كورونا : السيد المهذب - الذي قتل الملايين بدون ان يراق على ارضها قطرة دم واحدة في سنة 2020

هاله ابوليل
2020 / 12 / 3

2020 والسيد المهذب :كورونا

هذه 2020 سنة الانتصارات في هذه السنة فقد شهدنا حرب كسر الاذرع بين سيد البيت الأبيض دونالد ترمب و بين رئيس كوريا الشمالية جونغ أون كينع ,كلاهما يهددان البشرية بضغطة على الزر النووي فجاء كورونا السيد الغير مرئي ليقوم بنفس العملية بدون اراقة قطرة دم واحدة .
المتين المغامر الذي تحدى اقوى دولة بالعالم تلك التي تعتبر نفسها شرطية العالم و تحارب الممالك والمشايخ الديكتاتورية و زعماء دول احادية مثل كوريا الشمالية المنعزلة عن العالم والمنفردة بذاتها .
السيد دونالد ترامب – قدس الله سره لم يعجبه تحدي رئيس كوريا له وخاصة انه وصفه بالرئيس الامريكي الأكثر جنونا فاحتج ترمب مثل الصبي المشاكس , فوصفه بالمتين القصير و هدده بالزر النووي الذي يحمله بحقيبة مرافقة له . كانت تلك التهديدات العلنية و المتراشق بها نوع من المجاكرة السياسية وبها روح من الطرافة الشيطانية الطفولية حتى جاءت كورونا واستلمت تلك المهمة , فالقصير المتين(كينغ) والمجنون (ترمب ) وقفا ليشهدا تدهور قيمة الزر النووي وقيمته ازاء فيروس صغير جدا هادىء بلا صخب وحبّوب لا يرى بالعين المجردة هذا عوضا عن انه فعال جدا اكثر مما سيفعله الزر النووي في حال اطلاقه .
ففي هذه السنة, وبعد التهديدات المثيرة للجدل و التي
اخذت صفحات كاملة من التحليل الساذج , زارتنا كورونا والتي كانت حنونة على بعض النساء اللواتي يعانين من غياب الزوج المتكرر .فجاءت فرصة لهم لحبس الرجال لديهم ومعرفة كم هي الحياة بدونهم افضل وفريق آخر وجدها فرصة ليعرف الرجال القابعين مثل الحريم في البيوت معاناة الزوجات وصخب الابناء ,,هذا عوضا عن اشياء اخرى فعلتها كورونا في البيوت ليس هذا مجال ذكرها ولكننا سنتذكر أن الكمامة التي غطت الوجوه لم تغطي وجه كورونا الذي كشف الكثير من الأشياء الغائبة ,ومنها فعالية التباعد الاجتماعي بين البشر لمعرفة قيمة كل واحد للآخر ,وهذا لم يكن ليحدث ,لولا اقامة السيدة كورونا اللطيفة بيننا في سنة 2020 .
اصبحت الكمامة تغطي وجوه البشر القميئة , واخفت ملامح الشر فيها ,وهم يبدون مثل فئران مرعوبين من فيروس صغير , لا يرى بالعين المجردة.
جاء الفيروس ليخبر البشرية : أن كل انتصاراتكم وهمية علومكم واخباركم تقف حائرة بين من يغسل يده ومن يغسل قلبه.
وطبعا اصبح موت الإنسان مجرد رقم يضاف الى رزنامة تضاف الى سجل الاموات أو صفحة الوفيات في جريدة صفراء .
ملايين من ماتوا اضيفوا لإحصائيات اصبح سبب الموت فيها يقيس سرعة انتشار المرض ,واصبحت قضايا الراي العام ليست محصورة بشخص ,وقع عليه الظلم وصورته الكاميرا ونشرته مواقع الاتصال الجماهيري بل حالة جماعية وبشرية لا تفقه من امرها شيء.
العالم حائر من هذا الفيروس الغريب , ولا يوجد سوى فيلم عالمي كان يتحدث عن وباء مشابه ,فاصبح هذا الفيلم المغمور مرجعية لكل دول العالم للتعاطي مع هذا الفيروس ,وهكذا تحولت حياة الملايين لكومبارس من فيلم مسترجع .
ببساطة ,اصبح موت شخص أو موت ملايين, لم يعد قضية عادلة بل مجرد حالات من موت عادية .
وهذا سبق عالمي يضاف لسنة 2020 لم يكن شائعا في السابق وقد يترتب عليه تعاطي نوع آخر من الحياة .
في هذه السنة تغيرت عادات وتقاليد بالية حفرت لها اخاديد رسمية في حياتنا وكورونا احدث ذلك التغيير , صاروا يتزوجون بدون حفلات صاخبة واموال تستنزف من اجل الغرور البشري واصبح الاموات يدفنون بدون جنازات و ما خسرته البشرية من تعطل اعمالها استفادت منه الحياة بتيسير امورها بدون أي مظاهر خادعة.
أما الفقر والجوع الذي عمّ و غمّ الكثير من الناس لتعطل اعمالهم ,افقد الكثير من اسباب كان يعتقد انها سعادته ليكتشف ان السعادة ليست بالمال.
هناك تعاطف بشري مهول مع من تضرروا وأصبح الجميع تقريبا فقراء ,ولكن المشاعر الحاقدة ضد الاغنياء ,فقدت رغبتها في العدوان , هناك تسامح بشري لم ليكن لولا سنة 2020 وكورونا السيد شديد التهذيب الذي جاء لينتقم بهدوء وبدون اراقة قطرة من دماء بشرية سوى ما نسميه بالموت العادي ,فقد تعددت الأسباب والموت واحد .
فلا قنابل ولا ساق مبتورة ولا اكفان جنود قادمة من جبهات لحروب غير عادلة .فكورونا يصيب الاسياد والعبيد الرؤساء والخدم على حد سواء .
.
فالسيد كورونا , اقام العدل في الأرض بعد أن فقدته لسنوات بل وكان من المعجزات الغير محتملات لحدوثه .
فعليا ,لقد فقدت الرأسمالية ,رأس مالها و الذي هو تغوّل انانية الانسان وشعوره بنفسه و عظمته ,وبالمقابل اطلت وجاهة الاشتراكية و قدرتها على انقاذ البشرية من حيث ظهور حالات تعاطف و مشاركة و تقسيم للطعام والاموال بين المتضررين .
وباء كورونا جاء ليهدم اللذات التي كانت سببا في ظلم الفرد لأخيه لسنوات لنزعته الفردية وأنانيّته المفرطة .
هل كنا بحاجة لوباء مستحدث لكي نعرف كم غرقنا في ذواتنا وتحولنا الى كائنات قميئة مستلبة وعاجزة عن انقاذ البشرية من بابها الواسع وهو التشاركية الجماعية للكلأ والعشب والماء والنار.
هل نحتاج كل فترة لوباء جديد لنظل انظف واكثر رأفة وانسانية
أم اننا سنعود لشريعة الغاب بعد انتهاء الوباء!!!

محمد دوير كاتب وباحث ماركسي في حوار حول دور ومكانة الماركسية واليسار في مصر والعالم
المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير