الشّعوب لا تتعلّم إلّا من جِراحِها الخاصّة.

عزالدين بوغانمي
2020 / 12 / 2

في انقلاب عام 1989 في السودان، نجح حسن الترابي زعيم الإخوان في مخادعة السّودانيين بلُعبة توزيع الأدوار: "اذهب أنت إلى القصر رئيساً. وأذهب أنا إلى السجن حبيساً". حيث ذهب هو إلى "السجن"، وذهب العسكري عمر البشير إلى سدة الحكم رئيساً حليق الذقن، وما أن ركّز حكمه حتّى كشف عن حقيقته الإخوانية، وأخرج صاحبه من الحبس، وشرع الرّجلان في مسيرة عبث شنيعة بالسودان وشعبه. حيث فُرضت قوانين الشريعة في السّودان المعروف بتعدّد ثقافاته ولغاته ودياناته وآدابه. وبدأ النزيف بهجرة النُّخب الثقافية هروباً من القهر والجلد والوصم بالرِّدة ...
بعد ثلاثين عامًا من أسلمة الدّولة والمجتمع. ومن داخل أكبر مخبر لِخوْنجة الأطفال، وُلِد جيل يطالب بالانفتاح الثقافي والعدالة الاجتماعية، وحرية الضمير والمعتقد. بل واهتزت السودان بهدير الشعب ضد "الكيزان" (الإخوان)، كإشارة إلى بالوعة لا تشبع.

وفي الجزائر، ومنذ انطلاق الحراك في 22 فيفري 2019، كان الشعب الجزائري يضغط على عصابة السلطة بيد، وباليد الأخرى كان يحمي الشارع من المتشددين الإسلاميين، مُصِرًٍا على إبعادهم نهائيًّا حتى يظلّ الحراك سلميًّا ونظيفًا. ففي يوم 15 مارس 2019، تمّ طرد عبد الله جاب الله ومجموعته من المسيرة، وأجبره الجزائريون على المغادرة. ولعلّ في ذلك دليل قاطع عن قلقهم من أن تقفز تلك الجماعات على الحراك وتركب موجته، كما حدث في تونس ومصر. وكان طرد رئيس حزب العدالة والتنمية رسالة واضحة لبقيّة المتشدّدين وتحذيرًا لهم من مغبّة التفكير في استخدام الشعب لتكرار مأساة العشريّة السّوداء.

في نهاية التحليل، الشعوب لا تتعلّم إلا من تجاربها الخاصة. ولذلك فإنّ الجماعات التي تستولي على الإسلام، وتستخدمه لقضاء مآربها، أصبحت مرفوضة في الجزائر وفي السّودان، ليس فقط من قبل الدّولة والنّخب، بل أنها سقطت من قلوب الناس وجوارحهم، ولن تعود أبدًا.

انطلقت الموجة الثانية للثورة العربية من الجزائر، فجاء صداها من الخرطوم، ثم بيروت، وبغداد ... ومن المتوقّع وصولها إلى تونس هذا الشّتاء، لِتصحيح أمور كثيرة. وكما أن الجماهير في الجزائر والسّودان تعرّفت على خطر الإسلام السّياسي من خلال رائحة الدّم ومشاهد القتل والتّرويع، واهتدت إلى غلق الباب أمامه حتّى لا يتسلّل إليها من جديد، فإنّ النّاس في تونس بعد التجربة المرّة لحكم النهضة، لن يقبلوا باستمرارها في الحكم. ولا أتوقّع أن تظلّ الأمور على ما هي عليه إلى نهاية العهدة الحالية، سيما وأنّ الشّعب التوّنسي يهبّ للشارع مرّة كلّ عشر سنوات، ليردّ الأمور إلى نصابها.

إضافة إلى الرّفض الشعبي الحاسم للجماعات المتشدّدة على امتداد الساحة العربية، هنالك أيضا عالم مُخادع عنيف، يشعر اليوم بأنّه تعرّض للغِشّ والخديعة على يد جماعات الإخوان.
بعد أحداث سبتمبر 2001، تركزت جهود واشنطن وباريس وبرلين ولندن،،، على تقوية جماعات "الإخوان المسلمين" واستمالتها وتشريكها في الحكم حيثما كان ذلك ممكنًا، بهدف عزل الحركات التكفيرية العُنْفِيّةْ، حيث بادروا بِفتح قنوات مساعدات سياسية ومادية، وتمكين حضور الإخوان في الإعلام الغربي، وتعزيز وصولهم للبرلمانات ودوائر الحكم في بعض البلدان (مصر، الأردن، الكويت، المغرب). ولقد كانت الغاية المستعجلة آنذاك، هي تخفيض منسوب مناهضة الشعوب للسياسات الغربية، خاصّة وقد بدأ، آنذاك، تنفيذ مخطّط تحطيم العراق وتصفية القضية الفلسطينية. وسيتواصل هذا الدّعم حتى بعد اندلاع الثورات مطلع 2011.

بعد كل الخدمات والدّلال الذي تمتّعت به جماعة الإخوان من الغرب، على أساس الاعتدال والتّسامح والوسطيّة، آفْتُضِح أمرها، وتعرّى دورها الحقيقي عندما تلكأت في إعلان موقف واضح وحاسم من تنظيم داعش. إذ صمت بعضها، وأطلق بعضها مواقف غامضة، ونصح آخرون بالتفاوض مع التوحّش. أما أنقرة مقرّ الجماعة الدّولي، فلقد تبيّن للعالم أجمع أنّ الحكومة التركية هي حليف داعش الأول وراعيه. وتجاوبت حركة النهضة مع سياسة أردوغان، فاعتبر قادتها أنّ "الحرب على داعش واجب. ولكن ما يجري فيه تعدّي على المسلمين، وإذلال لهم"! فراشد الغنوشي على سبيل المثال، لا يرى في ما يقوم به تنظيم "داعش" سوى خلاف فكري قابل للتصويب والحوار والترويض !

إنّ تنكّر قوى الإسلام السياسي للشعارات المدنية والديمقراطية التي رفعتها، وجنوحها للاستئثار بالحكم وأسلمة الدولة والمجتمع، ودعم ما سمي الهيئات الشرعية على حساب القوانين المدنية، دفع بعض الخبراء الأمريكان من صُنّاع الرّأي والسّياسات المؤثّرين، إلى الحديث عن "خديعة كبرى". وآخرون يتحدثون عن "ضياع الجهد الأمريكي في تدريب وتسليح فصائل إسلامية سورية، قالت بأنّها معتدلة، ثمّ تحوّلت نحو التشدد والتطرف، والتحقت بتنظيم "داعش".

وبالمختصر، لقد سقط "الرّهان الدّولي" على الإسلام السياسي، مثلما سقط الرهان الشعبي الداخلي.

أعتقد في ذات السّياق، أن المشروع الإخواني سقط استراتيجيا في تونس منذ 2013. ولكنه استمرّ بسبب ضعف القطب الديمقراطي، وليس بسبب قوة حركة النهضة. فكما هو معلوم، مصر هي بلد الثقل الرئيسي. فهي تضمّ ثلث العرب تقريبا. وهي قاطرة المنطقة على الدّوام. ففي زمن عبد الناصر حين تمدد المشروع الوطني، أثّر في العراق وسوريا وفلسطين والجزائر واليمن والسودان... ولاحقا، حين تغيرت مصر، ووقعت اتفاقية كامب ديفيد، رأينا كيف تعمّم التّطبيع، وصار عربيا بالكامل تقريبا.
لذلك فالعمود الفقري للمشروع الإخواني في المنطقة قد انكسر. وحركة النهضة لن تدخل أية مغامرة عنف وهي محاصرة في الداخل وفي الخارج، اللهم ألا إذا كانت قياداتها مجموعة من المجانين. فالدولة المصرية في حرب ضد الإخوان. والمملكة العربية السعودية (قبلة المسلمين) بكل ثقلها العقائدي والمالي ضدّهم. والدولة الجزائرية، جيشها أصبح مختصّ عالميا في محاربتهم. وهو ما انفكّ يتعقّبهم في كلّ مكان. وليبيا بثروتها النفطية الهائلة، لن يسمح لا الغرب ولا الشرق بالسيطرة عليها من قبل جماعات مندمجة بالإرهاب، قد تحوّل العالم برُمته إلى محرقة.
أما تركيا، فعلى خلاف ما يعتقد كثيرون، هي دولة الجسر بين أروبا وآسيا، ودولة البرجوازية التركية ذات المصالح وذات المكانة، ولا تستطيع الرّهان على حزب منبوذ سياسيا، ورئيسه عاجز على تسيير جلسات البرلمان، بل وعاجز حتى على حماية حزبه من التمزّق. أمّا الشقيقة قطر بوصفها شركة نفطيّة كبرى، فيبدو أنّها أصبحت تفضّل علاقة سويّة بالدّولة التونسية، لا بالأحواب.

إلى جانب كلّ هذه الأمور، حركة النهضة فيها تصدّع حقيقي. فيها مشاكل قديمة بين جماعة الداخل وجماعة الخارج، تمّ تأجيل بحثها في 2011، وفي 2012، ثم في 2016، ولم تُحسم بعد. وهنالك مشاكل جديدة نشأت حول السلطة متمثلة في المصالح والمناصب ... الخ
يعني هذه حركة في وضع صعب. ولقد بدأت الإدارة تتحرّر من الخوف. وهذا ما يُفسّر تسرّب معلومات دقيقة وسرية للغاية، تكشف ما يجري في المطبخ الداخلي للحركة. وهو ما يفسّر أيضا الهجوم الشّنيع الذي قادته حركة النهضة على وزارات الداخلية والعدل والدفاع والشؤون الدينية عن طريق كتلتها الفرعيّة، خلال جلسة مناقشة الميزانية الجارية منذ الأسبوع الفائت. والحركة في محيط غير مواتي على الإطلاق. فالمتابع للمشهد السياسي التونسي، يفهم فورا أن النهضة في عزلة سوداء. فهي في خصومة مع رئيس الجمهورية، مع حركة الشعب والتيار، مع اتحاد الشغل، مع اليسار، مع النساء، مع الإعلام، مع وزارات السيادة. وحتى ايديولوجيًّا، يمكن القول بأنها تفسّخت. أي أنّ المصالح والفساد المالي، والعقود الكبيرة، والمناصب، نقلتها من حركة دينية إلى حركة مافيوزية تشتغل على أساس قواعد ومعايير مختلفة.
بناءً عليه، يتعيّن على القوى الوطنية التقدّمية أن تلتحم بالاحتجاجات وتتبنّاها وتنظّمها وتحميها من التخريب ومن الانزلاق إلى العنف. بدل التّنبير وترديد السؤال الأبله: "شكون وراها؟"

حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا