فقدن وقُتلن في الخطوط الخلفية بعد القبض عليهن.

الجدير بالذكر أن هذا الفيلم لم يتم إنتاجه داخل نظام استوديو هوليوود، فقد تم الإعداد له بشكل مستقل من قبل الممثلة "سارة ميغان توماس" ، التي كتبت السيناريو وانتجت الفيلم ومثلت دور فرجينيا هول ، واختارت "توماس" امرأة للاخراج هي ليديا دين بيلشر Lydia Dean Pilcher، التي أخرجت سابقًا فيلم (بنات الراديوم) Radium Girls و ورينو يجد والدته Reno Finds Her Mom. بيلشر لها خبرة كبيرة في أنتاج الافلام للسينما والمسلسلات للتلفزيون، وقد لجأت الى انتاجه وتصويره في بودابست، وفيلادلفيا ، وكلاهما يوفران ائتمانات ضريبية للإنتاج، خاصة العمل في بودابست لان كلفة الفنيين والمواقع والاكسسوارات هناك أقل بكثير مما لو صورته في لندن وباريس، وهوليوود. وعند مشاهدتي للفيلم، لم ار ما يعيب تصويره، فقد وفرت له مواقع شبيهة لمتطلبات الأماكن وزمن احداث القصة، من أزياء وسيارات مدنية وعسكرية وقطارات وطائرات، واكسسوارات مختلفة تعود لتلك الفترة .

يبدأ الفيلم الذي نحن بصدده بمشهد امرأة مقيدة وحولها عدد من الجنود والضباط النازيين في قبو مظلم ، تتعرض للتعذيب. انهم يطلبون منها الاعتراف لهم باسمها الحقيقي، فتقول كما قلت لكم؛ بريجيت، فيتم غطس راسها في سطل فيه ماء، ورغم ان المرأة تكاد أن تختنق، لكنها عندما يرفعوا راسها ويعاد السؤال نفسه، تكرر لقد حلفت لكم بحياة والدتي، اسمي بريجيت ..انها تحاول خداعهم بانها شابة بسيطة لا علم لها بما يتهموها.

ثم نرى نفس الفتاة على بايسكل صباح يوم ماطر تدخل الى بناية سفارة الولايات المتحدة الاميركية، تنتقل الكاميرا الى لقطة عامة متوسطة لواجهة بناية اخرى. تقف سيارة سوداء وتنزل منها امرأة جميلة وانيقة وتدخل إلى البناية، ونسمع احدى الموظفات تقول : إنهم ينتظروك ويعلن عن وصل "فيرا اتكينز"، وهي رومانية بالولادة ويهودية. من الناحية الفنية تعمل كسكرتيرة لرئيس قسم العمليات الخاصة الذي أستحدث منذ فترة قصيرة، العقيد موريس باكماستر (لينوس روش). يستقبلها المدير ، ويخبرها بتوجيهات "تشرشل"؛ يريد أن نقوم باختيار مجموعة من الشابات ليعملن كجاسوسات في فرنسا خاصة وان اربعة من جواسيسنا وقعوا بيد البوليس الفرنسي، لأن أحدهم احتفظ في جيبه بسكائر إنكليزية، ويقول المدير إنهم هواة. يكلفها أن تجد نساء مستعدات للعمل خلف خطوط العدو، "تأكدي من أنهن جميلات "، قال "وونك" المسؤول التنفيذي للعمليات الخاصة وهو يضع نظارة. تنظر فيرا نحوه بتحدي وتقول جميلات "لك أو للألمان ؟ ".

يركز الفيلم على ثلاثة شابات، "فرجينيا هول"، الاميركية التي كانت تحاول أن تصبح دبلوماسية لكن طلبها رفض مرارًا وتكرارا من قبل وزارة الخارجية، ولا تجد غير وظيفة كاتبة طابعة في سفارة بلدها في انكلترا، تشعر بالغبن وأنهم يمارسون ضدها التميز كونها امرأة ومصابة بإعاقة . نعرف انها قبل ان تاتي إلى بريطانيا كانت في فرنسا وعملت سائقة سيارة اسعاف وتتحدث اللغة الفرنسية.

والمرأة الثانية فيرا أتكينز (ستانا كاتيك) فهي تعمل ضابطة ولكن بشكل غير رسمي، ولم تكن مواطنة بريطانية ، وكانت قد هربت هي ووالدتها من رومانيا بسبب تزايد الخطر النازي في اوروبا قبل الحرب، فهي مدار شك دائم رغم "انها موصى بها من الاعلى" كما يقول مديرها، وعلى وجهها مسحة من الحزن بعد إبلاغها ان حبيبها "مفقود اثناء القتال". يتناهى الى سمعها بين فترة واخرى ملاحظات مؤلمة عنها من قبل بعض الضباط والشك باخلاصها. يناط بها مسؤولية اختيار والاشراف على الدفعة الاولى من النساء للعمل كجواسيس. والثالثة أميرة هندية نور النساء عناية خان (راديكا أبتي) الشابة الطيبة المسلمة التي تعمل مشغلة لاسلكي في القوات الجوية البريطانية. هي ابنة احد كبار شيوخ الطريقة الصوفية، أمها اميركية، ولدت في موسكو، وعاشت فيما بعد مع عائلتها في فرنسا، ودرست علم النفس (السايكلوجي) في جامعة السوربون، تعشق الموسيقى وتعزف أيضا، غادرت باريس قبل ان تحتل المانيا شمال فرنسا. وكانت نور شابة مسالمة لا تؤمن بالحرب ومتاثرة بوالدها.

تبدأ فيرا في البحث عن نساء لتجنيدهم وتدريبهن. في مساء أحد الأيام وهي تحضر حفل تقيمه السفارة الاميركية، يسترعي انتباهها شابة جميلة وواثقة من نفسها، تراقبها وتستمع لها وتعجب بحديثها وحيويتها، تقترب منها وتتحدث إليها، انها فرجينيا هول، تدعوها لزيارتها في مكتبها، وتكون خلال هذه الفترة قد جمعت معلومات عنها. تزور الشابة الأميركية فيرا في مكتبها، تسألها ما الذي جاء بك الى انكلترا وهي في حالة حرب ؟ تقول فرجينيا انها تحب السفر والتعرف على الناس وقد زارت عدد من البلدان ومنها فرنسا. تطرح فيرا عليها بعض الاسئلة الخاصة عن حياتها الشخصية ، مثل، لماذا لم تتزوجي وأنت جميلة، وبدورها تقول فرجينيا ضاحكة أستطيع أن أوجه لك نفس السؤال، وعندما تسألها هل لديك حبيب، تشير الى ساقها الخشبية التي تطلق عليها أسم أحد القديسين "كوثبرت" ! وتقول إنه لم يك رومانسيا بما يكفي، كيف لم تكتشف انها عرجاء ؟ ومع هذا تفاجئها، بأن بلدكَ لن يوظفك دبلوماسية، رغم ذكائك ! وهي تعرف ان هذا ما يحز في نفسها، و تدعوها لتنظم إلى نادي من نوع خاص، تستطعين ابراز مواهبك .

ومن ثم تختار فيرا "نور النساء عناية خان" المنحدرة من عائلة ملكية هندية ، لا تؤمن بالعنف، تعمل على جهاز اللاسلكي وكانها تعزف، الكل يمتدحها لدقتها وسرعتها وهي متواضعة ومتفوقة في عملها. يستغرب رئيس المكتب هذا الاختيار ويعترض أول الأمر، ويعتبر مع أخرين أن هدوء وطيبة نور وأنطوائها نقاط ضعفها. لكن فيرا تقنعه انهم بحاجة إلى شخصية مثلها للعمل على جهاز اللاسلكي في القسم الجديد، وخاصة هي تعرف فرنسا وتتكلم اللغة الفرنسيّة.

تطلب فيرا منهن الالتحاق للتدريب الميداني بأحد القصور في الريف الأسكتلندي الذي يستخدم كمقر لإعداد الجواسيس الجدد، ونجد الشابتين يجلسن على المقاعد لتعلم قواعد واساليب التجسس مع اخرين. تطلب منهن ان لا يفشين لزملائهم باسمائهن الحقيقية، وتختار لفرجينيا أسم بريجيت، و لنور النساء أسم مادلين، وأثناء المحاضرة يشرح الضابط للتلاميذ مهمتهم، ويقول هدفكم سيكون التسلل والاتصال بالمقاومة الفرنسية وبناء شبكات متعددة لجمع المعلومات والقيام بعمليات التخريب وتفجير مقرات العدو وإعاقة القوات الألمانية المحتلة، وتعطيل وصول الإمدادات العسكرية إلى القوات ، وايضا التدريب العملي على القتل لو تطلب الامر ذَلِك. أن يكونوا على حذر والتلفت المستمر حولهم ، خوفا من أن يكونوا مراقبين ، وصعوبة التأكد من الذين تتعاملوا معهم وهل يمكن الوثوق بهم ، مدركين طوال الوقت أن أي شخص قد يخونكم ويتخلى عنكم ويُّضحي بكم. وفِي المساء نجد الشابتين في غرفة واحدة ، تشكو "نور النساء" لزميلتها انها تجد صعوبة أن تتقبل بعض الدروس مثل ان تكذب او تقتل فهذا ضد ما تؤمن به، تطمئنها فرجينيا بأن كذبها سيؤدي إلى نهاية الحرب واحلال السلام.

نعود إلى المشهد التعذيب الاول الذي شاهدناه كافتتاحية للفيلم، تدخل فيرا وتفك وثاق فرجينيا، التي كانت تعتقد انها خطفت من قبل الجستابو، تهنئها على صلابتها، ونجاحها في الاختبار. ان مشهد تعذيب مروع، مصمم لإعداد النساء لهذا النوع من المعاملة قد يواجهونه إذا أسرهم الجستابو.

وبعد تدريب قصير ترسل "فرجينيا هول" الى مدينة ليون كصحفية تعمل في جريدة نيويورك بوست
وتقول فيرا " في أي شيء يشك أحد في أن مراسلة أمريكية جميلة تعاني من العرج. "، وهناك يكون صلة إتصالها الأول كما أخبروها بالدكتور الفرنسي شوفان (روسيف ساذرلاند)، احد اعضاء المقاومة، وتبدأ حالا بإجراء الإتصالات برجال ونساء المقاومة الفرنسيّة. وتعمل على إنشاء مراكز سرية للمقاومة المتزايدة، وتطلب من لندن إرسال المزيد من الأموال والسلاح لهم، وتنشط في جمع المعلومات عن الجيش الالماني والفرنسيين المتعاونين معه وارسالها الى لندن. وبعد فترة يخبرها الطبيب ان احد الجواسيس الإنكليز المهمين حالته خطرة وهو مصاب بساقه، ولا يمكن نقله للمستشفى وأن اصحاب البيت الذين يختبيء لديهم يطالبون بنقله، لأن الشرطة الفرنسيّة كثفت من عمليات البحث عن رجال المقاومة والجواسيس، بسبب إزدياد عمليات الاغتيالات، وتسرب المعلومات، والبيت معرض للتفتيش في اي لحظة. تجد مساحة صغيرة تصلح لهبوط طائرة صغيرة ليلا، وترسل احداثيات المكان باللاسلكي الى لندن. يستدعي رئيس العمليات الخاصة فيرا ويطلب منها ان تسرع بتهيئة نور للذهاب مع جهاز لاسلكي الى ليون، تعترض بشدة، بأنها لم تستكمل التدريب بعد، وهذه مهمة خطرة ولكنه يقول لها هذا أمر، ويخبرها انهم بحاجة لها هناك لأن العميل الذي يعمل على اللاسلكي انقطعت اخباره. تشرح فيرا المهمة لنور وتخبرها انها تستطيع ان ترفض، ولكن نور تبدي تصميمها ورغبتها على المساعدة في محاربة شر النازية، وتجد انها فرصة لتقدم شيئاً الى بلدها ، وأيضًا لإظهار ما يمكن للهنود تحقيقه (في العصر الإمبراطوري الأبوي والعنصري).
وقبل ان تلتحق نور بمهمتها الخطرة، تذهب لتودع والدتها، وتسالها الى اين يرسلونك هذه المرة، تجيب انت تعرفين يا امي انه من غير المسموح لنا التحدث عن ذلك وتحاول الام بحنان ان تقنعها ان تبقى ولا تعرض نفسها للمخاطر وهي ابنتها الوحيدة، تقول لها ان احلال السلام في العالم يحتم عليها القيام بواجبها. وتخرج والدتها لتودعها امام الباب وتستدير نور وتسير والكاميرا تتبعها من الامام لفترة وهي بملابس عسكرية وفِي خلفية المشهد الأم تنظر اليها بألم، مما يوحي هذا المشهد الثقيل للمتفرج الإحساس كأنه الوداع الاخير.

عندما تصل الطائرة ليلا، لإعادة العميل كانت مفاجاة لفرجينيا وصول (نور) مادلين مع حقيبة لاسلكي وتضطر أن تطلب من صاحبة البيت أن تسمح لنور بالسكن في غرفة العميل الجريح نفسها هذه الليلة، ريثما تبحث لها عن مكان آمن. ومن ثم يتم إسكانها عند امراة عجوز متعاطفة مع المقاومة، وتبدي نور شجاعة وتنشط في ارسال المعلومات عن العدو الى فيرا، ولكن يتم رصد اشارة لاسلكية من قبل سيارة شرطة فرنسيّة تتجول في المنطقة، يحددون مصدرها، تتوجه الشرطة نحو البيت، يطرقون الباب وتتباطأ العجوز في فتح الباب، يقتحمون البيت، ويسألونها من يسكن لديها وهل لديك جهاز لاسلكي؟ ولكن مادلين تستطيع التسلل والهروب، لتنتقل الى مكان اخر.

وسرعان ما تطورت فيرجينيا إلى زعيمة مقاومة متحمسة ، حيث تتخذ قرارات بمهاجمة القوات النازية والاتصال بالمدنيين وحثهم على التمرد. تصلها معلومات ان قطارًا محملًا بشحنة كبيرة من الاسلحة سيصل الى القوات النازية، فتقرر دعوة رجال المقاومة للاجتماع ليلا وتخبرهم بقرارها بتفجير خط الإمداد، ولكن البعض يرفض قرارها ويطلبون دراسة الموقف، وأنها هنا لمساعدتهم وليس لاتخاذ قرارات خاصة، ان تنفيذ مثل هذا العمل ليلا فيه محاذير لأن القوات الألمانية أعلنت منع التجول. ولكن هذا لا يثنيها تقول لهم بحدة يجب نسف السكة الحديد الليلة، لان شحنة كبيرة من الاسلحة ستصل للنازيين . وبالفعل تتحرك مجموعة في جنح ظلام لزرع متفجرات على السكة، وتشعر شرطة الحراسة بوجود حركة فتطلق صافرات الإنذار. ينسحبون متفرقين بعد نجاحهم في نسف السكة اثناء مرور القطار . تطاردهم الشرطة يتم قتل بعض زملائها والقبض على أخرين، وفِي احد الشوارع يصادفهم شرطي يطلب منها وزميل معها ان تتوقف وعندما يقترب الشرطي، يهاجموه ويقتلوه . يقوم الجستابو بتعذيب الذين ألقي القبض عليهم وبسبب الاعترافات يتم تفكيك والقبض على العديد من الخلايا.
ومع وصول ضابط الجستابو كلاوس باربي "جزار ليون" وهو من بين أكثر قادتهم وحشية ، يكثف من عمليات التفتيش عنها ، واصفاً إياها "بالسيدة العرجاء" وبأنها أخطر الجواسيس العاملين لحساب الحلفاء. وتنتشر صورها المعلقة في كل مكان ويعرض مكافأة لمن يدلي بمعلومات عنها، تطلب فيرا منها ان تنسحب وتعود بسرعة. تذهب لمحطة القطارات لشراء تذكرة وقد غيرت القليل من ملامحها. تجد صورتها معلقة امام بائع التذاكر، يمعن النظر فيها وفِي الصورة، لحظات ترقب، ولكن البائع يغض الطرف، تركب القطار نحو اقرب مدينة للحدود الفرنسيّة الاسبانية، وعندما تصل يستقبلها دليل ليساعدها في عبور جبال بيرينيه المغطاة بالثلوج، رحلة شاقة لامرأة بساق خشبية تسير في ممرات صعبة باصرار وعزيمة وهي تئن من الألم الشديد المستمر الذي تسببت فيه ساقها الاصطناعية. تقطع مسافة تقدر بحوالي 56 كيلو مترًا حتى تصل الى الجانب الاسباني .

تتلقى نور (مادلين) طلب ان تترك مكانها وتستقل القطار إلى باريس. أخطر مهنة أن تتحرك ومعك، أدلة أدانتك، تركب القطار، وهي قلقة، ولإضافة شحنة من الترقب والخوف، يتوقف القطار فجأة في منتصف الطريق ويصعد رجال الجستابو ويطلبوا من جميع المسافرين النزول مع حقائبهم وتركها على الأرض ويبدأ التفتيش. تقف نور مع المسافرين متوترة وخائفة والجستابو يقترب من حقيبتها وهنا يصرخ احدهم ألقينا القبض عليها ونرى امرأة من المقاومة يحيط بها اثنين من عناصر الجستابو، ويأمر رئيسهم المسافرين أن يلتقطوا حقائبهم ويعودوا للقطار. يتم توفير ملجأ لها في باريس وتعمل بهمة على استلام وايصال الرسائل والمعلومات عن سلطات فيشي والجستابو، ويتبين لمركز إدارة العمليات التنفيذية الخاصة مدى أهميتها، فبعد أن كان عليها أن تبقى ستة اسابيع وتعود تستمر في العمل لمدة ثلاثة أشهر . وفِي هذا الاثناء يتم القبض على الخلية التي تعمل معها. يصبح وجودها في المخبأ خطر على حياتها، وقبل ان تهرب ترسل للمكتب تشرح لهم ما حصل. يداهم الجستابو المكان وتنجح في الهرب حاملة معها حقيبة صغيرة، تسير واثقة وهادئة، في وقت تشاهد النازيون يطلقون النار على أحد أعضاء خليتها، على قارعة الطريق.
لا تعرف اين تذهب، تبقى مشردة تتنقل من مكان إلى آخر، تتجنب بصعوبة القبض عليها. ولأيام تنام على الأرصفة بالقرب من نهر السين، وبالصدفة تتعرف عليها احدى الفرنسيات من معارفهم أيام الدراسة وهي جالسة حائرة على السلالم، تتعانقان وتطلب منها أن تساعدها للمبيت عندها لأنها لا تعرف الى أين تذهب، وهي جائعة، ترحب الفتاة بها وتستأنف إرسال الرسائل. يكتشف بالصدفة أخ الفتاة حقيبة اللاسلكي تحت السرير ويذهب للوشاية بها طمعا في الجائزة المالية لمن يدلي بمكان وجودها، يقبض عليها الجستابو ويجدوا مع اللاسلكي الشفرة، ترفض الإفصاح باسمها الحقيقي والاعتراف على بقية زملائها. يطلبوا منها أن تتعاون معهم، بأن تستمر بارسال معلومات مضللة الى لندن ولكنها تمتنع بقوة. يبدأوا بتعذيبها، وبعد صمودها البطولي يقول أحد الضباط لسنا بحاجة لها، معنا الشفرة، وفِي مقر المخابرات في لندن وهم في حالة قلق لأنقطاع رسائلها، وبعد ايام قليلة تصلهم رسائل، فيبتهج كل من في المكتب، تسرع فيرا لدراسة الرسائل وتقول انها ليست منها. نور كانت تعمل أخطاء متعمدة بإضافة حروف الى الشفرة، وتقول بألم ان نور وقعت بيد العدو. ينقل الجستابو "مادلين" الى معسكر داخاو Dachau وهو أول معسكر اعتقال أنشأه النظام النازي يقع على بعد 17 كم شمال غرب ميونيخ. وقبل نهاية الحرب بسنة، في 13 ايلول / سبتمر عام 1944 يقوم احد الضباط الالمان باخراجها من زنزانتها الى باحة السجن ويطلق عليها رصاصة في العنق وقبل ان تموت تنطق بكلمة واحدة ؛ حرية. كان عمرها 30 سنة.

وبعد وصول فيرجينيا الى لندن، تصر على العودة الى فرنسا لمزاولة عملها التجسسي مرة ثانية، وتجابه فيرا رئيسها العقيد باكماستر، بقوة مطالبة أن يتخذ قراراً واضحًا ويعمل على منحها الرتبة التي تستحقها والجنسية الانكليزية، وإلا فهي مستقيلة من عملها، وفِي اليوم التالي تعود فير إلى مكتبها وتجد بدلة الضابط ورسالة بمنحها الجنسية. ينتهي الفيلم، والحرب العالمية الثانية لا تزال مشتعلة، دون أن يتطرق العمل إلى باقي مراحل حياة فرجينيا وبذلك تكون اول جاسوسة ميدانية يتم إرسالها إلى فرنسا.

السرد السينمائي نجح في تشكيل بطولة جماعية، انه فيلم كلاسيكي من افلام التجسس، تتحرك المشاهد بسلاسة ذهابًا وإيابًا بين قصص النساء الثلاث، فيرا ، فيرجينيا ونور النساء. وكل خيط من قصة احدهن مرتبط بدقة بالاخريات. نجحت المخرجة في خلق جو من التشويق والترقب لمواجهات تبدو قريبة في كل مرة يقترب فيها النازيون من البطلات. حركة الكاميرة سَلسلة وجميلة ، والتصوير يخدم الموضوع، واختيار اللون الداكن الذي صور به المشاهد، منح المواقع القِدم المطلوب، والشريط الصوتي ساهم في نقلنا الى تلك الفترة عن طريق استخدام بيانات تذاع من الراديو والموسيقى التصويرية المرافقة للاحداث ساهمت في شد المشاهد، وادت الممثلات الثلاث ادوارهن ببراعة، وكان لاختيار ممثلة بريطانية هندية لتجسيد دور "نور النساء" اعطى الشخصية قربا من الواقع. رغم التزام كاتبة السيناريو بالحقائق التاريخية الأساسية في حياة بطلاته، وتطورات مسار كل منهن في العمل السري، فإنها لا تفعل ذلك بالصرامة نفسها، عندما تتناول تفاصيل العلاقات التي ربطت بينهن. فرغم أن نور النساء عَمِلَت تحت إمرة فيرا، فإنها لم تشترك مع فرجينيا في الإقامة في غرفة واحدة خلال فترة تدريبهما على العمل الاستخباراتي، كما لم تلتقيا بعد ذلك في ليون، وأن فيرا عَرِفَت فرجينيا بالفعل، لكنها لم تجندها كما ظهر في العمل، وان هذا التغير هو من اجل تحقيق السرد الدرامي.

الفيلم بطولة سارة ميغان توماس ، ستانا كاتيك ، راديكا أبتي، لاينوس روش، روسيف ساذرلاند، صمويل روكين، مارك ريسمان، التصوير السينمائي روبي بومكارتنر ومايلز كودال، تأليف الموسيقى ليلي ريبيكا ماكدونا، مونتاج بول توتيل، زمن الفيلم 123 دقيقة.

تم عرض فيلم نداء للتجسس لأول مرة في 21 حزيران/يونيو 2019 بمهرجان أدنبرة السينمائي الدولي ، وعرض في دور السينما بالولايات المتحدة في 2 تشرين الاول/ أكتوبر 2020 ، ولاقى الفيلم استحسانًا كبيرًا خلال عرضه . حيث تم الإشادة بالاخراج والاداء الجيد للممثلات الثلاثة. ويمكن طلب مشاهدته في الفيديو على المنصات الافلام. حصل الفيلم على جائزة من تحالف الصحفيات السينمائيات. وعلى جائزة رابطة مناهضة التشهير في مهرجان سانتا باربرا السينمائي الدولي لعام 2020 بإجماع لجنة التحكيم. وايضا من مهرجان ويسلر السينمائي.