موريس جولي والتأسيس للميكيافيلية الناعمة

رابح لونيسي
2020 / 12 / 4

لعل سيستغرب الكثير عن كتابة مقالة عن المحامي الفرنسي موريس جولي Maurice Joly (1829-1879) المجهول لدى أغلب القراء، وماعلاقة ذلك بنيقولا مكيافيللي(1469-1527) الشهير بكتابه "الأمير" ومذهبه "الغاية تبرر الوسيلة"، وكأن ميكيافيللي هو ضد أي أخلاق بهذه الفكرة، لكن في حقيقة الأمر هو حريص على الأخلاق في التعاملات بين البشر بحكم إيمانه الديني المسيحي، إلا أن مقولته أو طرحه تخص السلطة فقط، وما يعتقد أنه دفاعا منه عن فلورنسا، ومنها إيطاليا أمام الأخطار المحدقة بها من كل الأطراف الداخية والخارجية.
فميكيافيللي يبرر كل السلوكات والممارسات التي من شأنها أن تحافظ على الدولة، ولاتنهار، فقد وضع ميكيافيلي بذلك ما يسمى اليوم ب"منطق الدولة" الذي يسمح بالتضحية بأغلى ما تملك الدولة من أجل بقائها وإستمرارها، إلا ان ميكيافيلي يجسدها في شخص الأمير الذي يجب أن يتصرف بالشكل الذي يجعله يحافظ على سلطته بغض النظر عن الأساليب التي سيستخدمها لتحقيق ذلك، فميكيافيلي هو الذي مهد لمبدأّ "السيادة" التي طرحها جون بودان، كما ينطلق من منظور أن الإنسان شرير وماكر بطبعه كما قال هوبز فيما بعد "ان الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، ولهذا يرى ميكيافيللي أنه يجب على الأمير التعامل مع أي إنسان بنفس الشكل بما فيها الشعوب إن أراد الحفاظ على سلطته، فيقول بأن الشعوب لو أعطيت لها حريات أكثر، ستدفع إلى الفوضى، ولهذا يرى أن بعض الدكتاتوريين في العالم، خاصة الرومان الذي أستلهم منهم بأنهم يظهرون شريرين، إلا أنهم لو نظرنا إلى أعمالهم بنظرة بعيدة، نجدهم- حسبه طبعا- قد قدموا أعمالا جليلة لأممهم، فلولا ممارساتهم تلك لما ساد الإستقرار، وانهارت تلك الدول-حسبه-، نحن لسنا هنا لمناقشة طروحات ميكيافليللي ونصائحه لأمير فلورنسا لورنس دومسيس في 1513 طمعا منه في العودة إلى السلطة بعد ما ضيع كل شيء بعد حياة دبلومسية طويلة وغنية جدا، فهو في ذلك يشبه بن خلدون في منطقتنا المغاربية، لكن لاتوجد أي علاقة بين الرجلين بإستثناء واقعيتهما، فما استغربته من خلال تتبعي لكليهما هي المقارنات والتشبيهات العديدة التي وضعها المغربي عبدالله العروي بين الشخصيتين في مجموعة من مقالاته. فالتشابه الوحيد بينهما هو أن ميكيافيللي ينطلق من الواقع مثل بن خلدون، ولهذا يقول بشكل غير مباشر بأنه لم يبدع أو يخترع أي شيء، بل وضع في كتابه "الأمير" ما هو واقع، ويقوم به كل صاحب سلطة بطبيعته كي يحافظ على سلطته، ففي نظره كل صاحب سلطة يدعمها بشكل أو بآخر وبنفس الأساليب التي وضعها في كتابه الشهير "الأمير" الذي ألفه في1513، وهو نفس ما يقوله الكثير من علماء النفس والسياسة بأن كل البشر دكتاتوريين بطبعهم، ولايمكن الحد من الطبيعة الدكتاتورية للحكام إلأ بمؤسسات قوية توقفهم عند حدهم.
لكن من حق القاريء أن يتساءل عن علاقة ميكيافيللي بالمحامي الفرنسي موريس جولي المعروف بمعارضته للأمبرطور نابليون الثالث، فنرد بالقول لعل الكثير لايعلم أن جولي قد ألف كتابا هاما جدا نشره في منفاه ببلجيكا عام 1865 ينتقد من خلاله أساليب الأمبرطور لوي نابليون، وعنوانه هو "حوار في جهنم بين ميكيافيلي ومونتيسكيو"، وهو عبارة عن حوار وهمي بين ميكيافليلي الذي همه الدفاع عن سلطة الحاكم ومصالحه فقط ومونتيسكيو الديمقراطي بمفهومها المعاصر وصاحب كتاب "روح القوانين" أين يدافع فيه عن فكرة الفصل بين السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) كي يحد من سلطة الملك أو ما يسمى فيما بعد ب"الملكية الدستورية" أين تحدد العلاقة بين الملك وشعبه عبر عقد بينهما يسمى ب"الدستور"، ويكون للشعب رأيه وكلمته في تسيير شؤون الدولة عبر ممثليه في البرلمان، ولو أن مونتيسكيو لم يذهب بعد إلى ما طرحه جان جاك روسو في القرن18 حول سيادة الأمة عبر ممثليها في كتابه الشهير "العقد الإجتماعي".
لا ننفي أنني في العقد الثاني من حكم الرئيس بوتفليقة في الجزائر، خاصة بعد التصويت عن تمديد العهدات في 2008، وكنت آنذاك بصدد كتابة كتابي "رؤساء الجزائر في ميزان التاريخ-تقييم أكاديمي لنصف قرن من إستقلال الجزائر-" كنت أعتقد أن بوتفليقة يستلهم سياساته من ميكيافيللي مثل أغلب الحكام الذين قيل عنهم أنهم كلهم يضعون كتاب الأمير تحت وسادة نومهم، فأوليت إهتماما كبيرا بكل ما كتب عن "الأمير" لميكيافيللي، وأستغربت كيف أن هذا الكتاب يباع بشكل واسع جدا في كل المكتبات بطبعات متنوعة، وهو ما لاحظته أيضا عند زيارتي الكثير من البلدان في منطقتنا على عكس الدول الديمقراطية أين لا يحظى الكتاب بأهمية كبيرة، فقلت في نفسي لو أن ما يطبق فعلا هي أفكار ميكيافيللي لما أنتشر بهذا الشكل، لأكتشف فيما بعد أنها عملية تمويه فائقة يقوم بها الكثير من حكام منطقتنا الذي أصبحوا يظهرون بصفة ديمقراطيين وبعيدين كل البعد عن الممارسات الميكيافيلية المتسمة بالدموية في الكثير من الأحيان، خاصة في بدايات الألفية الثالثة، لكن لوحظ أن رغم وجود مؤسسات ديمقراطية ظاهريا في منطقتنا إلا أن لا وجود لأي ديمقراطية في الحقيقة، فهي مؤسسات وحريات لا تأثير لها على الإطلاق، وقد بدأت هذه الظاهرة في دول المنطقة مع الموجة الجديدة للديمقراطية بعد سقوط الإتحاد السوفياتي وبداية عمليات الإنتقال الديمقراطي، خاصة في اوروبا الشرقية، وانتقل ذلك إلى دول منطقتنا بظهور تعددية والحديث عن الديمقراطية والحريات وغيرها، فرافق ذلك الكثير من الدراسات والملتقيات العلمية التي شاركت في الكثير منها حول الديمقراطية والإنتقال الديمقراطي، وكان السؤال الملح الذي يعود بإستمرار لما لا تأثير لها على الواقع؟، ففي الظاهر هناك ديمقراطية وحريات، لكن في الجوهر نجد ممارسات دكتاتورية، إلا أنها تتم بشكل ناعم جدا، فذهب الكثير من الباحثين إلى إستخدام عدة مصطلحات لوصف هذه الديمقراطية آنذاك مثل أنها "زائفة"، ومن قال عنها أنها "ديمقراطية واجهة"، وذهب آخرون إلى وصفها ب"الديمقراطية الأمنية" وغيرها من الأوصاف، وأنا كنت أقول متأثرا بتجربة التسعينيات في الجزائر والتي تأكدت منها بعد حدوث ما يسمى ب"الربيع العربي" في 2011 الذي تحول إلى ما أسميه ب"خريف دموي" بأن مختلف العصبيات السائدة في المنطقة(الدينية والطائفية واللسانية واقبلية والجهوية وغيرها) هي من أهم العراقيل لقيام ديمقراطية حقيقية في المنطقة، وهو ما يمكن أن تستغلها الأنظمة، وتضخمها عمدا كي يطبقوا ديمقراطية ظاهرية دون جوهرها الحقيقي ولا تعمل أي شيء لإضعاف هذه العصبيات، وبقيت وفيا لهذا الطرح إلى حد اليوم، وقد أشار له موريس جولي في كتابه على لسان ميكيافيللي الذي أعتبرها مدخلا له للإنقلاب على الديمقراطية التي يدافع عنها مونتيسكيو في الكتاب، وذلك كي لاتنتشر الفوضى.
لكن اثناء بحثي العميق عن كل ما كتب عن ميكيافيلي أكتشفت كتابا لم يحظ بأي إهتمام أو نشر وإعادة نشر، وهو كتاب موريس جولي المعنون ب"حوار في جهنم بين ميكيافيللي ومونتيسكيو"، فوقع لي نوع من صدمة، ففتح لي هذا الكتاب الذي قرأته بنهم شديد أعيني حول بعض ما يقع في المنطقة، فتوصلت إلى إستنتاج أن بوتفليقة كان يطبق في بلدي كل ما ورد في هذا الكتاب على لسان ميكيافيللي في مواجهته لمونتيسكيو الذي أبرز له كل الممارسات التي سيقوم بها لإحتواء النظام البرلماني الذي يدافع عنه مونتيسكيو وكيف سيدور حوله بشكل ناعم، لينتهي بذلك إلى حكم دكتاتوري في جوهره، لكن ديمقراطي في مظهره، فتعجبت أيما إعجاب مما ورد في هذا الكتاب، وكأن سياسات بوتفليقة والكثير من الحكام في المنطقة الذين يتغنون بالديمقراطية والحريات يطبقون ما ورد في هذا الكتاب بحذافيره في كل المسائل كالحريات والأحزاب والإعلام والمؤسسات الديمقراطية كالبرلمان والنواب ورجال الدين والجيش وغيرها من المسائل، ففهمت منذ تلك الفترة لما غيب هذا الكتابفي الذي فاق في المكر والدهاء كل ما ذكره ميكيافيللي من قبل في "الأمير"، ونشير ان هذا الكتاب لايذكر حتى في الأنظمة الغربية التي تدعي أنها ديمقراطية، فقلت في نفسي بأن كل الحكام ميكيافليين بشكل أو بآخر، فالميكيافليلية تجدد نفسها دائما حسب الظروف الجديدة، وتتكيف معها، وهو نفس ما ينطبق حتى على الرأسمالية التي بينت في الفصل الأول من كتابي "النظام البديل للإستبداد- تنظيم جديد للدولة والإقتصاد والمجتمع-" الذي خصصته لتغول الرأسمالية العالمية كيف أنها تتكيف، وتتجدد عند كل أزمة أو خطر يحدق بها، فاقول نفس الأمر للميكيافيلية بداية بعهد لوي نابليون في فرنسا التي تعيش منطقتنا نفس ظروفها نسبيا اليوم ونهاية بما يسمى بالديمقراطية الغربية اليوم، ففهمت لما غرس في ذهن الشعوب، بأنه لا يمكن إيجاد نظام سياسي أحسن مما هو موجود، ولماذا كلما برز مفكر سياسي بحلول تعطي حكما فعليا للشعب وفي خدمة مصالح كل فئاته بدل الطبقة البرجوازية في الغرب يتم تغييبه وفي أقصاها يأتي من يتهمه بالمثالية وإستحالة تطبيقها على أرض الواقع، وهو في الحقيقة ليس صحيح، بل هي الميكيافيلية المتجددة دوما وراء كل ذلك للإبقاء سواء عن سلطة الأمير الذي تحول اليوم إلى طبقة برجوازية في الغرب الراسمالي، ويطبق ديمقراطية تدور حول عدد محدود من النخب، مما أدخلها في مأزق بدأت تظهر بعض بوادرها في فرنسا اليوم.
ونشير في الأخير بأنه من الكتب الأكثر إنتشارا في منطقتنا إضافة إلى كتاب "الأمير" لميكيافليللي، نجد كتاب "بروتوكولات حكماء صهيون" الذي جاء تقريبا بنفس صيغة كتاب موريس جولي، فقد تم الترويج في روسيا التي اكتشف فيها هذا الكتاب، بأن كتاب البروتوكولات أخذ الفكرة من كتاب موريس جولي "حوار في جهنم بين ميكيافليللي ومونتيسكيو"، ويبدو ان هذا الترويج الهدف منه إبعاد الروس عن فهم سياسات القياصرة التي لاتختلف كثيرا عن لوي نابليون في فرنسا، أما الهدف من توزيع "بروتوكولات حكماء صهيون" بشكل واسع عندنا هو الإيحاء بأن الأفكار الديمقراطية وراءها الحركة الصهيونية، لكن أتحدى الكثير أن يقول بأنه وجد أو سمع بكتاب موريس جولي الذي يحتاج إلى قراءة عميقة، فهو في الحقيقة تأسيس للميكيافيلية الناعمة في دول منطقتنا، وهو الكتاب الذي يستلهم منه حكامها سياساتهم، بالرغم من أن جولي كان ضد ميكيافيللي، وأستهدف بكتابه فضح لوي نابليون الذي كان معارضا له، أنصح الجميع بالعودة إلى كتاب موريس جولي لعله سينير لنا الطريق حول الكثير من السياسات المطبقة في المنطقة بعد إنطلاق الموجة الجديدة للديمقراطية منذ تسعينيات القرن الماضي.