اللاطبيعانية وأثير الذكاء (2)

يحيى محمد
2020 / 12 / 4

التطور البايولوجي وقاعدة عدم الاختزال
لقد تم تطبيق معيار الطبيعانية على مستويين في علم الاحياء كما اشرنا في الحلقة الاولى من هذه الدراسة، حيث جاء الاول لغرض تفسير التطور البايولوجي، والثاني لغرض تفسير نشأة الحياة.
ويتجسد الاول بالتمسك بآلية الانتخاب الطبيعي كافتراض لتفسير تطور النظم الحية المعقدة باختزالها الى خطوات تدريجية بسيطة، لكن من غير تفصيل وايضاح الكيفية المباشرة لهذا التدرج المزعوم. وذلك كرد على فكرة ان يكون للكائنات الحية دوافع غائية، او انها نتاجات فعل غائي.
أما الثاني فيتعلق بالجهود المضنية التي لا تمل ولا تكل من البحث عن اي سند كيميائي يوضح كيف نشأت الحياة على الارض وفقاً للتفسير الطبيعاني، وذلك كرد على اي فكرة ترى وجود اختلاف جذري او نوعي بين الحياة والمادة المألوفة. والى هذا اليوم لم تتقدم الجهود المبذولة في هذا المجال خطوة جوهرية واضحة نحو الامام، فما زالت المسألة تدور في محلها دون اي تقدم كبير.
وسوف نتعرف على بعض التفاصيل المعنية بالمشكلتين السابقتين المتعلقتين بالتفسير الطبيعاني، مع تحديد طبيعة الاشكالية المشتركة بينهما، وذلك قبل التعرض الى اشكالية مشتركة اخرى تتعلق بالضبط الفيزيائي الدقيق.
وسنبدأ بالتطبيق الاول لمعيار الطبيعانية كما يتمثل بالانتخاب الطبيعي ومنهج الاختزال الذي شكّل عائقاً امام الاف الشواهد الحيوية المعقدة والتي يتفاوت تعقيدها الى حد عظيم..
لقد سبق لداروين ان اعتقد بان نظريته ستنهار تماماً فيما لو ثبت ان هناك نظماً حية غير قابلة للاختزال. فمن وجهة نظره ان اي ظاهرة حيوية لا بد ان تتقبل التبسيط التدريجي، وان كل معقد مرده الى التطور بخطوات بسيطة بالتدريج البطيء، وبغير ذلك تصبح النظرية غير قابلة لتفسير التطور البايولوجي.
هذا هو معيار داروين في اختبار نظريته القائمة على مبدأ الاختزال، وكما قال في (اصل الانواع): ‹‹اذا كان من الممكن اثبات وجود اي عضو جسدي مركب ليس من المحتمل ان تم تكوينه عن طريق تعديلات بسيطة عديدة ومتتالية فان ذلك من شأنه ان يجعل نظريتي تنهار تماماً، ولكني لا استطيع ان اكتشف اي حالة بهذا الشكل››.
والى يومنا هذا ما زال مبدأ الاختزال الدارويني يتحكم في عقلية الغالبية العظمى من علماء التطور. فمثلاً سلك عالم الحيوان الشهير ريتشارد دوكينز منهج داروين في نفيه لوجود نظم غير قابلة للاختزال؛ مراهناً على انه لو وجدت مثل هذه النظم فسوف يكف عن الايمان بالداروينية، كالذي صرح به في (صانع الساعات الاعمى). وكرر هذا المعنى في (وهم الاله) معتبراً انه لو وجدت حالة واحدة للتعقيد المتعذر الاختزال لانتهت نظرية التطور. لذا آمن بوجود توسطات في تطور الاعضاء الحيوية ووظائفها، وهي ما تدل على التدرج وفق الانتخاب الطبيعي، كما في الاعين والاذان والاجنحة والاطراف وغيرها. فمن خلال تراكم الطفرات الجينية تتكون البنى المعقدة الجديدة ذات الوظائف والتكيفات المختلفة التي يعمل الانتخاب الطبيعي على حفظها من دون تلاشي.
لكن ما يقدمه الداروينيون بهذا الصدد هو كلام افتراضي لا يحمل آثاراً علمية تبدي تفاصيل اختزالية واضحة باستثناء عدد محدود جداً من المحاولات الجادة التي ركزت على بعض المراحل التطورية الرئيسة، خاصة بالنسبة للأجزاء الخلوية المعقدة مهما كانت صغيرة، كالآلات البروتينية وما فوقها. وهذه هي النقطة التي جعلت الكيميائي الحيوي مايكل بيهي يصدر كتابه (صندوق داروين الاسود) عام 1996. وهو الاثر الذي اعتبره فيلسوف العلم ومدير معهد ديسكوفري ستيفن ماير قد استطاع بمفرده تقريباً ان يجعل لفكرة التصميم الذكي مكاناً على الخارطة العلمية والثقافية. وبالفعل أثار كتابه الكثير من الجدل اللافت في الاوساط العلمية والثقافية، وما زال الجدل متواصلاً دون ان ينتهي رغم مرور ربع قرن على صدور الكتاب. وهو ما لم يحدث مع اي من العلماء الذين خالفوا داروين وانتقدوا نظريته. وقد يحصل ان يسجل تاريخ العلم انتصاراً لبيهي على داروين، مثلما سبق لانتصار الاخير على وليام بيلي، وعندها ستُردّ الحقوق الى اصحابها، وسيصبح بيهي في مصاف العظماء أمثال نيوتن واينشتاين ووالاس وداروين.
إن معنى الصندوق الاسود، كما يتضمنه عنوان كتاب بيهي، هو انه جهاز لا يعرف أحد كيف يشتغل. فاعماله الداخلية خفية لأنها غير قابلة للادراك او الرؤية. فمثلاً معظمنا يستخدم الحواسيب الالكترونية دون ادنى فكرة عن كيفية عملها، فنقوم بمعالجة الكلمات او رسم المخططات او التمتع بالالعاب؛ جاهلين ما يحدث تحت هذا الصندوق، حتى إذا أزلنا الغطاء فان قلة منا يمكنه ان يميز في أدغال القطع الداخلية، فلا يوجد رابط بسيط يمكن ملاحظته أو إدراكه بين أجزاء الحاسوب والأشياء التي ينجزها.
وينطبق هذا الحال على الاليات العاملة داخل الخلية وغيرها من المستويات الحيوية المعقدة، فما زلنا – كبشر - لا نعرف كيف يجري العمل في تكوين الظواهر الحيوية من الآلات البروتينية وما فوقها تبعاً لمعيار الطبيعانية. فما هي الآلية الطبيعية التي يمكنها صنع هذه الظواهر بشكل واضح لا ريب فيه؟
او كما تساءل بيهي بالقول: : ‹‹هل توجد آلية طبيعية لم تكتشف إلى الآن ويمكنها تفسير التعقيد البيوكيميائي؟ لا يوجد أحد من الحماقة بمكان لينكر ذلك الاحتمال كلياً، ومع ذلك يمكننا القول إن وجدت هذه الآلية، فلا أحد يعرف أي شيء عن كيفية عملها، بالإضافة الى أن ذلك سيسير عكس كل الخبرة البشرية، كما لو افترضنا أن العمليات الطبيعية قد تقدم تفسيراً لوجود الحواسيب. ان استنتاج عدم وجود هذه الآلية يحمل الرصانة العلمية ذاتها للقول بأن التخاطر الذهني غير ممكن، او ان وحش بحيرة لوش نيس غير موجود››.
ولم يتوقف بيهي عند نفي وجود آلية طبيعية لتفسير التعقيدات الحيوية، بل اعتبر ان تجاهل الأدلة الهائلة التي نملكها على وجود التصميم البيوكيميائي لصالح آلية شبحية؛ هو كلعب دور المحققين في غرفة الجريمة متجاهلين وجود الفيل.
لذا فالتطور الحيوي - بحسب بيهي - لا يزال يفتقد الى مرجعية علمية للتفسير الطبيعاني كما يتمثل في الداروينية الحديثة. فثمة نظم حيوية معقدة ضمن الخلية يتعذر اختزالها وفق النهج التدريجي. اذ لو حللنا هذه النظم الى اجزاء ابسط منها؛ فسوف تفتقد وظيفتها الاساسية، او انها لا تعمل بهذه الوظيفة الا عندما تكون مجتمعة مع بعض.
وقد عُرفت هذه القضية بنظام التعقيد غير القابل للاختزال، وهو المصطلح الذي ادخله بيهي لاول مرة في كتابه السالف الذكر، لكنه قام بوصفه قبل ذلك ضمن مساهمته غير المعلنة في الطبعة الثانية المنقحة لكتاب (الباندا والناس) عام 1993، وذلك في فصل يتعلق بتخثر الدم، كالذي كشف عنه مازكي من خلال عدد من القرائن ومن بينها تشابه بعض النصوص الواردة في الكتاب مع ما جاء في (صندوق داروين الاسود)، اضافة الى اعتراف بيهي بهذه المساهمة في محكمة دوفر.
وفي العام المشار اليه او ما يقاربه انقلب بيهي على النظرية الداروينية التي سبق ان آمن بها، وذلك بعد اطلاعه على كتاب (التطور: نظرية في ازمة) لمايكل دنتون، كالذي اشار اليه في كتابه (تراجع داروين) الصادر عام 2019، حيث وصف نفسه عند قراءة كتاب دنتون بانه اصيب بالذهول، لما تضمنه من مشاكل خطيرة حول نظرية داروين على المستوى الجزيئي، معترفاً بانه لم يواجهها من قبل رغم انه كان استاذاً في الكيمياء الحيوية. فقد اشار الى انه لم يسمع اي نقد من اساتذته حول نظرية داروين طيلة تلمذته العلمية. كما ابدى انه خلال دراساته العليا في الكيمياء الحيوية، وكذا خلال عمله لما بعد الدكتوراه في المعاهد الوطنية للصحة، لم تكن لديه أي مخاوف حول النظرية التطورية او الداروينية. لهذا اصيب بالصدمة بعد اطلاعه على كتاب دنتون، مما دفعه للتوجّه الى بعض المكتبات قاضياً فيها الكثير من الوقت على مدى اشهر لمحاولة العثور على اوراق او كتب توضح بالتفصيل الحقيقي كيف يمكن للطفرة العشوائية مع الانتخاب الطبيعي ان ينتجا نظماً شديدة التعقيد عبر الكيمياء الحيوية، لكنه بعد البحث والتفتيش خرج فارغ اليدين دون العثور على شيء تماماً. فرغم ان العديد من المنشورات تحَيّي داروين، وان قليلاً منها يتناول حكايات تطورية مزعومة، لكن جميعها لم يوضح كيفية تفسير آلية النظم الوظيفية المعقدة، وعندها وجد ان القصص التطورية الغامضة لم تقنعه كما كانت تفعل في الماضي، واصبح يطالب باجابات حقيقية، ومن ثم استنتج ان اندفاعه السابق الى الايمان بنظرية داروين لم يكن بسبب الادلة القوية، وانما كان بتأثير العوامل الاجتماعية. ومنذ ذلك الوقت صمم على اتخاذ القرار بنفسه وفقاً لما تظهره الادلة فحسب، معتقداً انه عندما يبدأ المرء في التعامل مع الداروينية باعتبارها فرضية حول الكيمياء الحيوية فسيستغرق الامر عشر دقائق ليستنتج انها غير ملائمة جذرياً، وربما سيستغرق الأمر عشر دقائق أخرى ليدرك أن الأساس الجزيئي للحياة قد تم تصميمه بشكل فعال، وهو نفس السبب الذي جعل أناكساغوراس وجالينوس وبيلي ان يتوصلوا إلى الاستنتاج ذاته حول مستويات البايولوجيا المرئية.
وفي ذات السياق، سبق ان صرح بيهي في حديث مسجّل في فيديو وثائقي تم انتاجه عام 2003 بعنوان (فكّ لغز الحياة unlocking the mystery of life)، بانه منذ عشر سنوات وبعد ان اطلع على كتاب دنتون تحوّل اتجاه تفكيره من الاعتقاد بنظرية داروين الحديثة الى الضد تماماً.
ورغم ان بيهي يعتبر المؤسس لقاعدة نظام التعقيد غير القابل للاختزال، لكن سبق للعديد من العلماء التوصل الى هذه الفكرة او ما يقاربها منذ زمن طويل وحتى يومنا هذا، بمن فيهم بعض المعتقدين بمعيار الطبيعانية والتطور الدارويني.
فخلال القرن السابع عشر يحضرنا نيكولاس مالبرانش، حيث صرح خلال شرح فيزياء ديكارت في كتابه (البحث عن الحقيقة) عام 1674، بالقول: ‹‹يحتوي الجسم المنظم على عدد لا نهائي من الأجزاء التي تعتمد بشكل متبادل لتحقيق غايات معينة، والتي يجب أن تتشكل سوية من أجل العمل ككل. فمثلاً لا يمكن للقلب أن يخفق بدون تأثير الأرواح الحيوانية، ولا تنتشر هذه في جميع أنحاء القلب بدون الأعصاب، والأعصاب تنشأ في الدماغ، ومنه تصل الأرواح. علاوة على ذلك، لا يستطيع القلب ضخ الدم عبر الشرايين إلا إذا كانت الأوردة التي يرجع الدم إليها كاملة بالفعل››.
وفي مطلع القرن التاسع عشر اعتمد وليام بيلي على مثل هذه الحجة في اثبات الصانع، كما في (اللاهوت الطبيعي) عام 1802، مستخدماً مثال الساعة الشهير، اذ تتميز باجزاء وآليات تتعاون جميعها لغرض معين هو تحديد الوقت الزمني. والحال ذاته ينطبق على علاقات الطبيعة بظواهرها الدقيقة المختلفة، ومنها البنى الحيوية ووظائفها الغائية.
كما نشر عالم الحفريات الفرنسي جورج كوفييهCuvier كتاباً بعنوان (مناقشة حول ثورات سطح الأرض) عام 1822، وقد شدد فيه على تناسق اجزاء الحيوان بعضها مع بعض، بحيث ان اي تغير في بعضها يفضي الى التغير في البقية، وكما اوضح وفق علم التشريح المقارن ان الكائن الحي ‹‹يشكل كلاً فريداً ونظاماً مثالياً من الاجزاء المنسجمة مع بعض، بحيث تكون افعالها وردود هذه الافعال متوافقة، ولا شيء من هذه الأجزاء يمكن أن يتغير دون أن يتغير الكل››. وأيد هذا المعنى بمثال يتعلق بالحيوانات آكلات اللحوم، حيث يمتلك الفرد منها فكوكاً تتناسب مع هضم والتهام فريسته، ومخالباً للاستيلاء عليها وتمزيقها، واسناناً حادة للتمزيق وتهشيم العظام، وهيكلاً متكاملاً لاجهزته الحركية ليتتبع الفريسة وينقضّ عليها وفقاً لتناسق العضلات والاوتار والعظام، وأي تغيير في بعضها سيؤدي الى التغير في بقية الاجزاء. كما يمتلك اعضاءاً ادراكية يستخدمها في كيفية اخفاء نفسه ونصب الافخاف لضحاياه. ومن ثم لا بد من وجود المخالب وقوائم الكتف ومفاصل الفكين والاسنان المناسبة وعظام الفخذ مع بقية العظام الاخرى، فكلها تتفاعل معاً لهدف محدد يناسب أكل اللحوم، وهو خلاف ما تمتاز به الحيوانات آكلات العشب.
كذلك اعتمد هربرت سبنسر في كتابه (مبادئ علم الاحياء) عام 1864 على التكيف المشترك للاجزاء العضوية المتعاونة في الحيوان، كما في حالة القرون المتضخمة في الأيل، وفي الحيوانات التي اعتادت القفز، وكذلك في حالة الزرافة. وأكد في هذا الصدد انه قد ثبت بأن التعديلات المشتركة الضمنية للأجزاء لم تتأثر بالانتقاء الطبيعي. فهذا الانتخاب لا يقدم أي تفسير للتكيف المشترك للأجزاء المتعاونة، حتى عندما يكون هذا التعاون بسيطًا نسبياً. لهذا لجأ الى التفسير عبر وراثة الصفات المكتسبة لا الانتخاب الطبيعي. وبعد ثلاثة عقود من صدور كتابه قال: ‹‹نأتي الآن إلى محاولة البروفيسور وايزمان لدحض فرضيتي الثانية القائلة (إن من المستحيل أن أشرح بالانتقاء الطبيعي وحده التكيف المشترك للأجزاء المتعاونة). لقد مرت ثلاثون عاماً منذ أن تم تحديد ذلك في مبادئ علم الأحياء، في الفقرة 166››.
أيضاً كان القديس جورج ميفارت، وهو من ابرز منتقدي داروين كما في كتابه (حول نشأة الأنواع) الصادر عام 1871، قد صرح في فصل له بعنوان (عدم كفاءة الانتخاب الطبيعي لتفسير المراحل الاولية للبنى المفيدة) بانه لا يمكن للتنسيقات المعقدة والمتزامنة للاعضاء الحيوية ان تتخلق عن بدايات متناهية الصغر، وكل بحث يحاول ان يجد صلات تطورية متصلة بهذا الشأن يكون عديم الفائدة، طالما لا يمكن للانتخاب الطبيعي ان يحقق الخصائص الجديدة المبتكرة، اذ سوف لا تكون المراحل الاولية مفيدة. ومن ذلك ما عرضه السيد مورفي من صعوبات تتعلق بالتطور البصري للعين، حيث انه يبدأ من نقاط انطلاق مختلفة ويستمر عبر طرق مستقلة.
وقد اعتبر عالم الحفريات المعروف ستيفن جاي جولد (عام 1985) ان ميفارت هو من اكثر نقاد داروين رعباً، خاصة فيما يتعلق بالمعضلة المشار اليها حول تفسير المراحل الاولية للبنى المعقدة والتي مازالت لم تحل حتى يومنا هذا. كما اعتبر اعتراضاته على الانتخاب الطبيعي قوية ورائعة، مشيراً الى انه ما زال يمثل حجر عثرة اساسية امام الداروينيين، وليس هناك اكثر ازعاجاً من هذا النقد الخاص بعدم قدرة الانتخاب الطبيعي على تفسير تراكم المراحل الاولية للبنى المعقدة المفيدة. بمعنى انه لا يمكن اختزال البنى الحيوية المعقدة بالطرق التدريجية خطوة فخطوة.
وخلال القرن العشرين سبق لعالم الوراثة الحائز على جائزة نوبل هيرمان مولر Hermann J. Muller ان صرح عام 1918 بان بنى الالات الجزيئية معقدة في تفاعل اجزائها وانتظامها، بل واصبحت ضرورية ضمن بنيتها الجديدة بعدما كانت مجرد شيء نافع قبل ان تتطور الى ما هي عليه بالتدريج وفق التصور الدارويني.
كما برزت خلال عشرينات القرن الماضي فكرة العضوانية على يد الفيلسوف رتر Ritter وزميله بيلي Baily عام 1928، والتي تشير الى حالة الارتباط بين الاجزاء العضوية وتفاعلها مع بعض ومع الكل، حيث احدهما يؤثر في الاخر؛ بعيداً عن النزعة الاختزالية القائمة على التحليل الفيزيائي والكيميائي. فالكائن الحي هو كل وظيفي وليس فسيفساء من الاجزاء المنفصلة المستقلة، كالذي اشرت اليه في دراسة مستقلة.
وفي عام 1971 كتب عالم النبات فرانك سالزبوري مقالاً بعنوان (شكوك حول النظرية التركيبية الحديثة للتطور)، اعرب فيها عن وجود معضلة تتعلق بالتفسير الطبيعاني لكيفية صنع جزيء ذاتي التكاثر كالحامض النووي DNA ، اذ يحتوي على 1000 زوج من النوكليوتيدات nucleotides ويعيد استنساخ ذاته ويتكاثر مليون مرة في الثانية، ويتطلب عمله جملة من البروتينات او الانزيمات التي تساعده على التكرر والاستنساخ؛ رغم انه يقوم في الوقت ذاته بخلق وبناء البروتينات؛ عبر ترجمة ما لديه من معلومات. فهو بهذا نظام متكامل ومعقد للغاية. وكما قال: ‹‹يجب أن يتشكل النظام بأكمله كوحدة واحدة، او أنه لا قيمة له. وقد تكون هناك طرق للخروج من هذه المعضلة، لكنني لا أراها في اللحظة الراهنة››.
كما في عام 1974 جادل اللاهوتي الامريكي المناصر لفكرة (خلق الارض الفتية) هنري موريس في كتابه (الخلقوية العلمية) بان اللجوء الى استخدام مبادئ بسيطة للاحتمال الرياضي يكشف لنا عن وجود مشكلة يمكن تحديدها ببساطة حول ما اذا كان من الممكن لنظام معقد يتضمن مكونات عديدة تعمل بشكل موحد، ويكون فيها كل عنصر ضرورياً للأداء الفعال للكل.. هل يمكن ان ينشأ بعمليات عشوائية؟ وقد اعتبر هذا السؤال قاطعاً بشكل خاص عندما نتعامل مع نظم الحياة باعتبارها اعقد من العلاقات غير العضوية.
وفي عام 1975 صنّف توماس فرازيتا Thomas H. Frazzetta كتاباً بعنوان (التكيفات المعقدة في تطور الجمهرات السكانية)، جاء فيه ان التكيف المعقد لأي كائن حي يعتمد على جهاز مركب من اجزاء جينية وبروتينية عديدة؛ يترابط بعضها بالبعض الاخر لجعله يعمل وينجز تكيفاً وظيفياً معقداً. وهي نقطة جديرة في الكشف العلمي، حيث تجعل من التكيفات الوظيفية المعقدة لها اصل مرتبط بالجينات والبروتينات. ف ‹‹التكيف المعقد للجهاز مبني على عدة مكونات ممتزجة معاً من الناحية التشغيلية لجعل التكيف يعمل، فهو أشبه بالآلة التي يعتمد اداؤها على التعاون الدقيق لاجزائها. لذلك لا يمكن لأحد ان يغير أيٍّ من هذه الاجزاء من دون تغيير اداء الجهاز بأكمله››. وقد اعتبر فرازيتا ان كل حيوان هو كآلة ضخمة تمتلك نظماً معقدة لدى مستوياتها المختلفة؛ من اصغرها الى اعظمها مستوى. وطبّق هذا المعنى بشكل موسع على جهاز فك الثعبان الذي اعتبره مذهلاً في تكيفه المعقد، فأحال ان يكون قد جاء بفعل التطور، واشار الى ان مثل هذا التعقيد المذهل يمكن رؤيته في مختلف الكائنات الحية واعضائها الحيوية ذات الاجهزة المعقدة، كما في أعين الفقريات وغيرها. لذلك استبعد التغير التدريجي في اي بنية معقدة التكيف والوظيفة، طالما ان مكوناتها الاساسية، كما في الجينات، تقتضي التعاون معاً لتأدية وظيفتها المحددة. وهذا ما جعله يعلن شكوكيته ازاء التفسير الدارويني للتطور.
وفي عام 1978 اختتم الكيميائي الحيوي روبرت ماكناب Robert M. Macnab دراسة مطولة حول الآلية الحسية والحركية لبكتيريا الاشريكية القولونية (E. coli) بقوله: ‹‹لا يسع المرء إلا أن يتعجب من التعقيد في بكتيريا بسيطة من إجمالي الجهاز الحركي والحسي الذي كان موضوع هذه المراجعة، بحيث يصبح مفهوم التطور المعتمد على السمة الانتخابية لهذه الحالة ليس الا تبسيطاً مفرطاً، اذ ما هي الميزة التي يمكن الحصول عليها من مكونات ما قبل السوط (preflagellum)؟ ومع ذلك ما هو احتمال التطور المتزامن للعضية عند المستوى الذي تصبح فيه مفيدة؟››.
وفي عام 1982 كشف عالم الخلية امبروز Ambrose في كتابه (الطبيعة وأصل العالم البايولوجي) عن ان تكوين ابسط بنية حيوية جديدة لم تكن معهودة من قبل يحتاج الى ترابط ما لا يقل عن خمسة جينات تعمل سوية لخلق هذه البنية. كما ان تكوين ابسط الاعضاء الحيوية - مثل جناح ذبابة الفاكهة - يحتاج الى عشرات الجينات المترابطة. وكل من هذه الجينات يحمل رسالة مزدوجة، مما يجعل المعلومات التي تتضمنها ضخمة للغاية. لذلك وصفها بأنها ‹‹تتحدث فيما بينها لغرض التنسيق كتعبير عن ترابطها الوثيق، وهو أمر لا غنى عنه في صنع البنى الحيوية››. وسنرى ان هذه الفكرة هي ذاتها التي استعان بها بيهي في تطوير نظام عدم القابلية على الاختزال الى معيار ادق اطلق عليه خطوات الترابط.
كما في هذا العام ذاته (1982) استخدم عالم الحيوان الخلقوي أرييل روث ما يقترب من مفهوم بيهي حول (التعقيد غير القابل للاختزال)، فكما روى عنه نورمان جيزلر، انه ضمن شهادته للدفاع في محكمة ماكلين ضد أركنساس، ذكر رقماً من المشاكل الخطيرة التي تقف عائقاً أمام تطور البنى المعقدة المتكاملة، منكراً ان يتحقق ذلك عبر تطور الاجزاء بالتدريج وفق الانتخاب الطبيعي. ففي الجهاز التنفسي مثلاً لا يمكن لهذا النظام المعقد ان يعمل ما لم تكن جميع اجزاؤه حاضرة معاً.
وفي عام 1985 اورد التطوري الكيميائي غراهام كايرنز سمث Graham Cairns-Smith ما يقترب من فكرة عدم الاختزال في كتابه (سبع أدلة تلميحية لأصل الحياة). حيث استشهد بمثال يتعلق بطوق مبني من الحجارة بالتدريج حجرة فاخرى، واعتبر ذلك من التناقض من حيث الظاهر، اذ كيف يمكن ان تنشأ سلسلة من التعديلات الصغيرة لبناء نوع من الطوق بشكل تدريجي؟ وكان جوابه ان ذلك يحصل من خلال سقالات داعمة كانت موجودة ثم رفعت بعد ذلك ليترك بناء الطوق كما يبدو متناقضاً، وان ازالة اي حجر منه سوف يؤدي الى انهياره. واعتبر هذا المثال مشابهاً لما هو حاصل من مساندة النظم الفرعية في الكائنات الحية بعضها للبعض الاخر، بحيث ازالة كل جزء منها سوف يفقد وظيفتها، لذا فتفسير وجود هذا النوع من التعاون المتبادل انما يعود الى ما كان في الماضي السحيق من وجود سقالات (مادية) مساعدة قبل ان تفقد بعد ذلك، مثل التعاون الوثيق الحاصل بين الاحماض الامينية العشرين لتكوين البروتين، وان ازالة اي منها سيؤدي الى انهيار الصرح باكمله.
وفي عام 1993 كتب عالم الخلية والطفيليات ريتشارد لومسدن مقالة بعنوان (صانع الساعات ليس أعمى)، استهدف فيها الانتصار لوليام بيلي في (اللاهوت الطبيعي) والرد على ريتشارد دوكينز في (صانع الساعات الاعمى)، مستشهداً بمثالين احدهما التركيب المعقد للعين البشرية، اما الاخر فهو سوط البكتيريا كما لدى الكثير من انواعها. وبالنسبة للبكتيريا فرغم انها بدائية النوى لكن سوطها اعقد بكثير من اهداب الخلية حقيقية النوى، لذلك اعتبر هذه الحقيقة لا تتناسب مع فكرة التطور من البسيط الى المعقد كما في النظرية الداروينية. لهذا تم وضع بعض السيناريوهات التي تقول بان السوط قد جاء في فترة متأخرة عن وجود البكتيريا الفاقدة للسوط، خاصة وانه يقدر حوالي 50% من البكتيريا هي من هذا النوع.
ان المدهش في سوط البكتيريا هو ان له عجلة تدور بما يصل الى 18 ألف دورة في الدقيقة الواحدة، وفي بعض الحالات اكثر من ذلك باضعاف كثيرة كما سنعرف. وهي حقيقة تلهم بان لهذا السوط بنية معقدة متكاملة، بحيث لا شيء يمكنه العمل ما لم يكن كل واحد من مكونات هذا السوط في مكانه المناسب. ويعتبر لومسدن سابقاً لبيهي في تناوله موضوع السوط البكتيري من حيث تعقيده غير القابل للاختزال.
***
مع هذا يمكن اعتبار مايكل بيهي المنظّر والمؤسس الاول لقاعدة نظام التعقيد غير القابل للاختزال، فقد اشبع هذا الموضوع بالتفاصيل العلمية الدقيقة، مع تأطيرها بهذه القاعدة وفق شروط محددة، كما ابرز ذلك في مختلف كتبه ومقالاته وندواته ومحاضراته، وعلى رأسها وأساسها (صندوق داروين الاسود)، حتى اصبحت هذه القاعدة مقترنة باسمه دون غيره من العلماء.
ومن حيث التعريف قصد بيهي بالتعقيد غير القابل للاختزال كما في كتابه السالف الذكر انه نظام واحد مؤلف من عدة اجزاء تتفاعل معاً لتساهم في الوظيفة الاساسية، ولو حذف اي جزء منها فسيتوقف النظام عن وظيفته. لذلك أحال ان ينتج هذا النظام عبر تعديلات مباشرة طفيفة ومتوالية لنظام سالف، أي عن طريق تطوير مستمر للوظيفة البدائية وتعمل بالآلية ذاتها، لأن أي سلف لنظام معقد غير قابل للاختزال ينقصه جزء ما هو بالتعريف نظام غير صالح للعمل. وقد اعتبر ذلك تحدياً حقيقياً للنظرية الداروينية، اذ الانتخاب الطبيعي لا يحتفظ سوى بالنظم التي تؤدي وظائفها جيداً، في حين ان النظام الحيوي قد ظهر كوحدة متكاملة في خطوة واحدة من دون تدرّج يمكّن الانتخاب الطبيعي من العمل عليه.
ولتوضيح هذا المفهوم استعرض مثالاً من حياتنا اليومية يتعلق بمصيدة الفئران، فهي مؤلفة من عدة اجزاء حسبها خمسة، هي النابض والمطرقة والقاعدة الخشبية والمقبض وقضيب التثبيت، وعلى الاقل الاساسية منها الثلاثة الاولى، ولو فُقد اي جزء من هذه الاجزاء فسوف يتعطل عملها في القبض على الفأر تماماً، ولو بنصف او ربع او ما شاكل ذلك من العمل. لذا فالمصيدة تمثل تعقيداً غير قابل للاختزال.
لقد سبق لداروين ان اعتقد بوجود طريقتين او ثلاث للتطور التدريجي، احداهما كمية تحسينية مباشرة للوظيفة مثل تطور العين المعقدة من أعين بسيطة بالتدريج، أما الاخرى فهي نوعية ملتوية، تفضي الى تحويل الوظيفة، مثل تطور الاطراف الرباعية من زعانف الاسماك، او تطور الرئتين من المثانة الغازية gas bladders. كما يخلّف التطور عادة فقداناً للوظيفة او ضعفها، مثلما يحدث في حالة الاعضاء الضامرة والاثرية.
وتعتبر هذه الطرائق من المصادر الهامة التي تعتمد عليها الداروينية الحديثة. في حين حصر بيهي في (صندوق داروين الاسود) مسألة التطور الدارويني في الطريقة الاولى فحسب، وغفل عن الثانية عند تناوله لمسألة تطور النظم الجزيئية في الخلية. فالنقد الذي وجّهه نحو الداروينية قد انحصر في تطور النظام الحيوي المعقد وفق التحول المباشر للنمو الكمي دون ان يمس التطور الملتوي لهذا النظام.
لذا اعترف بالنقص المشار اليه بعد مرور خمس سنوات من صدور كتابه، فذكر ان قاعدة التعقيد غير القابل للاختزال تتضمن عدداً من العيوب والخلل، ومن ثم تحتاج الى اصلاح، سواء من حيث تقنية التعريف او من حيث المضمون، كما في مقالته الموسومة بعنوان (الرد على منتقدي صندوق داروين الاسود). فمن حيث التقنية صرح في عنوان فرعي (عيوب في تعريف التعقيد غير القابل للاختزال) ان التعريف كما ورد في الكتاب كان غامضاً وملتبساً ومن ثم فهو بحاجة الى اصلاح. واشار في موضع التباسه انه من الناحية المفاهيمية يمكن التمييز نظرياً بين فئتين من مكونات النظام المعقد، احداهما تعمل على تنفيذ المهمة الوظيفية بعنصر او مكون واحد فقط، وهو امر نظري لأنه من الناحية الواقعية ان الخلية تستخدم عدة مكونات. أما الفئة الثانية فلا يمكنها ان تنفذ المهمة الا عند اجتماع عدد من العناصر او المكونات، مثل ان السوط البكتيري لا يعمل ليقوم بالدفع الدوار ما لم يحوي على الاقل ثلاثة مكونات، هي المجداف والدوار والمحرك. وقد اعتبر التعريف في (الصندوق) لم يميز بين الفئتين، رغم انه قصد الفئة الثانية فقط لا الاولى. واعتبر انه لحسن الحظ ان اللبس الوارد لا يؤثر على العلم باعتبار ان الفئة الاولى هي مجرد حالة نظرية لا يوجد لها تطبيق في الواقع الحي. ومع ذلك وصف تعريفه الحالي بانه لا يميز بين الاثنين، ويمكن اصلاح النقص الوارد بسهولة عن طريق ادخال كلمة لتعريف التعقيد غير القابل للاختزال على النحو التالي:
‹‹نظام واحد يتكون بالضرورة من عدة اجزاء متوافقة بشكل جيد، وهي تتفاعل لتساهم في انشاء الوظيفة الأساسية، وان ازالة أي جزء من الأجزاء يتسبب في توقف النظام عن العمل بشكل فعال››.
لكن الغريب ان هذا التعريف لا يبدو مختلفاً عما ورد في (الصندوق)، او انه لا يتضمن الاشارة الى الفئة الاولى، وانما يقتصر على الثانية فقط.
أما خلل المضمون فقد اشار بيهي الى ان تعليقات روبرت بينوك واخرين على كتابه جعلوه يدرك بان هناك ضعفاً في المفهوم الذي قدّمه. فقد كان يعتقد في (الصندوق) انه لا يمكن انتاج نظام معقد بشكل غير قابل للاختزال مباشرة، أي بواسطة التحسين المستمر للوظيفة الأولية وتعمل بالآلية ذاتها عن طريق تعديلات طفيفة متتالية لاسلاف النظام ، لأن أي سلف لنظام معقد بشكل غير قابل للاختزال اذا ما فقد جزءاً منه فهو بحكم التعريف غير وظيفي. لكنه اعترف ان هذا المفهوم خاطئ. اذ من الممكن ان يكون سلف ومكونات النظام لها وظائف وآليات اخرى مختلفة عن النظام ذاته، وهو ما يتناسب مع المفهوم الدارويني دون ان يقضي عليه. لذلك اعتبر ان مفهومه الجديد لا ينال شيئاً من التفسير الدارويني عند ازالة اجزاء من النظام يفترض انها كانت ذات وظائف مختلفة سلفاً. اما الاصلاح الجديد فيتعلق بان النظام المعقد غير القابل للاختزال لا يمكن ان يتشكل من خلال الخطوات التدريجية للاجزاء السابقة عليه عبر الانتخاب الطبيعي حتى لو امتلكت جميعها وظائف مختلفة. فهنا ان المشكلة التي تواجه النظرية الداروينية ليست كما كانت في (الصندوق) حول فقدان الوظيفة للاجزاء والمكونات عند ازالة بعضها، بل تتحدد في كيفية انتاج وظيفة جديدة للنظام عبر جمع وظائف ثانوية للمكونات الاساسية. فهذه هي العقبة الكبرى التي احتفظ بها بيهي، وكما قال انه يأمل اصلاح العيب السابق في المستقبل.
وبعبارة ثانية، تقبّل بيهي الحقيقة القائلة بان النظام المعقد غير القابل للاختزال قد يتفكك الى اجزاء وظيفية، وتبقى المشكلة منحصرة حول كيفية جمع الاجزاء المفككة لخلق وظيفة جديدة وفقاً للانتخاب الطبيعي. ففي حالة سوط البكتيريا – مثلاً - لا يمتنع ان تكون اجزاؤه ذات وظائف ثانوية مختلفة، لكن المشكلة هي كيف تولدت الوظيفة الجديدة الاساسية حول دوران السوط من خلال جمع الاجزاء وربطها مع بعض؟.
وفي دراسة لبيهي عام 2004 قدّم مثالاً افترض فيه ان كل مكون من مكونات النظام غير القابل للاختزال يمتلك بروتينات متماثلة وكان له وظيفة فردية مستقلة سابقة في الخلية. لكن مع ذلك ان اشكال البروتينات المختلفة للمكونات السابقة يجعل تجميعها غير قابل للارتباط بشكل مناسب لتنتج نظاماً جزيئياً معقداً كالذي اقترحه بعض الداروينيين، مذكراً ان هذه الصورة تبالغ في تبسيط الصعوبة كما تمت مناقشة ذلك في (صندوق داروين الاسود).
وكرد على بعض منتقديه من أمثال عالم الاحياء ألن أور H. Allen Orr في مراجعته للصندوق (داروين ضد التصميم الذكي) عام 1996، قصد بيهي بالتعقيد غير القابل للاختزال ما يتحدد بالنظام المنفرد وليس الاعضاء الكاملة ولا الكائن الحي المليء بالنظم بما في ذلك الخلية الواحدة، وبالتالي فان قاعدته ينحصر تطبيقها في النظم الحيوية على المستوى الجزيئي ضمن الخلية، أما الاعضاء الكاملة مثل العين والرئة او اي عضو اخر للكائن الحي فهي ليست أجهزة منفردة، لذلك لا تنطبق عليها قاعدة عدم الاختزال. وقد وقع فوتويما Futuyma بمثل هذا الخطأ لدى مقاله (المعجزات والجزيئات) عام 1997 الذي استهدف توسعة بعض النقاط النقدية التي دشّنها أور، فردّ عليه بيهي بمثل ما ردّ على أور ضمن مقاله (اعتراضات فلسفية على التصميم الذكي) عام 2000. رغم ان ارتباط الانسجة والاعضاء والاجهزة الحيوية مع بعض يجعل منها تعقيداً غير قابل للاختزال على المستوى فوق الخلوي، فكل تغير في بعضها يفضي الى التغير في البقية، وبالتالي تبقى جميع هذه المستويات من الارتباط عصية على الاختزال، كالذي سبق لكوفييه ان أماط اللثام عنه. ويبدو ان بيهي مقتنع بذلك، لكنه اراد ان لا يخرج عن التفاصيل العلمية الدقيقة التي نذر نفسه للكشف عنها ضمن دائرة مجال تخصصه.
غياب المنشورات العلمية
من الناحية العلمية كثيراً ما كان بيهي يشكو من غياب اي منشورات تتناول تفصيل المجالات الحيوية المعقدة وفقاً لمبدأ الاختزال الدارويني، ومنها انه لا يوجد اي اصدار علمي يصف اصل الالات البروتينية المعقدة، فالطفرات الجينية التي يعول عليها لا يمكنها ان تنتج بروتيناً واحداً وفق ما يحمله من تركيب معقد جداً. وكرر هذا المعنى في العديد من مواضع (صندوق داروين الاسود). وبعد عشر سنوات من صدور هذا الكتاب عاد الى اثارة الموضوع؛ مكرراً زعمه بعدم وجود منشورات علمية تصف كيفية التطور الجزيئي او حالة التدرج الدارويني لاي نظام كيميائي حيوي معقد حقيقي؛ ماضياً وحاضراً.
وفي احد مواضع كتابه المشار اليه صرح بانه لا توجد اي رواية داروينية تفصيلية تبين اختزال النظم المعقدة. وكما قال: انه من الفصل الثالث ومروراً بالفصل السابع اوضحنا انه لم يفسر احد اصل النظم الكيميائية الحيوية المعقدة التي نوقشت هنا.. وذلك رغم وجود عشرات الالاف من العلماء في امريكا ممن يهتمون بالاساس الجزيئي للحياة.
ومن الشواهد التي دلل من خلالها على هذا الغياب هو ان مجلة التطور الجزيئي ومجلات اخرى رغم انها تعتني بتحليل تتابع الاحماض الامينية المطرزة والمخيطة مع بعضها؛ لكن لا يوجد فيها ما يبين كيف ظهرت الآلات الجزيئية المعقدة اعتماداً على نظرية داروين في الاختزال، كالهدب والسوط الذين هما نتاج البروتينات. كذلك نظام المناعة وتخثر الدم، بل وحتى الرؤية العينية البسيطة مثلما يحدث من تفاعلات عندما يصطدم فوتون بشبكية العين، فهي تفاعلات معقدة جداً من الصعب على نظرية التطور ان تشرحها وفق الخطوات البسيطة، وقد كلفت بيهي حوالي خمس صفحات لاستعراضها في (صندوق داروين الاسود).
وقد استشهد بيهي بعدد من العلماء الذين قاموا بمراجعة كتابه بما يدل على صدق ما يقول. ومن ذلك ان عالم الكيمياء الحيوية جيمس شابيرو اعترف في مراجعته لـ (صندوق داروين الاسود) في نفس السنة التي صدر فيها الكتاب بانه لا يوجد تفسيرات داروينية مفصلة لتطور اي اساس كيميائي حيوي او نظام خلوي. فما يوجد فقط هو اصناف من التخمينات الحالمة. وتكاد تكون ذات هذه العبارة قد كررها عالم الخلية فرانكلين هارولد Franklin Harold في كتابه (طريق الخلية Way of the Cell) عام 2001، حيث صرح بانه يجب الاعتراف بأنه لا توجد حالياً روايات داروينية مفصلة عن تطور أي نظام كيميائي حيوي، فما يوجد هو مجرد مجموعة متنوعة من التخمينات الحالمة.
كذلك صرح عالم الاحياء التطوري جيري كوين في مراجعته لكتاب بيهي في السنة ذاتها بقوله: ‹‹لا شك أن الممرات التي وصفها بيهي معقدة بشكل مروّع، وسيكون من الصعب كشف تطورها››.
أيضاً في السنة ذاتها كتب عالم الأحياء التطوري أندرو بوميانكوفسكي Pomiankowski ضمن مراجعته لكتاب بيهي فقال: ‹‹معظم علماء الكيمياء الحيوية ليس لديهم سوى فهم ضئيل للتطور أو اهتمام به. وكما اشار بيهي فانه بالنسبة إلى أكثر من ألف مقالة علمية حول الكيمياء الحيوية للأهداب، لم يجد سوى حفنة قليلة تتناول التطور بجدية. هذه اللامبالاة عالمية. اختر أي كتاب في الكيمياء الحيوية، وستجد ربما كتابين أو ثلاثة تشير إلى التطور. انتقل إلى واحدة من هذه المراجع وستكون محظوظاً للعثور على أي شيء أفضل من العبارة القائلة: (التطور يختار الجزيئات الأصلح لوظائفها البيولوجية)››.
وفي عام 1997 أكد روبرت دوريت ‹‹ان بيهي محق بالمعنى الضيق عندما يجادل بأننا لم نفهم تماماً حتى الان تطور المحرك السوطي أو سلسلة تجلط الدم››..
كما في هذه السنة ايضاً كتب عالم الاحياء التطوري توم كافالير سميث Tom Cavalier-Smith مقالة لاذعة بعنوان (عالم الكيمياء الحيوية الاعمى) قائلاً: ‹‹بالنسبة للحالات التي ذكرها بيهي، لا يوجد حتى الآن شرح شامل ومفصل للخطوات المحتملة في تطور التعقيد الملحوظ. لقد تم بالفعل إهمال المشاكل إلى حد بعيد، على الرغم من أن بيهي يبالغ مراراً وتكراراً في أمر هذا الإهمال››.
وبعيداً عن نظرية بيهي اعترف عالم الحفريات ستيفن جاي جولد بأن العلم الكلاسيكي غير قادر على تفسير النظم المعقدة في علم الأحياء والمجتمع البشري والتاريخ تبعاً لمنهج الاختزال، مؤكداً في ذلك على حاجتنا لانماط جديدة من التفكير في طرح الأسئلة والإجابة المناسبة عنها.
واصبح من المعلوم لدى الكثير من علماء الاحياء ان ما يقوله بيهي صحيح حول عدم وجود تفاصيل داروينية توضح حالة التسلسل في النظم المعقدة من الالات البروتينية وما فوقها، لكنهم في الغالب لا يتقبلون تفسيره لتجاوزه معيار الطبيعانية.
فمثلاً ناقش بيهي كيف انه لا توجد اوراق علمية سددت مشكلة تفسير هدب الخلية الجرثومي، وما زالت التخمينات جارية. وعلّق على احد الابحاث التي حاولت تخمين كيف نشأ الهدب فأشار الى انه لا يظهر في البحث اي كلمة انتخاب فضلاً عن انتخاب طبيعي، وكذا لا توجد كلمة طفرة فضلاً عن طفرة عشوائية ولا اي طفرة محددة، ثم انتهى الى القول: ‹‹كل العلوم تبدأ من التخمين، اما الداروينية بالذات فتنتهي عنده عادة››.
وهدب الخلية هو كما وصفه بيهي عبارة عن شعيرات دقيقة وقصيرة على السطح الخارجي لبعض انواع الخلايا، وبسببها تتمكن الخلية من الذهاب والاياب كمجداف. وهو يتكون اساساً من تسع انيبيبات مزدوجة، وكل انيبيبة تتكون من حلقتين مكونتين من ثلاث عشرة ضفيرة من بروتين خاص هو التوبولين، وهناك في منتصف الهدب انيبيبتان منفردتان، وكل الانيبيات مرتبطة ببعضها بانواع مختلفة من الروابط التي تقوم بها بعض انواع البروتينات. ويوجد في كل انيبيب مزدوج ذيلان، عبارة عن جسرين دانينين خارجي وداخلي.. لذلك فلو لم تكن هناك انيبيبات فلا شيء ينزلق، ولو فقد الداينين، وهو نوع من البروتين، فالنظام باكمله سيصبح جثة هامدة، وكذا لو فقدت المادة الرابطة مثل بروتين النيكسين فسينهار النظام باكمله..
هذا باختصار شديد جداً لمكونات هدب الخلية المعقد الذي يتألف من حوالي 200 نوع من البروتين، وقد تحتوي الخلية على المئات من الاهداب.
وشبيه بهذا الهدب سوط البكتيريا، ويوصف بانه موتور صغير يحوي على محرك ومجداف ودوار وغير ذلك، فله محرك خارجي يمكّن بعض انواع البكتيريا من السباحة عبر بعض الحوامض الخاصة. ففي السوط جزء يقوم بالدفع يشبه الذيل الطويل ويتكون من بروتين يسمى فلاجيلين، ويتصل هذا الدافع بمحور الحركة عن طريق رابط بروتيني هو بروتين الخطاف الذي يعمل كرابط عام مما يسهل حرية الدوران للدافع ومحور الحركة، وهو يتصل بمحرك دوار..
هذه مكونات السوط البكتيري باختصار شديد. وقد اظهرت الدراسات الجينية ان السوط يتألف من ثلاثين الى اربعين بروتين مختلف، اغلبها تعتبر متطلبات اساسية للقيام بوظيفته، ففي غياب معظم هذه البروتينات سوف لا تتحقق حركة السوط بأي شكل من الاشكال. فلكي يقوم بعمله يحتاج الى عدة اجزاء، مثلما هو الحال مع الهدب وغيره.
ومن وجهة نظر تطورية فان الجهاز السوطي مرن وقادر على اكتساب وفقدان البروتينات. فرغم هذا الفقدان فانه يعمل وان بكفاءة اقل احياناً، لذلك تمتاز بعض الاسواط بكثرة البروتينات خلافاً لغيرها. لكن مع هذا يُعتقد انه يتكون من عشرين بروتين رئيسي، بحيث تظهر تجارب الحذف ان السوط لن يتجمع او يعمل اذا تم ازالة اي واحد من هذه المكونات مع بعض الاستثناءات. لذا طرح الداروينيون سؤالاً: كيف يمكن ان يظهر هذا النظام بطريقة تدريجية اذا ما كانت وظيفته لا تتحقق الا عندما يتم جمع الاجزاء المطلوبة كاملة؟ وعليه يُعتقد ان النظام المعقد للسوط هو احد الالغاز التي تقف عقبة امام التطور الدارويني.
وفي الحياة توجد الآلاف وربما ملايين الانواع المختلفة للسوط البكتيري. وأغرب ما فيه هو انه يتألف من مروحة تعمل بمحرك نانوي، ويُشبّه بقارب كهربائي ذي عجلة محركة تدير مروحة حلزونية صلبة، وهي آلية وظيفية دقيقة مازالت غامضة. وكان اول من اكتشف المحرك الدوار للسوط هما بيرج واندرسون (Berg and Anderson) عام 1973. ومن المدهش ان السوط قد يدور بعشرات الآلاف من الدورات في الدقيقة باتجاه عقارب الساعة وعكسها، وقابل لتغيير الاتجاه في اي لحظة. وفي بعض التقديرات ان هذا الدوران قد يصل الى اكثر من مائة الف دورة في الدقيقة.
ومن وجهة نظر علماء الأحياء انه لا مفر من مقارنة السوط البكتيري بالتصاميم البشرية. وكما لاحظ ديفيد ديروسير DeRosier David عام 1998 بان هذا السوط هو اكثر البنى الحيوية شبهاً للآلات البشرية المصممة. وبحسب وايتيسيدس Whitesides وغيره من العلماء ان هذا السوط يشابه المحركات التي صممها البشر مثل التوربينات كالذي صرح به عام 2001. كما اعتبر ريتشارد دوكينز جهاز الدوران المروحي لهذا السوط اعجوبة طبيعية، فهو المثال الوحيد الذي يقع خارج نطاق التكنلوجيا البشرية. كما ان بعض العلماء اعتبره ‹‹الجهاز الأكثر كفاءة في الكون››.
وقبل هؤلاء صرح مايكل دنتون (عام 1985) بان السوط البكتيري هو البنية الوحيدة في كامل المملكة الحية يبدي حركة دائرية.
هذا مجرد سوط مجهري في غاية الصغر. وبحسب روبرت ريدل فان مملكة الحياة تحتوي على مائة الف من الصفات المستجدة بانتظار الاختزال الدارويني.
وعلى مدى عدة عقود ظهرت الاف الاوراق التي تبحث حول بنية السوط وطريقة عمله بالتفصيل، لكن الاقتراحات المنشورة حول تطوره كانت محدودة للغاية. ويعترف نيكولاس مازكي Matzke بداية القرن الواحد والعشرين بوجود محاولات عديدة نُشرت لشرح اصوله، لكن لا توجد اي محاولة جادة لبناء نموذج تطوري مفصل عنه، اذ كانت هذه المحاولات تعاني من الغموض ولا تتوافق مع الاكتشافات الحديثة والقيود التي فرضتها الحركة البراونية. ومع ذلك رأى ان التحليل الدقيق يبين انه لا توجد عقبات رئيسية امام تطوره التدريجي. لذلك قدّم محاولة مفترضة لهذا التطور وفق النموذج الدارويني خطوة بخطوة واعتبره معقولاً وقابلاً للاختبار، وردّ على الزعم القائل بان النماذج التطورية المطروحة لا تتجاوز السرد المجرد للقصص، وهي المقالة التي كان يرددها كل من ستيفن جاي جولد وليونتن (1979)، معتبراً انهما هاجما فقط السناريوهات التي لا تقبل الاختبار او تلك التي لم تختبر قط، خاصة بالنسبة للظواهر التي لا تخضع لقانون الانتخاب الطبيعي، وهو ما لا ينطبق على محاولة تفسير الاصل التطوري للسوط.
ورغم أن مازكي قدّم بالفعل محاولة مفترضة لخطوات تطور السوط وفق النموذج الدارويني كما في دراسته القيمة (التطور في الفضاء البراوني)، لكنه رفض المطالبة بتحديد المراحل الانتقالية له بشكل مفصل، معتذراً بان ذلك مستحيل تحقيقه طالما ان العملية قد حدثت منذ مليارات السنين، وبالتالي فما يمكن فعله هو تقليل النموذج التطوري المفصل الى أحداث تتحقق عبر عمليات مفهومة جيداً. لذلك افترض ان تطور السوط مرّ بست مراحل رئيسية تتخللها وسائط مفتاحية، وكلها تبدو معقدة. ولو لم تكن كذلك لكان من الممكن انتاجها عبر الطفرات في المختبر.
وبعد ثلاثة أعوام من نشر تلك الدراسة أصدر مازكي مع مارك جون بالين ورقة بحث مشتركة حول تطور السوط البكتيري بعنوان مثير (من أصل الأنواع إلى أصل الأسواط البكتيرية)، وهي تتضمن اظهار التشابهات المتعلقة بتسلسلات بروتينات السياط المختلفة الانواع، وكذا بعض التشابه مع تسلسلات بروتينات تعود الى انواع اخرى من البكتيريا غير السوطية. وتستهدف الدراسة حسم الجدل الذي حصل في محكمة دوفر قبل عام من نشرها. اذ أصر بيهي – كأحد الشهود المدعويين – على عدم قابلية اختزال نظام البروتينات في سوط البكتيريا وفق الآلية الداروينية، فيما خالفت المحكمة هذه الفرضية. وقد احصى الباحثان مصطلح السوط الوارد ذكره خلال ستة اسابيع لمحاضر المحكمة بحوالي (385 مرة). واشارا الى ان ما قدماه يمثل حججاً اخرى تضاف الى ما تم تداوله في المحكمة ضد فكرة التصميم الخلقوية واسطورة نظام التعقيد غير القابل للاختزال.
وتعتبر دراسة الباحثين بالين ومازكي فريدة من نوعها. وقد لقيت استحساناً واشادة من قبل بيهي، واعتبرها اول محاولة جادة جرت حول تطور السوط البكتيري، لكنها مع هذا انتهت الى نتيجة تتضمن خلطاً بين فكرتين مختلفتين واردتين ضمن نظرية داروين، احداهما متأصلة في هذه النظرية، وهي موضع النزاع وتتعلق بآلية الانتخاب الطبيعي، اما الثانية فتتمثل باطروحة السلف المشترك، وهي فكرة يسلم بها مايكل بيهي ولا يعارضها، كما تسلم بها نظريات التطور المختلفة، تارة باطلاق، اي انحدار جميع الكائنات الحية الى اصل واحد مثلما ترى الداروينية، واخرى مقيدة ضمن حدود معينة. وهذا ما جعل بيهي يستعيد ما ذكره زعيم الداروينية الحديثة ارنست ماير حول وجود خمس افكار مختلفة تتضمنها النظرية الداروينية، وكثيراً ما يقع الالتباس فيما بينها حتى لدى بعض المفكرين البارزين. ومن ذلك ان الباحثين خلطا بين فكرتي السلف المشترك وآلية داروين في الانتخاب الطبيعي المعتمدة على الطفرات العشوائية، وهو الخلط الذي وقع فيه العديد من الباحثين؛ قبلهما وبعدهما.
عموماً ان ما انتهت اليه ورقة الباحثين هو دعم فكرة الانحدار والاصل المشترك طبقاً للتشابهات الكبيرة التي كشفا عنها في تسلسلات البروتينات لمختلف انواع السياط البكتيرية مع انواع اخرى من البكتيريا. وسبق لمازكي ان اظهر مثل هذا النوع من التشابه في مقالته السابقة عام 2003. وهي فكرة تلقى ترحيباً من قبل بيهي، لكنها تختلف عن آلية الانتخاب الطبيعي وتدرج الطفرات العشوائية.
كما بعد مرور عام على نشر مقالة بالين ومازكي، ظهرت مقالة في احدى المجلات المرموقة بعنوان مثير جداً (تكون تدريجي لنظام السوط البكتيري) للباحثين ليو Liu واوشمان Ochman. وملخصها هو انه يمكن لمجموعات الجينات التي تشفر مكونات السوط ان تشتمل على (50 جيناً)، لكنها تختلف اختلافاً كبيراً في أعدادها ومحتوياتها بين الشعب البكتيرية. ولاستكشاف كيفية نشوء هذا التنوع، فقد حدد الباحثان جميع المتماثلات للبروتينات السوطية المشفرة في تسلسل الجينوم الكامل لمجموعة من السياط البالغة (41 نوعاً) والتي تنتمي الى (11 شعبة) بكتيرية. وتتضمن هذه الجينات (24 جيناً) اساسياً كان لها وجود سابق لدى السلف المشترك لجميع انواع البكتريا، ويظهر العديد من هذه الجينات الاساسية تشابهاً في التسلسل مع الجينات الأساسية الأخرى، مما يشير إلى أنها مشتقة من بعضها البعض، وتشير العلاقات بينها إلى الترتيب المحتمل الذي نشأت به المكونات البنيوية للسوط البكتيري. وتظهر النتائج أن المكونات الأساسية للسوط البكتيري نشأت من خلال التكرار والتعديل المتتاليين لعدد قليل، أو ربما حتى جين واحد يمثل السلف المشترك للجميع. بمعنى ان جميع البروتينات الاساسية لكافة انواع البكتيريا السوطية قد نشأت من بروتين سلفي او اكثر قليلاً عن طريق مضاعفة وتنويع جين بدائي.
وقد ايد عدد من العلماء هذه النتيجة وحظيت بدعاية كبيرة واعتبرت انتصاراً للداروينية مع سقوط ساحق لحجة التعقيد غير القابل للاختزال، ومن ثم مذهب التصميم الذكي. لكن لم تمضِ فترة طويلة حتى تبين خللها لدى احد الخبراء في هذا المجال، وهو مازكي الذي ابدى سخريته من النتائج التي افضت اليه ورقة البحث، وردّ عليها بعنوان ساخر (بحث تطور السوط يعرض الصفات الكلبية). فهو قد تعجب كيف تم نشر هذه المقالة في مجلة مرموقة مع ان فيها ادعاءات واخطاء اساسية لا يمكن السكوت عنها. وفي البداية ذكر انه كان متحمساً لقراءتها، لكن عندما اطلع عليها تحولت سعادته الى قلق وفزع، مشيراً الى ان الورقة تقدم بعض النقاط المفيدة المحتملة وتستكشف مناطق جديدة قليلة، يبقى الكثير منها يتراوح بين المشكوك فيه والخطأ الذي لا يمكن إصلاحه. وفي النتيجة انتهى مازكي الى انه ينفي تماماً وجود طريقة تبين ان جميع بروتينات السوط تنشأ من خلال تكرار جين واحد.
وهذا ما يتفق مع وجهة نظر بيهي الذي يرى استحالة حدوث عمليات متسلسلة للتدرج الدارويني، فهناك عقبة ما سماه بنظام التعقيد غير القابل للاختزال، وهي عقبة تزداد ضخامة حين اخذ اعتبار ترابط البروتينات وعدم كفاية الاحتمالات الممكنة لبناء هذا الترابط عشوائياً مقارنة بالزمن الواقعي، كما سنعرف.
وسبق لبيهي في مقالة (اعتراضات فلسفية على التصميم الذكي) عام 2000 ان تحدى قدرة الانتخاب الطبيعي على انتاج السوط البكتيري من خلال العمل على الطفرة العشوائية تجريبياً، ودعا العلماء للذهاب الى المختبر وفحص هذه القضية بوضع بعض الأنواع البكتيرية التي تفتقر إلى السوط تحت الضغط الانتقائي (للتنقل مثلاً) والقيام بزراعتها لعشرة آلاف جيل ومعرفة ما إذا يمكن إنتاج سوط أو أي نظام معقد مماثل. وكما قال انه اذا ما حدث ذلك فسيتم دحض ادعاءاتي بدقة. وكرر هذا المعنى عام 2001.
وفي هامش له على مقالته الصادرة عام 2000 نقل ما استسهله كينيث ميلر من عملية صنع الجينات عبر الانتخاب الطبيعي في كتابه (العثور على إله داروين) عام 1999، حيث قال الاخير ضمن اعتراضاته على فيليب جونسون: ‹‹إن من السهل رؤية أن الاختلافات بين الأنواع ليست أكثر من مجموع الاختلافات بين جيناتها. فإذا كان التطور الجزئي قادراً على إعادة تصميم جين واحد في أقل من مائتي جيل (والذي استغرق في هذه الحالة ثلاثة عشر يومًا فقط!)، فما هي مبادئ الكيمياء الحيوية أو البيولوجيا الجزيئية التي ستمنعها من إعادة تصميم عشرات أو مئات الجينات خلال بضعة أسابيع أو أشهر لإنتاج نوع جديد واضح؟ لا توجد مثل هذه المبادئ بالطبع››.
وقد ردّ بيهي عليه بالقول: ‹‹حسناً، لماذا لا يأخذ فقط أنواعاً بكتيرية مناسبة، ويقضي على جينات سوطها، ويضع البكتيريا تحت ضغط انتقائي (للتنقل مثلاً) لكي تنتج تجريبياً سوطاً - أو أي نظام معقد مماثل - في المختبر؟ ففي النهاية يحتوي السوط على 30-40 جيناً فقط، وليس المئات التي ادعى ميلر أن من السهل اعادة تصميمها وفق الانتخاب الطبيعي››. واعتبر بيهي انه لو تحقق له ذلك ‹‹فسيتم دحض ادعاءاتي تماماً، لكنه لن يجرب ذلك لأنه يبالغ بشكل كبير في احتمالات النجاح››.
لكن بعد 15 عاماً قامت مجموعة من الباحثين بتجربة حول سوط البكتيريا ونشروا نتائجها في بحث عنوانه (إحياء تطور القدرة على الحركة السوطية من خلال إعادة الأسلاك). وقد هلل الكثير من انصار الداروينية للنتيجة التي اسفرت عنها هذه التجربة، واعتبروا ذلك ايفاءاً بما طالبه بيهي في تحديه لميلر مع دحض نظريته حول قاعدة التعقيد غير القابل للاختزال، فيما استهزأ بيهي من نتيجة التجربة باعتبارها بسيطة لا تفي بالشروط التي ذكرها لدحض نظريته.
وخلاصة هذه التجربة، انه تم حذف جين خاص ببروتين يدعى FleQ، وهو يعمل كمنشط ومفتاح منظم رئيسي للجينات السوطية المسؤولة عن تكوين السوط البكتيري المستخدم للسباحة، وعلى اثر هذا الحذف تلاشى السوط تماماً، لكن بسبب ضغوط تعريض البكتيريا للجوع عاد السوط خلال 96 ساعة (اربعة ايام) من جديد بفعل الانتخاب الطبيعي. وقد تخللت هذه العملية طفرتان نمطيتان، ففي الاولى انه عند فقدان جين البروتينFleQ حصلت زيادة في مستوى انتاج بروتين اخر هو البروتين التنظيمي للنايتروجين NtrC الفسفوري، ويتصف بانه منشط متعدد الاغراض، وله وظيفة رئيسية تتعلق بامتصاص النايتروجين والتمثيل الغذائي، ويرتبط مباشرة بالحامض النووي لأجل التحفيز. ومعروف ان هذا البروتين يشابه في تركيبه بروتينFleQ ، لذلك تولى السيطرة على التنظيم الجيني على حساب وظيفته الرئيسة في امتصاص النايتروجين. اما الطفرة الثانية فقد عملت على استعادة السوط بفعالية اكبر في السباحة، لكن مع اضطراب واختلال الوظيفة الخاصة بامتصاص النايتروجين والتمثيل الغذائي.
وحقيقة ان هذه التجربة لم تسفر عن نتائج كبيرة، وهي لا تشكل ادنى تحدي لبيهي، فهي لم تقضِ على جميع الجينات المسؤولة عن تكوين السوط، وما فعلته هو الكشف عن بدائل المنشطات في التنظيم الجيني، او ما سماه القائمون عليها بقطع الغيار. لذلك كان من السهل على بيهي ان يرد على قيمة ما قدمته من نتائج. فبعد اقل من اسبوع على نشر تفاصيل هذه التجربة ردّ بيهي على تفسيرها في مقالة له بعنوان ساخر (تم احياء السوط من جديد)، موضحاً انها عادية ولا تدل على شيء يتعلق بتطور البنى المعقدة.
نقد قاعدة عدم الاختزال
لقد تم توجيه العديد من الانتقادات الى قاعدة بيهي في عدم الاختزال، ويمكن تقسيمها الى اربعة محاور من النقد، احدها يتعلق بانكار بيهي وجود منشورات علمية تكشف عن تفاصيل العملية الاختزالية للتطور الدارويني، مثل المنشورات الخاصة بعلم الجهاز المناعي. والثاني يتعلق بالاطار النظري العام للقاعدة. اما الثالث فيختص بمثال بيهي المفضل (مصيدة الفئران). في حين يتناول النقد الرابع النماذج التطبيقية التي اختارها بيهي حول الجزيئات الخلوية المعقدة، وابرزها ما يخص سوط البكتيريا.
لذلك سوف نستعرض أهم ما جاء في هذه المحاور الاربعة من نقد مع جواب بيهي عليها كالتالي:
1ـ تجاهل المنشورات العلمية
لقد تركز النقد المتعلق بالمنشورات العلمية على موضوع علم المناعة، حيث تم توجيه الاتهام لبيهي في محكمة دوفر (يوم 20 ديسمبر من عام 2005) بانه تجاهل كثرة البحوث التي كتبت حول جهاز المناعة بادعائه عام 1996 ان العلم لم يجد تفسيراً تطورياً لهذا الجهاز مطلقاً.
وقد عُرضت عليه ثمانية وخمسون منشوراً خضعت لمراجعة الأقران، مع تسعة كتب وعدد من فصول الكتب المدرسية المتعلقة بعلم المناعة، وجميعها معني بحسب المحكمة بتطور الجهاز المناعي. ومع ذلك أصر بيهي ببساطة على القول - كما تروي المحكمة – ‹‹ان ذلك ليس دليلاً جيداً بما فيه الكفاية››، او انه لا يدل بشكل كاف على التطور.
وقد اعتبر بيهي العبارة الاخيرة المنسوبة اليه انما تعود الى محامي الاستجواب. وهو قد اعترف بانه لم يكن مطلعاً على الدراسات التي قدمت له حول المناعة، وقال في شهادته ان هذه الدراسات قد تكون جيدة، لكنها قطعاً لم تقدم تفسيرات مفصلة وصارمة لتطور الجهاز المناعي بواسطة الطفرات العشوائية والانتخاب الطبيعي، ولو كان لديهم هذا العلم؛ لانعكس لزاماً في المزيد من الدراسات الحديثة التي حظيت بفرصة قراءتها. لهذا اتهم المحكمة بالانحياز في تقبلها، دون تمحيص، الحجج الضعيفة سهلة التفنيد، ومن ذلك تقبلها تعريف ميلر المختلق للتعقيد غير القابل للاختزال، وانها تتساهل ببساطة مع مزاعم المدعين حول حالة العلم، وتتجاهل آراء خبراء المتهمين.
ثم انه شكك في اطلاع المحكمة على المنشورات والكتب المعروضة حول الجهاز المناعي. وقال بهذا الصدد: ‹‹كيف يمكن للمحكمة أن تعلن أن تلك الكومة من المنشورات، تظهر أي شيء بالمرة، اذا كان خبير الدفاع ينازعها والمحكمة نفسها لم تقرأها ولم تستوعبها؟ وفي أثناء شهادتي المباشرة؛ مررت على أوراق أحال عليها البروفيسور ميلر في شهادته، وتبين أنها لا تحتوي حتى على عبارة (طفرة عشوائية)، لذلك اعتبر أن العديد من الاوراق البحثية الحديثة جداً في علم المناعة، التي ذكرها ميلر كانت للمتاجرة. وبعبارة أخرى، لا يوجد حالياً تفسير دارويني دقيق لجهاز المناعة. والمحكمة لم تذكر هذه الشهادة››.
وإلى آخر ما كتبه بيهي أصرّ على عدم وجود منشورات علمية مفصلة توضح التدرجات التطورية للبنى الجزيئية الحيوية، ومن ذلك ما جاء في كتابه الاخير (تراجع داروين) الذي صرح فيه بالقول: منذ اكثر من عشرين سنة كرست فصلاً في (صندوق داروين الاسود) لمسح الادب التطوري، لكني لم اجد اطلاقاً اي منشورات تصف التفاصيل القابلة للاختبار حول قدرة الطفرة العشوائية والانتخاب الطبيعي ان يفسرا آلية جزيئية متطورة في الخلية، ناهيك عن التجارب التي تظهر ذلك. وبعد اكثر من عقدين، وعلى الرغم من الضجة التي احدثها الكتاب المشار اليه وكذلك الصخب والضجيج الاعلامي، فان الوضع لم يتغير، فما زالت الادبيات العلمية تخلو تماماً من مثل تلك التفسيرات.
2ـ تهافت قاعدة عدم الاختزال
وحول الاطار العام لقاعدة بيهي؛ تم توجيه اعتراض اساس، وهو ان هذه القاعدة لا يمكنها دحض التفسير الدارويني، وكان من ابرز المعترضين كينث ميلر، فقد كرر نقده لعدد من المرات ولسنوات طويلة ان من الممكن لاجزاء النظام المعقد ان تقوم ببعض الوظائف، وبالمساندة مع اجزاء اخرى يمكن ان يتحول الحال الى وظيفة جديدة. فهذا ما ذكره في بعض مناظراته عام 2002. ثم كرر ذات النقد في مقالته (تفكك السوط: انهيار التعقيد غير القابل للاختزال) عام 2004، وبعد ذلك بخمس سنوات فعل الشيء ذاته في كتابه (فقط نظرية Only A Theory) الصادر عام 2009.
لكن كما هو معلوم ان هذا النقد قد تخلص منه بيهي منذ عام 2001، كما في ردّه على منتقديه في مقالته (الرد على منتقدي صندوق داروين الاسود) والتي اعترف فيها ان قاعدته التي قدمها عام 1996 كان ينتابها بعض الخلل، وقام باصلاح ذلك كما عرفنا، وبقيت المشكلة التي ركز عليها هي كيف يمكن تجميع الوظائف الثانوية والبنى الجزئية لتكوين النظام الاساس وفق المنظور الدارويني. صحيح انه في اصلاحه لم يعد بالامكان القضاء التام على التفسير الدارويني مثلما تصور عام 1996، لكن مع هذا فان المشكلة التي يواجهها هذا التفسير بقيت مستعصية عن الحل الى هذه اللحظة.
وظلت هذه الفكرة لدى بيهي ثابتة حتى بعد ردوده على الاعتراضات الموجهة نحو قاعدته والتي جاءت بعد عشر سنوات من صدور (صندوق داروين الاسود). فقد صرح بانه لا ينكر امكانية ان تكون للاجزاء وظائف مختلفة، وان بامكان علماء الاحياء عزل نظم فرعية يمكنها ان تؤدي وظائف اخرى، الا انها لا يمكن ان تعمل بذات النظام الاصلي. فقد يمكن الكشف عن وجود وظائف ثانوية مختلفة لبعض النظم المعقدة الفرعية المنتزعة من النظم الاصلية مع فقد الوظيفة الاساسية، لكن لا يوجد ايضاح كيف يمكن تحويل النظم الفرعية وجمعها بشكل مفصل لتكوين نظام معقد اصلي.
3ـ ضعف مثال مصيدة الفئران
أما مثال مصيدة الفئران، وهو شكل من اشكال النظام غير القابل للاختزال، فقد تعرض الى عدد من الانتقادات، منها ما ذكره أور من ان هذا المثال لا يعتبر صالحاً للتمثيل لعلمنا المسبق بأنه نتاج بشري. فنحن نعلم ان مصيدة الفئران مصممة لأننا رأينا البشر قاموا بتصميمها، ولولا ذلك لشكّلت مشكلة علمية مشروعة. في حين لم نشهد تصميم نظم كيميائية حيوية معقدة بشكل غير قابل للاختزال، لهذا لا يمكننا استنتاج انها مصممة مثلما هو الحال في المصيدة وسائر المنتجات البشرية.
لكن الجواب هو ان العلم بتصميمها لا يتوقف على الخبرة الحسية، اذ يرد فيها جانب منطقي يتعلق بمبدأ الاحتمالات الذي يمكن تطبيقه على القضايا الخارجية لتحديد ما اذا كانت مصممة ام غير مصممة. لذلك فإن للبحث عن الذكاء خارج الارض معنى من دون ان يكون له علاقة بالمنتجات البشرية، بل يحصل التمييز منطقياً وفقاً للافق الاحتمالي دون اعتبارات اخرى.
أيضاً ثمة نقد آخر حول مثال المصيدة، وهو مستمد من النقد العام لقاعدة عدم الاختزال. ففي كتاب (فقط نظرية) اعتبر كينث ميلر ان المجموعات الفرعية من مكونات المصيدة الخمسة قابلة لان توظف في مختلف الوظائف المفيدة بشكل يختلف عن صيد الفئران، معطياً نماذج من الفوائد الوظيفية عند تفكيك مكونات هذه المصيدة. وحتى العنصر الواحد من المكونات الخمسة قابلاً للتوظيف.
لكن هذا النقد كما ذكرنا لا يمس قاعدة بيهي بعد الاصلاح، فبيهي لا ينفي امكانية الوظائف المختلفة للاجزاء المفككة للمصيدة. والغريب ان مايكل روس يرى ان من الممكن ان تعمل المصيدة حتى بجزء واحد وان لم تكن بشكل جيد، لكنها تكون في هذه الحالة كالاعور يعتبر سلطاناً في بلد العميان، وذلك كنقد لنظرية بيهي الذي اعتبر ان فقدان اي جزء اساس في المصيدة لا يجعلها تعمل بنصف او ربع ما كانت تعمل به. وقد أجاب بيهي على مثل هذا النقد.
وبلا شك أن الأجهزة المعقدة عادة ما تحتفظ بحد معين من الاجزاء لتقوم بوظيفتها، واي نقص فيها يجعلها تمتنع عن العمل بهذه الوظيفة، فهي كما يصفها ديمبسكي بجوهر نظام التعقيد غير القابل للاختزال، كما في كتابه (لا غذاء مجاني) الصادر عام 2002.
4ـ نقد النماذج التطبيقية
تبقى النماذج التطبيقية للقاعدة، حيث هي الاخرى تم نقدها، وابرز هذه النماذج التي كثر الجدل حولها هو ما يتعلق بسوط البكتيريا، خاصة الاعتراضات التي قدمها كينث ميلر، ومن ذلك انه في مقاله (تفكك السوط: انهيار التعقيد غير القابل للاختزال) عام 2004 كشف عن ان ازالة بعض قطع من السوط لا تلغي مطلق الوظيفة، ومنها الوظائف الفرعية، مستشهداً بوجود جهاز صغير يشابه قطعة من قطع السوط لكنه يعمل بشكل مستقل لدى بعض انواع البكتيريا فيسمح لها بحقن بعض السموم لمضيفيها، مما لا علاقة له بالسوط، ويدعى بالنظام الافرازي من الصنف الثالث ttss III، وهو نوع من المضخات له ما يشابهه كجزء من محرك السياط من دون تطابق، وهو يعمل باستقلالية لدى كائنات مجهرية اخرى ليس لها سياط.. وعدد بروتيناته تقدر بحوالي ثلث ما لدى السوط، اي حوالي عشرة بروتينات. لذلك اعتبر ان لهذا الجزء وظيفة مثلما للسوط وظيفة؛ كرد على قاعدة بيهي في التعقيد غير القابل للاختزال.. بمعنى ان اي نظام معقد سيكون قابلاً للاختزال والتبسيط وفق المعيار الطبيعاني.
وحقيقة سبق ان نقد مازكي فكرة ماكناب المتعلقة بهذه النقطة بالخصوص. ففي عام 1978 صرح ماكناب بأن اي من مكونات السوط سوف لا تعمل وتكون من دون فائدة. لكن مازكي دلل على خطأ هذه الفكرة بعد الكشف عن نموذج النظام الافرازي الثلاثي.
وقد وظف دوكينز مقالة ميلر لأهميتها كدليل على فشل محاولة بيهي، مؤكداً بانه لاثبات التعقيد غير القابل للاختزال يجب اثبات عدم فائدة اي جزء من النظام بمفرده كالذي اكد عليه ميلر. لكن دوكينز زاد بما لم يتجرأ عليه الاخير، فاعتبر ان النظام الافرازي من النوع الثالث كان مع قطع اخرى تعمل قبل التطور الى المحرك المروحي للسوط. وهو خطأ فادح لم يتورط به ميلر ولا غيره من علماء الاحياء المعتبرين.
واصبح من المعلوم ان النظام الافرازي لم يسبق وجود السوط البكتيري من حيث النشأة التاريخية. ومن ثم لا يمكن ان يكون الاصل في تطور السوط. فتاريخياً ان الاخير ربما نشأ منذ بداية الحياة قبل اكثر من ثلاثة مليارات سنة مضت، فيما لم يكن بالامكان ان يظهر النظام الافرازي الا بعدما ظهرت الكائنات الحية ذات الخلايا المتعددة منذ العصر الايدياكاري (الفندي)، اي قبل اقل من 600 مليون سنة وقبل العصر الكامبري بقليل، كما تدل على ذلك وظيفته الطفيلية المعتمدة على وجود الكائنات الحية ذات الخلايا المتعددة من الحيوانات والنباتات التي يحقن فيها السم، في حين لم يكن لها وجود قبل تلك الفترة. لذلك لا يوجد ادنى احتمال بان اصل السوط لا يمكن اختزاله الى النظام الافرازي، وان كان البعض يحتمل العكس، بمعنى ان النظام الافرازي هو ما نتج عن السوط بعد ان فقد جزءاً منه. وسبق لماكناب واخرين ان احتملوا اواخر تسعينات القرن الماضي ان يكون السوط متقدماً تاريخياً على النظام الافرازي الثلاثي وان الاخير مشتق منه. كما رأى بعض قليل انه قد يكون للسوط والنظام الافرازي الثلاثي اصل مشترك أدى الى تطورهما بشكل متوازٍ، مثلما هو الحال مع عالم البكتيريا أيزاوا Aizawa (عام 2001). ومن وجهة نظر خلقوية قد لا تكون العلاقة بينهما علاقة تطورية او علاقة سلف بخلف، بل قد تعبر عن وجود ادوات مشتركة في الاصل لبنائهما، مثل ادوات البراغي التي تصلح للعمل في كل من السيارة والطائرة والدراجة النارية وغيرها. ومثل الترانزسستور الذي يصلح للعمل في عدة اجهزة كهربائية والكترونية كالراديو والتلفاز والحاسوب وغيرها..
وعموماً ان السوط والنظام الافرازي الثلاثي كلاهما معقدان ويحتاجان الى تبسيط وفقاً للمنهج الاختزالي الطبيعاني. كذلك لا ينجح هذا المنهج ما لم يوضح كيف يمكن ملأ فراغات البروتينات الواقعة بين السوط وهذا النظام. وبحسب النموذج الدارويني فانه لو تقدمنا خطوات بسيطة مثل ان تتكون البروتينات واحدة تلو الاخرى، ففي كل خطوة سوف نحصل على وظيفة ما للجزء الحيوي حتى نصل في النهاية الى الوظيفة المعروفة للسوط. لكن ما الذي يضمن ان تكون الاضافة البروتينية تؤدي دائماً الى وظيفة معينة دون انحراف او تشويه او تدمير الجزء الحيوي كلياً؛ شبيه بما هو حاصل في حالة التضخم السرطاني؟ وستتبين صعوبة هذا المسلك للتراكم الكمي الوظيفي عند تناولنا عمل بيهي الجديد ضمن معيار حساب عدد خطوات الترابط.
ما الذي استهدفه بيهي في الصندوق؟
لقد استهدف بيهي في (صندوق داروين الاسود) امرين هامين كالتالي:
الاول: تفنيد الاسس التي قامت عليها الداروينية بصيغتها المعروفة، رغم اعتقاد بيهي بنظرية التطور عموماً، بل ورأى ان الدليل العلمي يدعم بقوة فكرة السلف المشترك، كما تقبّل ما تقوم به الطفرات والانتخاب الطبيعي من تغييرات بسيطة مثلما يحصل في مقاومة الفايروسات والبكتيريا وغيرها للمضادات الحيوية، بل واعترف في دراسات لاحقة ان الطفرة العشوائية والانتخاب الطبيعي يمكنهما تفسير العديد من التغيرات الصغيرة في الحياة، وليس فقط التغيرات في المسالك الاستقلابية غير المرئية مثل مقاومة المضادات في الجرذان او الملاريا، انما ايضاً التغيرات في شكل الحيوانات كالحجوم المختلفة للكلاب وطرز تلون اجنحة الحشرات وغيرها من العمليات التي تؤثر على المفاتيح الجينية. فالطفرة العشوائية لا تعطل هذه المفاتيح فقط؛ بل وتصنع مفاتيح جديدة. ومع ذلك تبقى هذه التغيرات جزئية صغيرة، في حين ان النظم المعقدة شيء اخر مختلف، حيث لا يمكن للطفرات الوراثية والانتخاب الطبيعي ان تصنعها بشكل تدريجي، اذ انها لا تعمل الا عندما تجتمع اجزاؤها الضرورية معاً. لذلك تعجز الداروينية الحديثة عن تفسير النظم الخلوية المعقدة مثل النماذج المعروضة حول هدب الخلية وسوط البكتيريا ونظام المناعة وغيرها، بل وتعجز حتى عن تفسير اصل الالات الجزيئية المعقدة في النظم الحية.
وبعبارة ثانية لا يمانع بيهي من تقبل الافكار الداروينية حول السلف المشترك وما تقوم به الطفرات والانتخاب الطبيعي في بعض الحالات، لكنه يعتبر الطفرات التراكمية الاوسع من تلك التي تتضمن طفرتين لا يمكن ان تحدث عشوائياً، فهي بحاجة الى تدخلات من المصمم. فطفرتان منفصلتان في جينين مختلفين ويعملان سوية هما ما يجعلان الخلية تنمو، وان عمل احداهما بمفردها لا يفعل شيئاً. وهذه الطفرات المتكيفة لا تحدث عشوائياً، وهي مخالفة للانتخاب الطبيعي. وهذا ما جعل عالم الاحياء باري هال يندهش ويعتبر ذلك انتهاكاً لاغلب افتراضات العلماء عن عشوائية الطفرات من حيث تأثيرها في الخلية. ومن ذلك ان طفرتين فقط محددتين يمنحان القدرة على تحليل اللاكتوز في الخلية وليس غيرهما يمكنه فعل ذلك، فأي بديل لهما يسبب اضراراً شديدة جداً.
وما ينتهي اليه بيهي في هذا الصدد هو ان عمل الانتخاب الطبيعي لا بد من ان يأتي متأخراً عن وجود النظام الحيوي المعقد، وان دوره يتحقق في الحفاظ على وظيفة هذا النظام الناشئ. أما النظام ذاته فلا يفسره سوى التصميم الذكي.
وفي الطرف المقابل رأى البعض ان فشل الداروينية في التفسير لا يعني انتصاراً للتصميم، اذ تبقى قاعدة عدم الاختزال حجة سلبية ضد التطور (الدارويني) دون ان تتمكن من اثبات التصميم، اذ ليس بالضرورة ان تكون الحجج ضد التطور صالحة لهذا الاثبات، ومن ثم فهي اختبار للتطور لا التصميم.
وعادة ما يُتهم انصار التصميم الذكي بانهم لا يقدمون حالة علمية ايجابية لهذا التصميم. وقد اعترف بذلك خبير الدفاع عالم الاحياء الدقيقة سكوت مينيتش Scott Minnich في محكمة دوفر رغم انه من دعاة التصميم الذكي ويدعم بيهي في قاعدته حول عدم الاختزال. بل ان البعض اعتبر انه اذا لم يتمكن العلماء من تفسير كيف تطورت النظم الحيوية، فذلك لا يعني انهم سوف لا يتمكنون من شرحها مستقبلاً، كالذي اشار اليه ميلر. او كما قال باديان بان عدم العثور على دليل ليس دليلاً على غيابه.
وكل ذلك جاء على خلاف ما رآه بيهي حول دلالة ما تفضي اليه قاعدة عدم الاختزال كرد على فشل النظرية الداروينية في تفسير النظم الحيوية المعقدة. لكنه مع هذا لا يستبعد احتمال ان يفسر العمل المستقبلي نظماً كيميائية حيوية معقدة بشكل غير قابل للاختزال دون الحاجة الى استدعاء فكرة التصميم.

الثاني: الانتصار للتصميم الذكي واعتبار التعقيد غير القابل للاختزال هو اثبات لهذا التصميم، كما لو كان عبارة عن حالة من حالات التعقيد المحددSpecified Complexity كالذي أكد عليه وليم ديمبسكي في كتابه (حجة التصميم The Design Inference) عام 1998.
ومن وجهة نظر بيهي انه قد كثرت في اواخر القرن العشرين الابحاث الخلوية واصبح من الواضح جداً انها دالة على التصميم، مشيراً الى انه ‹‹بدل ان نجد افواه الاف الباحثين يقولون (لقد وجدتها)، نلاحظ ان هناك صمتاً خجولاً، وان المجتمع العلمي لم يحتضن مثل هذا الاكتشاف الرائع، بل وتعامل معه باشمئزاز››.. لذا حاول ان يفسر هذه الحالة ويعدد الاسباب التي ادت اليها. فقد كان يدرك تماماً بان استنتاج التصميم الذكي هو امر تجريبي لاعتماده على الدليل المادي دون ان يكون له علاقة بالفكرة الدينية، خاصة وانه يعترف بنظرية التطور لكن ليس بمضمونها الدارويني، وانه مع اخرين لا يحددون من الناحية العلمية هوية المصمم وصفاته؛ إن كان خارقاً وخارجاً عن الطبيعة ام انه داخل في صميمها. فكما رأى ان من الممكن ان نتعرف علمياً على التصميم بشكل مستقل عن معرفة المصمم. واوضح في تعليقاته على محكمة دوفر انه ‹‹بداية من (صندوق داروين الأسود) ومروراً بشهادتي في المحكمة (دوفر)، لقد أكدت مراراً وتكراراً أنني أعتقد أن المصمم أو الصانع هو الإله. أيضاً أشرت مراراً وتكراراً إلى أن ذلك الإقرار الشخصي يتجاوز الدليل العلمي وليس جزءاً من برنامجي العلمي››. وسبق لثاكستون عام 1986 ان ابدى مثل هذا المعنى في ورقة بحثه (علم النشأة: قواعد جديدة، وادوات جديدة لمناقشة التطور)، فقد اعتبر ان العلم وان كان بمقدوره اثبات التصميم لكنه ليس كفيلاً بتحديد هوية المصمم، فهو يترك ان كان هناك سبب خارجي ذكي او داخلي مفتوحاً من الناحية العلمية، انما تحديدها يعود الى التفكير الفلسفي او الديني.
وبلا شك ان هذا التفكير هو على خلاف التعميم الذي يشاع حول افكار انصار حركة التصميم الذكي واتهامهم الدائم بالخلقوية وانهم يريدون احلال الدين محل العلم، وانهم اعتبروا سمات، مثل التعقيد غير القابل للاختزال والتعقيد المحددSpecified Complexity، تتطلب معجزة مباشرة متكررة من قبل المصمم، اضافة الى وجود القوانين الطبيعية المصممة، خصوصاً بعد حكم القاضي جونز في محكمة دوفر. ومن ذلك ان دوكينز وصف بيهي بالخلقوي من دون دليل. وكان بيهي يشكو من انه لسوء الحظ، ان محكمة دوفر قد تجاهلت في عدد من المواقف التفرقة بين التطور والداروينية، ذلك ان اعتراضاته منصبة على الداروينية لا التطور. وهو من هذه الناحية لا يعتبر خلقوياً. وهو في آخر ما كتبه عام 2019 أشار الى ان مفهوم التصميم الذكي منفصل من الناحية المنطقية تماماً عن مبدأ السلف المشترك. ففكرة ان جميع الكائنات الحية الموجودة حالياً تنحدر من كائنات اخرى عاشت في الماضي السحيق؛ لا تتقبلها بعض الطوائف الدينية، وهو قد نفى ان يكون منهم سابقاً ولاحقاً، اذ اعتقد بان الادلة الداعمة للاصل المشترك قوية، وليس لديه شك في هذا. كما اشار الى ان مفهوم التصميم الذكي لا يتضمن المعارضة مع ما سبق، فهو ليس مفهوماً حديثاً مرتبطاً بالمعتقدات المذهبية، بل هو فكرة قديمة يمكن ارجاعها الى الوثنيين من اقدم الفلاسفة اليونانيين، لذا لا علاقة له بالسلف المشترك ولا الحفريات او غيرها.
مع هذا اعتبرت حجة بيهي مجرد اعادة لحجة وليام بيلي التي نقضها داروين عبر الانتخاب الطبيعي، سوى ان بيلي كان يحدد هوية المصمم خلافاً لبيهي والكثير من انصار التصميم الذكي الذين رفضوا تحديد هذه الهوية من الناحية العلمية. وقد اتهمت حجته بانها لاهوتية مثيرة للاهتمام لكنها ليست قضية علمية، بل واعتبرت بانها حجة شعبية تدور بين انصار التصميم الذكي، وانه قد تم دحضها في أوراق بحثية خضعت لاستعراض النظراء، ومن ثم رفضها المجتمع العلمي ككل، كالذي قررته محكمة دوفر.
لكن بيهي ردّ على هذه الاتهامات بعد قرار المحكمة كالذي اشرنا اليه من قبل.
معيار عدد خطوات الترابط
منذ عام 2004 وحتى عام 2007 قام بيهي بتطوير قاعدة عدم الاختزال الى معيار ضمني ادق؛ هو عدد خطوات الترابط في قبال التطور بخطوات توسطية بسيطة كما تفترضها النظرية الداروينية. فمفهوم عدد خطوات الترابط يشابه فكرة التعقيد غير القابل للاختزال، فكلاهما يعبران عن ضرورة وجود عوامل متعددة لانتاج شيء ما. لكن فكرة الخطوات تسأل عن عدد الافعال المنفصلة الضرورية لبناء نظام ما، وليس مجرد اجزاء منفصلة كما في قاعدة عدم الاختزال. وهو مفهوم مهم خاصة عندما تكون هناك حاجة لافعال اقل لترتيب الاجزاء بترابط، وبه يمكن تحديد حافة التطور بدقة اعظم مما هو لدى التعقيد غير القابل للاختزال.
وبذلك يكون لدينا ثلاثة معايير مختلفة، فبالاضافة الى ما تفترضه الداروينية من التطور بخطوات توسطية بسيطة، ثمة التعقيد غير القابل للاختزال، كما ثمة معيار عدد خطوات الترابط. واذا كان التعقيد غير القابل للاختزال يتعلق باداة قياس غير دقيقة، فان المعيار الجديد لعدد خطوات الترابط يتميز بالدقة الرياضية، فهو كمسطرة مقسمة الى خطوط لقياس المليمترات.
فخلال الربع الاخير من القرن العشرين تم التوصل الى ان معظم البروتينات في الخلية تعمل كفِرَقٍ يتألف كل منها من ستة بروتينات او اكثر. ومعظم هذه البروتينات نوعية جداً في اختيارها للشريك رغم ان بعضها متعدد النوعية فيكون لديها شركاء ارتباط متنافسون متعددون على سطوح مطابقة او متداخلة.. ولا يجب ان يتطابق شكلا البروتين فحسب، بل ويجب ايضاً ان تكون الخصائص الكيميائية لسطحيهما متكاملة كي يتجاذبا.
ومن الناحية التطبيقية يمكن المقارنة بين قاعدة عدم الاختزال ومعيار خطوات الترابط، فمثلاً لنفترض ان السوط البكتيري يتألف من 30 بروتين، ويمكن تجزئته وفق معيار عدم الاختزال الى قطع من البروتينات المتحدة، ولنفترض انها خمسة، وان كل قطعة يمثل فريقاً متحداً بستة بروتينات مختلفة. لذا فكل ما تبحث فيه قاعدة عدم الاختزال هو كيفية اتحاد هذه القطع الخمس لتكوين السوط، فهل تساعد الطريقة الداروينية على التدرج في الاتحاد قطعة فقطعة ليتم صنع السوط؟
وبحسب قاعدة عدم الاختزال ان التآلف بين هذه القطع الخمس معقد جداً، ولا يمكن للنهج الدارويني ان يتمكن من انتاج سوط باتحاد القطع واحدة تلو الاخرى بالتدريج. لكن هذه القاعدة لا تبحث عن كيفية تشكل القطعة الواحدة المؤلفة من فريق البروتينات، فما هو احتمال ان تتحد ستة بروتينات مختلفة لتكوين فريق متكامل للعمل الوظيفي؟ وهذا ما يحدده معيار عدد خطوات الترابط، رغم انه لا يتعدى قاعدة عدم الاختزال. كل ما في الامر انه اصبح من الممكن قياس هذا الترابط من الناحية الاحتمالية وفقاً لمبدأ فيشر في احتمالات الوراثة الجمهرية.
فكما لوحظ في تجارب فضاء الاشكال الخاصة بربط البروتينات انه لكي يرتبط بروتين ببروتين اخر علينا ان نتوقع ضرورة البحث في عشرات ملايين التسلسلات الطافرة قبل ان نصادف بحسن الحظ تسلسلاً طافراً يلتصق ولو بقوة معتدلة، وحيث ان معدل الطفرة منخفض جداً لذا لا بد من البحث في عدد ضخم من الكائنات قبل ان نقع على ذلك الكائن.
ويعود الاصل في اكتشاف هذه الحقيقة الى اعمال كل من عالم فسيولوجيا النبات فرانك سالزبوري Frank Salisbury وجون ماينارد سمث John Maynard Smith. ففي عام 1969 كتب سالزبوري مقالاً في مجلة الطبيعة بعنوان (الانتخاب الطبيعي وتعقيد الجين)، واظهر في المقال ان التعقيدات الحيوية لا يمكن ان تأتي بفعل غير موجه كالانتخاب الطبيعي، ثم اعقبه بعد سنتين بمقال اخر عنوانه (شكوك حول النظرية التركيبية الحديثة للتطور). وبدءاً من هذا المقال الاخير الى اخر ما صدر عنه من كتب ودراسات اخذ سالزبوري يصرح بوجود مصمم الهي وراء التعقيدات الحيوية باعتبارها تند عن ان تفسر بأي آلية مادية او طبيعية. وعلى اثر مقاله الاول كتب ماينارد سمث عام 1970 خطاباً بعنوان (الانتخاب الطبيعي ومفهوم فضاء البروتين)، وقد تضمن الرد فيه على محاولة سالزبوري في علاج مشكلة البروتين باعتماد مبدأ فيشر في احتمالات الوراثة الجمهرية دون اللجوء الى فكرة التوجيه بمختلف اشكالها. فقد بدأ خطابه في جملته الافتتاحية حول ما اشار اليه سالزبوري من وجود تناقض واضح بين مفهومين أساسيين في البايولوجيا؛ هما الانتخاب الطبيعي وفضاء البروتين Protein Space. في حين لم يجد ماينارد سمث اي تناقض بين المفهومين، بل كانت مقالته تدعم الانتخاب الطبيعي مع تطويره لفكرة فضاء البروتين التي ابدعها سالزبوري.
وبحسب منهج ماينارد سمث انه يمكن للانتخاب الطبيعي ان يصنع بروتينات وظيفية عبر الطفرات اعتماداً على المنطق الاحتمالي لمبدأ فيشر في الوراثة الجمهرية. فوجود فضاء منظم لتسلسلات بروتينات وظيفية متجاورة يسمح بان تعمل بعض الطفرات على تغييرها، ومن ثم يرشح الانتخاب الطبيعي البروتينات العالية التخصص والصالحة للتلائم مع البيئة. ورغم ان معظم تسلسلات الاحماض الامينية لا تشفّر بروتينات وظيفية؛ لكن مع هذا فان بامكان التطور ان يصنع هذه الاخيرة ولو بكميات قليلة جداً. فمع ان احتمال صنعها منخفض للغاية؛ الا اننا نعلم بان العديد منها اليوم هي في الغالب نتاج للتغيرات التدريجية خلال بضعة مليارات من السنين. وقد اقترح مثالاً يتعلق بلعبة الكلمات، لتبسيط ما يحدث من تحول تدريجي في البروتينات الوظيفية، وذلك بتحويل كلمة ذات معنى الى اخرى مثلها عن طريق تغير حرف واحد فواحد بالتدريج حتى يتم تغيير الكلمة الى اخرى ذات معنى. والمثال الذي استخدمه هو تحويل كلمة (WORD) الى كلمة (GENE). واقترح تحقيق ذلك من خلال الخطوات الاربع التالية:
WORD → WORE → GORE → GONE → GENE
واستهدف من هذا التشبيه، الذي طوّره دوكينز فيما بعد، ان يدحض المقالة القائلة ان الانتخاب الطبيعي غير كاف لتطوير جزيئات بروتينية عالية التخصص ومتكيفة وظيفياً، فيما رأى أن الجزيئات الوظيفية ليست متموضعة عشوائياً، بل انها متصلة داخل شبكة (مثل الكلمات في اللعبة)، مما يجعل التنقل بين المتغيرات الوظيفية المختلفة أكثر ملائمة. فعلى الرغم من العدد الفلكي لاحتمالات تركيب الأحماض الأمينية؛ الا انه توجد بنية ناشئة (مشفرة في فضاء البروتين) كافية للتطور التكيفي عن طريق الانتخاب الطبيعي.
هذا ما يراه ماينارد سمث دون ان يبين من الناحية الاحتمالية ان كان ما يقوله يتناسب مع الزمن البايولوجي، فهل يمكن للطفرات العشوائية والانتخاب الطبيعي ان يخلقا بروتينات وظيفية جديدة خلال زمن معقول من الحياة؟ فالامر ليس بهذه السهولة كما سنعرف..
ويلاحظ ايضاً ان ماينارد سمث لم يتطرق الى مشكلة اصل المعلومات التي تضطلع باصطناع البروتينات، وهي الناحية التي تضمنتها مقالة سالزبوري. فقد قدّر الاخير أن الحساء البدائي الافتراضي يحتوي على 10 85 من جزيئات DNA المكررة، ولكي تحصل فرصة للانتخاب الطبيعي ان ينتج جزيء DNA افتراضي قابلاً لأن يشفر إنزيماً أساسياً في مسار التمثيل الغذائي فسيحتاج الى احتمال قدره10-415 . ورغم ان سالزبوري يعترف بان هذه النتيجة هي مجرد تخمينات تقديرية، لكن اساس حجته قائمة على عبثية ان يمكن للانتخاب الطبيعي ان يفعل شيئاً مع مثل هذه الاحتمالات المنخفضة.
لم ينتهِ الجدل الذي بدأ مع ماينارد وسالزبوري ومن بعدهما انصار الداروينية ومعارضيها حول ما اذا كان للطفرات العشوائية والانتخاب الطبيعي ان يفسرا صنع وتطور التعقيدات الحيوية، ام ان ذلك يعود الى فعل التطور الموجّه؟
فلقد تفاءل ماينارد وغيره من التطوريين بقدرة الطفرة الوراثية والانتخاب الطبيعي على خلق البنى المعقدة للبروتينات، مستفيدين في ذلك بما تفعله الطفرة من مقاومة للمضادات الحيوية، ومن ذلك استخدام علماء الوراثة الجمهرية تقنيات جزيئية لهندسة إنزيم بكتيري مع توليفات من مجموعة فرعية صغيرة من الطفرات التي تمنح مقاومة للمضاد الحيوي.
أما من وجهة النظر المخالفة فهو ان ما يحصل من طفرات تتعلق بمقاومة المضادات الحيوية لا تعدو ان تكون بسيطة، ومن ثم قابلة لتفسير ما يفعله الانتخاب الطبيعي من تغييرات صغيرة في البروتين تجعله غير قادر على الارتباط بالمضاد الحيوي ومن ثم تثبط فاعليته، خلافاً لما يجري في صنع البنى المعقدة للبروتينات وغيرها؛ لتضمنها ارتباطات الجينات الوظيفية المعقدة مع بعضها البعض، كالذي كشف عنها عالم الخلية امبروز عام 1982، فقد صرح بانه لا ينبغي النظر الى الطفرات الجينية كأحداث عشوائية تعمل من دون تحكم، ورأى ان من المستبعد للغاية ان تتمكن اقل من خمسة جينات بتشكيل ابسط بنية حيوية جديدة لم تعهد من قبل، فاذا كان احتمال طفرة عشوائية واحدة غير ضارة تقدر بحوالي واحد من ألف، لذا فان تكوين ابسط بنية جديدة من خمس جينات او طفرات عشوائية مؤاتية سيعادل مقداراً ضخماً يقدر بضرب هذه القيمة بنفسها خمس مرات. في حين كشفت دراسات ذبابة الفاكهة ان اعداداً كبيرة من الجينات المترابطة تشارك في تكوين عناصر بنيوية منفصلة، فمثلاً ثمة (30-40) جين مساهم في بنية جناح واحد فقط. وهذا يعني ان احتمال تشكيل هذا الجناح عشوائياً سيحظى بما لا يقل عن قيمة قدرها (10-150). وهو مقدار لا يسعه جميع حوادث الكون منذ نشأته قبل حوالي 14 مليار سنة.
وهذه هي ذات الحجة التي تمسك بها بيهي، والتي انحاز فيها الى نهج سالزبوري في عدم امكانية الطفرات والانتخاب الطبيعي ان يفسرا التعقيدات الحيوية استناداً الى ذات المبادئ التي اعتمدها ماينارد سمث ومن بعده امبروز ومن قبلهما سالزبوري في احتمالات الوراثة الجمهرية.
ففي عام 2004 قدم بيهي والفيزيائي ديفيد سنوك David Snoke ورقة مشتركة بعنوان (محاكاة التطور عن طريق التكرار الجيني لخصائص البروتين التي تتطلب العديد من بقايا الأحماض الأمينية)، وقد ابدى تشككهما في افتراض ان تكون العمليات الداروينية هي المسؤولة عن تطور النظم الكيميائية الحيوية المعقدة، مستعينين في ذلك بما يمكن ان تفعله الطفرة العشوائية والانتخاب الطبيعي في بنية البروتين وفقاً لمنهج فيشر في احتمالات الوراثة الجمهرية، وقد توصلا الى ان احتمال ان تنتج الطفرات المتعددة بروتيناً وظيفياً ومن ثم معلومات وراثية جديدة هو في غاية الضعف ولا يتناسب مع المقادير الزمنية المعقولة للتطور البايولوجي.. ثم بعد ثلاث سنوات قام بيهي بتطوير الفكرة في كتابه (حافة التطور) استناداً الى المنهج ذاته.
فقد جاء في (حافة التطور) ان تقدير احتمال الحصول على مقر رابط لبروتينين عشوائياً هو حوالي 10-20 كائن، وعلى مقرين رابطين لثلاثة بروتينات مختلفة هو 10-40 كائن. والعدد الاخير هو اعظم من ولادة جميع الخلايا منذ نشأة الارض الى يومنا هذا. ومن وجهة نظر بيهي ان ارتباط ثلاثة بروتينات مختلفة نوعياً او اكثر هو مما يتجاوز العمليات الداروينية تماماً. في حين ان اغلبية بروتينات الخلية تعمل في سلاسل معقدة مكونة من 6 او 7 من البروتينات المتحدة.. لذا يصبح التفسير الدارويني في هذه الحالة مستحيلاً. هذا ناهيك عن وجود تركيبات اعقد بدرجة هائلة كما هو حال اهداب الخلية والسوط البكتيري. ففي السوط عشرات الاجزاء البرويتينة المرتبطة، وفي الاهداب مئات الاجزاء.
ورغم ان هذه الحقائق المكتشفة اصبحت واضحة لدى علماء الاحياء؛ لكن العديد من الداروينيين اخذوا يهونون من المشكلة معتبرين التعقيد ليس بالضرورة عقبة في وجه الداروينية. فمنهم من اختلف مع الحسابات الرياضية التي قدّمها بيهي، لكن تبقى الاعداد كبيرة جداً لا يطالها الزمن والحجم السكاني للكائنات الحية، ومن ذلك النقد الذي طرحه الرياضي مايكل لينش Michael Lynch على ورقة بيهي مع سنوك عام 2004، معتمداً على الطفرات المحايدة كمنقذ، وأيده في ذلك الكاتب يوجين كونين Eugene Koonin. ومعلوم ان الطفرة المحايدة تحصل – بحسب الاصطلاح - عندما يكون تأثير الطفرة النافعة او الضارة ضئيلاً جداً بحيث يساوي اقل من واحد على حجم الجمهرة السكانية، لهذا لا يعمل عليها الانتخاب الطبيعي، ولا يكون لها تأثير على البقاء، وقد اعتمدت عليها نظرية التطور المحايد خلال الستينات من القرن العشرين بافتراض ان اغلب الطفرات هي محايدة وليست ضارة، كما انها ليست نافعة. والمهم في نقد لينش انه حاول تقليص الحساب الرياضي وتحويله من حالة افتراض غلبة الطفرات الضارة كما يرى بيهي الى غلبة الطفرات المحايدة. وكان ردّ بيهي هو انه في الحالتين يبقى الحساب كبيراً لا يفيه حجم الجمهرة السكانية والزمن الجيولوجي؛ استناداً الى ان الحاجة الى طفرتين فقط لانتاج مزية جديدة مفيدة ستفضي الى قفزة نوعية يصعب على الآلية الداروينية حلها؛ سواء بمنطق الطفرات المحايدة، او بمنطق الطفرات الضارة، فكيف الحال اذا ما كانت الحاجة تستدعي طفرات اكثر؟!. بل اضاف ناحية اخرى، هي انه كلما زادت التغييرات المطلوبة، ازداد الأمر سوءاً بشكل كبير. وهي مشكلة لا يمكن التغلب عليها من قبل التطور غير الموجّه، فاتلاف الجين لا يتطلب سوى ضربة واحدة قاتلة، ولأن الطفرات الفردية ستظهر بشكل أسرع، فهذا يعني أن نوع الطفرات الضارة والمفيدة التي كشفت عنها الأبحاث الحديثة سوف تنتشر في وميض البرق قبل اكتمال أي ميزة تطورية مفيدة.
كما رأى كيرشنر وجيهارت في كتابهما (معقولية الحياة: حل معضلة داروين) عام 2005 ان اي مدخل يشغّل الجينة المنظمة الرئيسية لنماء العين في ذبابة الفاكهة مثلاً سيشغّل النظام ويبني العين. وهو ما جعل بيهي يرد عليهما وعلى غيرهما من حيث ان الاسئلة التطورية العميقة والاساسية ظلت حتى الان بلا حل من قبل الداروينيين. فظهور الحيوانات متعددة الخلايا وعمليات بنى مستجدة لم يتم شرحها حتى الان. هذا بالاضافة الى عجز فهم كيف نشأت الاجهزة الدقيقة في النظام الخلوي، فالشفرة الوراثية وترجمتها ومفاتيح الجينات المشغلة، مع صناعة البروتينات ومركباتها المعقدة في تكوين البنى الخلوية المختلفة، ما زالت غير مفهومة تماماً، ولا يوجد جواب يحل لغز نشأتها وفهم آليات تشكلها، خاصة وانها منفردة دون ان يكون لها نظير في المادة غير الحية للكون كله.
ويمكن بسط هذا الرد على رأي عالمي الداروينية بول ارلش وريتشارد هولم الذين صرحا بعدم الحاجة الى معرفة تفاصيل تطور جناح الطائر وعنق الزرافة وعين الفقاريات وبناء أعشاش بعض الأسماك وما إلى ذلك، حيث كل البنى المعقدة وغيرها من الأنماط السلوكية يمكن ان تتكون بمثل ما يحدث في حالة الاسوداد الصناعي Industrial melanism.
وبلا شك ان ذلك غير صحيح، ففارق بين ما يفعله الانتخاب الطبيعي من امور بسيطة، وبين ما تفعله ارتباطات الجينات والبروتينات معاً لخلق تكوينات وظيفية معقدة جديدة.
ومن ثم مازالت هذه المشكلة قائمة، حيث لا توجد الية تطورية محكمة يمكنها تفسير النظم الحيوية المعقدة؛ لارتباطها بالمعلومات المعقدة على شاكلة تلك المقاسة بمقياس البت bit كوحدة شانون، مع بعض الاعتبارات المضافة والمتعلقة بالوظيفة الحيوية مما يجعلها اشد تعقيداً، فهي تعبر عن رسائل وظيفية لكل جزء حيوي فعال. فمثلاً ان السوط البكتيري هو جزء صغير يحمل رسائل تتعلق بوظائف محددة تخص البروتينات المترابطة وذات العلاقة بحركة السوط الدورانية. وبالتالي فالمسألة لا تتعلق بالزيادة او النقصان.. فقد تفضي الزيادة او النقصان في البروتينات الى تدمير او تشويه الجزء الحيوي وربما الكائن الحي برمته.. فالرسائل التي تحملها الاجزاء الحيوية دقيقة غير قابلة للتلاعب الا ضمن حدود ضيقة للغاية.
ويمكن التمثيل على ما يمكن ان تفعله الطفرة العشوائية بما يحدث من تحريف للغة التي نتعامل بها - كنصوص لها معان محددة - عند أي زيادة او نقصان او تغيير عشوائي في أحرفها، حيث يؤدي الى تشويهها، وقد يفقدها المعنى بالكامل. فكيف اذا ما كانت رسائل اللغة مزدوجة التشفير كما يستخدمها الجواسيس لإخفاء المعنى السري المطلوب؟! وهذه هي سمة الرسائل المزدوجة كما تستخدمها الجينات لدى وظائفها الحيوية.
لذلك كان منطق الاعتماد على الذكاء هو الافتراض المناسب لتفسير مثل هذه الظواهر اعتماداً على مبدأ الاحتمالات والتبريرات العلمية.
مع هذا نعتبر اقحام الإله في تفسير هذه الظواهر بشكل مباشر كما هو ميل اغلب القائلين بالتصميم الذكي – ولو على نحو الرأي الشخصي لا الطرح العلمي - يعتبر غير صحيح من الناحية العلمية، وذلك لأن هذه الظواهر تخضع للأخطاء عبر الطفرات العشوائية، وهي بذلك لا تختلف عن الصنع البشري؛ باعتباره هو الاخر يخضع للاخطاء رغم قدرته على صنع التصاميم المدهشة.
بمعنى اننا اذا اردنا اختبار تلك التصاميم إن كانت تعود الى البرمجة الإلهية المباشرة ام الى غيرها؛ علينا ان نفحص طبيعتها إن كانت معرضة للاخطاء ام انها مثالية الصنع والتكوين. فالحالة الاخيرة تدل على ان المصمم المباشر ربما يتصف بالإلوهة وإن لم يلزم ذلك بالضرورة، في حين ان الحالة الاولى تبدي ان المصمم لا يمتلك هذه الصفة، وبالتالي يمكن ان نعزوها الى كيان اخر مفترض يناسب تفسير مثل هذه الحالة كأثير الذكاء، خلافاً لما يسلم به غالبية انصار التصميم الذكي.
وبعبارة ثانية، يمكن حسم القضية لصالح التصاميم الضمنية للطبيعة دون مفارقة متعالية تتعلق بالميتافيزيقا الالهية؛ طالما ان هذه التصاميم ناقصة غير مثالية. وهي نقطة تفترض فلسفياً ان العمل المباشر للإله هو عمل مثالي، في حين ان العمل غير المباشر يتقبل الحالتين؛ أي ان يكون مثالياً او ناقصاً من دون ترجيح قبلي.
للبحث صلة..

دور ومكانة اليسار والحركة العمالية والنقابية في تونس، حوار مع الكاتب والناشط النقابي
التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا