أخطاء القرآن وأثرها في تحريف ترجماته -ترجمة النرويجي بيرغ نموذجا- الجزء السادس: تحريف أخطاء الالتفات -8-

عبدالإلاه خالي
2020 / 12 / 13

ثانيا: تحريف الالتفات العددي:

الالتفات العددي ضربٌ من ضروب الالتفات في القرآن، وهو عيب اهتم المترجم بيرغ بطمس معالمه ومحو آثاره، وفيما يلي نماذج من هذا التحريف:

🔅 البقرة 7:
﴿ خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَٰرِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ ﴾
تحتوي هذه الآية على التفات من الجمع إلى المفرد، إذ بينما جَمَع قَلْبَ وبَصَرَ الكفار: ( قُلُوبِهمْ، أَبْصَٰرِهِمْ )، جاء بسمعهم مفردا: ( سَمْعِهِمْ )! [1]
استقبح بيرغ هذا الخطأ فصحّح العبارة وجاء بالسمع على الجمع، فتأمل:
﴾ Gud har forseglet deres hjerter og ører, og deres øyne er dekket. For dem er en svær straff i vente. ﴿
أي:
( خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَآذَانِهِمْ، وَغُشِيَتْ عُيُونُهُمْ. وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ. )

🔅 البقرة 17:
﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّـهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ ﴾
الكلام في هذه الآية يتعلق بشخص مفرد ( الذي، حوله )، غير أن هذا الشخص يظهر فجأة في صيغة الجمع ) بنورهم، وتركهم (! [2]
لرفع الخطإ حرّف بيرغ الكلِمَ عن مواضعه، حيث تدخل في النص على النحو التالي:
- ترجم اسم الموصول ( الذي ) الدال على المفرد في اللغة العربية بلفظ ( noen ) الذي يشترك فيه المفرد والجمع في اللغة النرويجية.
- حذف تماما عبارة ( ما حوله ) واكتفى ب ( أضاءت lyser opp ).
فتأمل:

﴾ De kan sammenlignes med at noen tenner opp ild, men når den lyser opp, tar Gud deres lys bort og lar dem sitte i mørket uten å se.﴿
أي:
( مثلهم كمثل الذين أوقدوا نارا، فلما أضاءت، أخذ الله نورهم بعيدا وتركهم جالسين في الظلام لا يبصرون. )

🔅 البقرة 38:
﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
تتضمن الآية نقلا للكلام من الجمع ( قُلْنَا ) إلى المفرد ( مِنِّي، هُدَايَ ) مع أن الفاعل ( الله ) واحِدٌ في الموضعين، وهذا نقل مَعِيب يُشوِّشُ على المعنى ويُشوّه التركيب.
وقد حرّف ˝Berg˝ هذه الآية بإظهار اسم الفاعل ( الله gud ) في صيغة المفرد بعد أن كان مُسْتَتِرا في الأصل العربي ومُعَبَّرًا عنه بصيغة الجمع ( قلنا vi sa ).
فتأمل:
﴾ Gud sa: «Ut med dere alle herfra! Dog vil det komme ledelse til dere fra Meg. Og de som følger Min ledelse, over dem skal ingen frykt hvile, ei heller sorg. ﴿
أي:
( قال الله: ‹‹ اهْبِطُوا مِنْ هُنا جَمِيعًا! وَمَعَ ذَلِكَ سَتَأْتِيكُمْ مِنّي هُدًى. فَمَن تَبِعَ هُدَايَ، فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. )

🔅 الحجر 68:
﴿ قَالَ إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ ﴾
هذه الآية تتضمن التفاتا عجيبا غريبا، إذ انتقل الكلامُ مباشرةً وَدُونَ أي لفظ فاصل من الجمع ( هَؤُلآءِ ) إلى المفرد ( ضيفي )! [3]
واحتراما لعقل القارئ النرويجي حرّف بيرغ الآية، وأتى بلفظ ( ضيف ) على الجمع، فتأمل:
﴾ Dette er mine gjester, gjør meg ikke vanære! ﴿
أي:
( هَؤُلآءِ ضُيُوفِي فَلاَ تَفْضَحُونِي! )


الهوامش:

[1] رأى بعض الشرعيين من أهل الإسلام أن السبب في هذا الالتفات مردّه إلى مصدرية السمع، والمصادر لا تجمع، فالمصدر كما تَقرَّرَ عربيا يصلح للقليل والكثير، وللمذكر والمؤنث، كعدل وصوم، فنحن نقول رجلٌ عدلٌ ورجالٌ عدلٌ وامرأةٌ عدلٌ، ونقول رجلٌ صومٌ ورجالٌ صومٌ وامرأةٌ صومٌ. قال الشوكاني في فتح القدير: [ وإنما وحّد السمع مع جمع القلوب والأبصار لأنه مصدر يقع على القليل والكثير ].
وبعض الشرعيين اعتصم بنظرية الحذف والتقدير وقال أن بالجملة حذفا مقدّرا، فقَدَّرَه الزمخشري في الكشاف ب"حواسّ": [ وأن تقدّر مضافاً محذوفاً أي وعلى حواس سمعهم ]، وقدّره ابن عطية في "المحرر الوجيز" ب"مواضع": [ يحتمل أن يريد على مواضِعِ سَمْعِهِمْ فَحَذَفَ وأقام المضافَ إليه مقامَهُ ].
وأرجع البعض سبب ذلك إلى أنّ مُدْرَكَات السمع مُوَحَّدَة بينما مدركات القلوب والأبصار متعددة. قال رشيد رضا في تفسيره "المنار": [ العقل له وجوهٌ كثيرة في إدراك المعقولات، فليس الناس فيه سواء؛ فجُمِع لاختلاف الناس فيه، وأنواع تصرّفهم في وجوهه، بخلاف السمع فإنّ أسماع الناس تتساوى في إدراك المسموعات فلا تتشعّب تشعّب العقول في إدراك المعقولات. وأمّا الأبصار فهي مثل العقول في التشعّب، وأعظم معين للعقول في إدراكها، لأنّ أنواع المبصرات كثيرة فتعطي للعقل مواد كثيرة، والسمع لا يدرك إلاّ الصوت (... ) فأفرد ].

[2] فسَّر المسلمون هذا العيب البنيوي بقولهم أن ( الذي ) قد تأتي بمعنى ( الذين )، دليلهم في ذلك كلام العرب وشواهد قرآنية.
فمن كلام العرب ذكروا قول الشاعر:
فإنَّ الّذِي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهُمْ هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالدِ
ومن القرآن استشهدوا بقوله في سورة التوبة: ﴿ وخضتم كالذي خاضوا ﴾.
وهذه استدلالات ضعيفة سقيمة، فالشعر العربي القديم مصدر مشكوك في موثوقيته بحسب النقاد وعموم الباحثين، أما شواهد القرآن فلا تعدو أن تكون اعتصاما بذات المصدر.

[3] لتبرير الخطإ ابتدع أهل الإسلام أقوالا نُلخّصها في الآتي:
أولا: ادعى جمهور المفسرين إلى أن لفظ ( ضيفي ) جاء هنا على المصدرية، مِن ضاف يضيف أي مال يميل، والمصدر لا يجمع. قال الثعالبي في "الجواهر الحسان": [ و«الضيف»: مصدرٌ وُصِفَ به، فهو للواحدِ وٱلإثنينِ والجمعِ، والمذكَر والمؤنَّث؛ بلفظٍ واحدٍ ].
ثانيا: تَكَلَّفَ آخرون فقالوا أن بالكلام إضمار قدّروه بأصحاب، أي أن المراد ( أصحاب ضيف ). قال ابن عطية في "المحرر الوجيز": [ قال النحاس وغيره: التقدير عن أصحاب ضيف ].
ثالثا: واكتفى البعض بادعاء أنّ ذلك من سنن العرب، أي أن العرب يطلقون الواحد على الجميع. قال اللغوي ابن فارس في "الصاحبي": [ ومن سنن العرب ذكر الواحد والمراد الجميع].

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي