أخطاء القرآن وأثرها في تحريف ترجماته -ترجمة النرويجي بيرغ نموذجا- الجزء السادس: تحريف أخطاء الالتفات -4-

عبدالإلاه خالي
2020 / 12 / 3

الالتفات عيب قادح يأباه الذوق السليم، سواء في لغتنا العربية أو في باقي اللغات. وقد تطرّقنا في المقالات الثلاثة السابقة لمعنى الالتفات واستعرضنا نمادج من أنواعه الأربعة. وفي هذا المقال نتطرق إلى الالتفات في اللغات الأجنبية، لنرى كيف تعامل الغربيون مع هذه الظاهرة اللغوية.
جانَبَ الصوابَ المفكِّرُ سامي الديب حينما قال: "وَنَجِدُ ظاهرة الالتفات في لغات أخرى، ولكن بشكل محدود جدًّا"[1]. ومجانبتُه الصوابَ تتجلى في إيراده فعل الوجود على المضارعة، وكأنّ الالتفات ما يزال أسلوبا مُنْتَهَجًا في اللغات الأجنبية.
الالتفات بمعناه الإسلامي غير موجود في أي لغة غير لغة القرآن[2]، وما وَردَ في كتابات الغربيين المعاصرين هو أسلوب بياني يحقق الإمتاع اللفظي والعقلي. وهاك -عزيزي القارئ- نظائر منه:
1- محاورة النفس بالخطاب كقولك متحدثا عن نفسك: ( ويحَكَ! ما صنعتَ! وما فعلتَ! ). ومثل هذا كثير في الشعر والنثر، فقد يُجرّد الإنسان أحيانا من نفسه شخصا آخر ويخاطبه بالكلام. ونظيره قول إرنست همنغواي في رائعته "العجوز والبحر":
Aloud he said, “I wish I had the boy.
But you haven’t got the boy, he thought. You have only yourself and you had better work back to the last line now, in the dark´-or-not in the dark, and cut it away and hook up the two reserve coils. .[3
[ وبصوت مرتفع قال: « كنت أتمنى أن يكون الغلام معي. »
« ولكن الغلام ليس معك » فَكَّرَ. « إنك وحدك. والأفضل لك أن تَعْمَلَ إلى آخر حبل يبقى معك، سواء في النور أو في الظلام، فتَقْطَعَه وتُوصِلَ لَفَّتَيْ الاحتياط. » ]
ففي هذا النص وعلى لسان العجوز - شخصيته الرئيسة في الرواية - انتقل همنغواي من المتكلم إلى المخاطب، فبعد أن كان يُعبِّر عن نفسه بضمير المتكلم ( I wish I had ) تحوّل فجأة وصار يتكلم عن نفسه بضمير المخاطب ( you haven’t, You have only, yourself, you had, cut it ).

2- محاورة المخاطَب بضمير الغيبة، ومثله قول الكاتب "أندريه جيد" على لسان أحد شخوص رائعته "اللاأخلاقي" وهو يخاطب سيده:
Pour ce soir, oui, Monsieur mais un autre soir, si Monsieur m’y pousse, peut-être viendrai-je -dir-e à Monsieur que mon père et moi quittons la Morinière. »[4 - »
« - بالنسبة لهذا المساء، نعم يا سيدي، ولكن في مساء آخر إذا دفعني سيدي، قد آتي لأقول له أنّني وأبي سنترك "لامورنيير".»

3- استعمال الصفة مكان الإسم، كقولك: "هذا الرجل بحر في العلوم". ومثله قول الأديب النرويجي "كنوت هامسون" وهو يصف بطل رائعته "واخضرت الأرض":
[en født bærer, en pram gjennem skogene ][5 ]
[ إنّه حَمَّالُ أثقالٍ بالفِطْرَةِ، بَارِجَةٌ لِنَقْلِ الأكداس عَبْرَ الغابات ]

4- الانتقال من الغيبة إلى الخطاب مع احترام ما يقتضيه ظاهر الكلام، كقولك: "يا من هو بحرٌ عَلَمٌ في النقد، حلّلْ نصَّ البُحْتُري فإنك شخص لا ثاني له في هذا اللون الأدبي"؛ فلا التفات في هذا القول لأن العائد على الموصول يصاغ غيبةً، والكلام بعد النداء يصاغ خطابًا. ومِثلهُ ما جاء في رواية "فيرديدوركه" للكاتب البولندي "فِيتولد غومبروفيتش"، حيث انتقل من التكلم إلى الخطاب قائلا:
Gdyż nadszedł moment, kiedy przypadkowo za sprawą Młodziaka (tak, właśnie Mło-dziaka) nadwątliły się okowy stylu, a ja po trosze odzyskałem możność. I wówczas — ruszyłem do ataku na całego. Hajda, hajda, hajda, na styl, na urodę nowoczesnej pensjonarki! »[6
« لأنه جاءت لَحْظَةٌ، حينما صُدْفَةً وبِفَضْلِ الرجل الشَّبَابِي[7] ( نَعَمْ: الشبابي ) ارتَخَت أغْلَالُ الأسلوب، فَاسْتَعَدْتُ قليلا من قدرتي. وَحِينَهَا تَحَرَّكْتُ مُهَاجِمًا بأقصى سرعة. هيّا، هيّا، هيّا، أَطِحْ بالأسلوب! أَطِحْ بجمال التلميذة الحَدِيثَة! »

5- الانتقال من التكلم إلى الغيبة، ونظيره ذلك الانتقال في رواية "كأس من ذهب" للكاتب الأمريكي "جون شتاينبك"، حيث قال على لسان ميرلين:
Yes, you must go, but do not think closely of my words. I may have been trying to impress you with these words. Old men need a certain silent flattery when they have come to distrust that which is spoken. Only remember that Merlin talked with you. [8
« نعم، يجب أن تذهب، ولكن لا تفكر مليا في كلماتي. ربما كنت أحاول أن أؤثر فيك بهذه الكلمات. يحتاج الشيوخ إلى نوع من الإطراء الصامت عندما يصبحون غير واثقين مما يقال. تَذَكّرْ فقط أن ميرلين تحدّثَ معك. »
ففي هذا النص انتقل الكاتب من ضمير التكلم ( كنتُ أحاولُ أن أؤثِّرَ ) إلى ضمير الغيبة ( تَذَكَّرْ فقط أن مرلين تَحَدَّثَ معك )، ولم يقل: ( تذكّر فقط أنني تحدّثتُ معك).

6ـ الانتقال من الماضي إلى المستقبل، كقول "ألبير كامي" في روايته "الطاعون":
[Dans le ciel progressaient de petits nuages blancs et ronds que, tout à l’heure, la montée de la chaleur avalerait d’un coup. »[9
« وكانت سحب صغيرة بيضاء مستديرة تتقدم في السماء، ولن تلبث طويلا حتى تلتهمها الحرارة الصاعدة مرة واحدة. »
ففي هذا النص تحوّل كامي عن الماضي ( progressaient ) إلى المستقبل ( avalerait ).

7- الانتقال من العاقل إلى غير العاقل، ومثله قول "جان بول سارتر" في روايته "الغثيان" متحدثا عن أحد شخوصه:
[Et bien, quand je l’ai entendu monter l’escalier, ça m’a donné un petit coup au cœur, tant c’était rassurant : qu’y a-t-il à craindre d’un monde si regulier ? »[10
« وهكذا، حين سمعته يرتقي السلاليم، أحسست بخفقان خفيف يسري في قلبي، لشدة ما كان ذلك مُطَمْئِنا، فأي شيء يُخشى من عالَمٍ منتظم إلى هذا الحد؟ »
ففي هذا النص تحوّل سارتر من الكلام عن شخص عاقل ( سمِعْتُه يرتقي السلاليم) إلى الكلام عن غير عاقل ( عَالَم منتظِم ) قاصدا الشخصَ ذاتَهُ.

8- استبدال المفرد بالجمع، والجمع بالمفرد، من غير تشويه للمعنى والتركيب؛ فيقول الرجل من باب التفخيم: "فَعَلْنَا كذا" وهو يعني نفسه. ومِثلهُ انتقال الكاتبة الإنجليزية "فِيرجينيا وولف" من ضمير المفرد ( i ) إلى ضمير الجمع ( we ) في قولها:
And, determined to do my duty by her as reader if she would do her duty by me as writer, I turned the page and read ... I am sorry to break off so abruptly. Are there no men present? Do you promise me that behind that red curtain
[over there the figure of Sir Chartres Biron is not concealed? We are all women you assure me? ›› [11

هذه الانتقالات لا تُعدّ التفاتا، بل هي تحولات بلاغية تثير في اللفظ عذوبة وفي البناء رونقا؛ أما الالتفات بمفهومه القرآني فقد رفضه الكتاب والنحاة الغربيون. نعم، وَرَدَ الالتفات[12] في كتابات الأقدمين منهم، لكنه -وعلى قلته- لم يَلْقَ من النّقّاد غير النبذ والاستنكار، فالخطأ يبقى خطأ ولو جاء به الأعلام.
فشكسبير التفت في قوله:
But see where Somerset and Clarence
[comes! [13
إذ كان عليه أن يقول:
« ! But see where Somerset and Clarence come »

والكاتب الأنجليزي "دانييل ديفوي" التفت حينما قال في روايته " Robinson Crusoe":
[But I was not content with this discovery but having now more courage, and consequently more curiosity, I take my man Friday with me»[14
إذ كان عليه أن يقول:
[I took my man Friday with me »[15 »

لقد رفض النقاد الغربيون هذا الالتفات واستهجنه نحويُّوهم، فاللغوي "نيكولاس بيوزي" اعتبر الالتفات « وَهْمًا اخترعه النحويون الذين لم يعرفوا تحليل الجمل المعتادة. على اعتبار أن كل زمن، كل نوع، كل عدد.. يستعمل دائما وفق المقصود منه »[16]. وذهب النحوي "كلود لانشيلوت" إلى أنّ الالتفات « عبثٌ غير مبرَّر لأنه يعطِّل كل القواعد وينزع عنّا الحق في تخطيء أي شخص في أي شيء »[17].

الهوامش:
[1] سامي الديب. الأخطاء اللغوية في القرآن الكريم. طبعة أمازون. 2017. ص 29.
[2] تجدر الإشارة إلى أن كتاب المسيحيين هو الآخر تضمن بعض الالتفاتات، كالتفاته من الغيبة إلى الخطاب في قوله: [ لِيُقَبِّلْنِي بِقُبْلاَتِ فَمِهِ لأَنَّ حُبَّكَ أَطْيَبُ مِنَ الْخَمْرِ. ] ( نشيد الأنشاد 1: 2 ).
[3] Ernest Hemingway. The old man and the sea. Charles scribner’s sons. New York. 1952. P 57
[4] André Gide. l’immoraliste. édition électronique publiée par le groupe "Ebooks libres et gratuits". 2008. P 115
[5] Knut Hamsun. Markens grøde. Gyldendalske boghandel, Nordisk Forlag. 1917. P 13
[6] Witold Gombrowicz. Ferdydurke. Wersja elektroniczna wydana przez "Docer.pl." Strona 52
[7] نسبة للمصدر شباب.
[8] John Steinbeck. Cup of gold. Transworld Publishers. London. P 24
[9] Albert Camus. La peste.Edition électronique par "Ebooks libres et gratuits". Février 2011. P 156
[10] Jean Paul sartre. La nausée. Galimard. 1938. P 13
[11] Virginia Woolf. A Room of One s Own. -print-ed by Lowe and Brydone. London. 1935. P 122
[12] ويسمى في اللغات الأجنبية Enallage وهي كلمة من أصل يوناني تعني الاستبدال أو تبادل الصيغ.
[13] Shakespeare. The Third Part Of King Henry The Sixth: Act 4, Scene 2
[14] Daniel Defoe .Robinson Crusoe. Chapter Twenty. Part of The Puritans’ Home School Curriculum. P 119
(http://www.puritans.net/curriculum/Robinson%20Crusoe.pdf)
[15] وهي الصيغة السليمة التي تبناها أغلب الناشرين الذين طبعوا الكتاب لاحقا. انظرمثلا النسخة الإلكترونية المنشورة من طرف "Planet PDF". الفصل 14. ص 329.
[16] .( Encyclopédie. première edition, 1751. tome 15. p 564. ( article "subjonctif " écrit par Nicolas Beauzée
[17] Claude lancelot. la nouvelle méthode pour apprendre facilement la langue latine. Dixième Edition. Publication de 1709. P 562

المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب في لقاء خاص عن حياته - الجزء الأخير
كيف يدار الاقتصاد بالعالم حوار مع الكاتب والباحث سمير علي الكندي