التنين الأكبر: الصين في عقدين

نايف سلوم
2020 / 12 / 13

نعرض هذا الكتاب هنا عرضاً موسعاً بعض الشيء، نظراً لأهميته لجهة جمعه لهواجس النخب الأمريكية تجاه الصين في عقدين (1979-1999) حتى بزوغ القرن الواحد والعشرين، ولكونه يشير إلى جميع المناقشات الأمريكية بخصوص آفاق تطور الصين في القرن الواحد والعشرين وإمكانات التعاون -الصدام الأمريكي الصيني بما فيها خيار "فك الارتباط " مع الصين وقطع التعامل التجاري معها، والشروع في "حرب باردة" على طريقة الحرب الباردة مع السوفيات بعد الحرب العالمية الثانية. كل ذلك يعكس القلق (والهاجس) الأمريكي من صعود الصين وتصدّرها للاقتصاد العالمي.
الكتاب من تأليف: دانييل بورشتاين وأرنيه دي كيزا، ترجمة شوقي جلال، العدد 271، يوليو 2001 من عالم المعرفة – الكويت. الكتاب في 450 صفحة من القطع المتوسط.
العنوان الأصلي: Big Dragon: The Future of China: What It Means for Business, the Economy, and the Global Order Paperback – March 18, 1999
By Daniel Burstein, and Arne J.De Keijzer
يتمتع الكاتبان بخبرة أكثر من خمسين عاما في السفر عبر أرجاء الصين والمشاركة في مشروعات الاعمال هناك.
يقول المؤلفان: يتحدث هذا الكتاب عن أثر الصين مستقبلاً في الميزان الكوكبي للثروة والقوة خلال القرن الحادي والعشرين. ونحن معنيون بوجه خاص بكيفية التفاعل بين والولايات المتحدة والصين، ليس فقط خلال الأعوام القليلة المقبلة، بل وعلى مدى العقود الطويلة التالية. مثلما نحن معنيون أيضاً بدلالة هذه التفاعلات بالنسبة للاقتصاد والأعمال والنظام العالمي.
ظهر الكتاب في لغته الأصلية الإنكليزية سنة 1999 على أثر أزمة النمور الآسيوية وانهيار عملاتها المحلية، وانهيار البورصات وأسواق الأسهم. والملفت هو القوة التقديرية والتنبؤيّة للكتاب، يقول الكاتبان: في تقديرنا أن الصين مهيأة، إذا ما سارت الأمور رخاء كما هي الآن، لكي تصبح حوالي العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين أكبر اقتصاد قومي في العالم.
لقد بدا واضحاً منذ عقدين (منذ 1979) أن تدفقات التجارة ورأس المال وما ينجم عنهما من قوة وثروة أخذت في الانتقال من العالم القديم المتمركز حول الأطلسي، إلى عالم آخذ بالتطور باستمرار متمركزاً حول الباسيفيكي (نهاية الغرب وبداية الشرق). والشيء الذي أصبح أكثر وضوحاً، منذ عهد قريب جداً، أن الصين تحتل مكان القلب من هذا التحول الآسيوي.
في عدائها الطبقي للصين تحاول الطبقة الرأسمالية الاحتكارية في الولايات المتحدة الأمريكية أن تشكل ما يسمى وعياً أقصى، وعياً يرتفع عن وعي واقع حال المشروعات والأعمال، في محاولة للتنبؤ بمستقبل تحولات الصين، خاصة وأن هذه الطبقة تضع نفسها في موقع العداء الاستراتيجي لنهوض الصين التاريخي، مدرعة بإمبراطورية من النخب السياسية والصحف ووسائل الاعلام والكتّاب والمستشارين. وقد توصلت عبر هذا الوعي الأقصى إلى افتعال أزمة النمور الآسيوية سنة 1997 عبر سحب كل الاستثمارات الأمريكية في سوق الأسهم والبورصات الآسيوية، خاصة بلدان النمور (هونغ كونغ، سنغافورة، تايوان، وكوريا الجنوبية)، ما أدى إلى انهيار العملات المحلية في هذه البلدان، وقاد إلى أزمة مالية في بلدان جنوب شرق آسيا (أي في بلدان نطاق الصين: اليابان، كوريا الجنوبية، اندونيسيا، تايلند، هونغ كونغ، تايوان، سنغافورة، ماليزيا). كان المستهدف الأساس هو الاقتصاد الصيني، إلا أنه صمد ولم يتأثر إلا لماماً بالأزمة السالفة الذكر.
نقرأ في "التنين الأكبر": والملاحظ انه بعد خمس سنوات من البيان الذي أعلنه بيجس Biggs نكاد نجد من لا يزال يشعر بأقصى قدر من التفاؤل في رواج السوق بشأن الصين، لقد أصبح المزاج السائد الآن أقرب ما يكون الى المزاج الذي عبرت عنه صحيفة "الإيكونوميست" في ردّها على بيجس: "اقصى حد من المضاربة بالصعود". أما عن بيجس نفسه، فإنه مع خريف 1997 تحول إلى شخص فظ للغاية بشأن المنطقة على حد أنه كان يُلحّ على العملاء أن يفرغوا حوافظهم (المالية) بالكامل من أسهم هونغ كونغ والصين. وقد كانت نصيحة شديدة الوضوح، وسط الأسباب العديدة لانهيار السوق الذي بدأ في هونغ كونغ في أواخر أكتوبر 1997 وانتشر من هناك انتشار النار في الهشيم إلى جميع أسواق العالم.
وعشية الكوابيس الاقتصادية والمالية العديدة، التي جثمت على آسيا مع مطلع عام 1998 -حيث تزايدت المضاربات على العملة، وانخفضت قيمة العملات بشكل قياسي، وماتت أسواق الأسهم، وترنحت المصارف تحت وطأة جبال من الديون المعدومة، وخيم شبح الانكماش على كل المنطقة- حيث أكد هنا خبراء كثيرون أن المسألة مسألة وقت فقط، حتى تغرق الصين هي الأخرى في كل هذه الأحداث السلبية التي سيطرت على الإقليم.
كانت الآمال الأمريكية تتجه نحو تحويل الصين عبر الاستثمارات المباشرة إلى ديمقراطية ليبرالية تدور في فلك الإمبريالية الأمريكية. لكن حساب الحقل لم يطابق حساب البيدر، ولا تفتأ الأصوات تتعالى داخل الكونغريس داعية من أجل وقف التعامل التجاري مع الصين، عقاباً لها على خطاياها السياسية. وكاد الأمر يصل إلى مرحلة الخطر من حيث إمكانية موافقة الأغلبية في مجلس الشيوخ العام 1997 على رفض معاملة الصين معاملة الدولة الأولى بالرعاية. وذاعت داخل الكونغرس مذكرات متطرفة، تطالب باعتبار الصين العدو القومي لأمريكا. إن تشدد ترامب وفريقه اليوم تجاه الصين ليس من دون سابقة استراتيجية وتقليد شائع في السياسة الأمريكية.
لقد أخطأ المتفائلون المفرطون في تفاؤلهم، إذ افترضوا أن الصين سوف تتطور بشكل "طبيعي" لتصبح مجتمعاً ديمقراطياً-ليبرالياً رأسمالياً.
وعلى الرغم من أن الصين ليست يقيناً مجتمعاً ديمقراطياً تماما بالمعنى الأمريكي للكلمة، إلا أنها بحق أكثر ديمقراطية من أي وقت في تاريخها على مدى خمسة آلاف عام، كذلك فإن أسواقها أكثر انفتاحاً للتجارة والاستثمار من بعض البلدان الأخرى في الإقليم. ومع هذا كله تعامل واشنطن الصين اليوم معاملة تنطوي على قدر من الامتهان أكثر من السابق، وتُدرج واشنطن بكين ضمن حوارات المستوى الأدنى للزعامات.
قد نجد على امتداد الطريق الإيجابي البنّاء لحركة تقدم الصين، إجابة عن السؤال الخاص: أين ستحصل البلدان المتخلفة في العالم على قوى الدفع لطاقاتها ونموها خلال النصف الأول من القرن الواحد والعشرين؟ خاصة أنها جميعها تقريباً تملك اقتصادات بطيئة النمو وزيادة سكانية سريعة.
يمكن هنا الحديث عن الإنجازات الحقيقية والمذهلة والمستدامة التي حققتها الصين خلال العقدين(1979-1999) وهذا بعضها:
1 أخرجت قرابة ربع سكان العالم من الفقر والتخلف، وضاعفت إجمالي المنتج الاقتصادي بأسرع مما حدث في أي اقتصاد كبير في التاريخ
2 خلقت سريعاً طبقة وسطى يعتد بها يبلغ إجمالي عددها عدد سكان أمريكا، وارتفعت دخولها الحقيقية بسرعة تعادل عشرة أمثال سرعة ارتفاع الدخول الأمريكية الحقيقية في التسعينيات.
3 ألغت الكمونات الفلاحية (المشاعات الفلاحية)، وحولت جزء كبير من النشاط الاقتصادي نحو آليات السوق، بينما رحبت بالمشروعات الأجنبية والاستثمار الأجنبي
4 حافظت على المشروعات المملوكة للدولة والتي تتسم بالعجز وربما تصل إلى حد الإفلاس، وأبقت عليها للحيلولة دون حصول أي اضطرابات اجتماعية ناجمة عن أسلوب "العلاج بالصدمات" وبدأت في تحويل مركز النشاط الاقتصادي تدريجياً إلى القطاع الخاص وشبه الخاص، والذي يشكل في هذه الفترة نصف الناتج الاقتصادي الإجمالي.
5 ابتدعت أدوات تآزر كافية لسياسات اقتصادية كلية (ماكروية) حتى تتمكن من ترويض التضخم المنفلت. وأسست نظاماً فعالاً للصيرفة المركزية، وأسواقاً سلعية وتمويلية حديثة النشأة، وسوقاً عقارية حقيقية، ووصلت بالعملة إلى حد قابلية التحويل الدولية الكاملة.
6 طورت نظاماً شاملاً للانتخابات الحرة التنافسية، لشغل آلاف المناصب المحلية، ويتحول هذا تدريجياً من مستوى القرية إلى المدينة. وتعمل على توسيع السلطة التشريعية ونوعية الحوار داخل مؤتمر الشعب الوطني، وتستصدر القوانين للحكم في عشرات القضايا التجارية والمدنية الرئيسية، التي كانت تشملها في السابق قوانين غير مكتوبة (العرف)
7 تسمح بالتوسع الكبير في وسائل الاعلام، وتوفر قدر أكبر من حرية التعبير والحصول على المعلومات (فيما يخص آلاف الموضوعات، إذا لم تكن أيضاً موضوعات ما تزال ذات حساسية سياسية كبيرة) وهو ما لم يحدث في تاريخ الصين، وتعمل على زيادة الخيار الاستهلاكي والحراك لقوة العمل، كما تسنح بقدر كبير من الحربات الدينية والشخصية وحريات في اختيار أسلوب الحياة.
8 تم الانتقال إلى مرحلة ما بعد دنغ هسياو بنغ دون عمليات تطهير أو أعمال عنف، مما جعل هذا الانتقال أول تغيير يتم بسلاسة في تاريخ الصين على مدى القرن العشرين.
يتحدث بول اتش أونيل رئيس شركة (ألكوا) فيقول: لم يشهد التاريخ أبداً مثل هذا التحول العاصف، حيث أمكن لقوة اقتصادية لطرف أساسي في العالم أن تُغرق فجأة الاقتصاد العالمي
إن أثر صعود الصين في الاقتصاد الأمريكي، وفي الحياة الأمريكية بعامة، أثر فوري ومباشر ومذهل، ويكفي أن نتأمل المؤشرات القليلة التالية:
*أصبح العجز التجاري للولايات المتحدة مع الصين مسألة اقتصادية-سياسية بالغة الضخامة. وقع هذا الحدث الفاصل في يوليو 1996. ومنذ ذلك التاريخ أضحت الصين أكثر فأكثر، المشكلة التجارية الأولى التي تواجه أمريكا.
*إن كميات كبيرة من الصناعات كثيفة العمالة انتقلت كاملة بالفعل إلى الصين: لعب الأطفال، المنسوجات واللدائن والالكترونيات الاستهلاكية والعدد اليدوية، وغير ذلك من أدوات مصنعة رخيصة الثمن.
*قوة الصين الصناعية المتنامية، ليست مقصورة على الصناعات رخيصة الثمن، والصناعات منخفضة التقنية، إذ أصبحت الصين الان بفضل مجموعة من الخصائص الثقافية والنظام التعليمي، قادرة على تخريج علماء ومهندسين على مستوى عالمي، في مجالات الفيزياء والالكترونيات وعلوم الكومبيوتر والبيولوجية الحيوية وغير ذلك كثير. وتفيد جماعة البيانات الدولية، وهي مؤسسة أبحاث، أن أكثر من نصف المبيعات في الصين، هي الآن سلع محلية الصنع.
*جمعت الصين ما يزيد على 100 بليون دولار من العملات الأجنبية، مما جعلها إحدى دولتين أو ثلاث دول تملك أكبر احتياطي من العملات الأجنبية. وفي النصف الأول من عام 1996 اشترى الصينيون بما قيمته 11.8 بليون دولار من دين الخزانة الأمريكية (سندات خزانة والتي تمول منها واشنطن عجزها المالي). وفي المدى المتوسط ستغدو الصين لاعباً كبيراً في سوق سندات الحكومة الأمريكية، ولهذا تبعات سياسية.
ويبدو واضحاً أن رجال الأعمال الأمريكيين، وصناع القرار والمواطنين العاديين، يدركون جميعاً أن ثمة شيئاً تاريخياً ومهماً يجري يجري في الجانب الآخر من العالم، وأن هذا الشيء يؤثر بطريقة متزايدة في حياة الأمريكيين كبيرهم وصغيرهم.
في مطلع التسعينيات تنبأ ليستر ثورو حكيم الرأسمالية الحديثة، أن الصين سيكون لها إثر مهم للغاية في الأجور ومستويات المعيشة وأساليب الحياة في نسبة كبيرة من العمال الأمريكيين، خاصة أولئك الذين لم يحصلوا على نصيب من التعليم في المعاهد أو مهارات فنية متخصصة
الملاحظ أن الصينيين مثلهم مثل اليابانيين في الستينيات والسبعينيات، يفضلون بقوة الإنتاج المحلي الذي تقوم به شركات أجنبية، فالإنتاج المحلي يحقق وظائف وينقل تكنولوجيا ويعلّم مهارات. وحيث ان الحكومة الصينية لا تزال تسيطر على السوق والوصول إليها، فإن بإمكانها أن توجّه الشركات الأجنبية لنقل بعض تكنولوجياتها الأكثر تقدماً. ويعتقد أغلب المديرين العاملين في الشركات الأجنبية في الصين أن لا بد ان يصنعوا منتجاتهم محلياً لتحقيق أقصى قدر من الربح.
تشكل الصين منافساً خطراً كمركز تصنيعي منخفض الأجور، بالرغم من الاعتراف بالمنافع المهمة الناجمة عن العلاقات التجارية الأمريكية –الصينية.
إن توافر ورادات صينية رخيصة من شأنه أن يحقق فارقاً مهماً في حجم مشتريات الأسرة الأمريكية وزيادة في متوسط الاستهلاك، وإن أول أثر سلبي للعقوبات التي تفرضها واشنطن على الصين سيكون ارتفاع الأسعار بالنسبة للمستهلكين الأمريكيين.
تمثل السوق الصينية بالنسبة لعديد من الصناعات المهمة حجماً هائلاً من إجمالي النمو مستقبلاً، بحيث أن الشركات الراغبة بالحفاظ على طاقتها التنافسية العالمية مضطرة بالضرورة، إلى التنافس من اجل دخول هذه السوق.
ستكون الصين ساحة التنافس في القرن الواحد والعشرين، إذ سوف تتنافس الشركات الأمريكية واليابانية والأوربية والآسيوية بعضها مع البعض (ومع الشركات الصينية المحلية العملاقة) من أجل الحصول والسيطرة على الصناعات والسواق الرئيسية.
إن التحدي الصيني سوف يُذكّر من يهمهم الأمر أن التاريخ "لم ينتهِ" وأن الصراع الدارويني بين النظم الاقتصادية-الاجتماعية مستمر. سوف تتحدى الصين الادراك المتزايد أن المرونة والحركية في الاقتصاد أهم من الحجم والنطاق، وسوف تشكل تحدياً لمادة تمثل جوهر العقيدة الرأسمالية على مدى 200 سنة للقيادة الاقتصادية الأنجلو-أمريكية في العالم: وهي أن هناك ترابطاً قوياً بين الديمقراطية الليبرالية والنجاح الاقتصادي. وعلى نقيض آراء كثير من حكماء "الاقتصاد الجديد"، فإن صعود الصين سوف يشكل تحدياً للمسلمة القائلة، إن الدول-الأمم سوف تختفي إن عاجلاً أو آجلاً. والحقيقة أن عودة الصين إلى الظهور، وهي من أقدم أمم العالم (ومن أكثر وعياً بالذات ومن أكثرها حماساً للحفاظ على حسها القومي) مؤشر على أننا ربما نكون على عتبة حقبة جديدة للسياسة في القرن الواحد والعشرين، حيث الأمم والاقتصادات القومية ستكون موضع اهتمام بالغ في الحقيقة.
إن أحد العوامل التي اضرت بالعلاقات الأمريكية الصينية هو خيبة الأمل الشديدة لدى الجانب الأمريكي من أن الصينيين لن يكونوا، كما تخيل الأمريكيون أن يكونوا، عضداً كاملاً، أنصار نزعة خصخصة مفرطة، ومناصرين للرأسمالية. في عام 1994 وضعت مجلة "بيزنس ويك " قصة الغلاف التي تحدد ملامح المسألة على النحو التالي: الصين: هل الاقتصاد الحر يفضي إصلاح اجتماعي وسياسي؟ ثمة علامات تشير على ان هذا بصدد أن يحدث. ولكن بعد عامين، اعترفت المجلة ذاتها في قصة غلاف أخرى، أن التحليل السابق بدا معيباً تماماً. لقد افترضت النظرية الاقتصادية السياسية الرأسمالية الغربية أنه حين تتحرر قوى السوق من قيودها، سوف ينهار الاقتصاد الاشتراكي الصيني، إذ سوف تحل الشركات المخصخصة محل القطاع المملوك للدولة الاشتراكية الصينية، وستكون الشركات الأجنبية قادرة على دخول السوق عنوة واقتداراً، تبيع منتجاتها المخصصة للتصدير بأسعار مربحة، وتخلق وظائف جديدة داخل أمريكا.
الواقع: تخصخص الصين قدراً قليلاً محدوداً، وتحتفظ بمشروعاتها العملاقة المملوكة للدولة طافية على السطح. ولم تستخدم بكين الاستثمار الأجنبي لتعزيز المنافسة والكفاءة، بل إنها بدلاً من ذلك، تدفع بقوة السياسات التصنيعية، التي تضغط على الشركات الأجنبية لنقل التكنولوجيا والتصنيع محلياً، وهكذا تشجع على تصدير الوظائف الصناعية من الولايات المتحدة على الصين. افتراض: الإصلاح الاقتصادي في الصين، سيفضي مباشرة إلى ليبرالية سياسية افتراض واهم. الواقع يستخدم الصينيون فرصاً جديدة، يتيحها لهم الإصلاح الاقتصادي، من اجل التركيز على "تحقيق مزيد من الثراء بدل السياسة". وظل الحزب الشيوعي في موقع السيطرة، بينما يتخذ إجراءات صارمة إزاء الانشقاق والإعلام.
إن الرأسمالية التي اعتمدها دنغ هسياو بنغ ليست رأسمالية الدولة الإمبريالية، وكان واضحاً خلال جولته في الجنوب الصيني سنة 1992 حين قال: اقتصاد السوق الصيني ليس رأسمالية ليبرالية، لأن هناك اسواقاً في ظل الاشتراكية أيضا" أو ما أسماه لينين قبل سبعين عاماً ب "رأسمالية الدولة الاشتراكية". لقد أعلن الصينيون مرات عديدة انهم بصدد بناء نظام اشتراكي يحاول الجمع بين مؤسسات الاشتراكية ممتزجة بعناصر السوق.
ليس النموذج الصيني هو نموذج السوق الرأسمالية الديمقراطية الليبرالية، ولا هو نموذج رأسمالية الدولة الاشتراكية السوفييتية ذات الخطة المركزية البيروقراطية والتأميم المتشدد والتجميع الفلاحي القسري، ولا هو "نظام السوق الاجتماعي" ودولة الرفاه نموذج ألمانيا، حيث تقود فيه الدولة الرأسمالية الإمبريالية مناطق رئيسية في المجتمع وتدع السوق يقود المناطق الأخرى ، حيث تمتلك الدولة في بلدان كهذه حصصاً مهمة في الصناعة ملكية مباشرة، وتستخدم فيها أعداد غفيرة من الناس (قطاع دولة رأسمالية) وتضطلع بمسؤولية نظم الرفاه الاجتماعية الواسعة ، وتعين المحددات لمشروعات الاعمال الخاصة، وحيث يوجد تفاهم (عقد اجتماعي ) بين الدولة الرأسمالية وأرباب العمل والنقابات العمالية، عقد فرضه ظهور الدولة الاشتراكية على مسرح التاريخ والحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والحلف الإمبريالي بقيادة الولايات المتحدة. سوف نسمي الاقتصاد السياسي الصيني ب رأسمالية الدولة الاشتراكية ذات السوق الاشتراكي أو النزعة الاندماجية بإشراف الدولة الاشتراكية، حيث تمثل الصناعة المملوكة للدولة نسبة مئوية عالية من إجمالي الناتج الاقتصادي. الصين تدمج السوق وتهيمن عليها بطريقة تاريخية خاصة، طريقة اشتراكية. إن الصين لا تتخلّ أبداً عن الوظائف الاجتماعية الأساسية للدولة، وتتركها للسوق وحدها كما تفعل الدولة الأنكلو-سكسونية في الولايات المتحدة. الصين لا تقبل العلاج بالصدمات ولا بالخصخصة المتطرفة. سيظل للدولة الاشتراكية على المستوى القومي والإقليمي والمحلي دورها القوي في تحديد الخطط، إذ سوف تتوافر لها شبكة واسعة من آليات التحكم والسيطرة، بما في ذلك الأدوات الخاصة بالاقتصاد والسياسة التي تدعم دولة ضخمة لم ير العالم لها مثيلاً منذ ميلاد الديمقراطية الاجتماعية الأوربية وفق فكر جون ماينار كينز، خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. إن التخطيط الحكومي الرحب ونزعة التدخل سوف يظلان عمادين رئيسيين للاقتصاد الصيني، حيث بدءا بالاختفاء في أميركا الشمالية وأوربا، بل وفي اليابان مع تخفيف قيود المركزية.
ثمة أسباب خاصة باستراتيجية الحرب الباردة جعلت الولايات المتحدة تتجه عملياً إلى احتضان اليابان وألمانيا اقتصادياً ، حتى حينما أصبحتا تشكلان خطراً تنافسياً على المصالح الاقتصادية الأمريكية؛ إذ كان الهدف خلق قلاع إقليمية ضد خطر الشيوعية، ناهيك عن الأسواق للسلع والخدمات الأميركية طوال فترة التوسع الطويلة بعد الحرب، وعمدت كذلك الولايات المتحدة باعتبارها دولة منتصرة في الحرب العالمية الثانية إلى تحييد اليابان وألمانيا عسكرياً ، فقط لكي تطمئن على أن هاتين القوتين الصاعدتين من جديد لن تشكلا تهديداً عسكرياً في المستقبل.
والحقيقة أنه في النصف الثاني من القرن العشرين اضطر صناع السياسة الأمريكيون إلى التعامل مع المنافسين والمزاحمين ممن يتصفون، إما بالقوة الاقتصادية (اليابان وألمانيا وغيرهما)، وإما بالقوة عسكرياً وسياسياً (الاتحاد السوفياتي السابق)، ولكن الصين هي أول قوة عظمى في القرن الواحد والعشرين سوف تحمل الصفتين، من حيث عناصر القوة بدرجة عالية إلى حد ما. وبينما كانت اليابان وألمانيا دولتين تابعتين للولايات المتحدة من حيث المسائل الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية خلال الخمسين عاماً المنصرمة، فإن الصين مستقلة إلى حد بعيد، ولديها القدرة على ان تصبح مزاحماً قوياً جداً في مجال التحدي الاستراتيجي العسكري – السياسي.
وإذ نتحدث عن الصين نتحدث عن صعود قوة جديدة عظمى من جميع النواحي؛ قوة شاملة تملك القدرة الاقتصادية وتحظى بثقل سياسي (خاصة في آسيا، وإن اتسع ليشمل الإطار الكوكبي بفضل ما تملكه من وسائل دولية عديدة، من بينها حق النقض داخل منظمة الأمم المتحدة) وتملك قوة عسكرية (إذ إن الصين عضو في النادي النووي، وتمتلك أكبر جيش عامل في العالم).
إن الصين الجديدة تختلف اختلافاً أساسياً عن القوى الكوكبية القائدة على مدى خمسمائة عام الأخيرة، فالصين متجهة بأنظارها إلى داخلها، وليست بها حاجة إلى استعمار بلدان أخرى، لكي تضاعف من نموها خلال الحقبة الراهنة، حتى لو افترضنا أن بعض الدوافع الصينية التقليدية تحث بكين واقعياً على التماس سبيل للسيطرة السياسية والعسكرية على مناطق حدودها.
إن الصين مكتظة بسكانها، ما يمكنها أن تكون أمة قوية اقتصادياً من حيث الكم، لكنها فقيرة ومتخلفة من حيث دخل الفرد. ولكن لم يكن هناك أبداً "اقتصاد هو الأضخم على الصعيد العالمي" وليس أيضاً الرائد عالمياً من حيث نصيب الفرد من الثروة ومستوى المعيشة. وإذا استطاعت الصين ان تصبح الاقتصاد الأكبر في العالم، فإن تخلفها الداخلي المستمر سوف يجعلها، كقوة فاعلة على المستوى العالمي، مختلفة تماماً عما كانت عليه بريطانيا والولايات المتحدة، عندما انعقد لكل منهما الدور القيادي عالمياً.

حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول