بمناسبة الذكرى الألفية لميلاد ابن سينا

مالك ابوعليا
2020 / 12 / 4

كتب الموضوع: مُحرر مجلة (Voprosy Filosopfii)

ترجمة مالك أبوعليا

مُلاحظة من مُحرر مجلة Voprosy filosofii: يحتفل الجمهور العالمي هذا العام بالذكرى الألف لميلاد أحد الشخصيات الكلاسيكية في الفكر الفلسفي والعلمي الانساني، الموسوعي والباحث والطبيب المُعالج ابن سينا. وفقاً لقرار المؤتمر العام العشرين لليونيسكو، سيتم تحديد هذا التاريخ لذكراه في جميع الدول أعضاء هذه المُنظمة. لكن من الطبيعي أن تكون ذكرى ابن سينا هي الأكثر انتشاراً في بلدنا الاتحاد السوفييتي، حيث وُلِدَ عالم الشرق العظيم ومفكره وترعرع فيه. ان تراث ابن سينا العلمي والفلسفي متنوع ومتعدد الأوجه، وفي نفس الوقت مُعقّد للغاية. لقد عبّر هذا العالم العظيم حقاً عن تفكيره العميق، الذي ظهر لنا من خلال العصور الماضية، في كل موضوعٍ علميٍ وفلسفيٍ أساسيٍ لعصره. لقد عاش في زمن هيمنةٍ موحدة على الفكر الاسلامي، الذي كان مُعادياً للعلم والفلسفة العلمانية صراحةً. كان لابن سينا، الذي قدّم اسهاماته البارزة في مجال العلوم والفلسفة في ظل هذه الظروف الصعبة، تأثيراً هائلاً على الفكر العلمي والفلسفي للأجيال اللاحقة في كُلٍ من الشرق والغرب. كانت أعماله انجازاً بطولياً في مجال العلوم.
كانت كتابات ابن سينا، ولا سيما ارثه الفلسفي، على مر القرون، موضوعاً ليس فقط للدراسة، ولكن للتفسيرات المُتنوعة. لقد صوّر التأريخ الفلسفي البرجوازي التقليدي أعمال ابن سينا (وفي الحقيقة أعمال العديد من المُمثلين الآخرين للفكر الفلسفي والعلمي التقدمي لبلدان الشرق)، لقد صورها على أنها دينية تماماً وتم الزعم أنها سهّلت تعزيز مواقف اللاهوت الاسلامي.
في عمله مُتعدد الأوجه، استند ابن سينا، من ناحية، الى التقاليد الفلسفية والعلمية والثقافية الثرية لكلٍ من التقاليد العلمية والفلسفية اليونانية القديمة، والتقاليد العلمية والفلسفية والثقافية للشعوب الشرقية، ولا سيما ايران (الزرادشتية) والهند بفلسفتها المتطورة وفكرها العلمي ودول أُخرى في المنطقة. بالاضافة الى ذلك، كان ابن سينا في وضعٍ يسمح له بالاستناد الى خبرة وانجازات أكثر ثراءاً وتنوعاً في العلوم الطبيعية والتكنيكية لعصره خصوصاً في آسيا الوسطى وايران هناك حيث تطور نشاطه المُتنوّع أكثر من الشخصيات الكلاسيكية الأُخرى للعصور القديمة. نحن نرى أن الدور البارز لابن سينا كان، في ظل عُمق الفكر الذي اتسم به، قادراً على اكتشاف الاتجاهات التقدمية في تقاليد ومعارف عصره، واعادة بناءها وتقييمها بشكلٍ مُناسب، والأكثر أهميةً، تطويرها.
كان نشاطيّ ابن سينا الفلسفي والعلمي مُرتبطين ارتباطاً وثيقاً. لم يكن مادياً في حله للمسألة الأساسية في الفلسفة. كان، بشكلٍ عام، تحت التأثير المُهيمن لتعاليم أرسطو والأفلاطونيين الجُدد وأفلاطون. ومع ذلك، كانت نظريته الفلسفية مثالية غير مُتسقة. أدى تفسير ابن سينا الحتمي، للعلاقة بين المبدأ الروحي والمادي لا محالة الى الاعتراف بحقيقة أن الطبيعة كانت موجودةً دائماً، مما أدى الى تقويض أُسس الدين. كانت وجهات نظره حول المادة أيضاً مُعادية للدين بشكلٍ موضوعي، والتي، أي المادة، في مفهومه الكوني، هي حالة وجودية مُستقلة. كانت هذه الآراء الفلسفية التقدمية لابن سينا على وجه التحديد، هي الأساس، في النظرة الفلسفية والمنهجية للعالم، التي طوّر على أساسها نشاطه في العلوم والتكنيك، وخاصةً الطب. كانت مُساهمته في الطب عظيمةً بشكلٍ خاص، ليس لانه كان الطبيب الأكثر مهارةً في عصره، ولكن أيضاً لانه قدّم أساساً متيناً في العلوم والفلسفة لهذا "الفن"-أي الطب- المُهم. نشأت العديد من أفكار ابن سينا المُتقدّمة والبنّاءة واكتشافاته واختراعاته في الفيزياء والرياضيات والجيولوجيا والجغرافيا والفلك والميكانيكيا لعصره، وما الى ذلك، نشأت، الى حد كبير، من أعمق وجهات نظره الفلسفية والمنهجية.
ومع أنه وليد عصره، الا أنه كان قادراً، في ظل ظروفٍ مُعقدة، على التغلب على الرجعية الدينية في العديد من النواحي وتطوير نشاه مُتعدد الأوجه على أساس المعرفة العلمية المُتقدمة في الوقت الذي كان هو نفسه من مُبتكريها ومُطوريها. واليوم نُشيد بعبقريته، التي عززت وساهمت، من نواحٍ كثيرة، في التقدم الثقافي العام للبشرية. قدّمت الدراسات العالمية، والسوفييتية قبلها جميعاً، الكثير في البحث ودراسة الارث الثري لابن سينا في العلوم والفلسفة. ومع ذلك، لا يزال هُناك الكثير مما ينبغي عمله بهذا الصدد. على وجه التحديد، لم تتم ترجمة جميع أعماله الأكثر أهميةً الى جميع اللغات، بما في ذلك اللغة الروسية. لذلك، فانه يقع على عاتق العلماء في بلادنا الترجمة العلمية لجميع أعمال ابن سينا والتعليق عليها لجعلها مُتاحةً للجمهور الفلسفي والعلمي ولعامة الناس. ينتظر الجمهور الفلسفي السوفييتي دراساتٍ أساسية حول ارث ابن سينا الابداعي.
بمُناسبة ألفية المُفكّر العظيم والانساني، تنشر مجلتنا مقالاتٍ بقلم محمد سيف الدينوفيتش عظيموف رئيس أكاديمية العلوم في طاجيكستان (والتي سأترجمها المرة القادمة وأنشرها على موقع الحوار المُتمدن-مالك أبوعليا)، وعبد صاديقوفيتش صاديقوف رئيس أكاديمية العلوم في أوزباكستان، وعلماء آخرين حول تحليل جوانب مُختلفة من الارث الفلسفي والعلمي لابن سينا.

ترجمة لمقالة:
*(1981) On the Thousandth Anniversary of the Birth of Ibn Sina (Avicenna), Soviet Studies in Philosophy, 19:4, 51-53

عصام الخفاجي مناضل واكاديمي وباحث يساري في حوار حول دور وافاق اليسار والديمقراطية في العالم العربي
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي