التاريخ المحلي وأهميته :تاريخ كركوك انموذجا

ابراهيم خليل العلاف
2020 / 12 / 1

استاذ التاريخ الحديث المتمرس – جامعة الموصل
اولا شكرا للأخ الاستاذ الدكتور صباح احمد اسماعيل رئيس جامعة كركوك لرعايته النشاطات العلمية والثقافية في الجامعة وشكرا للاخ الاستاذ الدكتور عمر نجم الدين انجه عميد كلية الاداب بجامعة كركوك على كلمته الرائعة وشكرا للأخ الاستاذ الدكتور دلشاد عمر شواني رئيس قسم التاريخ بكلية الآداب – جامعة كركوك على اتاحته هذه الفرصة لي للحديث في موضوع مهم وهو ( التاريخ المحلي ) واعتز بأنني عملت منذ اكثر من ربع قرن للاهتمام بالتاريخ المحلي من خلال الكتابة عن الموصل وما حدث فيها من تطورات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية منذ اواخر القرن التاسع عشر .
وعندما ابتدأت الدراسات العليا في قسم التاريخ بكلية الآداب بجامعة الموصل كان التاريخ المحلي واحدا من دوائر اهتمامنا نحن لجنة الدراسات العليا وكثيرا ما كنت انبه اخواتي واخواني على اهمية التاريخ المحلي واقول لهم اننا يجب ان ننطلق في دراساتنا من مدينتنا الموصل ومن ثم تتسع الدائرة باتجاه العراق فالدول المجاورة والوطن العربي ومن ثم العالم سياسة واقتصادا وثقافة وعلاقات وهكذا كان الحال عندما وضعنا منهجا للدراسات العليا وكانت مادة التاريخ المحلي واحدة من اهتماماتنا .
التاريخ ليس هو تاريخ السياسة والسياسيين بل هو التاريخ الاقتصادي والتاريخ الاجتماعي والتاريخ الثقافي ، واود الاشارة الى انني اشرفت على عدد من رسائل الماجستير واطروحات الدكتوراه في موضوعات التاريخ المحلي واحمد الله ان الدائرة اتسعت ، والاهتمام ازداد واصبح لنا كم كبير من الدراسات التي تتناول التاريخ المحلي.
وحاليا ومنذ بضعة سنوات اقود حملة في الموصل للكتابة عن الارياف والقرى والقصبات والاقضية والنواحي التي تعود الى محافظة نينوى كما قدمت العديد من الحلقات التلفزيونية ضمن برنامجي (موصليات ) من قناة ( الموصلية الفضائية) عن القرى والقصبات والنواحي والاقضية التي تتألف منها محافظة نينوى .
ولم يقف الامر عند هذا الحد بل الفت كتابا عن مؤرخي المدن العراقية وهو الان في طريقه للصدور وقيد الطبع .
التاريخ المحلي او ما يسمى باللغة الانكليزية LOCAL HISTORY واحد من ابرز ما يسمى بالتاريخ الجديد وقد تيسرت لي الفرصة ان ابشر بهذا اللون من الدراسة التاريخية في ندوة اقامتها كلية الآداب بجامعة بغداد عن ترصين البحث التاريخي في العراق يومي 3و4 نيسان 1993 وكان موضوع محاضرتي ايام كان يشرف على الندوة ويوجهها استاذنا الكبير الدكتور صالح احمد العلي ( حاجتنا في العراق الى تاريخ جديد ) ولم يكن التاريخ الجديد الذي اعنيه غير التاريخ المحلي .
والتاريخ المحلي يواجه مشاكل عديدة لعل من ابرزها قلة المصادر وقلة من وثق للحياة المحلية سواء في الجوانب الاجتماعية والعادات والتقاليد ومميزات الشخصية او في الجوانب الاقتصادية من قبيل البيع والشراء والتبادل التجاري واوضاع التجارة والزراعة والصناعة في المدن والارياف والاقضية والقصبات والنواحي في السهول والاهوار والجبال والبادية والهضبات . في الشمال والجنوب في الشرق والغرب . او في الجوانب الثقافية من قبيل حركة الرسم او الصحافة او التعليم او الفنون وهكذا .
اذا نحن امام لون جديد من الوان الكتابة التاريخية ولا اقول اننا سوف لا نجد من كتب في التاريخ المحلي فلدينا والحمد لله عدد من الباحثين والمهتمين ممن كتبوا في تاريخ المحافظات او في تاريخ المدن او في تاريخ القصبات والقرى او حتى في تاريخ الاحياء السكنية وما شاكل ذلك .
فيما يتعلق بكركوك اتذكر اننا وبعد ان انجزنا (موسوعة الموصل الحضارية ) التي صدرت في جامعة الموصل سنة 1992 وصلتني دعوة من محافظة كركوك قبل سنة 2003 للكتابة عن كركوك وكانت ثمة خطة لكتابة التاريخ المحلي لكركوك واسهمت انا في هذا المشروع لكنه تلكأ ومع اننا محظوظين بالنسبة لتاريخ كركوك فلدينا قلة من المؤرخين الذين كتبوا عن كركوك وانا شخصيا كتبت عن كركوك ولي دراسات في هذا المجال لكن الاسهام الحقيقي الفعلي في مجال كتابة تاريخ كركوك هو للمؤرخ الكركوكي الكبير الاستاذ عطا ترزي باشي 1924 – 2016 واسمحوا لي ان اقف قليلا عند مجهوداته فأقول أن عطا ترزي باشي 1924-2016
مؤرخ ، وكاتب ، وباحث ، وشاعر من كركوك ، ابتدأ الكتابة منذ اواسط الاربعينات من القرن الماضي ، وكانت كتاباته الاولى ، كما يقول صديقه ومجايله الاستاذ وحيد الدين بهاء الدين ، تنصرف لمتابعة موضوعات تتعلق بتراث كركوك ، وتاريخها ، ومبانيها ، ومدارسها ، وجوامعها ، وقشلاتها ( المدنية والعسكرية) من قبيل مقالاته عن ( حالة المدارس في كركوك) ، و (عمارات المعارف في كركوك) ، و ( جسر كركوك) ، و ( شركة النفط في كركوك) و ( قشلة كركوك القديمة) .
ولم يقف عطار ترزي باشي عند تلك الموضوعات ، بل اتسع اهتمامه ليتناول موضوعات تتعلق بجغرافية كركوك ، وتركيبتها السكانية ، واوضاع الصحافة والادب والفن فيها ، وقبل فترة خرج علينا بموسوعته الموسومة (شعراء كركوك) وكتابه ( التاريخ الشعري للعمارات والمؤسسات بكركوك) . ويقصد بالتاريخ الشعري هنا التأريخ بحساب الجمل المعروف في العصور الاسلامية .
ان عطا ترزي باشي ، في توثيقه لأصول كركوك وجذورها الضاربة في اعماق التاريخ والحضارة، وباللغتين العربية والتركمانية، يقول الاستاذ وحيد الدين بهاء :((أصيل أصالة كركوك كيانا ووجدانا وزمانا ومكانا ، واقعا وطابعا ، كركوك هذه الحاضرة التاريخية هي موطنه وموطن أبائه ، نبع الهامه ، يستمد منها القوة والقدرة ))، لذلك شغلت ( كركوك) مساحة واسعة في فكر وذهنية وهواجس هذا المؤرخ ، كما شغلت ( الموصل) من قبل فكر وذهنية وهواجس المؤرخ سعيد الديوه جي .
عمل عطا ترزي باشي في الصحافة ، وكتب لها منذ الاربعينات من القرن الماضي . وقد حظيت ( جريدة كركوك) بالقسط الاعظم من مقالاته ودراساته ، فلقد بلغ عدد ما نشره في هذه الجريدة ، على سبيل المثال ، (28) مادة باللغتين العربية والتركمانية . ولم تكن المقالات تقليدية ، وانما كانت متطورة تدعو الى التحديث والتغيير ، وتركز على ضرورة تطوير كركوك وتغيير احوالها العمرانية وجعلها مدينة تليق بتاريخها وارثها الحضاري الموغل في القدم .
بعد ثورة 14 تموز 1958 أصدر في كركوك ، وعدد من زملائه في الاشهر الاولى من الثورة ، جريدة جديدة باسم ( البشير)، وكان الى جانبه كل من حبيب الهرمزي، ومحمد الحاج عزت ،وجاء في ترويستها انها جريدة ادبية ثقافية ناطقة باللغتين العربية والتركمانية . وقد تولى عطار ترزي باشي تحرير القسم التركماني، وصدر العدد الاول من الجريدة في 23 ايلول 1958، وكان صاحب امتيازها ( محمد امين عصري) وسكرتير تحريرها عطا ترزي نفسه، ثم انضم الاستاذ الاديب وحيد الدين بهاء الدين الى هيئة تحريرها وكانت الجريدة تطبع في كركوك، وصدر منها (26) عددا خلال الستة اشهر التي اعقبت الثورة . وأولت الجريدة اهتماما بكركوك وتراثها وتاريخها ، لكنها نشرت مقالات لم ترض السلطة الحاكمة آنذاك، فصدر أمر الحاكم العسكري العام احمد صالح العبدي بأغلاقها . وفوق هذا تعرض رئيس تحريرها عطا ترزي باشي الى الاعتقال ثم اطلق سراحه بعد ذلك .. ويبدو ان التصاقه بهموم بني جلدته التركمان والتعبير عن مشكلات مدينته وشعبه وبلاده كانت وراء المشاكل التي تعرض لها .
مارس عطا ترزي المحاماة ، وتولى رئاسة ( غرفة المحامين) في كركوك التابعة لنقابة المحامين العراقيين فترة من الزمن .
ولد عطا ترزي باشي سنة 1924 ، واكمل دراسته فيها، ثم ذهب الى بغداد ودخل كلية الحقوق ( القانون حاليا) في جامعة بغداد وتخرج فيها .. ولم يمارس المحاماة بعد تخرجه كثيرا بل انغمس في عالم الصحافة والتأليف والبحث في التأريخ والتراث .
كتب الاستاذ نصرت مردان في الحوار المتمدن ( العدد 728) 29 كانون الثاني 2004 مقالا عن عطا ترزي بعنوان: ((عطا ترزي باشي (يوثق) تاريخ الطباعة والصحافة في كركوك 1879 ـ1985)) قال فيه ان الباحث القدير الاستاذ عطا ترزي باشي يعد مؤرخا رائدا، ومما كتبه ، مقالاته ودراساته ومؤلفاته التي وثق فيها لتاريخ الصحافة الكركوكية وبواكيرها الاولى ..
ولعل من اولى مقالاته في هذا المجال مقالته الموسومة : ((الصحافة عندنا)) في صحيفة الشورى يوم 22 تشرين الثاني 1947 ، وفي تموز 1952 كتب سلسلة مقالات عن ((تاريخ الصحافة في كركوك)) في جريدة كركوك . وخلال المدة من 1959 حتى 1963 ، كتب مقالات عديدة عن الصحافة الكركوكية في صحف ومجلات عراقية وعربية من ابرزها مقالته عن: (تاريخ الطباعة في كركوك) نشرتها له مجلة ( الثقافة الجديدة ) البغدادية يوم 1 كانون الاول 1962 و(تاريخ الصحافة في كركوك) نشرتها مجلة المكتبة التي كانت تصدر عن مكتبة المثنى ببغداد ( عدد حزيران 1963) . و( في تاريخ الرقابة على الصحف) التي نشرتها له (مجلة الحديث) السورية سنة 1959 .
كما اهتم عطا ترزي بالشعر والشعراء ، وفي موسوعته (شعراء اربيل في القرون الثلاثة الاخيرة) ، أرخ لسير وقصائد (48) شاعرا تركمانيا منهم الشعراء عبد الله افندي وعبدي ماثل وعبد الله نامي وغريبي يوسف افندي اربيللي ، وعبد الجبار كاني ، وعبد الله غوثي، ويحيى نزهت ، وكمال صفوت ،ومحمد سعد بن محمد سعيد النقشبندي ، وابنه الشيخ علي، وابراهيم حقي حيدر ، ومحمد حمدي، ويونس ناجي، وصنعان احمد، ونسرين اربيل، وجرجيس باغجه جي، وعدنان قصاب اوغلو، ومحمود قصاب اوغلو، وشمس الدين ولي، وعثمان اغا العثماني، وعبد الله ( قاصد)،وحافظ، واغا حاج قاسم دزدار، وخضر محمد، وسداد اربيللي، ومحمد حرابي ،وملا ياسين، واحمد ثريا، وعبد الرزاق اغا .
من كتب عطا ترزي باشي المنشورة ( موسوعة شعراء كركوك) كركوك شاعر لري (10 اجزاء) و (تاريخ الصحافة والمطبوعات في كركوك 1879 ـ1985 ) (كركوده باصين ومطبوعات تاريخي) ، وكتاب(اغاني كركوك ) (خويرات كركوك) ، وكتاب الامثال الشعبية في كركوك (كركوده اسيكر سوزي) وكتاب (الانغام الكركوكلية) ( كركوك هوالري) وكتاب (كركوده عماره وتأسيسلرك، منظوم تاريخلري، ( كركوك ،2005) . وليس من السهولة رصد كل ما كتبه عطا ترزي باشي فذلك يحتاج الى وقت وجهد وتخصص في علم المكتبات لكن جمع ما كتب يظل ضرورة يحتاجها الباحث وعسى ان يتصدى أحد تلامذته أو اصدقائه لهذا المشروع العلمي الكبير والذي نحا فيه عطا ترزي باشي نحو العلماء والمثقفين العراقيين الذين حرصوا على كشف مكنونات تاريخ وتراث بلادهم دون ان يكون لديهم اي هدف اخر فاستحقوا الذكر والتقدير .
لقد كرم الاستاذ عطا ترزي باشي مرات عديدة داخل بلده وخارجه وكان آخر ما كرم به منحه شهادة الدكتوراه الفخرية من( جامعة فوكتور) الاذربيجانية العالمية يوم 8 تشرين الاول 2007 تقديرا لما اسداه من خدمات للثقافة التركمانية خصوصا وللثقافة العراقية عموما .
توفي في كركوك بعد صراع طويل مع المرض يوم 31 آذار -مارت سنة 2016 .رحمة الله عليه وجزي خيرا على ماقدم لوطنه ومدينته .
واخيرا اقول هناك من كتب عن تاريخ كركوك غير الاستاذ عطا باشي ترزي ويقينا اننا بحاجة الى رصد لما كتب ويقينا ان قسم التاريخ بكلية الاداب بجامعة كركوك هو من يجب ان يقوم بعملية الجرد والرصد هذه لسبب بسيط وهو معرفة الثغرات التي تعاني منها الدراسات الكركوكية التي لابد من السعي لكشفها ومن ثم الكتابة عنها واعتقد ان هذه المحاضرة يمكن ان تكون اداة لتحفيز وحث من لديه الرغبة والهمة والارادة لاستكمال الكتابة في تاريخ كركوك القديم والوسيط والحديث والمعاصر .
شكرا لإصغائكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .