المغرب يتحدث لغة الواقع التوافقي في صفقة القرن

المهدي بوتمزين
2020 / 12 / 12

في سياق مجريات الأحداث الراهنة , إقليميا و دوليا , و في خضم الصراعات السياسية و العسكرية , أعلن الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب , دخول المغرب على خط البلدان المعلنة للتطبيع العلني مع إسرائيل , كخطوة سياسية لخلق التوازن المطلوب استراتجيا و أمنيا . إن المقصود بالتطبيع , هو نقل التعاون من المستوى الحاص و الإستثنائي إلى مستوى عام مرئي و إعلامي ؛ وليس تأسيس جديد لقواعد و ركائز العلاقات المتبادلة بين الطرفين في شتى المجالات .و تأسيسا عليه نجد أنه من المناسب إشهار العلاقات , حتى يكون المواطن على علم بالسياسات العامة للدولة , في إطار ديمقراطي يتسم بالشفافية و النزاهة أو ما يمكن تسميته بالغلاسنوست كما في القاموس الشيوعي .
تربط اليهود تاريخيا و حاضرا بالمغرب أواصر متينة , ترجع إلى ماضيهم العريق في هذا البلد, الذي حطوا فيه منذ زمن الفينيقيين , فأحسنوا التجارة و شكلوا إرثا دينيا و ثقافيا أغنى رصيد المغرب , و مازال المغاربة إلى اليوم يحافظون على هذا الإرث اللامادي , تحت رعاية مؤسساتية من أعلى مستوى في البلد . و كان موقف الملك المغربي السابق محمد الخامس , الأثر العظيم في نفوس اليهود , حينما رفض تسليمهم إلى حكومة فيشي . و هذا من تجليات إمارة المؤمنين التي تجعل الأفراد و الجماعات في ذمة الدولة الراعية لمصالحهم و حياتهم . إنها رسالة الإسلام التي تدعو إلى الرحمة و التعايش و السلم بين الجميع , لأن الرسالة جاءت عالمية و لم تخص جماعة بعبارة شعب الله المختار .

إن المغرب كدولة إسلامية , قدم النموذج الأمثل في خطاب السلم العالمي و السلام الكوني , و استطاع تدبير مراحل حساسة من تاريخ الصراعات و الأزمات الإقليمية و الدولية , بما فيها قضية القدس العربي الإسلامي-المسيحي . و الفلسطنيون يدركون تماما أن الدولة المغربية لم تأل جهدا في سبيل استتباب الأمن داخل الأراضي الفلسطينية , و المشاركة الفعالة في الرفع من الاقتصاد الداخلي و توفير مستلزمات الغذاء و الطب و غيرهما . لكن الخطاب الديني العاطفي ليس الرافعة الحقيقية اليوم لإيجاد حل سلمي للقضية الفلسطينية , لأن قيم الوحدة العربية لا تصلح اَنيا كضمانة للحرية , لكن الحرية ضمانة جهورية للقيم و التحرر المقبل , بمعنى أنه يجب التجرد من التراكم الكمي للإيديولوجيات و الأفكار الفردية و العمودية , التي تجعل من المشاعر و الأراء المسبقة الأرضية الصلبة التي تبنى عليها المواقف و القرارات . فبعيد الإعلان عن صفقة المغرب مع إسرائيل , التي ملك فيها الطرفان مصالح متبادلة , بادرت الشعوب و معها الإعلام الغير الموجه أو الموجه من الطرف النقيض ؛ إلى إدانة هذه الخطوة التي أقدم عليها المغرب, و اعتبارها خطيئة سياسية , لأنها تقايض القدس العربي بمبادرة الحكم الذاتي في الصحراء . و هذه أحكام مسبقة متجردة و عارية من أية أسس و بنيات سياسية , و تتماهى مع الطرح الديني ؛الذي لم يرد في الكتاب و السنة تفصيلا لمسألة الإمامة ,فكيف بإيجاد تسوية للقضية الفلسطينية . إن الأخلاق السياسية للدولة أهم من القيم القبلية و حتى المجتمعية المألوفة و التي أضحت قواعد أخلاقية , لأن هذه الأخلاق الجماعية ضمانة لتماسك الجماعة , أما الأخلاق السياسية فحارس على الأمن القومي للدولة .

و أمام ثنائية الطرح الفلسفي ذو النزعة الأخلاقية الكانطية و فلسفة نيتشه التي تجافي كل الإعتبارات الأخلاقية , فإن الطرح الإسلامي اليوم يقف على عتبتين :

أولا : الطرح الديني الأصيل أو السلفي الذي لا يراعي التجديد و ما بعد الحداثة و لا يعترف بمحورية فصل الدين عن الدولة , فإن موقف هذا الخط الراديكالي , يستقر موقفه على ديمومة استعداء إسرائيل و استمرار الدعم الكامل لفلسطين . و هذا طرح ناقص التكوين الفكري و قصير الرؤية , لأنه لا يقدم البديل المقبول عقليا و واقعيا , بعيدا عن التأويلات و التكهنات المستقبلية التي تبشر بنصرة القضية سماويا , حتى يأتي الدعم من الحجر و الشجر . و أمام اختلال توازن القوى فإن رفض خروج العلاقات المتبادلة بين الدول و إسرائيل , و رفض حل الدولتين على حدود 1967 م , إيذان بإستمرار مأساة الفلسطنيين , الذين لا يملك اليوم أي قطب ديني أو سياسي الحل الأنجع و الأجدى لهم , بما في ذلك حركة حماس و فتح و الجهاد الإسلامي . فالقوة العسكرية و الاقتصادية و السياسية راجحة بنسبة كبيرة للحلف النقيض , و إننا نجد أنه من الفقه الشرعي أن درء المفسدة أولى من جلب المصلحة , و أن اختيار حل الدولتين سيحمل السبل الكفيلة ببناء دولة فلسطينية مستقلة و قوية , و لهذا ما بعده .

ثانيا : الخط الشعبي بمختلف فئاته و أطيافه الاجتماعية و الفكرية و الحزبية و السياسية , التي تندد بصفقة المغرب مع إسرائيل , و هذا رأي مرده إلى الخلفية الثقافية و القيم المجتمعية ,و هو أمر مفهوم في علم النفس الجماعي و المجتمعي , لكن الدولة مطالبة بتطوير قطاعي الإعلام و الثقافة بتجاوز الطابوهات السياسية , فإسرائيل اليوم واقع مفروض و هي قاعدة عسكرية أميركية متقدمة , لها قوتها الإقليمية و الدولية , و سيكون من العبث تجاهلها أو رفض التعامل معها .

هكذا إذن يجب أن ننتقل من الخطاب الديني المتواتر إلى العمل السياسي النفعي , الذي نخلق فيه لغة جديدة نيوسبيك , كالتي وردت في رواية جورج أورويل 1984 , كأداة للحوار الهادئ و الدبلوماسي الذي تفرضه الظرفية الحالية , التي تنفر فيها الشعوب من الخطاب الوطني الشوفيني و الديني المتطرف و السياسي اليميني , و تنحو في اتجاه خلق منظومة قيم مشتركة إنسانية و عالمية , تؤمن بالتعدد و التوافق و الأفقي و التعايش و الحرية و السلم الكوني . ولا يمكن لأي قومية عرقية أو جماعة دينية أن تفرض أطروحتها على شعوب العالم الموحدة اليوم , لأن الدين أبان عن ضعفه و قصوره البنيوي و المنهجي في إيجاد حلول سلمية للقضايا السياسية و الحياتية .

سياسيا يعد المغرب حليفا قويا للولايات المتحدة الأميركية و عضو رئيس خارج حلف الناتو , و هي تحالفات قوية , مكنت الرباط من تملك مكانة مهمة على الصعيد العالمي , و جنَّبت البلد الفوضى الخلاقة و التاَمر الخارجي , كما حافظ المغرب على توازن الأرجل بعد إبرام اتفاقيات شراكة مع روسيا و الصين , و إننا نثير الإنتباه إلى أن موسكو لها مصالح كبيرة مشتركة مع المغرب , و هذا موضوع سنفصل فيه لاحقا . كما ترجع العلاقات بين الرباط و تل أبيب إلى سابق السنوات , حيث سبق للمخابرات الإسرائلية أن أخطرت الملك الراحل الحسن الثاني بمؤامرات كانت تستهدف شخصه و عرشه , و ساهم الموساد الإسرائلي في تأهيل و تدريب المخابرات المغربية ,و كان بينهما عمل مشترك و لا يزال قائما . ينضاف لذلك التعاون الاقتصادي و العسكري , و هو نفس المعبر الذي تسير عليه كل الدول العربية و الإسلامية , بما فيها تركيا و السعودية و باكستان , و يمكن أن يكون البلدين الأخيرين , الدولتان اللتان ستعلنان تطبيعهما مع إسرائيل بعد المغرب .

ليس من المنطقي إذن التنديد بالتطبيع العلني بين الدول العربية و إسرائيل , فالتعاون الثنائي و المشترك موجود منذ عقود مضت , بل إن إعلان التطبيع سيكون اَلية لتمكين المواطنين من تتبع السياسيات الوطنية , و تحليل المعطيات و تفكيك البنيات , للوصول إلى طرح فكري جديد كفيل بخلق تسوية للملف الفلسطيني بعيدا عن الطرح الديني الذي يتبنى مفهوم الجهاد أو الطرح السياسي الضيق الذي ينزوي و برفض التعامل مع الأمر الواقع . و المغرب لا يمكن أن يراهن على الوحدة العربية و الإسلامية التي لا توجد أصلا , و هي ضرب من العدم , أو كمن يتشبت بقشة في المحيط , و يقف ضد القرار الأميركي-الإسرائلي القاضي بالتطبيع , لأنه انتحار حقيقي نهايته الحتمية اغتيال مبادرة الحكم الذاتي و منح التندوفيين دولة , و ما سيستتبع ذلك من فوضى داخلية و تهديد حقيقي للأمن القومي للمملكة المغربية .
أما المرسوم الرئاسي الذي أصدره الرئيس الجمهوري المنتهية ولايته دونالد ترامب , فليس ذو قوة قانونية قوية , و يمكن للرئيس الديمقراطي بايدن , إصدار مرسوم جديد , لأن موقف ترامب من المغرب لم يكن في صالح الرباط منذ بداية ولايته , لكنه حاول تحقيق إنجاز في سياسيته الخارجية في الوقت القليل المتيقي له لصالح إسرائيل و ليس الرباط , و ذلك أمام رفض صريح من أعضاء حزبه و من يشكلون نواة القرار داخل البيت الأميركي . فموقف ترامب لن يكون الموقف النهائي , و مازلت قضية الصحراء ستمر بمنعطفات خطيرة جدا , مازلنا نحذر منها , و ندعو الرباط إلى الإسراع في صياغة رؤية استراتجية مفصلة لمستقبل الصحراويين في ظل الحكم الذاتي , حتى ننتقل من المجرد إلى الملموس و من النظري إلى العملي .
و تقعيدا عليه , فإن إعلان ترامب الإعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء , ليس موقفا سياديا لواشنطن , و ليس انتصارا سياسيا كبيرا و تاريخيا للمغرب , كما إدعى العديد من المهتمين , لأن الترامبية تغوص في التناقض و التهور , و ليست محلا للحكم المطلق .