اليسار بين المهاجرين والأنصار!

عزالدين بوغانمي
2020 / 12 / 7

فوضى وصخب وسط اليسار، وسُباب وشتائم وعراك وشدّ وجذب. فريق مساند للدّستوري الحُرّ وحُجّته أنّ الأحزاب اليسارية غير مؤثّرة في المشهد السّياسي وغير قادرة على مواجهة حركة النّهضة. وأصحاب هذا الرّأي هم قواعد الجبهة وأنصارها المُتبّقين بعد اندثارها.
وفريق ثاني يخوّن الفريق الأوّل وحُجّته أنّ الدّستوري الحرّ هو التجمّع المنحلّ وهو حزب معادي للثّورة. وأصحاب الرّأي الثاني أغلبيتهم قيادات عليا ومتوسّطة في أحزاب الجبهة. يعني منسّقين، أعضاء لجان مركزية، أعضاء مكاتب سياسية، وأمناء عامّون.
مشهد حزين حقًّا. ولكنّه لم يُفاجئني. وأرى البعض مازال إلى حدّ الآن يتساءل بلهجة من الإنكار السّخيف: لماذا وكيف يمكن حصول مثل هذه الأمور؟
وبإمكاننا أن نقرأ ونسمع كلّ التفسيرات الأخلاقوية القاصرة، بحيث يُوصف "الأنصار" بالثبات على الموقف والقعود في الحانوت الفارغ. ويُنعتُ "المهاجرون" صوب التجمّع، بكلّ النّعوت، ما عدا الأسباب الحقيقيّة، لا تُقال. وتجيء الرّدود الأكثر ابتذالا وانحطاطًا... ويتواصل التّدهور نحو القاع.

أنا عندي تفسير لِهذه الموجة. وأفهم جيّدًا أسباب هذه الهجرة القسرية المستعجلة نحو الدّستوري الحُرّ، ولي كثير من الأجوبة، سأُعدِدها ليقرأها الجميع:

هؤلاء "المُهاجرون" اليوم، هم أنفسهم الذين تمّ تحريضهم علينا أيّام وضعنا الإصبع على الدّاء. هؤلاء هم الذين كانوا يشتموننا ويهتكون أعراضنا رافعين في وُجوهنا ذلك الشعار الفضفاض "جبهة الأمل، جبهة العمل، وموتوا بغيضكم". الآن صار عندهم شعور عميق باليُتم والخذلان. وهذا ما يجعلهم يُفتّشون على حضن، حتى ولو كان هذا الحضن ردّة إلى الخلف. وهم في هذا الوضع المأساوي ليس صدفة، بل لأنّ اليسار، كما قلت ذلك منذ سنوات، يُعاني من أزمة فكر وأزمة قيادة.
ولأن قيادات اليسار أهملت الجبهة إهمالا مقصودًا وفكّكوها لأسباب أنانية ضيّقة.
ولأنّ أزمة القيادة أدّت إلى ضعف التنظيم. وأزمة الفكر أدّت إلى غياب البرنامج والمهام.
ولأن غياب التنظيم والبرنامج أدّى إلى انتشار الجهل وغياب التكوين والفقر المعرفي وضياع البوصلة.
ولأنّ "قيادات اليسار" مازالت تتصرّف في أحزابها على الطريقة السوفياتية. يعني قيادة نصف أميّة تكره القراءة وتخاف من المثقفين.
ولأنّ الأحزاب اليسارية، والحالة هذه، فرغت من الأذكياء ومن الشباب. ولم يبق فيها إلا أصحاب المحلّات، يُعاونهم أشخاص بلا موهبة ولا طموح ولا خيال ولا قدرة على النقد.
ولأن هذه القيادات لم تدرك بعد أنه في ظروف انتشار المعرفة غير المحدود، والتطور العلمي وطرائق التعليم وتطور وسائل التواصل، لم يعُد ممكنا لقرار صادر عن مجموعة ضيقة أن يكون جذّابا ومستساغًا. وأن الممارسة الديمقراطية تشكل حجر الأساس في أي مبنى سياسي أو فكري في هذا الزمن.
ولأن الأمناء العامون وحاشياتهم ومريدوهم، لم يفهموا بعد أن قرار الأمين العام لم يعد سِراطًا مستقيما، بل يجب أن يُعرض للنقد والدرس والتحليل والرفض إذا لزِم الأمر. وأن إصرار القيادات الحزبية على مواقفها، من منطلق أنّها الأكثر فهما ووعيا، باتت مسألة مثيرة لسخرية أيّ تونسي متحصل على شهادة السيزيام.
ولأن المنهجية التي تُدار بها الأحزاب، هي منهجية شبه إقطاعية بعد ثورة سياسية شعارها المركزي "الحرية والكرامة".
ولأن هذه الأحزاب فقدت مصداقيتها في نظر الناس.
ولأن هذه الوضعية المتعفنة، أفرغت الأحزاب من المثقفين. وغياب المثقفين جعل التكوين الفكري والسياسي، ورسم التخوم، وتأصيل المشترك، وتأطير التحالفات وكشف أسسها ودواعيها أمرا غير ممكن.
ولأنه لا يوجد حزب يساري واحد في تونس له قسم تكوين. والحال أن كل مفاهيم اليسار الكلاسيكية يجب إعادة بحثها وتشريحها وتحيين بعضها وتجاوز بعض الآخر، ورمي البقية في حاوية المهملات.

وهنا أُعطي ثلاثة نقاط فقط، على سبيل المثال لا الحصر، لكي تفهموا أن هذه الأحزاب ليست يسارية ولا يمينية ولا أي شيء. بل هي تُشبه إلى حدّ كبير قيادات عسكرية مهزومة، وقّعت على استسلامها خلسة، وتركت الجنود لمصيرهم، بلا سلاح ولا قرار.

النقطة الأولى، اليسار يعاني من مصيبة معرفية وسياسية وأخلاقة مزدوجة، ألا وهي الخلط بين نظام الحكم والدولة من جهة. ومن جهة أخرى عنده غموض في فهم الدولة والموقف منها. فغالبيتهم العُظمى مازالوا يعتقدون أن التزامهم الثوري يجبرهم على "هدم" جهاز الدّولة، ويتكتّمون على ذلك. ولأن أغلبيتهم قيادات من الدرجة الرابعة، لم يفهموا، بعد كل التجربة التي راكمتها البشرية، أن فكرة "هدم جهاز الدولة" أصبحت اليوم فكرة رجعية داعشية وخاطئة تماما. وأنّ الحريات السياسية المتوفّرة اليوم لم يكن بوسع أيّ من منظري الاشتراكية توقّعها. وأن مهمة التغيير اليوم أصبحت مقتصرة على تغيير القوانين وفرضها. وإصلاح الإدارة. ومحاربة البيروقراطية. وتغيير عقيدة الأجهزة الأمنية من أجهزة نظامية إلى أجهزة جمهورية، وإجراءات التأميم حيث يجب التأميم، وتشجيع رأس المال الوطني حيث يخدم الاقتصاد الوطني، وكلّ قرار يؤخذ بخلفيته العلمية الناجعة... الخ.
وهذا كله يحصل بأغلبية برلمانية تفرزها انتخابات تجديد الشرعية. وعلى فكرة 90% من اليسار، عندنا، فهمهم للدولة التونسية، هو نفس فهم لينين لدولة القيصر، انطلاقا من كتابه "الدولة والثورة". هذا الكتاب الذي يتباهون به، وهو نصّ تبريري مملوء بالشتائم، من الفقرة الأولى يبدأ بالحديث عن كون "عظماء التاريخ تتم ملاحقتهم وتشويه مقاصدهم ..." الخ الملزومة، وبأسلوبه المعتاد في طرح خصومه أرضا. والكراس كُتِب لتبرير ما انجرّ على شعار لينين الشهير "كل السلطة للسوفياتات"، والذي زجّ بالبلاد في حرب أهلية قضى فيها ملايين البشر، تحولت إلى مجاعة، فأزمة اقتصادية، وخلقت واقعا أجبر البلاشفة على تشييد دكتاتورية لا مثيل لها في التاريخ. وهذا أدى في الأخير إلى هزيمة الاشتراكية كأعظم فكرة توصلت لها الإنسانية. والكتاب استهدف أيضا كارل كاوتسكي، لأن هذا الأخير رفض فكرة "العنف الثوري وهدم جهاز الدولة ودكتاتورية البروليتاريا" في ألمانيا، لأن ألمانيا في ذلك الوقت كان فيها هامش مهمّ من الحريات الذي يسمح بالنشاط السياسي العلني، وبالمشاركة في الانتخابات. فكتب يقول: "إن هدف نضالنا السياسي يبقي كما هو حتى الآن: الاستيلاء على سلطة الدولة عن طريق الحصول على أغلبية في البرلمان وإعلاء شأن البرلمان بحيث يتبوأ وضعاً قيادياً داخل الدولة. بالتأكيد ليس تدمير الدولة".

وبهذه المناسبة، أستغلُّ الفرصة لأنصح الشباب في تونس بقراءة كتابات كاوتسكي حول الدولة، وعلى وجه الخصوص "الثورة الاجتماعية" لأن تجربة الحياة أثبتت اليوم أنه كان أكثر نضجا من لينين، وحتى من كارل ماركس نفسه. ولا تخافوا من التشكيك في صحة تعاليم كارل ماركس وكتابات لينين أو دحضها، فهؤلاء العباقرة في عصرهم، لو جاء أحدهم اليوم ورأى هاتفا جوّالا، لأُغمي عليه أو مُسّ في مداركه العقلية.
بهذا المنحى الذي سبق، قيادات اليسار الذين يُبدون إيمانا عميقا بالتداول السلمي على السلطة، وبتغيير منوال التنمية من خلال الانتخابات، هم في هذا التوجّه، مثلهم مثل كاوتسكي بالضبط. أليس كذلك؟
جرّبوا، إسألوهم رأيهم بكاوتسكي. سيجيبونكم بأنه مرتدّ. وبأنهم ماركسيون لينيون ولا تبديل في فتاويهم إلى الممات! وحينئذٍ، سيتَّضِح لكم كم أنهم جَهلَة، ولا علاقة لهم لا بلينين ولا بكاوتسكي.

ثانيا، هؤلاء القادة الأُمّيّين في أغلبهم، مازالوا مصرّين على أن القاعدة الاجتماعية لأحزابهم هي الطبقة العاملة. وهم غير مقتنعين بعد أن الطبقة العاملة الصناعية التي تناولها كارل ماركس بالبحث، لم تعد موجودة أصلا. وأن هنالك تغيرات عميقة وجذرية في بنية الرأسمالية أدّت إلى تغيّر بنيوي في قوى الانتاج، وبالتالي في كامل التركيبة الطبقية للمجتمع، بحيث لم تعد الطبقة العاملة الصناعية هي مركز الثقل في عملية التغيير. وهذا يتطلب جهدا جبّارا لتجدبد الفكر وإبداع نظرية جديدة لفهم إحداثيات التغيير في ظل واقع متغيّر ومتجدد بوتيرة غير مسبوقة. وبالنتيجة، ووفق هذا الفهم، هذه أحزاب لن تتمكن من كسب قاعدة اجتماعية ألى يوم القيامة، لأنها تبحث عن طبقة اجتماعية لا وُجود لها في الواقع.

ثالثا، قضية التعددية الحزبية والتداول السلمي على السلطة، لم تُحسم بعد إلا في مستوى المنطوق المخادع. وهذه أيضا فضيخة كبرى. فعدد غير محدود من اليساريين لا يؤمنون بالتعددية، وهم أقرب لحزب التحرير في فمهم لطبيعة الدولة التي يبشرون بها.

مختصر الكلام، هذه الأمثلة الثلاثة التي عرضتها من ضمن عشرات القضايا الجوهرية الأخرى، تأكدوا أن مجلس الأمناء الموقّر الذي اختطف الجبهة وتصرّف فيها كمتاع خاص طيلة خمسة سنوات، لم يتدارس منها شيئا، ولم يُناقشها على الإطلاق، وهو غير مؤهّل لبحث مثل هذه القضايا، أو لإنتاج ولو نصّ نظريّ واحد محترم.

ولكلّ هذه الأسباب من الطبيعي أن تكون البوصلة معدومة لدى أنصار أحزاب اليسار. وبطبيعة الحال نجد شبابها تائها تتقاذفه الأحزاب يمينا وشمالا.

كلمتي الأخيرة للجميع، أنا رأيي، نحن إزاء الموجة الثانية للثورة. وطابع الثورة في هذه المرحلة اجتماعي/ اقتصادي. وهدفها الأبرز والأساس هو تغيير منوال التنمية. وهذه مهمة يسار آخر اجتماعي ديمقراطي وحقيقي، تونسي دما ولحما وعقلا وروحا. يسار منفتح وعقلاني، يضمّ كل المتضررين من السياسات الرجعية المافيوزية، وحكم الكناطرية. وأتوقّع أن تونس ستلدُ هذا اليسار قريبا جدّا. فلا تستعجلوا ركوب الأوهام، والارتماء في حُفَرٍ دُفِنت فيها أحلام أجيال. ولكن، لا تبقوا في تلك السّجون الحزبية العاقرة لأنها لم تعد تصلح للمستقبل.

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا