تعزيز مشاركة المرأة العربية في الحياة العامة

حسن الشامي
2020 / 12 / 9

مقدمة
أن قضايا تحرر المرأة العربية ومساهمتها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية ونيلها حقوقها كاملة تعتبر جزء من قضايا المجتمع بأكمله، وتتأثر بطبيعة النظام الاقتصادي- الاجتماعي وبنوع العلاقات السائدة في ذلك المجتمع.

وبإلقاء نظرة على أوضاع المرأة العربية في مختلف التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية، عبر التاريخ باعتبارها جزء من القوى العاملة في تلك المجتمعات، نجد ان دورها في المجتمع العبودي والإقطاعي اقتصر على العمل الرعوي والزراعي واعتبرت عنصرا تابعا للرجل من الناحية الاقتصادية وذلك في إطار أساليب الإنتاج التي كانت قائمة آنذاك والتي اتسمت بانخفاض إنتاجية العمل.

إن انتقال المجتمعات إلى المرحلة الرأسمالية عبر الثورة الصناعية التي قادت إلى توفير فرص عمل أكبر واستخدام أكثر لليد العاملة، ساعد على ولوج المرأة العربية لمجالات العمل المختلفة. إضافة إلى ذلك فقد أدى سيادة علاقات الإنتاج الرأسمالية وانهيار علافان الإنتاج الإقطاعية إلى إحداث تغيير أساسي في القيم والتقاليد وأشكال أنماط العيش التي كانت مسيطرة خلال المرحلة الإقطاعية وترافق مع هذا التغيير تحرر نسبي للمرأة ساعد على زيادة مشاركتها للرجل في النشاط الإنتاجي.

وإثناء الثورة الفرنسية الكبرى 1789 م جرت المحاولة الأولى للاعتراف بحقوق المرأة السياسية والمدنية ومساواتها بالرجل لكن الثورة الفرنسية البرجوازية لم تستطع أن تطرح قضية المرأة طرحا صحيحا وجذريا بحكم الطبيعة الاستغلالية لنظام علاقات الإنتاج الرأسمالية السائدة.

ورغم الجهود الدولية المبذولة من أجل إلغاء التمييز ضد المرأة كالمؤتمرات الدولية الخاصة بالمرأة وإصدار الوثائق والاتفاقيات الدولية التي تنتصر لحقوق الإنسان والمرأة، كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولائحة القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة تطرح قضايا المرأة نفسها بقوة في معظم البلدان، وتتناقل الأنباء يومياً الأخبار عن مؤتمرات وندوات ونشاطات، تتعلق بالمرأة في هذا البلد أو ذاك.

ففي هذا البلد العربي جرى تعيين سيدة في منصب وزاري لتصير السيدة الثانية في الوزارة، وفي بلد عربي آخر، نظمت هيئة نسائية نشاطاً هدفه تأكيد حق المرأة في منح جنسيتها إلى أولادها تأكيدا على مبدأ المساواة مع الرجال، وفي بلد عربي ثالث، جرى تعيين امرأة في منصب قضائي كبير، تحتله سيدة للمرة الأولى في البلدان العربية، وفي بلد هربي رابع، تتقدم سيدة إلى قائمة الترشيح لرئاسة الجمهورية.

ويؤكد توالي الأنشطة على الاهتمام المتصاعد الذي تحوزه قضايا المرأة العربية، سواء من جانب المؤسسات الأهلية والمدنية في المجتمع، أو من جانب الحكومات وأجهزتها المختلفة، التي يبدو أن اهتمامها آخذ بالتصاعد بموضوعات المرأة، وبعضها وضع قضايا المرأة العربية في اهتماماته الأولى، وهو أمر ملحوظ في سياسة عدد من البلدان.

وإذا كان الاهتمام بموضوعات المرأة العربية، جزءا من سياق الإصلاح العربي، فإن من المهم التوقف عند عدد من النقاط، تربط الأنشطة الجاري القيام بها ومتابعتها بالإصلاح العربي وأبرزها تأكيد تمكين المرأة للمشاركة في الحياة العامة بمجالاتها كافة، وخصوصاً لجهة مشاركتها في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية، وتصفية الطابع التمييزي بين النساء والرجال في هذا المجال، وان تكون تلك المشاركة حقيقية وفاعلة، لا مجرد مشاركة شكلية، هدفها تجميل وجه النظام السياسي، والإيحاء بتوجهه إلى معالجة قضايا المرأة العربية وتمكينها.

دور المرأة في عملية التنمية :
بما أن قضية المرأة العربية لا يمكن ان تبحث بصورة مجردة وبمعزل عن قضايا المجتمع ككل، باعتبار ان قضية المرأة العربية هي جزء من قضايا المجتمع، فأن النهوض بالمرأة العرابية لا يمكن أن يتم الا في إطار مشروع تنموي وطني متكامل يضمن المساواة والعدالة الاجتماعية مما يؤمن التوظيف الأمثل للموارد البشرية.

وتقوم التنمية في جوهرها على المواطن، فهو صانع التنمية وغايتها.. ومن هنا تتأتى ضرورة إتاحة الفرصة لمشاركة جماهيرية واسعة من أجل النضال ضد الهيمنة الرأسمالية، لكن المشاركة الجماهيرية تشترط أجواء من الحريات والديمقراطية.

وعلى هذا الأساس يمكن فهم التناقض الجوهري بين الهيمنة الرأسمالية والتنمية كما يمكن فهم الترابط العضوي بين التنمية والديمقراطية.لذا يصبح النضال من أجل استعادة السيادة الوطنية وتحقيق البديل الديمقراطي المهمة الأساسية في نضال شعبنا وقواه السياسية لتحقيق التقدم الاجتماعي. ويندرج ضمن مفهوم مشاركة المرأة العربية في التنمية مسائل عديدة منها مساهمتها في قوة العمل..مساهمتها السياسية.. تعليم المرأة العربية ومسألة أميتها.. القواعد والقوانين الناظمة للحياة الاجتماعية.. الوعي الاجتماعي من عادات وتقاليد وأعراف وأنماط سلوكية.

مشاركة المرأة في التنمية الاقتصادية :
إن تحرر المرأة العربية يبدأ بتحررها على الصعيد الاقتصادي باعتباره مدخلا يسمح لها بحرية الاختيار الذي يجب أن تضمنه قوانين وتشريعات تسمح لها بأن تحيى حياة مختلفة نوعيا، وان تحقق ذاتها. وعمل المرأة العربية ضرورة وطنية لان حرمان نصف المجتمع من العمل وبالتالي جعلها غير منتجة ومستهلكة فقط معناه شل الاقتصاد الوطني وعرقلة نموه.
لكن الإقرار بحق المرأة العربية بالعمل ومطالبتها به لا يكفي لكي تؤمن لها التسهيلات وإزالة العوامل المعرقلة لعملها من قبل الدولة والجهات الفاعلة بالدرجة الأولى. والتنمية الاقتصادية لكي تتم لابد من حل مشكلة البطالة والتخفيف من وطأة الإجراءات والإصلاح من كاهل محدودي الدخل سواء رجل أو امرأة لإيجاد فرص عمل جديدة دائمة.

الإجراءات المقترحة التي تضمن مساهمة المرأة في قوة العمل :
- اعتماد وتنفيذ قوانين لمكافحة التمييز القائم على أساس الجنس والسن والعرق والدين) في سوق العمل وفي التعيين والترقية وفي منح مكاسب العمل والضمان الاجتماعي وفي ظروف العمل.
- التخطيط بأبعاده القصيرة والمتوسطة والبعيدة والعمل على تلبية الحاجات الأساسية للمرأة في الغذاء والتعليم والصحة والمسكن والملبس والضمان الاجتماعي، وتمكين المرأة العربية على قدم المساواة مع الرجل في كل هذه القطاعات للنهوض بالمرأة والأسرة.
- إنشاء أجهزة متخصصة على مستوى الوطن لمتابعة موضوع إدماج المرأة العربية بالتنمية وللقيام بأبحاث لاختيار الأساليب التي من خلالها يمكن وضع برامج إنمائية تدعم مشاركة المرأة العربية في مجالات التنمية المتعددة.
- إعادة النظر في النظام التعليمي في جميع مراحله في إطار النظر إلى وضع المرأة العربية فيه بحيث يتم ربط مضامينه بالتنمية، باعتبار التعليم هو المصدر الذي يلبي احتياجات المجتمع من القوى العاملة المؤهلة في مجالات العمل المختلفة.
- تخليص المرأة العربية من الجهل بمحو أميتها من خلال التنسيق بين الجهد الرسمي والأهلي والعمل على سد منابع الأمية بتطبيق التعليم المجاني الإلزامي للجنسين معا.
- إقرار سياسة إعلامية تسعى لإحداث تغيير في الوعي الاجتماعي بأهمية مشاركة المرأة العربية في العمل وإبراز الجوانب الايجابية لشخصية المرأة العربية وتجسيد إسهاماتها في ميادين التنمية المستدامة.
- ضرورة تطوير أوضاع المرأة العربية الريفية من خلال منح القروض للنساء للمشاركة في المشروعات.
- ضرورة سن وإنفاذ القوانين ضد التحرش الجنسي وغيره من أشكال التحرش وما يرافقه من عنف ضد المرأة في أماكن العمل.

مشاركة المرأة السياسية :
نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حق كل فرد في أن يشترك في حكومة بلده، وتمكين المرأة من أداء دورها ونيلها للاستقلال الذاتي وتحسين مركزها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، أمر ضروري لتحقيق الحكم والإدارة والتنمية المستدامة على أساس الوضوح والمساءلة في جميع جوانب الحياة، وعلاقات القوة التي تعوق تحقيق المرأة لذاتها، تؤثر على عدة مستويات في المجتمع من المستوى الشخصي للغاية إلى أعلى مستوى في الحياة العامة، لذلك فأن تحقيق الهدف المتمثل في إشراك المرأة والرجل على قدم المساواة في صنع القرار من شأنه أن يؤدي إلى توازن يعكس بصورة أدق تكوين المجتمع (ويعد شرطا مسبقا للأداء الديمقراطي السليم).
وتؤدي المساواة في عملية صنع القرار السياسي وظيفة نفوذ يتعذر بدونها إلى حد كبير تحقيق الإدماج الفعلي لعنصر المساواة، يؤدي دورا بالغ الأهمية في عملية النهوض بالمرأة بشكل عام، فاشتراك المرأة في عملية صنع القرار على قدم المساواة، لا يعد مطلبا من مطالب العدالة والديمقراطية البسيطة فحسب وإنما يعكس اعتباره كذلك شرطا ضروريا لمراعاة مصالح المرأة.
وعلى الرغم من الحركة الواسعة النطاق نحو إقرار الديمقراطية في معظم البلدان لا تزال المرأة العربية ممثلة تمثيلا ناقصا في معظم مستويات الحكم لاسيما في الهيئات الوزارية وغيرها من الهيئات التنفيذية ولم تحرز سوى قدر ضئيل من التقدم في الحصول على سلطة سياسية في الهيئات التشريعية فنسبة النساء بين أعضاء الهيئات التشريعية لا تتعدى 10% وتقل نسبتهن عن ذلك في المناصب الوزارية.
ورغم أن المرأة تمثل نصف الناخبين في جميع البلدان تقريبا وقد حصلت على حق التصويت وفي شغل المناصب في كافة الدول أعضاء الأمم المتحدة.. ولكن لا تزال ممثلة تمثيلا ناقصا بشكل خطير فيما يتعلق بالمرشحين للمناصب العامة وذلك لان أنماط العمل التقليدية للعديد من الأحزاب السياسية والهياكل الحكومية يمكن أن تظل بمثابة عقبات تحول دون اشتراك المرأة في الحياة العامة.

مشاركة المرأة في الحياة العامة :
وحتى يكون لمشاركة المرأة العربية معناها العملي والجوهري، لا بد من إعلان، يؤكد تبني السلطات الرسمية موقفا يدعو إلى مشاركة المرأة العربية في الحياة العامة، ومعالجة المشاكل التي تحد من مشاركة النساء.
ولا شك أن الحاجة لدعم هذا الإعلان يحتاج سلسلة من الإجراءات القانونية والإدارية، التي توفر الإطار القانوني والإداري للمشاركة، وإنهاء سياسة التمييز ضد النساء، وتعديل قوانين وأنظمة العمل وتحسين ظروف عمل النساء، وضرورة إدخال العنصر النسائي في الوظيفة العامة، وتولي المناصب السياسية والإدارية على قدم المساواة مع الرجل.
وان معالجة قضايا المرأة العربية في إطار الإصلاح العربي، يتعدى الإجراءات الإدارية والقانونية، وضرورة توجه السلطات الرسمية إلى أنشطة ثقافية معرفية هدفها تعديل المناخ التقليدي السائد في النظر إلى المرأة العربية ومشاركتها في الحياة العامة وإشاعة مناخ جديد، يتناسب وتوجهات الإصلاح ومشاركة المرأة العربية فيه.
ورغم أهمية الدور الهام والمركزي المناط بالسلطات الرسمية القيام به في موضوع المرأة العربية والإصلاح في البلدان العربية، فإن هناك دورا موازيا ينبغي القيام به من جانب المجتمع ممثلاً بهيئاته الأهلية والمدنية، وفعالياته الاجتماعية والثقافية، هدفه دعم ومساندة الجهد الرسمي لإنهاض المرأة العربية في سياق عملية الإصلاح، وإعطاء عملية نهوض المرأة العربية عبر الإصلاح طابعاً عملياً، سواء في تعديل المفاهيم التقليدية الشائعة، او في خلق نماذج وتجارب واقعية لنجاحات النساء في الحياة العامة، والتي لا شك في أنها سوف تعكس مستوى نجاح عملية الإصلاح التي صارت بين ضرورات الحياة العربية المعاصرة.

مقترحات تعزيز مشاركة المرأة :
- الالتزام بتحديد هدف التوازن بين الجنسين في الهيئات واللجان الحكومية وكذا في الكيانات الإدارية العامة، وفي النظام القضائي بما في ذلك أهداف محددة.
- حماية وتعزيز حقوق المرأة والرجل على قدم المساواة في ممارسة العمل السياسي وفي حرية تكوين الجمعيات بما في ذلك العضوية قي الأحزاب السياسية والنقابات.
- دعم المنظمات غير الحكومية ومعاهد البحوث التي تجري دراسات عن مشاركة المرأة في عملية اتخاذ القرار والبيئة التي يتم فيها، وعن اثر هذه المشاركة.

رئيس الجمعية المصرية للتنمية العلمية والتكنولوجية
عضو المنظمة العربية لحقوق الإنسان

فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب