فى ذكرى تأسيس حزب العمال الشيوعى المصرى - ضد التيار

سعيد العليمى
2020 / 12 / 7

حزب العمال الشيوعى المصرى – ضد التيار
1 - إبراهيم فتحى القائد والدور
حلت فى الثامن من ديسمبر الماضى الذكرى الخمسون لتشكيل النواة الأولى لحزب العمال الشيوعى المصرى عام 1969 ، وتترافق هذه الذكرى العزيزة على قلوب بعض مناضلى جيلنا مع رحيل القائد الفكرى والسياسي لهذا الحزب إبراهيم فتحى ( 23 أغسطس ، 1931 – 3 أكتوبر ، 2019 ) بعد ان سبقه الى الرحيل فى نفس العام رفاق أعزاء ، فأى مشعل للفكر قد إنطفأ ، وأى قلب قد توقف عن الخفقان . وتترى مقالات النعى والرثاء فى الصحافة البورجوازية المصرية والعربية مفاجئة لنا . فبعد عقود من العداء والملاحقة والمحاصرة والسجن والاضطهاد ، هناك من يحاول " إختزاله " بجعله مقبولا لدى البورجوازية التى أفنى عمره مناضلا ضدها ، وتحويله بعد رحيله الى ايقونة أدبية محايدة لاضرر منها ، وضمه لقائمة النقاد الرسميين الودعاء ، واحاطة اسمه بهالة من التبجيل الشكلى بهدف طمس المضمون الثورى لكل انتاجه بالتشديد على دوره فى حقل النقد الأدبى ، وبصيرته النافذة فى العالم الروائى لنجيب محفوظ وتقدير الأديب الكبير له ، متناسين النظرية الثورية التى كانت مرشدا وملهما له يخترق كل أعماله فى جميع الحقول ، تأليفا ، أو ترجمة ، أوتقديما أو مراجعة لأعمال آخرين ، أو حتى إبداء مشورة فى الكثير من المشاريع البحثية الأكاديمية التى كانت تعرض عليه .
ولابد أن أؤكد هنا ، قبل كل شئ ، ان الماركسية التى تبناها مفكرنا الراحل معادية بشكل لامهادنة فيه لتأليه القادة ، بغض النظر عن مآثرهم فهم حسب لينين – “ ليسوا ملائكة ولا قديسين ولا أبطالا ، بل هم بشر مثل الآخرين تماما يرتكبون الأخطاء “ فى حيواتهم الخاصة ، ويتوهون أحيانا فى مسارات الصراع الطبقى المتعرجة ، ووحدهم بلا جيش ، ولاهيئة أركان قيادية لم يكونوا ليصنعوا شيئا ذا بال ، ولايعنى هذا عدم التقدير والإنكار الفوضوى أو العدمى لدورهم . واذ نعرض هنا لدور أبرز قادة ح ع ش م الأيديولوجى والسياسي بشأن الكتابات الأولى التى أنتجها فى الذكرى الخمسين لتشكل ح ع ش م ، فذلك فى إطار الدور التأسيسي الذى قام به حين كان مسؤولا سياسيا عن كلية العمل الحزبى فى الفترة من 1970 – 1973 ، ولايدعى العرض الحالى أنه يقدم تقييما شاملا لمسيرته الفكرية والسياسية الحافلة ، وبالأحرى سيرته الذاتية الخاصة .
لقد مثل إبراهيم فتحى ( 1 ) طوال تاريخه ذلك المفكر العضوى الماركسي المستقل المعادى لسلطة الرأسمالية ، وأجهزة دولتها الايديولوجية ، ثاقب الرؤية المعادى للدوجماتية ، ذو النزعة النقدية الذى لايركن لإجابات جاهزة ، صاحب الرسالة ، والملتزم ، وقد أدى به ذلك الى ان يناهض دائما الوعى الزائف فى الحقل السياسي والاجتماعى والادبى والفنى والفلسفى من منظور ماركسى ، اى منظور الدفاع عن قضايا المضطهدين من عمال وفلاحين وطموحاتهم فى التحرر الوطنى والاجتماعى . وهو لم يقف بانتاجه الفكرى والسياسي عند حد الكشف عن التناقضات الطبقية للنظام الناصرى – الساداتى وتعريتها وبيان دلالاتها ، بل طبق مايترتب على تلك الافكار فى الممارسة بالانخراط فى نشاط حزبى يكون أداة التغيير فى الوجهة التى حددتها "الأنا الجمعية" التى اختار ان ينتمى اليها .
وقد كان مهيأ أكثر منا جميعا ، بحكم تاريخه الثرى فى النضال الشيوعى السابق للقيام بدوره كقائد فكرى وسياسي للتنظيم الشيوعى المصرى ( الذى أصبح لاحقا ح ع ش م فى سبتمبر 1975 ) ، فهناك خبرته النظرية والسياسية بواقع الحركة الشيوعية المصرية والعالمية ، ومعاناته النقدية طوال سنوات لصراعها الفكرى بكل ضراوته وحدته ، بقضاياها واطروحاتها وخلافاتها ، وحقيقة إمتلاكه رصيدا معرفيا هائلا راكمه خلال تاريخه الحزبى ، وكذلك حصاد الصراعات التى خاضها حول قضايا عينية ملموسة تخص واقع الثورة المصرية ( داخل تنظيمه ثم فى جدالات تنظيمه مع التنظيمات الأخرى ) ، فقد واجه فى بواكير حياته السياسية – أثناء عضويته القصيرة فى حدتو - مسألة تمصير الحركة الشيوعية من القيادات الاجنبية ، والموقف من الصهيونية وإسرائيل ، وفكرة التحالف مع الاخوان المسلمين ، ورفض الكفاح المسلح ضد المحتل البريطانى ، وتأييد حركة ضباط يوليو ، واعدام عاملى كفر الدوار خميس والبقرى ، مما أدى به فى اواخر عام 1952 الى الانشقاق عن حدتو مع بعض رفاقه رفضا لسياستها وإختلافا معها فى القضايا الآنفة ، الى ان انتهى الأمر بتكوين منظمة "وحدة الشيوعيين المصريين " .
وجدير بالذكر إن من يقوم بدور المسؤول السياسى ، سواء كان فردا أم جماعة لابد ان يمتلك الإستعداد اى نوع من " التطبع " تغنيه الممارسة ، اى حرفية متمكنة لإكتساب متن معرفى ورأس مال رمزى يمثل نوعا من اللغة ( النظريات ، الإشكاليات ، المفاهيم ، التقاليد التاريخية ، المادة التاريخية .. الخ ) التى أنتجها وراكمها العمل السياسي الشيوعى . فالممارسات تتحدد بشروط الوجود المباشرة وبكل التاريخ السابق .
وكان عليه فيما بعد كمسؤول سياسى بعد إنشقاقه المبدئى عن " حدتو " أن يسهم مع رفاق حزبه ( وحدة الشيوعيين المصريين ) فى تحديد مواقف سياسية وعملية فى النقاط الفاصلة فى التاريخ السياسي للنظام الناصرى مثل اتفاقية الجلاء ، وأزمة مارس 1954 ، مؤتمر باندونج ، وصفقة الأسلحة التشيكية 1955 ، تأميم القناة ، والعدوان الثلاثى 1956 ( تطوع مع الكاتب ابراهيم عامر، وبهجت النادى المهاجر الى فرنسا فى كتائب الفدائيين للقتال فى بورسعيد ) فالوحدة المصرية السورية 1958 ، ثم التأميمات "الاشتراكية " يوليو 1961 . وقد وجدت هذه المواقف صداها فى كتابات سرية او ترجمات علنية عبرت عن مواقف حزبية جماعية ، وان صدرت باسم ابراهيم عامر الذى كان يعمل صحفيا فى جريدة الجمهورية آنذاك . منها كراس " تأميم القناة " 1956 ، كراس " ثورة مصر القومية " 1957 ، كراس " الإستقلال والطريق الى الاشتراكية " وهو ترجمة لمؤلف للعالم البولونى جوليان هوخفيلد 1957 . وأهمية هذه الدراسة على صغر حجمها أن موضوعها كان انصهار عدة قوميات متفاوتة النضج فى عصر الامبريالية فى قومية اشتراكية واحدة ، فى سياق الثورة الاشتراكية ، وهى الفكرة التى وجدت صداها فى الوثائق المنشورة هنا ، اى فى وثيقة حول سلطة البيروقراطية البورجوازية فى القسم الخاص بالقومية العربية ، وفى وثيقة فى ذكرى اتحاد الجمهوريات العربية . ثم كتاب الأرض والفلاح 1958 الذى رفض الزامية المراحل الخمس التى يتعين أن تمر بها كل البشرية ، وذكر لأول مرة موضوعة نمط الإنتاج الآسيوى فى مصر ( وهو نمط كان مرفوضا منذ عام 1933 تاريخ آخر جدال حوله من قبل العلماء السوفييت فى الحركة الشيوعية العالمية ) ، ثم عرض ملامح برنامج فلاحى فى المسألة الزراعية .
ولابد من الإشارة هنا لتحليل غاية فى الأهمية كتبه إبراهيم فتحى إبان إعتقاله فى سجن القناطر الخيرية عام 1961 ووجد طريقه خارجه بعنوان : "حول إشتراكية رأس المال الكبير " وكان تحليلا للتأميمات التى أجرتها السلطة الناصرية ، وفيه تتجلى إرهاصات ماكتبه عن البورجوازية البيروقراطية فيما بعد . وتناول فيما تناول التراكم الرأسمالى الذى يحققه التأميم ، ورأسمالية الدولة ، وظاهرة البونابرتية كشكل للحكم – وقد اطلعت على التحليل بنفسي عام 1968 بمعرفة المناضل الراحل عبد السلام الشهاوى .
لقد مثل إبراهيم فتحى بالنسبة لنا تجسيدا للفكر الثورى ، وخطا راديكاليا داخل الحركة الشيوعية المصرية التى سيطر على كل مفاصلها وتوجهاتها الفكر اليمينى المراجع ، ورغم انه كان فى جدالاته النظرية والسياسية خصما حادا ، قاسيا ، عنيدا ، ولاذعا ، فلم تكن قضية الثورة بالنسبة اليه موضع مساومة ، الا انه وفى الجانب الآخر كان تربويا مع رفاقه الأصغر سنا ، والأقل خبرة ، يكللهم برعايته ، ويلعب دورا فاعلا نشيطا فى تطويرامكاناتهم ، ويحاول خلق نواة قيادية منهم ، ولم يستغل مكانته الأدبية فى إملاء موقف تبناه عليهم . وقد شكل بوصفه فردا جزءا من كل ، وقد أثر فى هذا الكل بمقدار مااستوعب الحاجة التاريخية – السياسية لهذا الكل وتكيف بمقتضاها .
لقد اعتاد القول " كل ماأعرفه هو أننى لست ماركسيا " مقتفيا إثر ماركس ، مشيرا لجدلية فكره ، والحال أن مضمون مايقول عنى قدرته على دراسة العينى فى وجوده العينى ، وتغيير الموقف حسب حركة الواقع ان تطلب الأمر ذلك ، ترتيبا على التحولات الجارية ، وكانت قضايا الثورة المصرية والعربية هى مناط كل شئ عنده ، ولايعنى بأى حال التخلى عما هو ثورى ومبدئى فى الماركسية ، ومراجعة أطروحاتها الأساسية بروح يمينية ، أو تكييفها إصلاحيا بحيث تدعم متطلبات الأوضاع الطبقية القائمة . فعلى سبيل المثال حين كان بعض مثقفى الحركة الشيوعية المصرية مثل محمود أمين العالم ، وإسماعيل المهدوى ينتقدان الفلسفة الوضعية المنطقية التى كان راعيها الأول فى مصر زكى نجيب محمود بوصفها " فلسفة استعمارية " ، كان يناقش ويركز على دورها فى مصر فى تبديد " خرافة الميتافيزيقا " والفكر اللاهوتى المهيمن بإدخال والتشديد على تأسيس الفكر العلمى . وتبنى موقف ماركس فى الأيديولوجية الألمانية الذى تمكن من أن يرصد التغيرات التى تعترى نظرية ما حين تنتقل من مكان إنتاجها النظرى الأصلى لبيئة فكرية مغايرة ، كفكر الثورة البورجوازية الفرنسية ، والمذاهب الاشتراكية ، بعد إستيرادها لألمانيا . وقد إستبق بذلك إدوارد سعيد حين تناول هذا الموضوع تحت عنوان " هجرة النظرية " بعدها بعقود طويلة . وحين دار نقاش فى فرنسا فى الستينات حول أنماط إنتاج ماقبل الرأسمالية ، وأعيد طرح مفهوم نمط الانتاج الآسيوى للمناقشة ، ووجد ذلك صدى لدى كوادرنا الأساسية ، وبات موضوعا للجدل والإختلاف ، وطالب البعض بموقف حزبى فى هذه المسألة ، رفض بإصرار ان يحسم هذا الموضوع العلمى بالتصويت ، تاركا المسألة مفتوحة للبحث وتباين الآراء وللكشوف الأثرية . وفى الوقت الذى كان يمين الحركة الشيوعية المصرية يتخذ موقفا ستالينيا تشهيريا من التروتسكية رفض ايضا ان ننصاع لهذا الاتجاه معينا ان الموقف من التروتسكية المصرية يتحدد بمواقفهم من قضايا الثورة المصرية ولا ينبغى أن يحكمنا موقف السوفييت منها .
وربما حق لى أن أقول مع هيجل "يعبر الأفراد الأفذاذ عما هو جوهرى ، عن الضرورة التاريخية ، عن حقيقة زمنهم ويمنحون طاقتهم لبلوغها . "
2 - النص والسياق
تعود بنا الوثائق ( 2 ) المنشورة هنا الى مرحلة تبعد عنا لنصف قرن كامل من حيث الزمن ، ورغم انها غريبة عن الأجيال الحالية ، الا أن الزمن الذى كتبت فيه وأحداثه ، ووقائعه الفاصلة مازالت هى التى تشكل حاضرنا فى جوانبه الأساسية ، سواء وعينا ذلك ام لا، وقد مثلت انعكاسا لمنعطف تاريخى مرت به بلادنا ومازالت تسير فيه بإيغال ، وربما كان هذا أحد الأسباب الذى يدعو لإعادة قراءتها ، وإغناءها برؤى حول الوقائع الجديدة . ان الاهمية الحقيقية والطابع الثورى لفكرإبراهيم فتحى النظرى والسياسي وحقيقة إمتلاكه لناصية الجدل الماركسي ( علم جبر الثورة ) تتقوم بالضبط فى أنه وضع حدا نهائيا لتصورات الحلقة الثانية من الحركة الشيوعية المصرية فى قضايا الثورة المحورية ( 3 ) عند جيلنا الماركسى الستينى – السبعينى ممن تشكلوا فى فصيل منظم تحت راية مستقلة ، ومثل بشخصه الحلقة التى ربطت بين فكر المنظمات الصغيرة الراديكالية فى الخمسينات فيها بجيل جديد تمرد على التقليد القديم للحركة الشيوعية المصرية ورفضه ، دون ان يتمكن من بلورة نظرية جديدة خطيا يستهدى بها فى نضاله السياسى ، رغم اهتماماته الفكرية ومعاناته ، وتلك كانت مأثرة مفكرنا . ولايصعب على المرء ان يفهم أى تأثير عظيم كان لابد أن يمارسه هذا المنهج الجذرى الذى احتوته الوثائق فى النظر لظواهر حياتنا السياسية الذى وجه نصله الحاد للسلطة الطبقية الحاكمة وللفكر التحريفى الذيلى المراجع المحلى وأصوله العالمية ، وسحقه فى وعينا بضربات متتابعة محكمة . مع ذلك لايمكن لأحد أن يستشعر حقا عمق الأثر التحريرى الذى مارسته هذه الوثائق بتمثلاتها علينا الا اذا كان قد عاينه بالفعل . كانت هذه الوثائق هى أدوات إدراكنا للواقع والتعبير عنه وتغييره . وكان كاتبها رجلا ممن اتصفوا بالنبوغ والعمق فى استيعاب وتطبيق المنهج الماركسي ، فقد استطاع باستخدامه لهذا المنهج ان يصل لتوقعات مستقبلية تخص مصائر الطبقة السائدة وتوجهاتها ، والشئ الجوهرى هو أن تشخيصه السياسي ، أى التصور الذهنى المسبق للظاهرات والحالات المستقبلية الذى طرحه ، قد مكن الحزب الوليد من أن يتوقع لحد بعيد اتجاه خصومه السياسيين والاجتماعيين الى تبنى سياسات معينة ، وحتمية حصول بعض الاحداث السياسية ، وتغير أشكال الصراع الطبقى على إثرها .
لقد طرحت هذه الوثائق الطبيعة الطبقية للسلطة بوصفها سلطة البيروقراطية البورجوازية فى مواجهة المفهوم الذيلى الذى تبنته غالبية فصائل الحركة الشيوعية المصرية حول " المجموعة الاشتراكية " التى تنتهج طريق التطور الرأسمالى ، وتسير حثيثا بقيادة عبد الناصر فى المسار الكوبى ، ولم يكن زاد جيلنا الراديكالى آنذاك من زاوية التحليل الطبقى قد تجاوز رفضا غائما للاشتراكية البيروقراطية ومفهوم أن السلطة السائدة هى " سلطة البورجوازية الصغيرة " ترديدا لمقولات طرحت فى مجلة الحرية البيروتية المعبرة عن القوميين العرب المتجهين للماركسية آنذاك فى صيف عام 1966 ، حيث كتب صلاح عيسى – وكان وقتها ماركسيا قويما ينهل من رافد وحدة الشيوعيين المصريين – سلسلة مقالات بعنوان " الثورة بين المسير والمصير " ، كما كتب مقالات فى نفس الوجهة محمد كشلى اللبنانى ، ووضاح شرارة الفلسطينى ، ومصطفى طيبة المصرى ، كما لخصت المجلة ، كتابى انور عبد الملك " مصر مجتمع جديد يبنيه العسكريون " 1962، وكتاب حسن رياض وهو اسم القلم لسمير أمين ، " مصر الناصرية " 1964 ، وكلاهما نشر فى باريس .
لقد جاءت الوثيقة الأولى حول سلطة البيروقراطية البورجوازية قاطعة التحدد فى تشخيص الطبقة السائدة ، وتنبأت بمآلاتها الحتمية للتحالف مع الغرب الإمبريالى ، وبالتداخل والاندماج مع الرأسمالية التقليدية ، وتصفية العلاقات مع الاتحاد السوفييتى آنذاك ، وبالدخول فى مناوشات عسكرية تنتهى من خلال المنعرجات السياسية الى تسوية مع العدو الإسرائيلى ، وبينت شكل الحكم وطابعه البونابرتى ، وعداءه المستحكم للديموقراطية ، والوضع الدولى الذى أتاح لهذه السلطة الطبقية هامشا نسبيا للمناورة بوجود معسكرين أحدهما رأسمالى والآخر اشتراكى ، كما طرحت فى ذات السياق الموقف من المراجعة السوفيتية والخطر الذى تمثله على القضيتين الوطنية ، والاشتراكية ، وعينت الموقف الماركسى من القومية العربية فى مواجهة الموقف العروبى الذى مثله المفكران البورجوازيان ساطع الحصرى ، والحكم دروزة ، والدعاوى الناصرية التى ترتكز عليه .
لقد شعر كل من قرأ الوثيقة الأولى بشكل خاص أنها تعبر عنه ، وعن أفكار جيل كامل بشكل ساطع . ( كنا نردد ونحن نتصور بالفعل أن : هذا هو ماأردنا أن نقول بالضبط ! وكانت تلك لحظة إستبصار وإشراق ! ) ، ويجدر التنويه هنا بأن أثر هذه الوثيقة الأولى قد تجاوز حدودنا وبلغ بعض القادة الشيوعيين العرب مثل الحكيم جورج حبش المسؤول السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين– حسب رواية رفيقنا الراحل صلاح العمروسى - فقد بددت الوثيقة المذكورة لديه خرافة هيمنة وسلطة البورجوازية الصغيرة الرائجة آنذاك ، ومزقت الضبابية التى غلفت مولد البيروقراطية كطبقة إجتماعية مسيطرة ، وحددت بشكل ثورى الموقف منها .
وتلت الوثيقة الأولى الوثيقة الثانية : طبيعة الثورة المقبلة التى أخرجت المسألة المطروحة من دائرة طبيعة المرحلة التى كانت فصائل المراجعة اليمينية المصرية تصفها بأنها " المرحلة الوطنية الديموقراطية " الى دائرة طبيعة الثورة المقبلة التى عينتها الوثيقة بوصفها ثورة اشتراكية حيث لايقتضى استكمال مهام الثورة البورجوازية فى بلادنا مرحلة تاريخية كاملة ، وهى تستلزم عملا تحضيريا طويلا ، بالدعاية والتحريض والتنظيم ، وصولا الى اعداد انتفاضة تستلهم طريق اكتوبر البلشفى عام 1917 ( كنا معرضين كجيل قبل هذا التعيين للمغامرة اليسارية التى بلورتها نظرية " البؤرة الثورية " والكفاح المسلح - جيفارا ، دوبريه ) . ورفضت الوثيقة التبنى الذيلى لأى من الموقفين الصينى والسوفييتى وخاصة وصف الأول للثانى بأنه امبريالية اشتراكية آنذاك .
وجاءت الوثيقة الثالثة : قضية التحالف الطبقى فى مصر – وكان قد طرح موضوعها لإبداء الرأى على كوادر منطقة القاهرة قبل كتابتها ، وقد أبدينا جميعا آراء مدرسية مجردة ، وترد الوثيقة فى بعض مواضعها على بعض أفكارنا الخاطئة حول المسألة ، ويتضح منها كيف كان مسؤولنا السياسى يحمل إلينا تراث الحلقة الثانية من الحركة الشيوعية المصرية ويعالجه بمبضع نقدى لينتهى لموقف سياسى عملى ثورى مؤسس نظريا رافض للمساومات والمتاجرات السياسية . لقد اعتبرت الوثيقة ان مسألة الجبهة المتحدة مسألة استراتيجية ، وهى تتعلق بالثورة الاشتراكية وحلفاءها ، ورفضت المفهوم الإنتهازى للجبهة بوصفها نتاجا لإتفاقات عرضية مؤقته ، وأطاحت بشكل أخص بالفكرة التى هيمنت على يمين الحركة طوال تاريخها أى التحالف الذيلى مع السلطة الذى أدى لإنتحار الحركة الثانية . واستعرضت المواقف الرئيسية للتنظيمين الكبيرين داخل الحركة اى حدتو، والديموقراطية الشعبية وانحرافهما بشأن قضايا الثورة الأساسية ، وهى إنحرافات تتكرر بأشكال او بأخرى فى فترات تاريخية متباينة .
وأتت الوثائق التالية : مطالب الحريات الديموقراطية ، موقفنا من التغيرات الأخيرة ، فى ذكرى إتحاد الجمهويات العربية ، مبادئ أولية حول خطوط الحركة الشيوعية العالمية ، بمثابة تطبيقات خطية تفصيلية لما ورد فى الوثائق الأولى الأساسية .
لقد كان صاحب هذا النهج السياسي الجديد مهموما بتمصير الحركة الماركسية فى مصر ( بمعنى إستقلاليتها فى النظر لقضايا الثورة المصرية ) ، وتجذيرها بعيدا عن السلطة السائدة ، وعن المراجعة السوفيتية البازغة فى بلد الثورة الأم التى كان لها نفوذ شديد فى مصر ( لم نكن قد تجاوزنا حدود النقد الصينى لستالين كما ورد فى المناظرة الصينية الشهيرة ) ، وخلق حركة طبقية واعية مستقلة ، ومثل ذلك تحديه الفكرى الكبير فى وقت كان يغرد فيه وحيدا فى مصر ونحن معه ، مع قلة من طيور العالم ( حزب العمال الفيتنامى ، والحزب الشيوعى الكورى ، والحزب الشيوعى الهندى – الماركسي ) ، رافضا ذيلية الاتجاه الأساسى فى الحركة الشيوعية المصرية الخاضع للاتحاد السوفييتى الذى حكمته سياسته الخارجية لاحاجة مجتمعاتنا الداخلية وبات نظامه الخروشوفى - البريجنيفى التحريفى مناقضا فى مواقفه لمنطلقات الثورة البلشفية عند نشوبها ( هل كان الإتحاد السوفييتى سيوافق على تحرير كامل التراب الفلسطينى من دولة الاحتلال الإسرائيلى وإقامة جمهورية ديموقراطية علمانية عبر حرب التحرير الشعبية التى كنا نطرحها شعارا ؟ ! ) ، وقد عزز رأسمالية الدولة بترويجه ل "طريق تطور لارأسمالى" مزعوم ، ودعم السلطة الحاكمة فى رداء من أسماهم "الديموقراطيين الثوريين" الذين يتوجهون للاشتراكية ، وبارك حل التنظيمات الشيوعية المصرية ، والتخلى عن التنظيم الشيوعى المستقل عام 1965، كما رفض بنفس القدرإملاء النهج الماوى الصينى بوصفه نموذجا لكل بلدان العالم الثالث ب "حلف الطبقات الأربع ، و"تناقضه الثانوى والرئيسى" الذى جسده فى طبعة محلية مصرية محدودة رافد " حدتاوى " وهو مااسمى ب " التيار الثورى " . وان شاعت المقولة الأخيرة حول ( التناقض ) خارج حدوده .
3 – الحزب والتاريخ
ان تاريخ أى حزب من الاحزاب ينبثق من خلال رسم صورة مركبة للمجنمع والدولة ككل ، وتتوقف أهمية أى حزب على نشاطه والى اى حد كان حاسما فى تقرير تاريخ ذلك البلد ، والمؤرخ سوف يؤكد قبل كل شئ على الفاعلية الحقيقية للحزب ، على قوته الحاسمة ، فى وقوع احداث بعينها وفى منع وقوع احداث اخرى – على حد تعبير جرامشى فى كراسات السجن .
التقى تمرد هذا الجيل - الذى أسمى آنذاك بجيل الغضب ، أوجيل الطموحات التى لاتعرف التوقف - بتلك الموهبة الفذة ( إبراهيم فتحى ) حتى قيل أنه " الأب الروحى لجيل بأكمله ".
وفى ظل لواء الافكار السياسية الجذرية الماركسية التى طرحت انتظمت حركة طلابية وعمالية وجهت بنضالها الجماهيرى المنظم ضربات قوية ضد السلطة القائمة ، وذادت عن قضية الثورة الاشتراكية ، والقضية الوطنية ، وقضية الديموقراطية بالرغم من كل اساليب القمع البوليسى التى ووجهت بها . وينبغى ان نفهم بوضوح أنه اذا كان هناك فاارق كيفى فى واقع الفكر السياسى ، والنشاط الجماهيرى العملى فى مجالى العمال والطلاب قبل السبعينات وبعدها فإن ذلك يعود الى الدور الذى اضطلع به هذا الوعى السياسي الجديد - وان لم يكن منفردا - فى تطوير الحركة الطلابية والعمالية ، والذى وضع فى أولوياته صدامية الصراع الطبقى بديلا عن التعاون الطبقى الذى روج له يمين الحركة الشيوعية المنتحرة .
يكتب إبراهيم فتحى " لقد عرف هذا الجيل الحلم الملح بتحقيق واقع آخر ، وإعادة تشكيل المجتمع الذى يتسم بتراتب صارخ وبيروقراطية ، ومنطق بوليسي تشكيلا سياسيا وديموقراطيا ، والحلم بمعيار مختلف للواقع ، وهندسة جديدة للمجتمع . ان تضحيات هذا الجيل بالكثير جعلهم يطالبون بحقهم فى التعبير والفاعلية وفى بداية جديدة " (4)
لقد كان أغلبنا وقبل التقاءنا بالكتابات السياسية التأسيسية لإبراهيم فتحى نقرأ بكثافة وهذا ماسهل لنا استيعابها وتبنيها ، خاصة أهم مؤلفات مادعى باليسار الجديد ، ريجى دوبريه وبؤرته الثورية ، ودعوته للكفاح المسلح ، فرانز فانون وافلاس بورجوازيات العالم الثالث ، وزعماءها الوطنيون وتمجيده الرومانسي للعنف ، هربرت ماركيوز ، وانسانه ذو البعد الواحد ، وافساد الطبقة العاملة فى البلدان الرأسمالية المتقدمة ، ماو تسى تونج ومناظرته حول الخط العام للحركة الشيوعية العالمية ، ورفضه للسياسات السوفيتية حول التعايش السلمى ، والانتقال السلمى للإشتراكية ، وخرافة طريق التطور الرأسمالى .. الخ وماتلى ذلك من وقائع الثورة الثقافية الصينية ، وبالطبع جيفارا الذى مثل بالنسبة لجيلنا نموذجا ثوريا ملهما ، وكذلك كلاسيكيات الماركسية المتوفرة مثل رأس مال كارل ماركس فى طبعتين عتيقتين لراشد البراوى المصرى ، ومحمد عيتانى اللبنانى ، وايضا ماتوفر من انجلز ولينين آنذاك خاصة كتابيه ماالعمل ، وخطوة الى الأمام ، وبعض انتاج الحلقة الثانية ، مثل المبادئ الأولية فى الفلسفة لجورج بوليتزر ، ترجمة اسماعيل المهدوى ، أسس الاقتصاد السياسي لجان بابى وترجمة محمد خليل قاسم ، والكتب التاريخية التى أنتجها ، شهدى عطية الشافعى ، فوزى جرجس ، ابراهيم عامر . اضافة لقراءات فى التاريخ المصرى الحديث ، وتطور مصر الاقتصادى ، وتاريخ الطبقة العاملة المصرية ومنظماتها النقابية ( ليس هذا حصرا لكل ماقرأناه ) ، وقلة قليلة منا كانت قد لحقت العربة الأخيرة فى قطار وحدة الشيوعيين المصريين . أشير هنا بصفة خاصة لهؤلاء الذين كانوا مشاريع مثقفين وأدباء وكتاب ، وشكلوا كوادر التنظيم الشيوعى الجديد واعطوه زخما شديدا منذ لحظات ميلاده الأولى .
ويكفى تدليلا على ذلك انه فى عامى 1971-1972 وبشكل شبه متزامن مع الكتابات التأسيسية كتب خليل كلفت كراسا نقديا لكتاب صادق جلال العظم : النقد الذاتى بعد الهزيمة ، وتولى صلاح العمروسى فى كراس بيان : الموقف من القائلين بسلطة البورجوازية الصغيرة ، وكتب سعيد العليمى كراس : الدولة البوليسية والصراع الطبقى فى مصر . وفى الحقل الأدبى برز الشعراء والكتاب زين العابدين فؤاد بديوانه " وش مصر " ، ومحمد سيف و " ستة أناشيد لمصر " ، وعزت عامر و" مدخل للحدائق الطاغورية " وحسن عقل و" الحلم " ومحمود الوردانى ، ومحمد ابراهيم مبروك بقصصهما القصيرة ، وغيرهم . كان كل مايحيط بنا من أحداث ووقائع على المستوى العالمى والاقليمى العربى والمصرى يدعونا لتوسيع مداركنا وتعميق وعينا أمميا . ونشط الرفاق فى حقل التنظيم والعمل الجماهيرى الطلابى والعمالى فى جامعتى عين شمس ، والقاهرة ، وفى مصنعى الحديد والصلب ، والكوك بحلوان .
ولم يكن ظهورنا على الساحة السياسية ليمر غير ملحوظ فمع توسع النشاط السياسي والإنتشار النسبى فى مواقع عمالية وطلابية ، وبصفة أخص بعد تعمق نفوذنا فى صفوف الحركة الطلابية ، وتتابع إنتفاضاتها بدأ يمين الحركة الشيوعية المصرية فى إعادة تنظيم صفوفه تدريجيا الى ان شكل ماأسماه "الحزب الشيوعى المصرى " المعترف به أمميا ( سوفيتيا ) عام 1975 ، وأدعى زورا أنه الوريث التاريخى للحزب الشيوعى المصرى القديم الذى تأسس فى 1922 . وسرعان ماشن حملة منظمة تتهمنا بأننا " يسارمغامر " متضافرا مع السلطة التى اعتبرتنا حليفا للألوية الحمراء اليابانية ، وبادر ماينهوف الألمانية وكلتاهما منظمتان إرهابيتان ، ووصفنا طارق اسماعيل ورفعت السعيد " بالشبان المتطرفين والمفتقرين الى الخبرة السياسية " بينما كنا فى الواقع " صانعى محاولة التجديد والانقطاع عن التقليد الماركسي المصرى " ، ولم تستطع مواقف المصرى ان تقف فى مواجهة مابات "ممثلا للطليعة المثقفة لليسار الجديد فى مصر" على حد تعبير ج . جيرفازيو فى كتابه المعروف ص 262 ، ص 319 .
وربما كان من المفيد التوقف قليلا عند مؤرخهم الكورييلى العتيد بوصفه نموذجا ، وبصفة خاصة كتابه : الحركة الشيوعية فى مصر -- 1920 -- 1988 ( 5 ) ماذا كتب عن حزب العمال الشيوعى المصرى فى الصفحتين 146 – 147 من كتابه المنوه عنه, وقد بلغ إجمالى ماكتبه حوالى صفحة وربع من القطع الصغير ! , من كتاب بلغ عدد صفحاته 218 صفحة . يقول مامعناه فى ترجمة غير حرفية : إن إعلان تأسيس (ح ع ش م ) جاء كرد فعل على إعلان جماعة " بلا إسم " عن نفسها بوصفها الحزب الشيوعى المصرى ... وهو يتكون من مجموعة من الشباب المتطرف ... أصدر (ح ع ش م) مجلة " الشيوعى المصرى " بوصفها لسان حال نظرى وسياسى , وقد صدر العدد الأول منها فى مصر فى سبتمبر 1975, وظهرت طبعة بيروتية منه بعد شهرين . وقد تضمن اللائحة الحزبية ، وبيانا بمواقفه النظرية على الصعيدين الأممى والمصرى . ونوه الى أن المجموعة إعتادت أن تصدر وثائق بمواقفها من 1972 – 1975 تحت اسم شيوعى مصرى , واسماعيل محمود فى مجلات الهدف , والراية , ودراسات عربية فى بيروت , وفى مجلة الطليعة الكويتية . ثم تصدى لتلخيص إفتتاحية العدد الأول . ومما ورد فيها : لن تتخلى المجلة عن دورها الأممى بالذات حين يتعلق الأمر بالوضع المأساوى الراهن للحركة الشيوعية العالمية , وخاصة فيما يتعلق بالمراجعة السوفيتية اليمينية , والمراجعة الصينية اليسارية , ويجب على مجلتنا أن تؤكد الخط الثورى الماركسى الذى تم تشويهه على يد المراجعتين المتناحرتين .. وبعد تلخيصه لجزء من الإفتتاحية إنتهى إلى أن هذا الحزب : ( تحدى شرعية الحركة الشيوعية على المستوى القومى , والإقليمى , والأممى , متقمصا دورا طليعيا فى إصلاح الحركة . وقد مثل برنامجه خطا راديكاليا تأسس على قطيعة مع الماضى , ورفضا للشرعية القائمة للحركة الشيوعية ( كم تطيب نفسى لسماع هذه الكلمات ! ) . وقد مثلت مجلته السلاح النظرى لبرنامج الحزب . وظلت تطبع فى القاهرة , وبيروت حتى إنتفاضة يناير 1977 . لعب الحزب دورا بارزا فى الإنتفاضة , منظما الطلاب والعمال ...
دعونى هنا أورد رأى بعض الكتاب ممن لم يكونوا على أية صلة بحزب العمال الشيوعى المصرى ممن ذكروه فى كتاباتهم . يقول الكاتب الراحل د . غالى شكرى فى كتابه الثورة المضادة فى مصر , الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 1997 , وبعد تقويمه النقدى لإتفاقية سيناء وماورد بصددها فى مجلة الطليعة القاهرية – إفتتاحية عدد أكتوبر 1975 , وتوجيه نقد صارم مبدئى , وحاد , لموقف ( التيار الثورى – مجموعة محمد عباس فهمى وطاهر البدرى وآخرين ) الذى أيد سلطة السادات , والإتفاقية , ودعا لعدم التظاهر ضدها , ودعا لضرورة مساندتها وتأييدها , إنتقد بيان الحزب الشيوعى المصرى ( المصدر مذكور ص 279 ) بسبب تشوشه بشأن الطبيعة الطبقية للسلطة التى رأى فيها عناصر عميلة وخائنة , وعناصر مزدوجة ومترددة , وعناصر تؤمن بالخط الوطنى الناصرى , وأبصر فى ذلك ثغرات قاتلة واصفا إياه بأنه " تحديد ينتمى جوهريا الى العقلية اليمينية التى سادت بعض أوساط الشيوعين المصريين فى الستينات وقادتهم الى حل تنظيماتهم " ص 280 , وقد إنتهى بعد عرضه لمواقف عدة قوى حزبية , وغير حزبية إلى : ( وتنظيم حزب العمال الشيوعى المصرى أكثرها يسارية منذ أصدر مجموعة من الموضوعات كتبت بين عامى 1970 و 1971 تحت عنوان طبيعة السلطة , وقضية التحالف الطبقى , وفى هذا الكتيب مقولات صحيحة منهجيا , وبعض مقولاته تنطوى بغير شك على نبوءة علمية ... ثم يتناول البيان الذى أصدره الحزب بمناسبة اتفاقية سيناء السابقة على كامب دافيد , وهو البيان المعنون : فلنقاوم إستسلام النظام المصرى أمام الإستعمار الأمريكى وإسرائيل فى 13 – 9 – 1975 الذى إنتهى إلى طرح شعار الإطاحة الثورية بحكم السادات , وبعد تقويمه للبيان , ورفضه لشعار الإطاحة الذى طرحه حزبنا وبرهن كامل تطور مجرى الأحداث اللاحق على صوابه وصحته , إنتهى الى القول بأن هناك وجها ايجابيا لامعا فى تحليل ح ع ش م لايجوز تجاهله بل التأكيد عليه وتطويره دائما , هو الإطار العربى الذى تفرضه اتفاقية سيناء سلبا وإيجابا ... ( أنظر فى ذلك ص ص 267 – 290 من الكتاب المذكور ) . وقد أشار الكاتب الراحل أحمد صادق سعد فى دراسته المعنونة : حاجتنا لإستراتيجية إشتراكية جديدة - قراءة ثانية فى أحداث يناير 1977 – التى نشرت نشرة مدققة حسب ماصدر فى الكتاب الدورى – الراية العربية - من قبل د . شريف يونس ، والأستاذ عادل العمرى – الإنترنت , إلى أنه بالنسبة لحزب العمال الشيوعى المصرى , يأتى التذكير بإستراتيجية الحزب الإشتراكية بصورة أقوى وأكثر تكرارا من أى من المنظمات الأخرى القائمة جميعا , ويورد من جريدة الإنتفاض فى عددها الصادر بتاريخ 7 – 8 – 1976 تحت عنوان حول إنتخابات مجلس الشعب , واستفتاءات السادات , وفى العدد الصادر بتاريخ 31 – 7 – 1976 بعنوان لا للسادات ، وفى غيرهما موقف الحزب حول ضرورة الإطاحة بالنظام القائم ( بأساسه السياسى والإقتصادى والإجتماعى – الرأسمالى الرجعى دون أية تحفظات .. ولايحول بيننا والنضال المباشرحول شعارات إسقاط النظام الرأسمالى القائم من أجل الجمهورية الإشتراكية سوى الوزن الضعيف للطبقة العاملة وحلفائها من الجماهير الشعبية ... إلا أن هذا لن يتم إلا عبر النضال حول شعار مرحلى , شعار الجمهورية الديموقراطية الذى يحقق إسقاط شكل الحكم الرجعى الفردى مطلق السلطات وإقامة شكل ديموقراطى جديد .. ) . وفى التقرير الإستراتيجى العربى الصادر عن مركز الدراسات السياسية , والإستراتيجية بالأهرام لعام 1987 , الذى أشرف عليه الأستاذ السيد ياسين يرد فيه عن حزب العمال الشيوعى المصرى من ضمن مقال عنوانه : القوى المحجوبة عن الشرعية ( ص ص 358 – 382 ) مايلى فى مواضع متفرقة : ( يعد حزب العمال واحدا من أكثرالمنظمات الماركسية فى مصر تشددا من حيث الموقف السياسى , فى رؤيته لنظام الحكم , ومن حيث المهام التى يطرحها على الطبقة العاملة من أجل تغيير هذا النظام .. فى مواقفه النظرية بل وحتى ذات الطابع البرنامجى التفصيلى .. ولعب حزب العمال فى خضم أحداث الإنتفاضة الطلابية فى عامى 1972 و 1973 دورا بارزا وكان أقوى فصائل الحركة الماركسية تأثيرا وسط صفوف الطلاب فى ذلك الحين , بل ونجح فى إدارة الإنتفاضة الطلابية بما فى ذلك ربط القيادات الطلابية غير المنتمية له بخطط وحركة الحزب .. إمتلك حزب العمال منذ نشأته ... أساسا نظريا متينا نسبيا , ومقولات سياسية راديكالية أعطت لعناصره روحا حماسية , وأحيانا قتالية عالية , وخاض حزب العمال بلاشك كثيرا من المواجهات العنيفة ضد نظام حكم الرئيس السادات , وتعرضت عناصره لإعتقالات كثيرة ، وربما بنسب أكبر مما تعرضت له فصائل أخرى – وأضيف من عندى أن هذا كان ملحوظا فى قضية إنتفاضة يناير 1977 بصفة أخص . حيث فاق عدد " المتهمين " من الأعضاء المنتمين إلى حزب العمال أعداد الرفاق من تنظيمات أخرى . ويعرف القراء المطلعين مواقف ونظرات الاستاذ سيد ياسين التى لايمكن وصفها بالتعاطف مع الإتجاهات الماركسية الثورية ، ولا حتى التحريفية , ولم يكن ماورد فى التقرير الآنف يأتى إلا فى سياق سلبى عموما .
نشأ حزبنا كما هو معروف فى 8 ديسمبر 1969 بمبادرة عناصر من المثقفين الثوريين وهى ظاهرة موضوعية تعرفها شتى الاحزاب وبالاخص حزب الطبقة العاملة الذى ينقل لها الوعى من خارجها ، ذلك الوعى الذى لاينبثق عن نضالاتها الاقتصادية العفوية ، وانما من النظريات الاقتصادية والفلسفية والاجتماعية ، وفق المفهوم اللينينى الذى كنا نتبناه آنذاك . ومن المعروف ان هذه الفترة لم تكن تشهد حركة جماهيرية بعد إخماد انتفاضتى فبراير ونوفمبر 1968 الطلابيتين اللتان جرتا على ارض النظام السياسية الايديولوجية ، ومثلت رفضا لهزيمة يونيو 1967 ، وحيث عرفت الطبقة العاملة اول نهوض جدى لحركتها العفوية عام 1971 فى اضرابات حلوان المعروفة ، وبالاخص الحديد والصلب والكوك ( وقد كانت لنا ركائز مبكرة فيهما ) . اى ان حزبنا لم ينشأ محاطا بحركة جماهيرية بل على العكس نشأ فى مرحلة سمتها تصفية الحياة السياسية ، وتأميم الصراع الطبقى على الطريقة الناصرية – البونابرتية ( ومثلما كان الصراع السياسي يخاض فى المانيا اليونكرز الإقطاعية فى المجال الفلسفى كان الصراع السياسي يخاض فى بلادنا فى المجال الأدبى إبان هيمنة الناصرية ) – ولم يكن حزبنا كأى حزب شيوعى ثورى – افرازا لحركة تلقائية ، لأن الحركة التلقائية لاتصنع احزابا شيوعية ولاتحل المعضلات النظرية ، ولم يبدأ حزبنا فى طوره الحلقى من فراغ ، فقد جاءت المبادرة من مناضلين من المثقفين الثوريين الذين حددوا موقف الرفض الثورى من النظام الراسمالى القائم ، على اساس قدر محدد من الوعى الماركسي ، والذين وصلوا الى هذا الموقف كحل لمشاكلهم الفكرية والسياسية من خلال نضالاتهم الفردية المبعثرة فى المجالات التى وجدوا فيها أولا ( ربما وجبت الإشارة لإعتقال الأديب أحمد الخميسى ، ومحمد عبد الرسول ، والكاتب صلاح عيسى ، وسعيد العليمى بتهمة الإسهام فى المظاهرات الطلابية عام 1968 فى قضية واحدة معا ) ، و كذلك تيمور عبد العزيز الملوانى القائد الطلابى فى هندسة الإسكندرية الذى أرسل مع مجموعة من الشبان لمنطقة حدودية بعد تجنيدهم فى البحر الأحمر ، بدلا من إعتقالهم مع عدم التصريح لهم بحمل السلاح أو التدريب عليه ، وتعريض حياتهم للخطر فى منطقة سبق لها التعرض للقصف والهجوم الإسرائيلى ، و الإشارة كذلك لمؤتمر الأدباء الشبان فى 1969 حيث نددت الراحلة الدكتورة رضوى عاشور بأوضاع الحريات الديموقراطية ، وحضر المؤتمر إبراهيم فتحى وادباء الجيل الشبان الثوريين )، والذين عانوا بصدق وجدية قضايا بلادهم ، والواجب الثورى الذى يلقيه عليهم فكرهم الماركسي ، والذين كانوا يملكون من روح المبادرة الثورية مادفعهم الى الممارسة العملية لفكرهم الثورى، وللسياسة النابعة من تطبيقه على ظروف بلادهم ، وقد تحقق فى هذا الطور الاول من النشأة ( من 8 ديسمبر 1969 حتى يناير 1972 اى تاريخ انفجار الحركة الطلابية ) انجازات هامة ولكن هذه الانجازات كانت محكومة بظروف البداية القاسية . وعلى سبيل المثال فإن الوثائق الاساسية : سلطة البورجوازية البيروقراطية ، طبيعة الثورة المقبلة ، قضية التحالف الطبقى فى مصر ، ترجع الى ذلك الزمن ، لقد جرت فى نفس الفترة احداث هامة ( مبادرة روجرز ونتائجها ، حركة "التصحيح " ، " الاتحاد الثلاثى " ... الخ واستطاعت الحلقة ان تطبق الخط الذى بلورته الوثائق المعروفة ) ، ايضا شهدت نفس الفترة اندماج حلقتين فى هذه الحلقة الاساسية التى ابتدأت بأفق واسع نسبيا ( أهمهما حلقة الإسكنرية العمالية التى ضمت فتح الله محروس ، وسعيد ناطورة ، وحسين شاهين ، وجمال عبد الفتاح وعضوية عمالية واسعة ) . ويمكن القول اننا لم نعان من حلقية بمعنى الولاءات المتعددة لأصول حلقية ذات نظرات سياسية مختلفة ذلك ان الاندماج كان مبكرا . اما وضعنا الخصوصى فقد كان اننا فى النهاية حلقة أولية تتطلع الى الانتقال الى طور التتنظيم الحزبى على اساس لائحتنا وهى من انتاج تلك الفترة . وفى خلال شهور قليلة (لاتتجاوز الثمانية ) استطاعت هذه الحلقة ان تستكمل فى منطقتها الاساسية شكلا يتجه الى تجاوز بدائية تقسيم العمل فى الحلقة من زاوية المستويات ( الحزبية ) . ففى البداية تكونت الحلقة من مركز وخلايا ، ثم انشئ مستوى لجنة القسم ، ثم انشئ مستوى لجنة المنطقة فى تلك الفترة المحدودة . باختصار اخذ تنظيمنا الشيوعى المصرى وضع الاستعداد للمعارك القادمة معتمدا على تاثيره المحدود فى بعض المجالات ، مطورا مستوى اعضائه فكريا وتنظيميا من خلال الانتاج الفكرى والسياسي ، وكان هضم هذا الانتاج ضروريا من اجل تلك المعارك. وهذا الاستعداد الفكرى والسياسي والتنظيمى المحدد هو الذى يفسر لماذا التحم حزبنا الوليد بالحركة الجماهيرية حاملا اليها شعاراته وبرنامجه الوطنى الديموقراطى ، وان النضج المفاجئ للحركة الطلابية الديموقراطية عام 1972 – و 1973 بالنسبة لعام 1968 ، بل التغير الكيفى فى برنامجها وشعاراتها لايمكن تفسيره بمعزل عن هذا الحدث الهام ، عن واقع نشأة حزبنا الذى لعب دورا قياديا بارزا فى الانتفاضات الطلابية التى حملت برنامجه وشعاراته واخرجتها من الغرف السرية المغلقة الى الجماهير الشعبية ، وقد ساهمت نقاط التماس المعروفة بين المثقفين الثوريين والطلاب فى انشاء قنوات جاهزة الصنع كى يلقى تنظيمنا الصغير بكل ثقله فى الانتفاضة وحيث تضاعف الجماهيرالمنتفضة من قوة حفنة من الثوريين .
ويمكن ان نشير هنا الى اننا كنا نرى انذاك ان علاقتنا المكثفة بالحركة الطلابية تعود الى الوقائع والاسس التالية :
أتت أهميتها السياسية الكبرى من أنها لاتركز على المطالب النقابية والاقتصادية بل تعطى كل طاقاتها للقضية الوطنية ، وقضية الحريات ، والحقوق الديموقراطية ، وهى لذلك تقوم بدور مباشر فعلى لم تكن الحركة العمالية تقوم به فى مجال المقاومة السياسية المستميتة لخط السلطة الطبقية فى القضية الوطنية خط الردة والاستسلام والخيانة والكارثة .وقيامها بهذا الدور يعنى دورها المباشر فى ايقاظ الطبقة العاملة ، وبقية الطبقات الشعبية على القضية الوطنية فى علاقتها الوثيقة بقضية الحريات الديموقراطية فهى حركة لاتحتفظ بمواقفها السياسية داخل أسوارالجامعة. ولأن الحركة الطلابية تكون فى الوضع الانتقالى الذى تحتله الدراسة الجامعية فان طاقاتها الكامنة لاتقف بها عند دورها المباشر فى مقاومة الكارثة الوطنية ، وفى ايقاظ شعبنا على ضرورة مقاومتها بل تمتد الى عمليات اوسع نطاقا بانتقال العناصر التى تنصهر داخل هذه الحركة الوطنية الديموقراطية بعد التخرج الى مختلف القطاعات والطبقات فى المجتمع . وهذه الحركة كانت تمثل فى تصورنا آنذاك حلقة وسيطة بدورها المباشر، وبطاقاتها الكامنة فى مجال التوجه للطبقة العاملة ، وبقية الطبقات الشعبية. كنا نملك القدرة على التأثير المباشر فى هذه الحركة بصورة مكثفة اى انها حركة نوجد فيها وهذا مايعنيه واقع اننا تنظيم غالبية افراده من المثقفين الثوريين ، الأمر الذى حتمه بصورة تاريخية بالطبع ظروف نشأتنا وتطورنا ، وظروف طبقتنا العاملة وظروف بلادنا وهى وجهة نظر قد رفضها بعض الرفاق وعبر عنها رفيقنا عبد الله بشير فى كراسه :" حلقة دعائية أم حزب شيوعى " آخر 1976 .
ومنذ سني النشأة الاولى كان للحزب صلات حية ببعض تجمعات الطبقة العاملة فى المواقع العمالية الاساسية فى بلادنا ، ومن خلال تطور نفوذ الحزب فى الحركة العمالية مع اشتداد ساعدها ، فى مصنع الحديد والصلب ، والكوك بحلوان ، وبعض مصانع النسيج فى شبرا الخيمة ، وفى مصانع الغزل والنسيج ، والكتان ، والنحاس ، والترسانة البحرية بالاسكندرية ، وفى بعض مصانع دمياط ، ومصنع الألمونيوم بنجع حمادى . وقد كان لحزبنا دور رائد فى بلورة البرامج النقابية لحركة عمال النسيج فى الاسكندرية بقيادة عضو اللجنة المركزية فتح الله محروس عام 1973 التى وضعت اساس البرنامج النقابى لعمال القطاع العام باكمله ، وهى الحركة التى هددت بالانتشار فى قطاعات عمال النسيج خارج الاسكندرية ، لولا التصدى البوليسى الارهابى للسلطة لهذه الحركة بالاعتقال والتشريد لعشرات النقابيين ، ولولا مستوى النضج العام للحركة العمالية . وتعددت معارك الحركة العمالية التى لم يعدم حزبنا سبل التاثير فيها فى العديد من المواقع العمالية الاساسية ، بل ان التاثير المكثف المباشر فى بعض الاحيان كان احد ثماره الاساسية توسع صفوف الحزب من العمال بنسبة كبيرة بالمقارنة مع نقطة الانطلاق . وبالاضافة لحركة المثقفين بكل فروعها ، والحركة الطلابية ، وبعض النقابات المهنية ، والحركة العمالية عرف حزبنا منذ فترة مبكرة طريقه الى بعض المواقع الفلاحية بالحدود التى سمحت بها حركتها الضامرة ( فى محافظة الدقهلية ، ومنطقة العمار ) ، وعضوية الحزب وامكانياته بالطبع ، وايضا فى مواقع محدودة بالقوات المسلحة . باختصار فان حزبنا لم يتشرنق فى مجال بعينه بل مد شباكه السرية ، واندمج فى المجتمع بكل فئاته ضمن حدود قدراته التى حكمها قانون الأعداد الصغيرة الذى حاولنا تجاوزه ، ضمن الشروط التاريخية لحركة الصراع الطبقى التى لاتشهد مهرجانا مقيما من الانتفاضات ، اى اننا كنا مازلنا بعيدين عن التحدث عن اوسع توسع وتغلغل فى صفوف العمال والطبقات الشعبية .
وقد كانت انتفاضة يناير 1977 الكبرى ترمومتر الانتشار المحدد للنفوذ المحدد لشعارات حزبنا فى الاوساط الشعبية وبالاخص فى المعاقل العمالية فى حلوان والاسكندرية .. الخ وقد رفضنا فى بيان الحزب الصادر فى اعقاب الانتفاضة وسام السلطة بزعم أننا كنا مدبرى ومخططى الانتفاضة – رفضنا التمتع بالديماجوجية التى يضع اساسها اتهام السلطة وكل اجهزتها ( راجع كتاب حسين عبد الرازق عن انتفاضة 18 ،| 19يناير ) وبيان حزبنا فى عدد الانتفاض 7 طبعة الخارج ، لكن هذا الاتهام لايخلو بدوره من مغزى – لأنه يعكس مستوى نشاط الحزب وتشعبه الذى ازعج السلطات البوليسية والسياسية ( 6 ) . ومنذ انتفاضة يناير 1977 حتى إندماج الحزب فى بدايات التسعينات فيما عرف ب " الموحد" تعددت محاولات السلطة لتلفيق القضايا لحزب العمال واتخذت محاكمها العسكرية قرارين بحل الحزب ومصادرة ممتلكاته . واستخدمت المحاكم العسكرية فى عهد السادات لأول مرة ( فيما عدا تنظيم التكفير والهجرة الإسلامى ) لسجن خمسة مناضلين لاعتقاد السلطة انهم جميعهم اعضاء بحزب العمال منهم قائدنا العمالى فى دمياط على زهران ، او لأن الاتهام بعضوية حزب العمال هو الكفيل بعقد المحاكم العسكرية، وتطبيق اقصى العقوبات بدون أدلة .
ويجب الإشارة الى ان الحزب قد اصدر حتى اواخر عام 1979 فى الداخل 49 عددا من المجلة النظرية السياسية ( الشيوعى المصرى ) وحوالى 200 عددا من جريدة الانتفاض السياسية الاسبوعية ، فيما عدا المطبوعات والنشرات الداخلية التى كنا نسمح بنشرها خارجيا عندما لاتتعارض مع امن الحزب ، وقد تجاوزت اعداد النشرة الداخلية الأساسية ( الصراع ) ال 55 عددا . وهكذا يمكن للقارئ ان يكتشف نشاط الحزب الكبير فى المجال السياسي ، والنظرى ، والتنظيمى ، والجماهيرى ، والذى لم يتعرف الكثيرون سوى على القليل منه بسبب امكانياتنا المادية والمالية المحدودة آنذاك التى لم تكن تسمح بمواكبة اعداد الطباعة الا بسرعة السلحفاة : فلابد هنا ان اشير الى ان الجزء الاعظم من ادبنا الحزبى لم ينشر وهو يتضمن من بين مايتضمن
- كتابات نظرية ومناظرات ضمن نضالنا ضد الفكر البورجوازى وضد التحريفية العالمية والمحلية ( كالانحراف الصينى – ورد على كتاب بعد ان تسكت المدافع لمحمد سيد احمد – ورد على القائلين بمرحلة الدعاية فى الكفاح الجماهيرى .. الخ
- وقد كان هناك ادب عمالى كبير ، وبرامج عمالية ، وتقييم لمعارك جماهيرية عمالية سواء ساهم الحزب في قيادتها المباشرة ام لا ، كراسات تشهير باوضاع العمال الاقتصادية .
- تشهير اقتصادى باوضاع الفلاحين ، وشتى الفئات المهنية ومتابعة لمعارك الانتخابات فى مختلف المؤسسات النقابية والمحلية .
-فضلا عن كتابات ومناظرات داخلية حول القضايا التنظيمية وقضية بناء الحزب ومن اهمها كراس الرفيق بشير ( حلقة دعائية أم حزب شيوعى ؟ ) والرد المطول عليه من الرفيقين أروى صالح وسعيد العليمى ، وحول خبرة الازمة وتجاوز الازمة التى عاشها حزبنا بين عامى 73 -75 وتعميمات الحزب حول النشاط التكتلى 1976 .
- توجيهات الحزب المتوالية بصدد قيادة الحركة الجماهيرية فى المجالات المتنوعة ومناقشات خبرات المعارك الجماهيرية وخبرات قيادتنا لها وبالاخص فى مجال التوجه للطبقة العاملة .
-توجهات الحزب وخبراته فى مكافحة البوليس وفى النضال السرى .
- مقالات حول تطور القضية الوطنية .
- مقالات حول السلطة ومؤسساتها وقيادتها وشكل حكمها وقضايا ومعارك الديموقراطية .
- كتابات حول الموقف من فصائل الحركة الشيوعية المصرية ومن الناصريين .
- كتابات حول المقاومة الفلسطينية والحرب الاهلية اللبنانية .
- مقالات حول افريقيا وضد التدخلات العسكرية المصرية فى العالم العربى وافريقيا .( 7 )

وبعد ...كان يمكن لهذه النصوص التى ستقرأها ان تكون قليلة الفاعلية والأثر لولا كوكبة فريدة من الرفاق من الكوادر والأعضاء حولتها لقوة مادية بتبنيها لها ، وترجمتها لحركة جماهيرية ، وقدمت تضحيات جسيمة فى سبيل تجسيدها، وهى تسعى لتغيير عالم الرأسمالية الكئيب . فتحية للأحياء منهم ، وتحية لمن رحلوا وبقيت معنا ذكراهم العطرة ، فقد كان لهم جميعا شرف المحاولة على الأقل .

ملحق
ربما كان ضروريا أن نذيل ماسبق ببيان بكتابات رفيقنا الحزبى الراحل ابراهيم فتحى ( أو مرسي مصطفى على ، كما أسمته هيئة تحرير مجلة " شيوعى مصرى " ) فقد مثلت بمجملها ركيزة سياسية وفكرية لفاعلية منظمة شيوعية راديكالية ، ولأدبها السياسى اللاحق ، وممارستها الجماهيرية . وكتاباته وفق ملحق العدد رقم 28 من مجلة الشيوعى المصرى السرية الصادر فى ديسمبر – كانون الأول 1977 تتقوم فى مايلى :أولا : نشرت الوثائق داخليا على ورق الأرز الشفاف مطبوعة على الآلة الكاتبة وجميعها مؤرخة 1970 – 1971 ، عدا مبادئ أولية فى 1972 وقد نشر كتاب بعنوان ( طبيعة السلطة وقضية التحالف الطبقى فى مصر) فى طبعة واحدة فى بيروت عام 1971 بإسم شيوعى مصرى وهو الإسم الذى كانت تنشر به كل كتاباتنا فيما قبل عام 1975 ( وصدر بدون تاريخ نشر أو دار نشر ،) وقد طبع بواسطة أحد رفاقنا عن طريق الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، وقد حذفت منه أهم النصوص الخاصة بمواقفنا من المراجعة السوفيتية ، وهو أمر تكرر فيما نشر فى مجلات بعض المنابر السياسية الثورية آنذاك ( مجلة الهدف الفلسطينية ، والراية ، ودراسات عربية البيروتية ، والطليعة الكويتية ) ، وأحتوى الكتاب المذكورعلى الأعمال التالية : 1 – سلطة البيروقراطية البورجوازية فى مصر . ( اغسطس 1970 ) 2 – طبيعة الثورة المقبلة . ( ديسمبر 1970 ) 3 – قضية التحالف الطبقى فى مصر . ( ربيع عام 1971 ) . ويلاحظ ان ملحق الطبقة العاملة المصرية هو فى الأصل قسم من هذه الوثيقة الهامة ، وقد خلا الكتاب منها ، ومن وثيقة مبادئ أولية حول خطوط الحركة الشيوعية العالمية . 4 – مطالب الحريات الديموقراطية فى مصر ( مايو 1971 ) 5 – موقفنا من التغيرات الأخيرة ( مايو 1971 ) 6 – اتحاد الجمهوريات العربية . ( مايو 1971 ) . وقد صدرت طبعة نصف علنية بعنوان : عن طبيعة السلطة الطبقية – طبيعة الثورة القادمة – التحالف الطبقى فى مصر ، بقلم مرسى مصطفى ، وتقديم صالح محمد صالح فى كراسات " الطريق" غير الدورية - العدد الرابع ، يوليو 1981 بالقاهرة ، وقد أصابها التشويه أيضا لأنها إعتمدت على طبعة بيروت حيث واجهنا مشكلة إختفاء الأصول القديمة تماما ، ولكنها أضافت القسم المتعلق بالطبقة العاملة الى وثيقة قضية التحالف الطبقى فى مصر ، ثم صدرت طبعة ثالثة فى طنطا ، وهى طبق الأصل من الطبعة الثانية ، لكنها بدون تاريخ نشر أو ناشر ، والطبعتان الأخيرتان خاليتان أيضا من وثيقة مبادئ أولية حول خطوط الحركة الشيوعية العالمية ، ويلاحظ ان كافة الطبعات كانت محدودة التوزيع فى مصر ، ومحكومة بالحلقة الضيقة من الكوادر والأعضاء . ثانيا : مقالات سياسية اخرى : 7 – التعديل الوزارى الأخير . ( يونيو 1970 ) 8 – ماهى أهداف وخلفيات قانون الوحدة الوطنية . ( 1972 ) 9 – الماركسية والفراغ العقائدى والوحدة . ( 1972 ) 10 – الوقفة الموضوعية وذيولها . ( صيف 1972 ) 11 – هذه الشرارة ( وهى تتناول الإنتفاضة الطلابية التى إندلعت بعد انقطاع طويل منذ فبراير ونوفمبر 1968 ، وإعتقد الطلاب آنذاك أنها موجة ثورية قادرة على إقتلاع النظام ، وكانت الوثيقة بمثابة رد على هذا الوهم . ( يناير 1972 ) 12 – القسم الأول من مقال ( حول انتخاب رئيس جمهورية جديد ) . ( 1970 ) ثالثا : 13 – حول خطوط الحركة الشيوعية العالمية . ( 1972 ) وهو نقد لمواقف الرفيق محمود حسين فى كتابه ( الصراع الطبقى فى مصر ) من هذه المسألة وقد نشر ضمن أحد كتيبات ( شيوعى مصرى ) . رابعا : كتابات تنظيمية : 14 – لائحة حزب العمال الشيوعى المصرى ( ديسمبر 1970 ) 15 – الأسلوب البورجوازى الصغير فى العمل السياسي والعمل التنظيمى ( ديسمبر 1971 ) خامسا : كتابات مفقودة : 16 – تقرير تنظيمى . ( اغسطس 1971 ) كان هذا التقرير بمثابة خطة قصدية واعية لبناء حزب ضد تلقائية العمل الحلقى ، وآثار قانون الأعداد الصغيرة ، وتضمن ضرورة التوجه للطبقة العاملة ، وإصدار صحافة حزبية منتظمة ، توسيع الكادر وتطويره ، وتشكيل حلقة من المحترفين الثوريين ، خلق أجهزة طباعة واتصال متطورة ، تقسيم عمل ينمو بنمو المهام الحزبية واتساع نطاقها 17 – افتتاحية العدد الأول من نشرة الصراع - حيث تدور فيها الجدالات الحزبية الداخلية حول قضايا قد تكون – وليس بالضرورة – موضع خلاف ( يناير 1972 ) 18 – مقال فلسفى مبسط بعنوان مبادئ منهجية .
هوامش
1 – راجع السيرة الذاتية لإبراهيم فتحى كما رواها بكلماته فى : مجلة نزوى العمانية ، العدد السبعون ص ص 93 - 101، إبراهيم فتحى : التعاسة رافقتنا، لا فعل لتغيير الواقع بعد هزيمة 67 – أجرت الحوار : جمال حسان – طبيبة وكاتبة من مصر تقيم فى لندن – 17 -4 – 2012 . ويمكن أن تتبين منه المؤثرات الفكرية والسياسية التى أسهمت فى تشكيل وعيه منذ صباه ، وأيضا حواره الهام مع خالد السرجانى الذى يكشف " تطبعه السياسي " بمفهوم بيير بورديو فيما اسماه " فرقة الصدام " الأيديولوجى ، اى تنظيم " وحدة الشيوعيين المصريين " المنشقة عن حدتوعام 1952 لرفض تأييد حركة يوليو ، والتى ضمته والكاتب المعروف ابراهيم عامر ، وعلى الشوباشى وغيرهما – جريدة الدستور القاهرية العدد 117، الإصدار الثانى ، 12 يونيو 2007 . وكذلك فى الحوار الذى أعيد نشره : Ahramonline- remembering Ibrahim fathi (1931 -2019 )hala halim, Saturday 5 oct 2019.
وعن تكوينه الأدبى والنقدى اقرأ : إبراهيم فتحى يكتب شهادته عن نفسه – شهادات
النقاد – العدد 3 – 4 مجلة فصول – اول يوليو 1991

2 – قدم رفيقنا الراحل صلاح العمروسي القيادى فى ح ع ش م فى مركز البحوث العربية والأفريقية ، أمام لجنة توثيق تاريخ الحركة الشيوعية المصرية عرضا متكاملا للوثائق الثلاث الأساسية ، حول سلطة البيروقراطية البورجوازية ، طبيعة الثورة المقبلة ، قضية التحالف الطبقى بتاريخ 21 فبراير 2010 . لم تنشر بعد ضمن سلسلة الشهادات والرؤى . راجع أيضا عن المواقف النظرية والسياسية لحزب العمال الشيوعى المصرى ، جينارو جيرفازيو ، الحركة الماركسية فى مصر ( 1967 – 1981 ) ترجمة بسمة عبد الرحمن ، كارمينى كارتولانو ، ص ص 337 – 348 المركز القومى للترجمة ، الطبعة الأولى 2010 .
3 - للاطلاع على اسباب حل المنظمات الشيوعية السياسية والأيديولوجية ، أنظر العدد المخصص من مجلة قضايا فكرية : سبعون عاما على الحركة الشيوعية المصرية ، رؤية تحليلية نقدية ، الكتاب الحادى عشر والثانى عشر ، يوليو 1992 . إشراف محمود أمين العالم .
4 – المظاهرات الطلابية فى الرواية المصرية ، إبراهيم فتحى ، ص 14 ، مجلة الهلال القاهرية عدد أكتوبر ، 2000 .
5 – 1920 – 1988 , Tareq Y. Ismael and rifa,at El- Sa,id , Syracuse university press, 1990 The communist movement in Egypt
6 - أنظر كتاب فى الأمن والسياسة مذكرات حسن أبوباشا الصادر عن دار الهلال عام 1990- حيث يورد مدير مباحث أمن الدولة وقتها ، ووزير الداخلية اللاحق اللواء حسن أبو باشا _عقب اغتيال الرئيس السادات بعض الإشارات والتعليقات عن حزب العمال الشيوعى المصرى , والاقتباس من احدى وثائقه . وسأحاول أن أعيد تركيب ماورد عن الحزب فى كتابه لأهميته غير ملتزم بالتسلسل الذى أورده : 1 ( ...فقد كشفت متابعة أجهزة الأمن السياسى فى مجال متابعته لحركة الجبهات والتنظيمات السرية التى تعمل خارج إطار الشرعية والقانون , أن أحد التنظيمات الشيوعية السرية المسمى " تنظيم حزب العمال الشيوعى -- وكان واحدا من أهم تلك التنظيمات الشيوعية فى ذلك الوقت -- يخطط لتفجير ماأطلق عليه " إنتفاضة شعبية على مستوى الشارع " , وأن هذا التخطيط قد حدد ساعة الصفر لتفجير الموقف لدى إصدار أى قرارات تنفيذية بمناسبة إعداد الميزانية تمس الجوانب المعيشية للمواطنين , وكان فى تقدير هذا التخطيط أن التوقيت المرتقب للبدء فى تنفيذه سيكون فى النصف الثانى من شهريناير إستنادا إلى أن القرارات التنفيذية التى تتصل بإعداد الميزانية تصدر فى هذا الوقت . ص 40 ) 2 - ( لقد سبق له أن أجرى بروفات كثيرة فى مناسبات متعددة , وفى أماكن مختلفة ونجح فيها , ولكنه هذه المرة لايريدها بروفات محدودة النطاق والزمان , وإنما يريدها على حد ماخطط ودبر وتوقع أن تكون "إنتفاضة شعبية ", وذلك هو التعبير نفسه الذى أطلقه ذلك التنظيم الماركسى السرى ( حزب العمال الشيوعى ) الذى بدأ يخطط له منذ شهر ديسمبر الذى تمكن جهاز الأمن السياسى من إختراقه ( ملاحظة منى : اعتبرت مباحث أمن الدولة مناضلين معينين ممن أعتقلوا على ذمة قضية يناير 77 اعضاءا فى اللجنة المركزية للحزب ولم يكن أحدا منهم بلا إستثناء عضوا فيها , فضلا عن أنه لم يداهم مقر حزبى سرى واحد , وهذا يريك مدى الإختراق الذى يتحدث عنه !! ) وإكتشاف مايدبر له من إشعال " إنتفاضة شعبية " على مستوى الشارع ". ( ص 48 ( 3 -كانت الظاهرة الثانية , أنه تأكد من خلال متابعة كثير من المظاهرات خاصة فى القاهرة والإسكندرية -- قامت بها مجموعات فنية خاصة ومعها كاميرات تصوير -- أن متزعمى هذه المظاهرات المحمولين على أكتاف المتظاهرين طوال يومى 18 , 19 يناير من العناصر الماركسية , سواء من أعضاء تنظيم حزب العمال الشيوعى السابق تحديدهم أثناء المتابعة السابقة على النحو السالف الإشارة إليه ... ص 52 ) 4 - ( ولعل مضمون وثيقة من الوثائق التى تم ضبطها لدى أحد عناصر تنظيم حزب العمال الشيوعى -- وهو تنظيم سرى يعمل تحت الأرض -- كان لكثير من عناصره دور بارز فى تفجير المواقف فى هذين اليومين -- ..... أقول لعل مضمون هذه الوثيقة يعطينا بعض المؤشرات عن المدى الذى تصوره من ساهموا فى تفجير الموقف لكى تصل الأمور إليه , فقد ورد بها : " إن الذين تصدوا لقيادة الجماهير فى الشارع لم يضعوا فى إعتبارهم مدى إستعداد المواطن المصرى لمواصلة الحركة بإسلوب حرب العصابات , كما أن إهتماما مسبقا من جانبهم -- يقصد عناصر التنظيم -- لم يبذل لإستمالة قواعد من قوات الشرطة والقوات المسلحة وصغار الضباط فى كليهما . ص 22 ) 5 -- ( ولكننى فقط أعود هنا لكى أذكر بتلك الوثيقة التى أشرت إليها فى صدر هذا الفصل والتى ضبطت لدى أحد القيادات الهامة فى تنظيم حزب العمال الشيوعى ( قدمت إلى النيابة العامة ) وكانت تتضمن تحليلا عن أسباب فشل أحداث يناير للوصول إلى غايتها وأرجعه إلى عدم تقرير مدى قابلية المواطن المصرى لمواصلة أسلوب حرب العصابات بالشوارع والأزقة , وإلى إغفال أهمية إختراق قوات الشرطة من رجال الأمن المركزى ومعهم صغار الضباط من العاملين بأجهزة الأمن والقوات المسلحة . ص 55 )
7-تصحيح لفكرة خاطئة عن حزبنا – سميح يوسف – جريدة الانتفاض – العدد 19 الصادر فى 8 – 10 -1979 – طبعة الخارج .

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي