لن تنهار الدّولة التّونسية لأنها راسخة في وعي شعبها.

عزالدين بوغانمي
2020 / 12 / 10

الدّولة التّونسية راسخة، ولا يمكن تفكيكها، لأنّها موجودة في وعي الناس.

هنالك فئتان من العوامل التي تجعل تونس فريدة ومختلفة وعصيّة، ويصعب تدمير دولتها ومجتمعها.

العوامل "المحيطية" إذا صحّ التعبير. كون حدودها القديمة منذ كانت إقليم فينيقي، ثم إقليم تابع للدولة الرومانية. وعلى مرّ العصور ظلت حدودها ثابتة تقريبا. وهذا ساهم في ثبات هوية البلد. وكون الإسلام نجح في التعايش مع بيئة بربرية لها خصوصياتها وبعدها عن مركز الإسلام الصحراوي. ولعلّ هذا ما يفسّر تعايش المذهب المالكية والاسلام الصّوفي. وكونها بلد لا يحتوي أسباب انقسام إتني ولا طائفي، وشعبها من بين الشعوب القليلة في العالم من حيث وحدته واندماجه، هذا ليس صدفة. وحتى التوتّرات الجهوية البسيطة ليست توتّرات جذريّة بالمعنى العرقي الأقوامي، بل هي مجرد حسّاسيات مناطقية سطحية ذات أسباب ظرفية.

وهنالك عوامل تاريخية/ ثقافية. القريب منها: نسبة التعلم، وحرية المرأة، ووجود طبقة متوسطة واسعة، وكذلك وجود مجتمع مدني وحركة نقابية عريقة. والبعيد من هذه العوامل وحاضنتها الثقافية والتاريخية هو حركة الإصلاح المُبكّرة التي بدأت تتبلور كسياسة دولة منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر. ولكن إرهاصاتها تعود إلى زمن أبعد من ذلك بكثير.

يجب أن نتذكر أنه في نوفمبر 1839 حين، انطلق ما يسمّى عهد التنظيمات، ودعا السلطان عبد الحميد الأول وجهاء الخلافة ورجال الحكم إلى قصر الزهور، وتلا عليهم البيان الذي عرف باسم "خط الكلخانة"، الذي صاغه مصطفى رشيد باشا بمساعدة المستشارين الفرنسيين، ففاجأ الجنرال حسين باشا (مبعوث الباي) الحضور بأن الإيالة التونسية غير معنية بهذه القرارات لأنها شرعت في الإصلاحات الكبرى منذ عامين (يعني سنة 1837). وعدّد الإصلاحات في الإدارة والجيش ... الخ. وختم بالتأكيد على "اختلاف الأحوال والطّبائع باختلاف الأمصار"، وبالتشديد على "الأمر السيادي للأيالة التونسية الذي يعود إلى 1809 (عهد حمودة باشا)". وهذا يدل أيضا على قوة الاتجاه الاستقلالي الذي تسبب في توترات عديدة بين باردو والباب العالي. فكما هو معلوم دام "حكم العثمانيين" في تونس قرابة أربعة قرون، لم يتمكنوا خلالها من فرض اللغة التركية ولا المذهب الحنفي ولا "التتريك". بحيث صار تطور النظام السياسي منذ اواخر السادس عشر في اتجاه التقليص التدريجي للسيطرة التركية مقابل المزيد من الاقتراب من الواقع المحلي، إلى أن مرّ نمط الحكم من التفويض المباشر إلى حكم البايات. ولكم أن تقوموا بمقارنة بسيطة بين عمر عَلَم تونس وعمر بقية أعلام الدول العربية. فعلم تونس في شكله الحالي عمره 193 سنة. فيما رفرف علم تركيا قرونا طويلة في كل المدن العربية الواقعة تحت الوصاية العثمانية. كما أن تسعين بالمئة من المراسلات بين تونس والباب العالي مكتوبة باللغة العربية. فالعثمانيون حين دخلوا تونس، وجدوا مدارس ومكتبات ونُخبة، ولم يجدوا فراغًا. ولذلك سايروا الأوضاع مسايرة في الفقه والتشريع ولغة البلاد المحلية. ونفس الشيء تقريبا حدث مع الفرنسيين.

يجب أن نتذكر أيضا الجدل الكبير حول إلغاء الرق في تونس مطلع ثلاثينات القرن التاسع عشر، والذي قادته النّخبة الفكرية وأعلام الإصلاح أمثال الشيخ محمد بيرم الخامس وابراهيم الرياحي وبيرم الخامس وخير الدين باشا والجنرال حسين ومحمود قابادو وسالم بوحاجب وأحمد بن خوجة و محمد معاوية والطاهر بن عاشور ( الجدّ) والشاذلي بن صالح وغيرهم... كل هؤلاء كانوا مع إلغاء الرق منذ ثلاثينات القرن 19، وظلّ الصخب الفكري متواصلا داخل النخبة التونسية قرابة عشرين عامًا حتى حُسِم بمرسوم رسمي في 1846. فمثلا، نجد رسالة حسين باشا باي ردًّا على رسالة بعثها سفير الولايات المتحدة بتونس سنة 1833 يتساءل فيها هذا الأخير عن دواعي الرغبة في إلغاء الرقّ. وكان الردّ مثيرا للاهتمام، حيث برّر ذلك بكون العامل الحر الذي يتقاضى أجرا مُنتجا أكثر من العبد المملوك، وأيضا يستند إلى آيات قرآنية تدعو لتحرير العبيد. ولما وصلت تلك الرسالة القصيرة إلى الرئيس الأمريكي أبراهام لينكون، أُعجب بمحتواها حتى أنه وضعها في لوحة وعلّقها في مكتبه. وألغت الولايات المتحدة الرق بعد تونس ب 16 عامًا. أي عام 1862، وفرنسا عام 1848 ، وتركيا عام 1847 أي بعد تونس بسنة واحدة، حيث أُلغيت العبودية رسميّا سنة 1846 وأُقر "عهد الأمان" الذي نص على المساواة بين المسلمين وغير المسلمين أمام القضاء سنة 1857. ووضعت دستور 1861 وهو الدستور الوضعي الأول في العالم العربي والمسلم.

يعني علينا أن نقترب من تاريخ البلاد. ونفهم أن خير الدين التونسي نفسه، والطاهر الحدّاد، ومحمد علي، وبورقيبة، لم ينزلوا من السّماء، بل هم نتاج حركة الإصلاح الدّيني والسياسي التي نبعت من داخل الزّيتونة وليس من خارجها كما هو حال حركة الإصلاح في الشقيقة مصر التي كانت في أغلبها في صِدام مع الأزهر.
وبسبب كلّ هذه العوامل "المحيطيّة" والتاريخية التي لا يمكن نقلها إلى بلدان أخرى، تتفرّد تونس بالحفاظ على حركة الثورة والتغيير التي انطلقت مطلع 2011.

الخائفون من التطرف الديني والأفكار الوهابية. وكذلك المتطرفون أنفسهم الحاملون لفتاوي الغلوّ والبِدع القادمة من بعيد، عليهم أن يطمئنّوا إلى أنّهم لن يقدروا على محو الإسلام التونسي المعتدل. وليتذكّروا أنّ القيروان عاصمة الفتوحات ومركز الإسلام منذ عام 50 هجرية. وأن جامع الزيتونة قائم منذ 79 هجري. يعني بعد سنوات من وفاة النبي. وهو أول مدرسة فكرية أشاعت منهجا حديثا في تتبع الاجتهاد نقدا وتمحيصا، ومن أبرز رموز هذه المدرسة علي بن زياد وأسد بن الفرات والإمام سحنون صاحب المدونة التي رتبت المذهب المالكي وقننته. وفي العهد الحفصي، وُلِد من هذه المدرسة الفقيه المفسر والمحدث ابن عرفة التونسي صاحب المصنفات العديدة. وابن خلدون المؤرخ ومبتكر علم الاجتماع.
كلّ هذه الأمور تُفسّر خلفيّة بعض الاحتجاجات ومغزاها البعيد الذي يجب على الإسلاميين الانتباه إليه. فعلى سبيل المثال، تجمّع النّساء أمام البرلمان احتجاجًا على خطاب أحد النوّاب المهدّد لمكاسب المرأة، هو ضوء أحمر لا يمكن أن نراه في بلد عربيّ آخر.

بحيث لا يجب الخوف من تفكّك الدولة التونسية بسبب حفنة مرتزقة تحمل فتاوي قتل المسلمين بمقابل أموال أجنبية مشبوهة.
وأنتم تلاحظون، نحن في العام العاشر لحكم الإسلام السياسي. فهل غيّروا فصلا واحدا في مناهج التعليم العصري؟
تونس ليست سهلة. والحل السلمي الوحيد هو أن يتخلص إسلاميوها من الفكر الإخواني المأزوم منذ ولادته، ومن الفكر الوهابي المجرم، ويتّكؤون على بلادهم وعلى اسلامها العقلاني.

طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا
رشيد اسماعيل الناشط العمالي والشيوعي في حوار حول تجربة الحزب الشيوعي العراقي - القيادة المركزية