نقض نظرية المعرفة لدى أفلاطون

هيبت بافي حلبجة
2020 / 12 / 16

بعدما إنتقدناه في ثلاثة قضايا ، في مفهوم الدالة الفارغة مابينه ومابين هوبز ، في إشكالية الوجود ، في معضلة المثل ، نحبذ أن ننتقده في أساس نظرية المعرفة لديه . ذلك الأساس الذي قد لايبدو هكذا سهلاٌ كما يتوهم البعض ، فأفلاطون يمزج ، من بعيد ، مابين الوجود والمعرفة ، مابين العقل والتصور ، مابين الشيء وحقيقته ، مابين الفعل والصيرورة ، مابين السيرورة والديالكتيك ، مابين الديالكتيك الصاعد والديالكتيك النازل . لذلك ينبغي أن نبحث ، بتمعن زائد ، في تلك الأسس التي أشكلت في ذهنية أفلاطون ، نفسه ، وجعلته ينظر إلى القضايا بتلك الطريقة التي إنتهجها . ولكي ندنوا أكثر من جوهر أفكاره من الضروري أن نعين محتوى أربعة مجموعات من الفلاسفة والمفكرين في خصوص الوجود والمعرفة معاٌ .
المجموعة الأولى : في موضوع العلاقة مابين الخالق والمخلوق ، في موضوع العلاقة مابين الخالق والوجود والمعرفة ، في موضوع إن وجودنا وبالتالي معرفتنا هووجود لم يكن أبداٌ إنما كان بفضل إله الكون الذي قال كن فيكون ، هو وجود وماخلقت الجن والأنس إلا ليعبدون ، هو وجود زائل بالضرورة وإلا لكان جزءاٌ من إله الكون ، وهذا مرفوض بالمطلق من الخالق . كما إنه وجود مصادراٌ ، لاقيمة فيه ، ولاقيمة له ، حتى إن خصائصه ، إن وجدت هذه الخصائص حسب هذا المفهوم ، هي ملكات من الخارج ، هي تابعة لإرادة مزاجية لاندرك منها شيئاٌ . كما إنه وجود قد يتحول ، في كل ثانية ، إلى العدم ، إلى لاشيء ، كما لم يكن شيئاٌ فيما قبل وجوده ، كما يمكن أن يخلق مرة ثانية ويفنى ، ومرة ثالثة ورابعة ومليون ، فلامعيار ولامنطق ولاشيء . فوجود مسلوب سلباٌ تاماٌ بهذا الشكل لايتضمن أي علاقة حقيقية مابينه ومابين المعرفة ، فإحساسنا وعقلنا ليستا ، في النهاية ، إلا أدوات لكي نتمكن من الإستمرار في العيش المفروض علينا . فالوجود الحقيقي هو الوجود الإلهي ، والمعرفة هي خاصية إلهية ، والعلم هو العلم اللدني الإلهي . وهكذا وجود وهكذا علم ومعرفة مرفوضان في تأصيلهما .
المجموعة الثانية : في موضوع إن الوجود هو تصور عقلي ، تصور ذهني ، هو ليس إلا لاوجوداٌ ، ليس إلا ظلالاٌ ، ليس إلا محاكاة ، ليس إلا هو ليس إلا . وإذا كان إله الكون هو الذي ، في الحالة الأولى ، قد صادر حقيقة الوجود والمعرفة بإرادته ، فإن الإنسان ، في هذه الحالة ، قد صادر حقيقتهما بوعيه . وهذا يشكل مصدراٌ لعدة إشكاليات ، الأولى إن الوعي البشري هو الوعي الوحيد في الكون ، وهو يلغي أي وعي آخر ، وينفي وجود أي كائن آخر . الثانية إن العلاقة الفعلية الأصيلة في الوجود هي مابين وعي الإنسان ومابين ماتبقى من الأشياء والموجودات . الثالثة إن الوعي البشري هو الذي يحدد العلاقة مابين الوجود والمعرفة . إن هذه الفرضيات هي كلها كاذبة ، لعدة أسباب نذكر منها السبب الآتي ، وهو إن الوجود البشري حديث الولادة في الطبيعة فهو لم يلد إلا أمس في حين إن الوجود قد سبقه ببليارات بليارات من السنين إن لم يكن أكثر بكثير بكثير ، أي إن الوجود الحقيقي الأصيل غير مرهون لا له ، ولا لوعيه ولا لإلهه المزعوم .
المجموعة الثالثة : في موضوع الإغتراب والإستلاب ، في موضوع دورة الكمال التاريخي ، في موضوع مراحل هذه الدورة . فالمرحلة الأولى حيث الجنة والفردوس ، المشاعية الأولى ، التاريخ النقي البسيط ، لا ألم ولا كبد ولا إستغلال ، مساواة أولية ، عدالة أولية ، لاقوانين لافيزياء لارياضيات لاكيمياء ، الفكرة المطلقة والوعي المطلق ، النفس في المثل . المرحلة الثانية ، حيث الجحيم والجهنم ، حيث مأساة أبليس ، الخطيئة الكبرى ، الألم والمعاناة والظلم والقهر والإستبداد والإستعباد ، ماتحت الشعور والآنا والهو ، ضياع الفكرة المطلقة ، تجسد النفس في الجسد ، الرذالة والشهوة ، وأصفاد المادة . المرحلة الثالثة عودة تلك الأشياء إلى أصولها ، عودة الفردوس والجنة ، الإرادة المطلقة في الإشتهاء ، المساواة الأبدية مابين الإنسان والإله ، خلود الإنسان ليصبح هو الإله الجديد ، وربما يتحول إله الكون ، عندها ، إلى صنم ، إلى جوبيتر ، إلى زهرة ، إلى اللات والعزة ، ويندثر الإبليس .
المجموعة الرابعة : بعكس الحالات الثلاثة السابقة والتي نرفضها جملة وتفصيلاٌ ، فإن هذه الحالة ، والتي نحن من أنصارها ، تخص موضوع إن هذا الوجود ، الذي هو كما هو ، إما إنه هو الوجود النهائي الكلي ، إما إنه جزء حقيقي وأصلي وأصيل من الوجود النهائي الكلي . وفي الحالتين يتمتع هذا الوجود بالآتي : أولاٌ إن هذا الوجود هو وجود واقعي ، يتطور ، يتفسخ ، يتفاعل ، يأخذ أشكالاٌ عديدة ومتعددة . ونذكر هنا إن ماسمي ، جهلاٌ وسخافة ، بالمسألة الأساسية في الفلسفة ، أيهما سبق الآخر ، الوعي أم المادة ، لاقيمة فعلية لها وهي مسألة مصطنعة مخترعة كأختراع الإنسان لإله الكون . فكلاهما ، أي المادة والوعي ، إن وجدا هما نفس الشيء في الكون ، أو كلاهما حالات متفارقة لموجودات الوجود . ثانياٌ إن هذا الوجود يمارس ذاته بذاته ولذاته ، فهو يمارس فيزياءه ورياضياته وكيمياءه ، ويخلق قوانينه المقرونة بوعيه وبمطلبات تطوره . ثالثاٌ إن هذا الوجود يتمتع بخواصه البنيوية لذاته وفي ذاته ، فلا أحد يفرض عليه شيئاٌ ، ولا أحد يصادر منه شيئاٌ . رابعاٌ إن هذا الوجود يتمتع بوعي خاص به ، ويتمتع بإرادة خاصة به ، وهو قادر أن ينتقل من حالة إلى حالة أرقى ، كما إنه ، وهذا هو الرائع في الوجود والكون ، إنه ينقل هذا الوعي وهذه الإرادة إلى كائناته ، بل وإلى أعضاء كائناته ، مثل عضو الجلد والكبد ، بل إلى كل خلية في الجسم الإنساني . خامساٌ إن هذا الوجود يتطور ويخلق قوانيناٌ تناسب وجوهر التطور في أي مرحلة كانت . ونستنتج من كل ماسبق إن : لاتوجد قوانين سرمدية أبدية منذ الأزل ، ولاتوجد إرادة غائية خارجه .
بعد هذه الإطروحات الأربعة ، نفقه مدى الإشكالية لدى أفلاطون في موضوع نظرية المعرفة :
المقدمة الأولى : ثمت فكرتان لم يستطع أفلاطون أن يتخلص من أبعادهما ، الفكرة الأولى هو موضوع النظام في الكون والوجود ، فرأى إنه منظم ومرتب بصورة دقيقة ، وكأنه أية من أيات الجمال نفسه ، ومن الإستحالة بمكان أن ينعقد هذا الرونق والجمال والنظام من خلال علل إتفاقية ، عرضية ، علل أتت ، هكذا ، لتتوافق معاٌ ، ولتتغايا معاٌ في سبيل خلق هذه الحالة الفريدة . وإذا إنتفت هذه الفرضية ، فلا مناص من علة عاقلة ، علة ناظمة ، علة حقيقية ، علة بالضرورة خارج هذا الوجود . الفكرة الثانية هو موضوع الخلق من العدم ، فرأى إن العدم لايمكن أن يكون قابلاٌ أن يصدر منه الوجود حتى لو كان ذلك نتيجة إرادة إله الكون نفسه ، لإن العدم ، حسبه ، ليس إلا ليس ، وماهو ليس لايمكن أن يدرك ( بضم الياء ) ، لايمكن أن يعرف ( بضم الياء ) ، لايمكن أن يولد شيء منه .
المقدمة الثانية : ثمت فكرتان أساء إفلاطون فهمهما ، الفكرة الآولى هو موضوع الجمال ، يرى إفلاطون إن جمال الشيء لايستقر في المعرفة البشرية ، ولا يتناسب مع إختلاف وتباين رغبات وميول ماهو هذا وماهو ذاك ، فهذه القضايا الأخيرة هي نسبية بالضرورة ، في حين إن الجمال ، كمفهوم ، هو من المعاني الكلية المجردة ، تلك المعاني التي ترسم ( بضم التاء ) دائرتها من خارج حدود منافذ الإنسان ، والإنسان لايكتشف القيمة الجمالية بمعاييره الخاصة ، إنما هو يطابق مابين جمال هذا الشيء ومابين مثله الحقيقي الفعلي الذي تعرفت عليه النفس سابقاٌ ، هذا المثال هو معياري نتعرف عليه من خلال تلك الأشياء التي تماثله . الفكرة الثانية هو موضوع التجربة البشرية ، والعلاقة مابينها ومابين مفهوم العلم ، يرى إفلاطون إن العلم هو مرهون بعالم المثل ، فكلما إقتربنا من عالم المثل ، كلما إقتربنا من موضوعات العلم ، وهذا الإقتراب مرهون ، ومرهون فقط ، بمدى تذكر النفس ، أي نفسنا ، للمثل . أي ، وبتعبير أدق ، كلما تذكرت نفسنا المثل من خلال الأشياء ومحتوياتها ، كلما إقتربنا من المصداقية الفعلية للعلم ، وهذا هو جوهر ما تسمى بالتجربة البشرية لديه .
المقدمة الثالثة : لو أحدجنا البصر في تلك الإطروحات الأربعة ، أي إن ثمت إله للكون ، عدم إمكانية الخلق من العدم ، إن المعاني الكلية المجردة هي موجودة في عالم المثل ، إن العلم هو مرهون بتلك المثل ، لبدت لنا إطروحتان ، لديه ، بمعالم واضحة ومدركة . الإطروحة الأولى إن النفس كانت ، في حالة ما ، في عالم المثل ، تعرفت على حقيقة الأشياء ، تعرفت على جوهر العلم ، تعرفت على أسرار إله الكون . ثم لسبب يجهله أفلاطون ، لسبب لاسبب له ، إغتربت وإستلبت وإنحطت من عالم المثل إلى عالم الظلال ، ونست كل ماتعرفت عليه هناك . وفي عالم الظلال والظل ، عالم الإنحطاط والإغتراب ، حينما وقعت بصرها على الأشياء إستردت وتذكرت حقيقتها في عالم المثل . الإطروحة الثانية إن المعرفة لايمكن أن تكون مرهونة بأعضاء الحواس ، فالمعرفة هي المعرفة العقلية ، أي المعرفة المرهونة بالعقل وحده . وهذا ماسبب له إشكالية أصيلة ، وهي هل بالعقل ، كأداة للمعرفة ، نبدأ ندرك الأشياء خطوة خطوة ، أم به نكتشف حقيقة المثل ، وما قيمته في موضوع تقر وتبت به النفس ، فالنفس ، حسبه ، هي التي كانت في عالم المثل . لذلك فإن المعرفة العقلية لديه هي معرفة تصورية .
المقدمة الرابعة : في موضوع عالم المثل ، حيث هي معاني كلية مجردة تتمتع بالخواص التالية : الخاصية الأولى هي مثل خارج دائرة الزمان والمكان ، أي لايحدها حد ولايقيدها زمن ولايشرطها شرط . الخاصية الثانية هي مثل لامادية ، أي جواهر تصورية غنية عن شرط وجودها . الخاصية الثالثة هي تمتلك عناصر وجودها بصورة ذاتية ومنفصلة ، وتمنح الأشياء شرط وجودها ، أي إنها مستقلة ، في وجودها ، عن كل الأشياء ، كما إنها علة وجود تلك الأشياء . الخاصية الرابعة هي مثل ثابتة تامة مطلقة أبدية ، لاسيرورة لها ولاصيرورة فيها .
المقدمة الخامسة : في موضوع وجود الأشياء ، حيث إنها تأتلف من مبدأ المادة ومن مبدأ الصورة . والمادة هي لاشكل لها ولاقوام ولاصورة ، وهي في الحقيقة لاتتمتع بأي صفة ، وهي ليست إلا مصطلحاٌ يفرض ضرورته على فكر إفلاطون ، لكي يمكن للشيء أن يتحول إلى ذاته من خلال إنطباع الصورة فيها . وأما الصورة فهي ، ومن خلال عالم المثل ، تضفي على الشيء حقيقته الفعلية وشكله النهائي من خلال المادة ، والشيء هو لاشيء ولايتحول إلى نفسه إلا إذا إقترنت صورته بمادته . فهو في الغياب ، ولايمكن أن يكتسي حقيقته الإنطولوجية إلا إذا إنطبعت صورته على مادته ، وهكذا لكل شيء صورته الخاصة ومادته الموازية .
نكتفي يهذا ، ونعترض على ذلك من خلال التالي :
أولاٌ : في موضوع النفس البشرية ، إذا كانت النفس موجودة في عالم المثل ، وتعرفت على كل شيء ، ومن ثم إنحدرت إلى العالم السفلي ، فإن هذا يخلق عدة إشكاليات قاتلة : الإشكالية الآولى كيف يمكن ، وحسب أفلاطون ، لوجود حقيقي أصيل ، وهو النفس ، إن يهجر عالماٌ حقيقياٌ أصيلاٌ ، وهو عالم المثل ، إلى عالم لاوجود له أصلاٌ ، وهو عالمنا ، أي إلى عالم الوهم ، عالم الظل والظلال ، نظرية الكهف . الإشكالية الثانية رغم الإشكالية الأولى إذا كان الوجود الحقيقي والفعلي هو وجود عالم المثل حيث الآلهة والنفس البشرية وكافة المعاني الكلية المجردة فكيف يمكن أن يوجد عالمنا ، وهو من حيث الأساس ، لاوجود لا وجود له ، أن توجد أرض من المفروض ألا تكون موجودة تأصيلاٌ ، أن يوجد لاوجود حتى لو كان وهماٌ وظلاٌ . الإشكالية الثالثة رغم الإشكاليتين السابقتين لايوجد سبب ، حتى لو كان سخيفاٌ وتافهاٌ ، أن تنحدر النفس من عالم المثل إلى عالم الأرض ، ان تغترب من عالم الوجود إلى عالم الوهم ، من الوجود إلى اللاوجود . الإشكالية الرابعة رغم الإشكاليات السابقة كيف يمكن لوجود أن ينحل في اللاوجود رغم التناقض في طبيعتهما ، فالنفس تتمتع بوجود فعلي حقيقي في عالم المثل فكيف أصبحت طبيعتها على الأرض ، هل حافظت عليها ، أي تعايش وتحايث وتماهى الوجود مع الوهم ، وهذا محال وتناقض ، هل فقدتها ، أي أصبحت النفس بذاتها وهماٌ ، حينها ينتهي إفلاطون وينتهي العالم والكون والوجود ، وننتهي إلى عالم الوهم . الإشكالية الخامسة رغم الإشكاليات السابقة كيف تحقق إفلاطون ، وهو وهم ، حسبه هو ، من وجود وجود حقيقي فعلي ، وهو عالم المثل .
ثانياٌ : إذا كانت النفس البشرية قد تعرفت على حقيقة الأشياء وعلى حقيقة العلم في عالم المثل ، ثم لما إتحدت مع الجسد نسيت ذلك العلم وتلك الأشياء ، ومن ثم أستردت حقيقتها وحقيقته كلما شاهدت ماهو شبيه تلك الأشياء أو كلما سنحت الفرصة ، فإن واقع التجربة البشرية وتطورها تناقضان هذه الرؤيا . أي إذا صدقت تلك الفرضية فمن الضروري ألا تكذب النفس علينا وأن تصدق فيما تنقله لنا ، لكن نجد إن التطور العلمي قد حدث بعد أحداث دموية وإعدامات شملت الفلاسفة والمفكرين ، ويكفي أن نذكر إن النفس لم تخبرنا هل الأرض هي مركز الكون ، أم هي الشمس ، أم لايوجد مركز على الإطلاق . ثم ماهي حقيقة الآلهة ، أليس من المفروض أن تخبرنا النفس بوجوده أو عدمه دون أن نحتاج إلى فرضيات وبراهين مثلما فعل إفلاطون بنفسه في برهان النظام . ثم هل تستطيع النفس أن تخبرنا ، الآن ، ماهي حقيقة كوننا هذا ، أم إنها قد أخبرت إفلاطون إن عالمنا وهم ، ولماذا أخبرته ذلك ولم تخبر ماركس به .
ثالثاٌ : إذا كانت النفس قد إتحدت مع الجسد ، فكيف حدث ذلك ، كيف يتحد الوجود مع الوهم ، ولماذا يكون الجسد موجوداٌ أصلاٌ وأساساٌ ليقبل بها ويحضنها ، وهل إحتاجت النفس إلى الجسد ، وهل إحتاجت إليه ليكون محل إغترابها ومسخها وتشويهها . وبعد أن يفنى الجسد هل تعود النفس إلى عالم المثل ، إلى عالم العلم اللدني والمعرفة المطلقة والوجود الأبدي .
رابعاٌ : إذا كان إفلاطون يرفض مبدأ الخلق من العدم ، فإن وجود عالم المثل لايقبل فرضية سوى هذه : إنه جزء من الآلهة ، وإلا ، إذا لم يكن ، كان إلهاٌ مستقلاٌ بحد ذاته ، لإنه أبدي مطلق غير مخلوق ، ووجوده غير مشروط بشرط ولامحدد بمكان ولامحدود بزمان ، ولايرتهن في وجوده على أي وجود آخر ، بل ترتهن الأشياء ، حسب إفلاطون نفسه ، في وجودها على وجوده .
خامساٌ : إذا كان إفلاطون يقيم برهاناٌ على وجود الآلهة والإله من خلال برهان النظام ، ويؤكد إن النظام موجود في الكون بتمام محتواه ، وإن العلل الإتفاقية لايمكن أن تبدع في ذلك ، أي إن الإله هو من وضع النظام في الكون ، فكيف يمكن أن ندرك إن الآلهة قد وضعت النظام في الوهم ، في الظلال . وقد يعتقد البعض إن النظام المقصود ليس موجوداٌ في الظلال نفسها ، إنما هو كائن في من يولد هذه الظلال ، فينتقل النظام إليها . هذه الفرضية ، وإن بدت منسجمة مع إطروحات إفلاطون في نظرية الكهف ، هي مرفوضة ، فمن ناحية كان إفلاطون سيتقرأ النظام في عالمنا تحديداٌ ، ومن ناحية ثانية كيف تسنى لإفلاطون أن يدرك النظام في عالم هو ، في حده وأسه ، تصوري بحت .
سادساٌ : تتمة لثالثاٌ إذا كانت النفس قد إتحدت مع الجسد ، فلماذا أصابها النسيان ، لماذا نسيت علمها وحقيقة الأشياء ، ألم يكن من الأرجح أن يسيطر الوجود الفعلي على الواقع الوهمي ، أي أن تتحكم النفس في الجسد دون أن يعتورها أي خلل من أي نوع كان ، لا أن يصادر الوهمي حقيقة الفعلي ، لا أن يصادر الجسد حقيقة النفس . ثم والأصعب من هذا وذاك ، كيف أدرك أفلاطون إن النفس قد نسيت علمها وحقيقة الأشياء ، وكيف أدرك إن النفس تسترد عافيتها كلما شاهدت ما يذكرها بالأصل .
سابعاٌ : لو تمعنا في المنظومة الفكرية لأفلاطون ملياٌ ، لأدركنا إن هناك آلهة ، ومعاني كلية مجردة ، والنفس البشرية ، هذا في الإطار العام لكن في الإطار الخاص ، يوجد كوننا كله هناك ، فنموذج الشجرة موجود ، ونموذج الخروف ، ونموذج الموز ، ونموذج الرياح والرعد والبرق ، ونموذج كل شيء ، ولايمكن أن يغيب نموذج أي شيء وإلا لكانت إطروحة إفلاطون بخصوص المعاني الكلية المجردة ناقصة ومعيبة . وإذا كان كل مايدور بخلدنا موجود هناك ، فلماذا ، وماهي العلة ، أن تنتقل تلك الأشياء قاطبة إلى عالم النسيان ، إلى عالم الوهم ، إلى عالمنا . وهل إغتربت تلك الأشياء كما إغتربت النفس البشرية ، هل إغتربت الشجرة ، والجبال والوديان ، والفيزياء والكيمياء ، والبقرة والشاة ، والسحاب والغيوم .
ثامناٌ : إذا كانت النفس البشرية قد إغتربت وأتحدت مع الجسد ، فلابد إن الواقعة قد حدثت وإنتهى أمرها ، فهل إتحدت النفس مع أي جسد ، هل هو الجسد العام ، أم هو الجسد المباشر الشخصي ، في الحالة الثانية يرفض إفلاطون ذلك بنفسه ومن خلال موضوعات إطروحاته ، أذن هو إتحاد النفس مع الجسد العام ، كيف ذلك ، إما أن يتحقق ذلك إما ألا يتحقق ، فإذا لم يتحقق تعطبت الفرضية من جذورها ، وإذا تحقق ذلك غدا الجسد المباشر والشخصي حقيقة وجودية ، أي أصبح وجود جسدنا كوجود آلهة الكون ، كوجود المعاني الكلية المجردة ، وهذا ما لا يقبل إفلاطون به .
تاسعاٌ : تتمة لسابعاٌ لو تمعنا في المنظومة الفكرية لأفلاطون ملياٌ ، لأدركنا إن هناك آلهة ، ومعاني كلية مجردة ، والنفس البشرية ، والمادة ، والصورة ، وهنا نحن إزاء فرضين لاثالث لهما ، إما أن تكون المادة والصورة مثل الآلهة أنطولوجياٌ ، أي تتمتعان بوجود حقيقي تام ، وإما إن تكونان مجرد حالة خواء تام وعماء مطلق ، في الفرض الأول دعونا نركز على المادة ، وسوف تنطبق النتائح على الصورة أيضاٌ ، ونحن هنا إزاء حالتين ، إما أن تكون طبيعة المادة واحدة لكل الأشياء ، وإما أن تكون متنوعة بتعدد الأشياء ، وفي الحقيقة إن طبيعة المادة ، حسب إطروحات إفلاطون نفسه ، هي ذات طبيعة واحدة في تصوره ، وهي ، في عين الذات ، متعددة حسب الأشياء ، أي إنها ، في الأصل وكذلك الصورة ، خواء تام وعماء مطلق . إذن لننتقل إلى الفرض الثاني ، أي ان تكون المادة خواء تام وعماء مطلق ، عندها تتحول المادة إلى مجرد أداة ، وفقط أداة ، لكن أداة تصورية صرفة .
عاشراٌ : هي كملاحظة ، في الفعل إن إفلاطون يعتبر من أقوى الفلاسفة ، على الإطلاق ، في إدراك أنطولوجية الكون ، ولقد تأكد إن جميع الإحتمالات والفرضيات تؤدي إلى نتائج كارثية ، لذلك إعتقد إن من الضروري أن يكون الكون خاضعاٌ لهكذا إطروحات . وإلى اللقاء في الحلقة الثالثة بعد المائة .

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول