تونس: عشر سنوات على 17 ديسمبر: بعض استنتاجات للمعنيين. (الجزء الثالث)

بشير الحامدي
2020 / 12 / 11

ـ 12 ـ
اليسار له تايخ وهذا التاريخ بدأ منذ الثورة الفرنسية ومنذ ذلك التاريخ لم يكن هذا اليسار إلا صورة من مشروع آبائه المؤسسين الأولين. قبل 1789 لم يكن في الفلسفة السياسية مصلح باسم اليسار فهذا المصطلح مصطلح برلماني لا غير وكل الحركات الجذرية والثورية لم تكن توصّف نفسها باليسارية من الفوضوية إلى الماركسية إلى الحركات العمالية النقابية في القرن التاسع عشر ولا حتى البلشفية أو التروتسكية أو الماوية فيما بعد ولا كذلك الحركات الثورية في القرن العشرين في أمريكا الجنوبية كانت تعرّف نفسها بأنها حركات يسارية.
اليسار واليمين ويسار الوسط واليسار الاجتماعي واليسار الللبرالي واليسار الاشتراكي واليسار الأممي واليسارالنقابي إلخ ... كلها تسمسيات تصنيفية لم ترْقَ عبر كل تاريخها ولو سياسيا إلى التعبير عن الصراع في المجتمع بوصفه صراع طبقات صراع بين منتجين ومالكي وسائل الإنتاج وغالبية يضطهدها رأس المال ودولته و أجهزته ولا بين مشروعيين تاريخين متناقضين واحد للتحرر و آخر رجعي محافظ مهما إتخذ لنفسه من تسميات :رأسمالي ـ إشتراكي ـ إشتراكي وطني أو قومي ـ لبرالي اجتماعي إلخ.... الصراع اليوم لم يعد صراع يمين ويسار لأن في محطات تاريخية عديدة رأينا كيف أن اليسار تحول إلى يمين واليمين تحول إلى يسار واليسار نفسه انقسم إلى يمين ويسار معدل واليمين أيضا انقسم إلى يمين متوحش و آخر أقل وحشية أو اجتماعي.. الصراع اليوم هو صراع بين أغلبية لا تملك مقصِيّة عن كل حقوقها وأقلية بيدها كل شيء من وسائل الانتاج إلى رأس المال إلى التكنولوجيا إلى العلوم إلى السلاح وهي بهذه الوسائل تعدّ الطبقة الأكثر قدرة على التنظم لحماية مصالحها في كل مكان والأكثر قدرة على فرض أساليبها في الحياة فلها وحدها القدرة على صنع هذا الذي ندعوه تقدّما.
المعركة اليوم كلها تقع هنا والتنافض بين هذه الطبقة والأغلبية وعلى مستوى كوني هو الذي يجعل من طبيعة المعركة معركة موضوعيا لا يمكن حصرها في معركة بين يسار ويمين بل بين أغلبية لا تملك وأقلية تملك كل شيء ومجالها السيادة على القرار والسيادة على الثروات والموارد ووسائل الإنتاج. إنها معركة الأغلبية ضد الأقلية والتي هي بالضرورة لا أيديولوجية ولا سياسية (سياسية بمعنى أن حدودها إدارة أجهزة الدولة أو المشاركة في إدارتها) بل معركة حقوق لا يمكن أن يؤمنها لا يسار ولا يمين بل هي تتجاوزهما في نفس الوقت نحو أشكال جديدة من الانتظام والفعل السياسي للأغلبية أشكال متجاوزة لكل التصنيفات الأيديولوجية ولكل هيمنة للأجهزة الحزبية والنقابية البيروقراطية ولكل وساطة سياسية لا باسم اليمين ولا باسم اليسار.
ـ 13 ـ
السياسية اليسارية طيلة ستين سنة في تونس مثلا وعند التحليل المعمق لم تكن إلا وجها آخر من السياسة البورقيبية مهما نسبت لنفسها من أيديولوجيات ماركسية أو قومية وما انخراط اليسار في العمل السياسي والنقابي بالكيفية التي نعرف منذ ديسمبر 2010 إلا الإثبات الملموس لذلك. سياسة إطارها مقولات: الوحدة الوطنية ـ السلم الاجتماعي الدولة المدنية ... هي سياسة أطاح بها 17 ديسمبر ولكنه عجز حتى الآن عن إنتاج بدائلها ...
إن يسار الوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي والدولة المدنية هو يسار منتهي الصلاحية بالنسبة للأغلبية المتعارضة مصالحها مع مصالح قوى رأس المال وهو ليس أكثر من شريك لهذه القوى في إدارة أزمتها ومجموعات هذا اليسار ستتحلل وتنتهي لما انتهى إليه الحزب الشيوعي لفلسطيني والحزب الشيوعي الأردني والحزب الشيوعي العراقي والحزب الشيوعي السوري والحزب الشيوعي المصري والحزب الشيوعي اللبناني والحزب الشيوعي السوداني مجموعات صغيرة بتعبيرات ثقافية منعزلة خارج التاريخ لا بدائل جذرية لها تميزها عن مشروع البرجوازيات الكمبرادورية المرتبطة.
مسألة انتاج البديل ليست مسألة سهلة في ظل تعقد الأوضاع القائمة وتحول مجتمعاتنا في ظل الهيمنة الرأسمالية الراهنة إلى مجتمعات مجردة من أي قدرة ذاتية على صنع القرار بدء بالاقتصاد وصولا للسياسة وفي ظل تذرر القوة الطبقية البديلة التي من مصلحتها قلب هذه الأوضاع جميعا لصالحها.
في أروبا وتحديدا في اليونان وإسبانيا في السنوات القليلة السابقة أنتجت الأزمة الشاملة للنظام الرأسمالي ولمعارضاته الكلاسيكية التقليدية هناك حركات اجتماعية مستقلة إلى حدّ ما قدرت في البلدين على تنظيم تعبئات جماهيرية كبيرة مثلت في فترة ما من الصراع ضد الحكومات القائمة المدعومة من البنوك والمجموعات المالية العالمية الكبرى أفقا لتطور حركة اجتماعية جذرية مستقلة حاملة لحلول لصالح الأغلبية لكنها سرعان ما ارتكست من جديد وانتهت متبنية للحل اللبرالي الذي فرضه دوائر البنوك والمستثمرين العالميين و البرجوازيات المحلية المهيمنة.
في تونس وبعد سبع سنوات من 17 ديسمبر برهن اليسار التونسي كذلك بجناحيه الجناح الذي يقول عن نفسه ماركسيا والجناح الذي يطلق على نفسه صفة القومي العربي عن عجزه عن الاستقلال سياسيا وتنظيميا عن اللبرالية وتمثّلِ عملية التغيير الاجتماعي الجذري بل أثبت وبشكل حاسم أنه عاجز حتى عن أن يمثل اتجاها إصلاحيا منسجما بسياسات اجتماعية يمكن أن تلف حولها الخدامة والمعطلين وشرائح واسعة من الطبقة الوسطى.
بهذا المعنى يمكن القول أن تغيير ميزان القوى لصالح الأغلبية وعملية التغيير الجذري في وجه من وجوهها سواء في بلداننا أوفي بلدان الديمقراطيات البرجوازية وهذا درس من دروس 17 سبتمبر لم يعد متوقفا فقط على ضرورة استقلال الأغلبية التنظيمي والسياسي عن النظام بل ايضا على تجاوز أطروحات هذا اليسار وسياساته.
ـ 14ـ
إننا لا نبحث عن تجاوز أحد لا ماركس ولا لينين ولا تروتسكى و لا ماو ولا قرامشي ولا نيقري ولا مهدي عامل ولا جيفارا ولا أي مدرسة من المدارس التي تقول عن نفسها أنها ثورية أو تجاوزية أو تجديدية بالدعوة الى الإستقلالية.
إن المسألة عندنا ليست تجاوزا ولا تطرح بهذه الصورة أبدا. هؤلاء كلهم حاولوا التغيير الجذري وأفلحوا في جزء وفشلوا في جزء وليس فيهم من هو نبي. ونحن نعتقد أن المهم هو أخذ ما بقي حيا ونيرا من تجاربهم وأفكارهم وأطروحاتهم عبر عملية نقد عميقة وجذرية وشاملة وما مات فقد مات. ولسنا بذلك انتقائيين لأن التقدم برمته يحدث بهذا النسق والتاريخ بكليته ليس سلسلة متتالية يفضي بعضها لبعض بل هو مجموع كل الأطوار التي سجلها الفكر والممارسة معا أي جملة مسارات متنوعة مترابطة تفضي لوحدة متنوعة. التجارب الثورية وتاريخ المقاومة يعود لما قبل هؤلاء ويتواصل وستواصل إلى ما بعد هؤلاء.
نحن ندعو لتجاوز الإيديولوجيات جميعا والاشتغال على كل تاريخ المقاومة من أول يوم ظهر فيه سيد وعبد وليس على آثار مدرسة واحدة فقط. هكذا أصبحنا نرى الأمور منذ 17 ديسمبر وتلك هي قوة 17 ديسمبر التأسيسية التي وعيناها.
وأول مسائل هذا المشغل والأمر هنا يعني كل جموع المعنيين هو الاستقلالية والتي تعني إتاحة المجال الواسع أوسع مجال للجماهير صاحبة الحق في التنظم في المحليات والجهات بشكل مستقل عن كل البيروقراطيات الحزبية والجمعياتية والنقابية ومباشرة فرض سيادتها على القرار وعلى الثروة. إنها الإمكانية الوحيدة التي عبرها يمكن أن يتحقق أوسع مدى ممكن لديمقراطية أخرى غير الديمقراطية التمثيلية وأوسع مشاركة مباشرة ممكنة في أخذ القرار وتنفيذه ومراقبته وتقييمه وتعديله.
ذلك ما ندعو له وذلك ما نعدّه القوة التأسيسية التي يجب أن يتكثّف حولها كل نشاط الأغلبية السياسي بعد أن وقفت بتجربتها الذاتية على فشل كل المسارات الانقلابية في السنوات العشر المنقضية.
استقلالية التنظيمية والسياسية عن النظام ومؤسساته وأجهزته وسياساته ذلك كان الدرس الأكبر لـ 17 ديسمبر الذي مازلنا مطالبين بتنفيذه.
ــــــــــــــــــ
رابط الجزء الأول من المقال:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=701319
رابط الجزء الثاني من المقال:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=701456

ــــــــــــــــ
11 ديسمبر 2020