تونس: عشر سنوات على 17 ديسمبر: بعض استنتاجات للمعنيين. (الجزء الأول)

بشير الحامدي
2020 / 12 / 5

ـ 1 ـ
كثيرون تملأ كتاباتهم صفحات التواصل الاجتماعي والمدونات والمواقع الالكترونية والجرائد الورقية ويخوضون في كل شيء ويعلو صياحهم ولكنك لو تمعن النظر قليلا في محتويات ما يكتبونه وتبحث في ارتباطاتهم تكتشف أنهم ليسوا أكثر من سلاح بيد عصابة الحكم والبيروقراطيات الحزبية والنقابية المرتبطة بها سلاح توجهه كيفما تشاء ووقتما تشاء تنفيذا لاستراتيجيات التلهية ومواصلة الهيمنة. هؤلاء كانوا بعض عشرات زمن بن علي ومعروفون لدى الجميع كمخبرين ولكنهم صاروا بعد 2010 بالآلاف بمثابة طابور خامس حقيقي في وجه كل إمكانية استقلال عن السيستام أو أي إمكانية للفعل السياسي المستقل.
17 ديسمبر أنتج أيضا من داخله مسارات انهزامية
ـ 2 ـ
الخدامة عن السياسة في بلادنا لأنها في الأصل نشأت في قطاعات انتاجية ملحقة بالمتروبول وبفعل المنافسة والارتباط بالسوق العالمية انهارت هذه القطاعات وصعد قطاع الخدمات وحول إليه كل القطاعات الهشة المرتبطة بها أغلب اليد العاملة وبالوقت صارت أولوية الخدامة داخل هذه القطاعات المحافظة على مواطن شغلهم في دورة اقتصادية لا تمنحهم أية ضمانة للاستقرار على كل المستويات. هذا الوضع وأوضاع أخرى متعلقة بسياسات الطبقة البرجوازية التي أورثتها فرنسا إدارة البلاد أنتج جيوشا من المعطلين ومن المسرحين والمفقرين وتوسعت تبعا لذلك كتلة الذين يسحقهم نظام رأس المال و أنظمته التي تحولت إلى أنظمة هشاشة وتقويض لكل البنى انسجاما مع مرور فلسفة رأس المال من العقلانية إلى الفوضى ومن "دعه يعمل دعه يمر" إلى "دعه يمر دعه يقوض" وأصبحوا موضوعيا معنيين بالتغيير الجذري وصاروا كتلة أوسع بكثير من الكتلة النشطة المنتجة لفائض القيمة موزعين على قطاعات متعددة [معطلين خدامة مزارعين حرفيين موظفين ربات بيوت عمال موسميين طلبة تلامذة ووو.] هؤلاء هم المطروح عليهم الاستقلال عن منظومة الانتقال الديمقرطي وأجهزتها والانتظام في جهاتهم والمقاومة بما أمكن وتحويل مقاوماتهم المحلية والجهوية القطاعية إلى شبكة فعل مؤسس للتغيير الجذري.
ـ 3 ـ
الحكاية ليست في تأسيس حزب جديد أو في غياب الحزب الثوري أو في تنقية اليسار التقليدي والجديد من شوائبه اللبرالية كما يعتقد عديدون. الحكاية أكبر من ذلك ولا تهم مجموعة صغيرة من المثقفين يريدون التغيير والتغيير لصالح الأغلبية. الحكاية ليست في إرادة القلّة حتى ولو كانت حكيمة ومدبرة وقادرة وواعية وصادقة. الحكاية ليست متعلقة بصياغة البرامج الثورية. البرامج الثورية موجودة في المكتبات منذ سبارتكوس. الحكاية متعلقة بقدرة الناس على الاستقلال عن أطر التدجين والانخراط في السياسة لمصلحتهم هم المتناقضة مع نظام رأس المال وبقدرتهم هم وليس بقدرة الحزب الفلاني أو التنظيم الفلاني. المسألة ليست مسألة وعي فقط بل إنها كذلك مسألة محكومة بجملة شروط لا يكفي الوعي بها كي يمكن تحقيقها.
المطروح أن تنتظم هذه الاغلبية ـ الخدامة والبطالة والطلبة والتلامذة وربات البيوت والحرفيين والموظفين ـ بشكل مستقل. هؤلاء مطروح عليهم أن ينتظموا في قطاعاتهم في أحيائهم في معاملهم حيث هم على مهام سياسية وعملية مباشرة. مطروح عليهم أن ينتظموا لتحقيق مهام لصالحهم متعلقة بالأجور بالكرامة بالتسيير بالحقوق بصفة عامة وبالسيادة على القرار وعلى الموارد والثروات ووسائل الإنتاج والتخطيط مهام يقاومون بها الدولة وقوانينها وأجهزتها ومركزيتها وحكوماتها. وسياساتها.
ـ 4 ـ
الطبقة البرجوازية ليست منتظمة في أحزاب فقط إنها منظمة أيضا في الدولة وفي الحكومة ولها نظام إداري وبوليس وجيش وقضاء وإعلام وبرلمان بها تضمن هيمنتها زمن السلم وتخوض بها الحرب ضد الأغلبية زمن الثورة والانتفاضات والعصيانات الاجتماعية.
وما لا تهتم به الدولة هو أن القمع السافر يولد دائما بالضرورة مواجهة ومقاومة من قبل المسلط عليهم حتى وإن لم تكن مقاومتهم هذه مباشرة فإنها تصير حتمية وتفرض عليهم بفشل الدولة المتواصل وافتقارها لحلول حقيقية للأغلبية ولا أعتقد أن فشل دولة الانتقال الديمقراطي على امتداد عشر سنوات سوف لن يولد هذه المواجهة والتي بدأنا نرى بوادرها تنظيميا بالخصوص هذه الأيام. فالدولة تستطيع أن تقمع وتمنع الانتظاميات المواطنية المستقلة عن الأحزاب والبيروقراطية النقابية وتسوق ما تريد حولها وحول المنخرطين فيها إلا ان ذلك لن يمنع من أن تعود هذه الأشكال للظهور من جديد أقوى وأقوى وأكثر اتساعا مناطقيا وقطاعيا في أول احتداد جديد للأزمة حتى تتمكن هذه الانتظاميات من قطع سلسلة إخفاقاتها السابقة فهي بالضرورة ستواجه في كل مرة مسلحة بخبرة أكبر وبوعي أنضج وباستخلاص الدروس الضرورية من تجاربها.
ـ 5 ـ
رأس المال لم يعد بوسعه أن يمنح الأغلبية الحد الأدنى لتجديد القدرة على البقاء على قيد الحياة خصوصا في البلدان الطرفية وحتى ذلك الرفاه النسبي الذي تتمتع به القوى المنتجة في بلدان المركز الرأسمالي فهو يعود إلى سياسات النهب التي دأبت عليها برجوازيات المركز لثروات وموارد بلدان الأطراف وإلى استمرار وضع التطور المركب واللامتكافئ للنظام الرأسمالي.
رأس المال اليوم صار يخوض حربا عالمية ضد الكل ضد كل الذين لا يملكون حربا تزداد شراستها في محيط الدائرة وكلما ابتعدنا عن مركزها.
السيستام وبعد عشر سنوات لم يقدر على غير انتاج الأزمات ومنظومة حكم الانتقال الديمقراطي تواجه وضعا غير مسبوق وليس لها مخارج غير القبضة الحديدية قبل انهيار نظامها الكلي بفعل الوضع الاقتصادي الذي صارت فيه البلاد والمطروح علينا اليوم هو أن ندفع مع الناس ومن داخلهم لينتظموا باستقلالية في قطاعاتهم وفي مدنهم وفي جهاتهم وتحويل مقاوماتهم هذه إلى شبكة مقاومة وإدارة ودفاع ذاتين.
ليس المطلوب أن ينتظم الآلاف في البداية فمجموعات صغيرة في كل قطاع وفي كل بلدة وفي كل مدينة وفي كل جهة في البداية تكون كافية للتأسيس لهذه الشبكة الذاتية التنظيم.
خطوة كهذه وفي هذه الظروف أفضل من ألف برنامج ومن ألف مبادرة ووحدها كفيلة بالعودة بالأغلبية إلى مربع المقاومة وفرض الحقوق...
17 ديسمبر لم يمت وسيعود أقوى وأقوى إن تمكنت الأغلبية من استخلاص دروس تجربتها والتسلح بها وخوض معركتها وجها لوجه مع عصابة المال والسلاح والإعلام بقطبيها.
ــــــــــــــــــ
05 ديسمبر 2020